الأحد، 30 يوليو، 2017

الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب

الشيخ علي الطنطاوي
نشرت سنة 1987

كلُّ مَن في الوجودِ يَطلُبُ صَيداً ... غيرَ أنّ الشِّبَاكَ مُخْتَلِفاتُ
فمن كان أوسع حيلة وأكمل وسيلة أخذ حظاً أكبر. هذا ما يراه الراؤون، أما العارفون فيعلمون أنه مشهد من تمثيلية، والتمثيلية مكتوبة كلها قبل أن توزَّع أدوارها، والأدوار وُزِّعت على أصحابها لتكتمل بها القصة ويحصل بها المراد، فلا يستطيع ممثل أن يقول غيرَ ما أُعِدّ له، ولا يأخذ أكثرَ مما قُدِّر أن يأخذه. وأستغفر الله، فما أضرب الأمثال من عمل البشر لقَدَرِ الله، ولكن أُقرِّب المسألة إلى أفهام القرّاء.
ما خلق الله حيّاً من الأحياء، إنساناً ولا حيواناً، إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رِزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحاً على كرسيّه ويُمسك قلمه بيده فيُجريه على الورق. ومنهم من وضع الله رِزقَه أمام الفرن أو التّنور ومَنْ رِزقُه في مصنع الثلج، هذا أبداً عند حرارة النار وهذا عند برودة الجليد. ومَن رِزْقُه مع الأولاد الصغار في المدرسة أو العمال الكبار في المصنع، ومَن رِزْقُه وسط لُجَّة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به. ومَن رِزْقُه وسط الصَّخر الصَّلد فهو يكسره ليستخرجه، ومن رزقه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه.
تعددت الأسباب وكَثُرَت الطرق، وكلٌّ إذا نظر إلى مَن هو أشقّ عملاً منه رأى نفسه في خير.
إننا جميعاً في سباق، فما منا إلا مَن يجد أمامه من سبقه ووراءه من تخلّف عنه. كلّ امرئ منّا سابق ومسبوق، فإن كان من رفاق مدرستك وأصدقاء صباك من كان مثلَك فصار فوقَك، فلا تأسَ على نفسك ولا تبكِ حظك، فإن منهم من صرتَ أنت فوقه. فلماذا تنظر إلى الأول ولا تنظر إلى الثاني؟
إن الله هو الذي قسم الأرزاق وكتب لكل نفس رِزقَها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه؛ أي اعملوا، فإن السماء -كما قال عمر العبقري- لا تمطر ذهباً ولا فضّة، ولكن الله يرزق الناسَ بعضَهم من بعض.
لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته؛ أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر، فلمّا ذكر الرزق أقسم بذاته جلّ جلاله فقال: {وَفي السّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون. فَوَرَبِّ السّمَاءِ والأرْضِ إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أنَّكُمْ تَنْطِقُون}.
كلام الله حقٌّ وصدق، ولكنه أقسم عليه تأكيداً له، ثم أكده بمثال ظاهر لا يستطيع أحدٌ أن ينازع أو أن يشكّ فيه. هل تشكّ إذا نطقت أنك أنت الناطق؟ فجاء منا -بعد قول الله، وبعد تأكيده بالقسَم، وبعد تثبيته بالمثال- مَن يشكّ في أن الرزّاق هو الله! نسمع كل يوم قائلاً يقول: "إن فلاناً قطع رزقي". إنّ رزقَك لا يستطيع أحدٌ أن يصرفه عنك ورزقَ غيرك لا يقدر أحدٌ أن يُوصله إليك؛ ما كان لك فسوف يأتيك على ضَعفِك، وما كان لغيرك لن تناله بِقوّتك، رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف.
وربما أعدّت لك زوجتك الطعام ووضعته على سفرتك فلم تأكله لأنه مقسوم لغيرك، وربما وصل الدينار إلى يدك فلم تنتفع به لأنه رزق سواك. حدّثني الشيخ صادق المُجَدّدي رحمة الله عليه، الذي كان من علماء أفغانستان الكبار والذي كان عميد السلك الدبلوماسي في مصر أيام الملكية زمناً طويلاً، أنه كُلِّف يوماً بمهمة رسمية في البلاد الروسية، فخاف أن لا يجد فيها لحماً ذبحه مسلم (ولا يجوز للمسلم أن يأكل ذبيحة شيوعي ملحد لا يؤمن باليوم الآخر) فأمر فذُبحت له دجاجتان كانتا في داره، وطبختهما زوجته ووُضعتا في سُفرة (1) حملها معه لتكون طعامه. فلما وصل وجد في المدينة مسلمين، ودعاه شيخ مسلم يعرفه صالحاً إلى الغداء، فاستحيا أن يحمل الدجاجتين معه. فما استقرّ به المقام حتى جاءته برقية بأن المهمة قد أُلغيت وأن عليه الرجوع إلى أفغانستان، ووجد أسرة مسلمة فقيرة دلّوه عليها فدفع الدجاجتين إليها.
فكأنه ما سافر هذه السَّفرة ولا قطع مسافة ألفَي كيل ولا حمل هذه المشقة إلاّ لأن الدجاجتين اللتين كانتا ملكه، واللتين طبختهما زوجته، لم تكونا رزقه بل كانتا رزق هذه الأسرة المسلمة في الأرض التي ابتُليت بحكم الشيوعيين.
وقرأت مرة للقاضي التَّنوخي ... وإذا كان المؤرخون قد عُنوا بتاريخ القصور وأهلها والمعارك وأبطالها وأهملوا عادات الشعوب وأوضاعهم، فإن القاضي التنوخي طرق في كتابيه العظيمين: «الفرج بعد الشدة» و «نشوار المحاضرة» باباً لم يطرقه إلاّ قليل جداً من المؤرخين، فارجعوا إليهما فاقرؤوهما. وكتابُ «الفرج بعد الشّدة» من أوائل الكتب التي قرأتها في صغري، وأحسب أني أعدت قراءته ثلاثين مرة، وكانت طبعته سقيمة مملوءة بالتطبيعات وبالأغلاط فكنت أصحّح الكثير منها من حفظي أكتبه على هامش الكتاب، حتى قيّض الله لهذين الكتابين أستاذاً عراقياً فاضلاً هو عبود الشالجي، فطبعهما طبعة مصحَّحة مقابَلة على نسخ خطية صحيحة وعلّق عليهما تعليقات نافعة، أهدى إليّ الأولَ ولدي الأستاذ الفاضل زهير الشاويش، ولم أطّلع على الثاني إلى الآن.
قرأت فيه: أن تاجراً في بغداد ضاقت به الحال وقلّ في يده المال وسُدّت في وجهه أبواب الأعمال، فكان إذا أوى إلى فراشه رأى في منامه كأن هاتفاً (2) يهتف به: "إن رزقك في مدينة القَطائع في مصر" ... ويُعيّن له البيت الذي فيه الرزق والحارة التي فيها البيت.
وكان ذلك أيام النزاع بين الموفَّق أخي الخليفة العباسي وأحمد بن طولون الذي استقلّ بمُلك مصر وخرج على الدولة العباسية وبنى مدينة القطائع، وهي بين الفسطاط (مصر القديمة) والقاهرة (التي أُنشئت بعدها) (3)، وأقام فيها مسجدَه الجامع الذي لا يزال باقياً بمنارته. ومنارتُه صورة معدَّلة من منارة مسجد «سُرّ مَن رأى» الذي تكلمت عنه فيه ذكرياتي (4).
فلما تكرّر هذا الهاتف واستمرّ يرى هذه الرؤيا جمع من المال ما استطاع جمعه وسافر إلى مصر، وذهب إلى البيت الذي حُدِّد في المنام فإذا هو دار صاحب الشرطة (مدير الشرطة)، فحسبوه جاسوساً وأمسكوا به، وقرّروه فلم يقرّ بشيء لأنه لا يُخفي شيئاً، فوضعوا رجليه في الفلق (5) وضربوه ليَصلوا إلى إقراره، وهو يقسم لهم أنه لا يعرف شيئاً وإنما هو منام رآه. وقصّ عليهم ما رأى، فقال له صاحب الشرطة: إنك لأحمق؛ أنا أرى من سنين مثل هذا المنام وأسمع قائلاً يقول لي: إنّ رزقك في بغداد في الدار الفلانية في الطريق الفلاني تحت نخلة فيها، فأُعرِضُ عن المنام ولا أهتم به.
وتنبّه الرجل إلى أن الدار التي ذكرها صاحب الشرطة هي دارُه، والنخلة التي عيّنها فيها، فقال لهم: اتركوني فإنني أعود الآن إلى بغداد. وعاد وحفر تحت النخلة واستخرج منها جرّة ممتلئة بالدنانير.


* * *

الرّزق مقسوم، هذا حقٌّ نؤمن به، ولكنْ لا بدّ من اتخاذ الأسباب. وقد ذهب الناس في أمر الأسباب مذهبين كلاهما يحيد عن الصواب ولا يوصل إلى الغاية؛ فمنهم من ظن أنه ما دام الرزق مقسوماً فما عليّ إلاّ أن أقعد وأنتظره، فتركوا العمل واحتجّوا بحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لو توكّلتم على الله حقّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً (أي جائعة) وتعود بِطاناً (أي ممتلئةً بطونُها)» (6) وغفلوا عن أن هذا الحديث حجّة عليهم لا لهم، فالطير ما قعدت في أعشاشها وانتظرت أرزاقها، ولكنها غدت وراحت، وهل تملك الطير إلا الغدوّ والرَّواح؟
ومن غير المسلمين مَن اتّكل على الأسباب وحدها وظن أن النتائج مَنوطة أبداً بها لا تخرج عنها، وغفلوا عن أن وراء الأسباب مُسبِّباً. ولم يتنبّهوا إلى أنه طالما مات الرجل عن ولدين متماثلين صحّةً وشباباً وقوة وذكاء، فاقتسما ماله، وإذا بأحدهما يُفتَح عليه باب رزق لم يكن مُنتظَراً، تأتيه مثلاً وكالة شركة من الشركات الكبرى فلا تمرّ سنوات حتى يصير من كبار أرباب الأموال، ويبقى الثاني على حاله. وقد يكون في الغرفة الواحدة من المستشفى مريضان، مرضُهما واحد وطبيبُهما واحد والدواءُ الذي يأخذانه واحد، وإذا بأحدهما يرجع إلى بيته معافى والثاني يُحمَل ميتاً إلى المقبرة.
ونحن لا نتوكل هذا التوكّل الذي لم يأمر به الإسلام، بل نمشي في مناكب الأرض. نمشي مشياً لا نسعى سعياً، لأن الله قال لنا في مجال الرزق: {فَامْشُوا في مَنَاكِبِها} وقال في مجال العبادة: {فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ}؛ هذا هو الفهم الصحيح لمسألة الرزق.
فإن كنت تاجراً فاعمل دائماً على توسيع تجارتك وعلى تكثير بضاعتك وعلى زيادة دخلك، ولكن لا تغشّ ولا تسرق ولا تحتكر وعامل الناس بما تُحب أن يعاملوك به، ثم ارضَ بما قسم الله لك، فلا تأسَ على ما فاتك أسىً يملأ نفسك حزناً واكتئاباً، ولا تفرَحْ بما آتاك فرحاً يطغيك ويخرجك عما يرضيه عنك. وإن كنت موظفاً فاعمل على أن ترتفع درجتك وأن يزيد مرتّبك، لكن لا تسلك غير طريق الحق ولا تُضِعْ كرامتك ولا تخالف شرع ربك. وإن اعترضتك العقبات فاعمل على تخطي العقبات، وإن عرضَت لك الشدائد فلا تفلّ عزيمتَك الشدائدُ، فرُبّ شدّة أعقبها فرج وضيق جاءت بعده السّعة: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيْراً كَثِيراً}.
حدّث ديل كارنيجي في كتابه النافع الذي سمّاه مترجمه «دع القلق وابدأ الحياة» (وكان أَولى أن يسميه «دع الهمّ» فالذي يتكلم عنه مؤلف الكتاب هو الهمّ لا القلق)، حدّث أنه لما كانت الهجرة إلى غرب أميركا، إلى الأرض البِكر التي لم تُمَسّ خيراتها ولم تستخرَج كنوزها، باع رجل كلَّ ما يملك وأخذ ما جمعه فاشترى به أرضاً في الغرب، طمع أن تكون أرضاً خصبة يستثمرها بزراعتها ويجمع المال من ثمرتها، فلما بلغها رآها مملوءة بالحيّات والثعابين، كلما قتل واحداً منها رأى عشرة، فكاد يفقد من هول الصدمة عقله ويهيم على وجهه مجنوناً أو يعلق حبلاً في شجرة فيشنق به نفسه، ثم قعد يفكر فرأى أن هذه النقمة يمكن أن تنقلب نعمة، لأنه ما في الدنيا شيء إلا وفيه بعض النفع وإن كان فيه كثير من الضرر. فهداه الله بتفكيره إلى أن يجعل الأرض لتربية الحيّات والثعابين يبيع منها للحُواة (أي الذين يربّون الحيّات)، وجاء بخبراء يأخذون جلودها لتصنع منها الحقائب والأحذية للنساء ويستخرجون سُمّها ليكون منه ترياق فيه الدواء بعد أن كان منه الداء، فاغتنى من ذلك. ولولا هذا التفكير لانتحر!
أما المسلم فلا ينتحر أبداً ولا ييأس أبداً، لأنه يعلم أنها مهما سُدَّت من حوله الطرق وتعذّر عليه المسير وحاقت به الشدائد فإن طريق السماء لا يُغلَق أبداً، وإنْ سُدّت الأبواب كلّها فإنّ باب الله مفتوح دائماً، فمُدّوا أيديكم -إذا ضاقت بكم أبواب الرزق أو حاقت بكم المصائب- وقولوا: يا رب!
إن كنت في ضيق تبحث عمّن يُقرضك ألفاً فجاءك شيك بعشرة آلاف، أكنت باقياً على ضيقك؟ هذا صكّ من أكرم الأكرمين يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحتَسِبُ}. فإذا أردتم مخرجاً من ضيقكم فبتقوى الله، وإذا أردتم رزقاً من جهة لا تعرفونها فبتقوى الله، وتقوى الله فيها -من بعد ذلك كله- اطمئنان النفس، واطمئنانُ النفس أعظم نِعَم الحياة.


* * *


ومن أقوى الوسائل اليوم إلى الرزق العلمُ، فإن فاتك قطاره صغيراً فلا تتردد عن اللحاق به كبيراً، فإن العلماء الذين أعرفهم أنا درسوا على كبر فبلغوا في العلم أعلى الذّرى كثير كثير، وربما كتبت يوماً عنهم. منهم من أساتذتنا الشاعر الفحل محمد البِزِم الذي لم يعرفه ولم يطّلع على ديوانه هنا إلاّ القليل من الأدباء، وكنا نعدّه أحد شعراء دمشق الأربعة الكبار وهم خير الدين الزِّرِكْلي وشفيق جَبري وخليل مَرْدَم بك والبِزِم، بلغ العشرين وهو بعيد عن العلم والأدب. بل لقد خبّرني الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) بلسانه أنه قارب الثلاثين ولم يقرأ شيئاً لأبي تمام ولا للبحتري ولا لتلك الطبقة من الشعراء الكبار الذين كانوا يُعرَفون عند الأوّلين بالشعراء الشاميين، وإنما كان عاكفاً على شعراء عصر الانحطاط.
وممّن أعرف رجل صالح يبيع الكتب في مكتبة صغيرة بجوار الجامع الأموي، اضطرته الحاجة إلى إخراج ولده من المدرسة. وكان الولد ذكياً فعكف على كتب المدرسة وحده يقرؤها، فلما كان امتحان الشهادة الابتدائية دخله فنجح فيه، ثم دخل امتحان الكفاية (التي تُدعى شهادة الكفاءة) فنالها، ثم نال الثانوية، ثم دخل الجامعة. وهو في هذه الأحوال كلها لم يَدَع مكتبة أبيه ولم يترك مساعدته، فلما أتم الجامعة ذهب فأتى بالدكتوراة من فرنسا، وكان من خبره أنه قدم المملكة معاقداً (أي متعاقداً) من نحو خمس عشرة سنة فدرّس في كلية التربية فيها.
والدنيا لا تخلو من المصاعب ومن المتاعب:
خُلِقَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدُها ... صَفْواً من الأقذارِ والأكدارِ؟
ومُكلِّفُ الأيامِ ضِدَّ طِباعها ... مُتطَلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ!
فإذا دهمتك مصيبة فلا تقنط ولا تيأس من رحمة الله وابدأ من جديد، فلقد ذكروا في ترجمة يحيى النحوي (وكان أيام الفتح الإسلامي لمصر) أنه رغب في طلب العلم فلم يفلح فيه، فكاد ييأس، واضطجع يفكر فرأى نملة تحاول أن تصعد الجدار، فإذا بلغت ذراعاً أو ذارعين سقطت، فعاودت الصعود ثم سقطت، فعاودت الصعود ... فعدّ عليها أربعين مرة حتى وصلت إلى أعلى الجدار واجتازته! فأخذ من النملة درساً وعاود الجدّ والتحصيل حتى نجح.
وأنا أعرف مما قرأت في الكتب ومما رأيت في الحياة حوادث وحوادث كلها واقع، فيها لمن أراد أن يعتبر عبرة بالغة.
لما كنت أدرّس في ثانويات العراق سنة 1937، من خمسين سنة كاملة، كان عندنا طالب رضيّ الخُلُق متفتح الذهن مستقيم السيرة، أخذ الشهادة الثانوية فدخل الكلية الحربية وتخرج فيها ضابطاً، وترقّى في السلك العسكري حتى بلغ رتبة العقيد، فتبدلت الأحوال في بغداد واضطر إلى التخلي عن رتبته وترك سلكه العسكري، فدخل كلية الحقوق وتخرج فيها وصار محامياً، فاضطر إلى ترك العراق والهجرة منها إلى النمسا، فتعلم اللغة الألمانية ودخل كلية الطب وتخرج فيها بعد سبع سنين طبيباً، وجاء مكة حاجّاً من بضع سنين وزارني وسمعت قصته.


* * *


الرزق مقسوم؛ فما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، ولكن اذكر دائماً أنّ الذي كتب لك هذا الرزق أوجب عليك العمل، وأن التوكل على الله لا يكون بترك الأسباب. والأعرابي الذي ترك ناقته على باب مسجد رسول الله طليقة ودخل عليه، فافتقدها، لقَّنَه الرسول صلى الله عليه وسلم درساً من دروسه النبوية التي تظل إلى يوم القيامة نبراساً لكل من أراد أن يهتدي بها في ظلمة الحياة فقال له: «اعقِلْها وتوكّل» (7).
فالله هو المُعطي وهو المانع، وما يمنع الله أحداً شيئاً إلاّ عوضه بشيء خير له منه، وكم من إخوة عرفناهم رُبّوا في بيت واحد من أمّ واحدة وأب واحد، وكم من رفاق في المدرسة الواحدة بل على المقعد الواحد، صار هذا غنياً وغدا ذلك فقيراً، لأسباب أدركنا بعضها وغاب عنا علم بعض. فليذكر الذي اغتنى أنه كان يمكن أن يكون هو الفقير وأن يحتاج إلى أخيه، فليعامله الآن بما كان يحبّ أن يعامله به. وليذكر الذي يعطي أنه لا يعطي أحداً إلاّ رِزْقَه، كالمعلمين في المدرسة أو الموظفين في الدائرة يُوكّلون أحدهم أن يقبض لهم رواتبهم، فإذا أوصلها إليهم لا يكون قد مَنّ بها عليهم. فالذي يعطي غيره إنما يُوصل إليه رزقه الذي كتبه الله له، ولكنّ الله جعل إيصاله على يديه ليعطيه على ذلك أجراً من هذا الراتب.
وليكن المال عبداً لصاحبه ولا يكن صاحبُ المال عبداً لماله، فقد ورد: «تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الدينار». وما مالك؟ ليس مالك الذي تملكه؛ ولكن لك منه ما أكلت فأفنيتَ، أو لبست فأبْلَيتَ، أو تصدّقتَ فأبقيت.
فيا أيها القراء: إن الرزق مقسوم، والعمل له واجب، والتوكل لا يكون بترك الأسباب، والله هو المعطي وهو المانع.


* * *
______________________________


(1) السّفرة في الأصل زاد المسافر.
(2) الهاتف في الأصل صوت تسمعه ولا ترى صاحبه.
(3) وفي موضع القطائع الآن حيّ السيدة زينب.
(4) انظر مقالة «سُرّ مَن رأى» في كتاب «بغداد»، والحديث عنها أيضاً في الحلقة رقم (101) من الذكريات (مجاهد).
(5) الفَلَق الذي يسميه الناس الفَلَقة أو الفلكة.
(6) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم وصحّحه (مجاهد).
(7) عن أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا رسول الله، أعقلُها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل»، أخرجه الترمذي (مجاهد).


نور وهداية 127 إلى 138

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق