الأحد، 30 يوليو 2017

الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب

الشيخ علي الطنطاوي
نشرت سنة 1987

كلُّ مَن في الوجودِ يَطلُبُ صَيداً ... غيرَ أنّ الشِّبَاكَ مُخْتَلِفاتُ
فمن كان أوسع حيلة وأكمل وسيلة أخذ حظاً أكبر. هذا ما يراه الراؤون، أما العارفون فيعلمون أنه مشهد من تمثيلية، والتمثيلية مكتوبة كلها قبل أن توزَّع أدوارها، والأدوار وُزِّعت على أصحابها لتكتمل بها القصة ويحصل بها المراد، فلا يستطيع ممثل أن يقول غيرَ ما أُعِدّ له، ولا يأخذ أكثرَ مما قُدِّر أن يأخذه. وأستغفر الله، فما أضرب الأمثال من عمل البشر لقَدَرِ الله، ولكن أُقرِّب المسألة إلى أفهام القرّاء.
ما خلق الله حيّاً من الأحياء، إنساناً ولا حيواناً، إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رِزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحاً على كرسيّه ويُمسك قلمه بيده فيُجريه على الورق. ومنهم من وضع الله رِزقَه أمام الفرن أو التّنور ومَنْ رِزقُه في مصنع الثلج، هذا أبداً عند حرارة النار وهذا عند برودة الجليد. ومَن رِزْقُه مع الأولاد الصغار في المدرسة أو العمال الكبار في المصنع، ومَن رِزْقُه وسط لُجَّة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به. ومَن رِزْقُه وسط الصَّخر الصَّلد فهو يكسره ليستخرجه، ومن رزقه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه.
تعددت الأسباب وكَثُرَت الطرق، وكلٌّ إذا نظر إلى مَن هو أشقّ عملاً منه رأى نفسه في خير.
إننا جميعاً في سباق، فما منا إلا مَن يجد أمامه من سبقه ووراءه من تخلّف عنه. كلّ امرئ منّا سابق ومسبوق، فإن كان من رفاق مدرستك وأصدقاء صباك من كان مثلَك فصار فوقَك، فلا تأسَ على نفسك ولا تبكِ حظك، فإن منهم من صرتَ أنت فوقه. فلماذا تنظر إلى الأول ولا تنظر إلى الثاني؟
إن الله هو الذي قسم الأرزاق وكتب لكل نفس رِزقَها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها وكلوا من رزقه؛ أي اعملوا، فإن السماء -كما قال عمر العبقري- لا تمطر ذهباً ولا فضّة، ولكن الله يرزق الناسَ بعضَهم من بعض.
لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته؛ أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر، فلمّا ذكر الرزق أقسم بذاته جلّ جلاله فقال: {وَفي السّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون. فَوَرَبِّ السّمَاءِ والأرْضِ إنّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أنَّكُمْ تَنْطِقُون}.
كلام الله حقٌّ وصدق، ولكنه أقسم عليه تأكيداً له، ثم أكده بمثال ظاهر لا يستطيع أحدٌ أن ينازع أو أن يشكّ فيه. هل تشكّ إذا نطقت أنك أنت الناطق؟ فجاء منا -بعد قول الله، وبعد تأكيده بالقسَم، وبعد تثبيته بالمثال- مَن يشكّ في أن الرزّاق هو الله! نسمع كل يوم قائلاً يقول: "إن فلاناً قطع رزقي". إنّ رزقَك لا يستطيع أحدٌ أن يصرفه عنك ورزقَ غيرك لا يقدر أحدٌ أن يُوصله إليك؛ ما كان لك فسوف يأتيك على ضَعفِك، وما كان لغيرك لن تناله بِقوّتك، رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف.
وربما أعدّت لك زوجتك الطعام ووضعته على سفرتك فلم تأكله لأنه مقسوم لغيرك، وربما وصل الدينار إلى يدك فلم تنتفع به لأنه رزق سواك. حدّثني الشيخ صادق المُجَدّدي رحمة الله عليه، الذي كان من علماء أفغانستان الكبار والذي كان عميد السلك الدبلوماسي في مصر أيام الملكية زمناً طويلاً، أنه كُلِّف يوماً بمهمة رسمية في البلاد الروسية، فخاف أن لا يجد فيها لحماً ذبحه مسلم (ولا يجوز للمسلم أن يأكل ذبيحة شيوعي ملحد لا يؤمن باليوم الآخر) فأمر فذُبحت له دجاجتان كانتا في داره، وطبختهما زوجته ووُضعتا في سُفرة (1) حملها معه لتكون طعامه. فلما وصل وجد في المدينة مسلمين، ودعاه شيخ مسلم يعرفه صالحاً إلى الغداء، فاستحيا أن يحمل الدجاجتين معه. فما استقرّ به المقام حتى جاءته برقية بأن المهمة قد أُلغيت وأن عليه الرجوع إلى أفغانستان، ووجد أسرة مسلمة فقيرة دلّوه عليها فدفع الدجاجتين إليها.
فكأنه ما سافر هذه السَّفرة ولا قطع مسافة ألفَي كيل ولا حمل هذه المشقة إلاّ لأن الدجاجتين اللتين كانتا ملكه، واللتين طبختهما زوجته، لم تكونا رزقه بل كانتا رزق هذه الأسرة المسلمة في الأرض التي ابتُليت بحكم الشيوعيين.
وقرأت مرة للقاضي التَّنوخي ... وإذا كان المؤرخون قد عُنوا بتاريخ القصور وأهلها والمعارك وأبطالها وأهملوا عادات الشعوب وأوضاعهم، فإن القاضي التنوخي طرق في كتابيه العظيمين: «الفرج بعد الشدة» و «نشوار المحاضرة» باباً لم يطرقه إلاّ قليل جداً من المؤرخين، فارجعوا إليهما فاقرؤوهما. وكتابُ «الفرج بعد الشّدة» من أوائل الكتب التي قرأتها في صغري، وأحسب أني أعدت قراءته ثلاثين مرة، وكانت طبعته سقيمة مملوءة بالتطبيعات وبالأغلاط فكنت أصحّح الكثير منها من حفظي أكتبه على هامش الكتاب، حتى قيّض الله لهذين الكتابين أستاذاً عراقياً فاضلاً هو عبود الشالجي، فطبعهما طبعة مصحَّحة مقابَلة على نسخ خطية صحيحة وعلّق عليهما تعليقات نافعة، أهدى إليّ الأولَ ولدي الأستاذ الفاضل زهير الشاويش، ولم أطّلع على الثاني إلى الآن.
قرأت فيه: أن تاجراً في بغداد ضاقت به الحال وقلّ في يده المال وسُدّت في وجهه أبواب الأعمال، فكان إذا أوى إلى فراشه رأى في منامه كأن هاتفاً (2) يهتف به: "إن رزقك في مدينة القَطائع في مصر" ... ويُعيّن له البيت الذي فيه الرزق والحارة التي فيها البيت.
وكان ذلك أيام النزاع بين الموفَّق أخي الخليفة العباسي وأحمد بن طولون الذي استقلّ بمُلك مصر وخرج على الدولة العباسية وبنى مدينة القطائع، وهي بين الفسطاط (مصر القديمة) والقاهرة (التي أُنشئت بعدها) (3)، وأقام فيها مسجدَه الجامع الذي لا يزال باقياً بمنارته. ومنارتُه صورة معدَّلة من منارة مسجد «سُرّ مَن رأى» الذي تكلمت عنه فيه ذكرياتي (4).
فلما تكرّر هذا الهاتف واستمرّ يرى هذه الرؤيا جمع من المال ما استطاع جمعه وسافر إلى مصر، وذهب إلى البيت الذي حُدِّد في المنام فإذا هو دار صاحب الشرطة (مدير الشرطة)، فحسبوه جاسوساً وأمسكوا به، وقرّروه فلم يقرّ بشيء لأنه لا يُخفي شيئاً، فوضعوا رجليه في الفلق (5) وضربوه ليَصلوا إلى إقراره، وهو يقسم لهم أنه لا يعرف شيئاً وإنما هو منام رآه. وقصّ عليهم ما رأى، فقال له صاحب الشرطة: إنك لأحمق؛ أنا أرى من سنين مثل هذا المنام وأسمع قائلاً يقول لي: إنّ رزقك في بغداد في الدار الفلانية في الطريق الفلاني تحت نخلة فيها، فأُعرِضُ عن المنام ولا أهتم به.
وتنبّه الرجل إلى أن الدار التي ذكرها صاحب الشرطة هي دارُه، والنخلة التي عيّنها فيها، فقال لهم: اتركوني فإنني أعود الآن إلى بغداد. وعاد وحفر تحت النخلة واستخرج منها جرّة ممتلئة بالدنانير.


* * *

الرّزق مقسوم، هذا حقٌّ نؤمن به، ولكنْ لا بدّ من اتخاذ الأسباب. وقد ذهب الناس في أمر الأسباب مذهبين كلاهما يحيد عن الصواب ولا يوصل إلى الغاية؛ فمنهم من ظن أنه ما دام الرزق مقسوماً فما عليّ إلاّ أن أقعد وأنتظره، فتركوا العمل واحتجّوا بحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لو توكّلتم على الله حقّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصاً (أي جائعة) وتعود بِطاناً (أي ممتلئةً بطونُها)» (6) وغفلوا عن أن هذا الحديث حجّة عليهم لا لهم، فالطير ما قعدت في أعشاشها وانتظرت أرزاقها، ولكنها غدت وراحت، وهل تملك الطير إلا الغدوّ والرَّواح؟
ومن غير المسلمين مَن اتّكل على الأسباب وحدها وظن أن النتائج مَنوطة أبداً بها لا تخرج عنها، وغفلوا عن أن وراء الأسباب مُسبِّباً. ولم يتنبّهوا إلى أنه طالما مات الرجل عن ولدين متماثلين صحّةً وشباباً وقوة وذكاء، فاقتسما ماله، وإذا بأحدهما يُفتَح عليه باب رزق لم يكن مُنتظَراً، تأتيه مثلاً وكالة شركة من الشركات الكبرى فلا تمرّ سنوات حتى يصير من كبار أرباب الأموال، ويبقى الثاني على حاله. وقد يكون في الغرفة الواحدة من المستشفى مريضان، مرضُهما واحد وطبيبُهما واحد والدواءُ الذي يأخذانه واحد، وإذا بأحدهما يرجع إلى بيته معافى والثاني يُحمَل ميتاً إلى المقبرة.
ونحن لا نتوكل هذا التوكّل الذي لم يأمر به الإسلام، بل نمشي في مناكب الأرض. نمشي مشياً لا نسعى سعياً، لأن الله قال لنا في مجال الرزق: {فَامْشُوا في مَنَاكِبِها} وقال في مجال العبادة: {فَاسْعَوا إلى ذِكْرِ اللهِ}؛ هذا هو الفهم الصحيح لمسألة الرزق.
فإن كنت تاجراً فاعمل دائماً على توسيع تجارتك وعلى تكثير بضاعتك وعلى زيادة دخلك، ولكن لا تغشّ ولا تسرق ولا تحتكر وعامل الناس بما تُحب أن يعاملوك به، ثم ارضَ بما قسم الله لك، فلا تأسَ على ما فاتك أسىً يملأ نفسك حزناً واكتئاباً، ولا تفرَحْ بما آتاك فرحاً يطغيك ويخرجك عما يرضيه عنك. وإن كنت موظفاً فاعمل على أن ترتفع درجتك وأن يزيد مرتّبك، لكن لا تسلك غير طريق الحق ولا تُضِعْ كرامتك ولا تخالف شرع ربك. وإن اعترضتك العقبات فاعمل على تخطي العقبات، وإن عرضَت لك الشدائد فلا تفلّ عزيمتَك الشدائدُ، فرُبّ شدّة أعقبها فرج وضيق جاءت بعده السّعة: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فيهِ خَيْراً كَثِيراً}.
حدّث ديل كارنيجي في كتابه النافع الذي سمّاه مترجمه «دع القلق وابدأ الحياة» (وكان أَولى أن يسميه «دع الهمّ» فالذي يتكلم عنه مؤلف الكتاب هو الهمّ لا القلق)، حدّث أنه لما كانت الهجرة إلى غرب أميركا، إلى الأرض البِكر التي لم تُمَسّ خيراتها ولم تستخرَج كنوزها، باع رجل كلَّ ما يملك وأخذ ما جمعه فاشترى به أرضاً في الغرب، طمع أن تكون أرضاً خصبة يستثمرها بزراعتها ويجمع المال من ثمرتها، فلما بلغها رآها مملوءة بالحيّات والثعابين، كلما قتل واحداً منها رأى عشرة، فكاد يفقد من هول الصدمة عقله ويهيم على وجهه مجنوناً أو يعلق حبلاً في شجرة فيشنق به نفسه، ثم قعد يفكر فرأى أن هذه النقمة يمكن أن تنقلب نعمة، لأنه ما في الدنيا شيء إلا وفيه بعض النفع وإن كان فيه كثير من الضرر. فهداه الله بتفكيره إلى أن يجعل الأرض لتربية الحيّات والثعابين يبيع منها للحُواة (أي الذين يربّون الحيّات)، وجاء بخبراء يأخذون جلودها لتصنع منها الحقائب والأحذية للنساء ويستخرجون سُمّها ليكون منه ترياق فيه الدواء بعد أن كان منه الداء، فاغتنى من ذلك. ولولا هذا التفكير لانتحر!
أما المسلم فلا ينتحر أبداً ولا ييأس أبداً، لأنه يعلم أنها مهما سُدَّت من حوله الطرق وتعذّر عليه المسير وحاقت به الشدائد فإن طريق السماء لا يُغلَق أبداً، وإنْ سُدّت الأبواب كلّها فإنّ باب الله مفتوح دائماً، فمُدّوا أيديكم -إذا ضاقت بكم أبواب الرزق أو حاقت بكم المصائب- وقولوا: يا رب!
إن كنت في ضيق تبحث عمّن يُقرضك ألفاً فجاءك شيك بعشرة آلاف، أكنت باقياً على ضيقك؟ هذا صكّ من أكرم الأكرمين يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحتَسِبُ}. فإذا أردتم مخرجاً من ضيقكم فبتقوى الله، وإذا أردتم رزقاً من جهة لا تعرفونها فبتقوى الله، وتقوى الله فيها -من بعد ذلك كله- اطمئنان النفس، واطمئنانُ النفس أعظم نِعَم الحياة.


* * *


ومن أقوى الوسائل اليوم إلى الرزق العلمُ، فإن فاتك قطاره صغيراً فلا تتردد عن اللحاق به كبيراً، فإن العلماء الذين أعرفهم أنا درسوا على كبر فبلغوا في العلم أعلى الذّرى كثير كثير، وربما كتبت يوماً عنهم. منهم من أساتذتنا الشاعر الفحل محمد البِزِم الذي لم يعرفه ولم يطّلع على ديوانه هنا إلاّ القليل من الأدباء، وكنا نعدّه أحد شعراء دمشق الأربعة الكبار وهم خير الدين الزِّرِكْلي وشفيق جَبري وخليل مَرْدَم بك والبِزِم، بلغ العشرين وهو بعيد عن العلم والأدب. بل لقد خبّرني الشاعر بشارة الخوري (الأخطل الصغير) بلسانه أنه قارب الثلاثين ولم يقرأ شيئاً لأبي تمام ولا للبحتري ولا لتلك الطبقة من الشعراء الكبار الذين كانوا يُعرَفون عند الأوّلين بالشعراء الشاميين، وإنما كان عاكفاً على شعراء عصر الانحطاط.
وممّن أعرف رجل صالح يبيع الكتب في مكتبة صغيرة بجوار الجامع الأموي، اضطرته الحاجة إلى إخراج ولده من المدرسة. وكان الولد ذكياً فعكف على كتب المدرسة وحده يقرؤها، فلما كان امتحان الشهادة الابتدائية دخله فنجح فيه، ثم دخل امتحان الكفاية (التي تُدعى شهادة الكفاءة) فنالها، ثم نال الثانوية، ثم دخل الجامعة. وهو في هذه الأحوال كلها لم يَدَع مكتبة أبيه ولم يترك مساعدته، فلما أتم الجامعة ذهب فأتى بالدكتوراة من فرنسا، وكان من خبره أنه قدم المملكة معاقداً (أي متعاقداً) من نحو خمس عشرة سنة فدرّس في كلية التربية فيها.
والدنيا لا تخلو من المصاعب ومن المتاعب:
خُلِقَتْ على كَدَرٍ وأنت تريدُها ... صَفْواً من الأقذارِ والأكدارِ؟
ومُكلِّفُ الأيامِ ضِدَّ طِباعها ... مُتطَلِّبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ!
فإذا دهمتك مصيبة فلا تقنط ولا تيأس من رحمة الله وابدأ من جديد، فلقد ذكروا في ترجمة يحيى النحوي (وكان أيام الفتح الإسلامي لمصر) أنه رغب في طلب العلم فلم يفلح فيه، فكاد ييأس، واضطجع يفكر فرأى نملة تحاول أن تصعد الجدار، فإذا بلغت ذراعاً أو ذارعين سقطت، فعاودت الصعود ثم سقطت، فعاودت الصعود ... فعدّ عليها أربعين مرة حتى وصلت إلى أعلى الجدار واجتازته! فأخذ من النملة درساً وعاود الجدّ والتحصيل حتى نجح.
وأنا أعرف مما قرأت في الكتب ومما رأيت في الحياة حوادث وحوادث كلها واقع، فيها لمن أراد أن يعتبر عبرة بالغة.
لما كنت أدرّس في ثانويات العراق سنة 1937، من خمسين سنة كاملة، كان عندنا طالب رضيّ الخُلُق متفتح الذهن مستقيم السيرة، أخذ الشهادة الثانوية فدخل الكلية الحربية وتخرج فيها ضابطاً، وترقّى في السلك العسكري حتى بلغ رتبة العقيد، فتبدلت الأحوال في بغداد واضطر إلى التخلي عن رتبته وترك سلكه العسكري، فدخل كلية الحقوق وتخرج فيها وصار محامياً، فاضطر إلى ترك العراق والهجرة منها إلى النمسا، فتعلم اللغة الألمانية ودخل كلية الطب وتخرج فيها بعد سبع سنين طبيباً، وجاء مكة حاجّاً من بضع سنين وزارني وسمعت قصته.


* * *


الرزق مقسوم؛ فما كان لك سوف يأتيك على ضعفك وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، ولكن اذكر دائماً أنّ الذي كتب لك هذا الرزق أوجب عليك العمل، وأن التوكل على الله لا يكون بترك الأسباب. والأعرابي الذي ترك ناقته على باب مسجد رسول الله طليقة ودخل عليه، فافتقدها، لقَّنَه الرسول صلى الله عليه وسلم درساً من دروسه النبوية التي تظل إلى يوم القيامة نبراساً لكل من أراد أن يهتدي بها في ظلمة الحياة فقال له: «اعقِلْها وتوكّل» (7).
فالله هو المُعطي وهو المانع، وما يمنع الله أحداً شيئاً إلاّ عوضه بشيء خير له منه، وكم من إخوة عرفناهم رُبّوا في بيت واحد من أمّ واحدة وأب واحد، وكم من رفاق في المدرسة الواحدة بل على المقعد الواحد، صار هذا غنياً وغدا ذلك فقيراً، لأسباب أدركنا بعضها وغاب عنا علم بعض. فليذكر الذي اغتنى أنه كان يمكن أن يكون هو الفقير وأن يحتاج إلى أخيه، فليعامله الآن بما كان يحبّ أن يعامله به. وليذكر الذي يعطي أنه لا يعطي أحداً إلاّ رِزْقَه، كالمعلمين في المدرسة أو الموظفين في الدائرة يُوكّلون أحدهم أن يقبض لهم رواتبهم، فإذا أوصلها إليهم لا يكون قد مَنّ بها عليهم. فالذي يعطي غيره إنما يُوصل إليه رزقه الذي كتبه الله له، ولكنّ الله جعل إيصاله على يديه ليعطيه على ذلك أجراً من هذا الراتب.
وليكن المال عبداً لصاحبه ولا يكن صاحبُ المال عبداً لماله، فقد ورد: «تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الدينار». وما مالك؟ ليس مالك الذي تملكه؛ ولكن لك منه ما أكلت فأفنيتَ، أو لبست فأبْلَيتَ، أو تصدّقتَ فأبقيت.
فيا أيها القراء: إن الرزق مقسوم، والعمل له واجب، والتوكل لا يكون بترك الأسباب، والله هو المعطي وهو المانع.


* * *
______________________________


(1) السّفرة في الأصل زاد المسافر.
(2) الهاتف في الأصل صوت تسمعه ولا ترى صاحبه.
(3) وفي موضع القطائع الآن حيّ السيدة زينب.
(4) انظر مقالة «سُرّ مَن رأى» في كتاب «بغداد»، والحديث عنها أيضاً في الحلقة رقم (101) من الذكريات (مجاهد).
(5) الفَلَق الذي يسميه الناس الفَلَقة أو الفلكة.
(6) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم وصحّحه (مجاهد).
(7) عن أنس بن مالك أن رجلاً قال: يا رسول الله، أعقلُها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل»، أخرجه الترمذي (مجاهد).


نور وهداية 127 إلى 138

الخميس، 6 يوليو 2017

عليكم باللغة العربية سيدة اللغات


جمادى الآخرة - 1329هـ
يونيه - 1911م
الكاتب: محمود سالم
__________

مقالة لمحمود بك سالم رئيس جماعة الدعوة والإرشاد
(نشرها بمجلة الطلبة المصريين)

{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} (الشعراء: 192-195) (قرآن مبين) أيها الطلبة الأنجاب، أبناء مصر التي شرفها الله فذكرها مرارًا في كتابه الحكيم، عليكم بتعلم (اللغة العربية) لغة أجدادنا الأشراف الصالحين، الذين تركوا أحسن ذكر بين الأمم، وما زال تأثير أعمالهم المفيدة يعم الأقطار بفتوحات الدين الحنيف المستمرة، وانتشار الشريعة المطهرة التي أينما حلت وقوي سلطانها، أحيت طيب المبادئ وسامي الأفكار.

اللغة العربية أقدم اللغات الحية. هي لغة إبراهيم الخليل وزوجته السيدة هاجر المصرية وابنهما إسماعيل صادق الوعد، الذين أكرمهم الله ببناء البيت العتيق؛ ليكون مثابة للناس وأمنًا.

لا شك في أن علماء الآثار يعرفون لغات أخرى أقدم من العربية، ولكن كلها ماتت ودفن ذكرها في القراطيس، وأغلبها اندثر وانمحى من صحيفة الكون إلى يوم البعث حين يخرج أهلها من الأجداث كأنهم جراد منتشر. 
وجدت حديثًا أبنية شاهقة أسستها أمم راقية في أساليب العمران محفورة كتابات غريبة على جدرانها الآئلة إلى السقوط وسط الصحاري أو في أحضان الجبال. 
ولما قرئت أخيرًا تلك الكتابات العجيبة علم أنها تقرب من زمن عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، وأنها بلغة عربية متينة تكاد ألفاظها وتراكيبها وقواعدها تكون كلها من مستعملات لغتنا الفصحى الحالية. 
وهذا ما أدهش العلماء، حتى إنهم وصفوا لغة القرآن المجيد باللغة التي ليس لها طفولة وشيخوخة؛ لأنها من يوم عرفت وهي كالغادة الحسناء في حلل الشباب والعافية، كأنها من الأبكار العرب الأتراب لأصحاب اليمين.

ومما ننقله في هذا الموضوع، ما ذكره في شأن لسان العرب العلامة أرنست رينان ذاك المستشرق الطائر الصيت، الذي فاقت شهرته الأقران في كتاب (تاريخ اللغات السامية) حيث قال:
من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمة من الرحل. 
تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها. 
وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغيير يذكر، حتى إنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة. 
لا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى. 
ولا نعلم شبيهًا لهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدريج، وبقيت حافظة لكيانها خالصة من كل شائبة.
تجد اللغة الفرنسية لا يفهم كلام كتابها وشعرائها الذين ماتوا قبل ثلاث مائة سنة إلا من مهر في حل الطلاسم. 
وكذلك اللغة الإنكليزية وباقي لغات أوربة التي تتباهى الآن وتتيه فخرًا وإعجابًا. 
وكل تلك اللغات الحديثة في تغيير مستمر وتبديل مستديم. 
فبون بعيد بين لغة (موليير) مثلاً ولغة (زولا) عند الفرنسيس. 
وبون أبعد بين لغة (ملنن) ولغة (روسكن) عند الإنجليز.
أما أمة العرب التي كرمها الله ورفع شأنها باصطفاء عبده الأكرم من بين أشراف أشرافها؛ ليكون خاتم النبيين، فقد جعلت لغتها آلة تحمل شريعتها التي ستدوم ما دامت الأفلاك؛ إذ لا نبي بعده ولا دين بعد هذا الدين. 
فاكتسبت تلك اللغة المشرفة بين لهجات البشر مركزًا لا يباريها فيه لسان، من وقت أن صارت منطق الملائكة أنفسهم في السماء، وامتزجت بالكتاب المجيد امتزاج الروح بالجسد.
وقد أوتيت الأمة العربية أرقى هبات البلاغة، وأجمل صفات الفصاحة؛ لتتهيأ لقبول تلك المعجزة الباقية المستمرة ما دامت الصحف والكتب. 
تلك المعجزة التي ظهرت على يد نبي أمي لا يعرف قراءة ولا كتابة، وكانت لأئمة البيان والكلام حدًّا يقف أمامه العاقل باحترام، ويبهت أمامه المعاند بخذلان.
(وصفت العرب من قديم الزمان بالبيان والبلاغة، وقد استقصى العلماء شعراءهم، فوجدوهم يربون على شعراء سائر الأمم الأخرى مجتمعة؛ لأن الشعر سليقة عند العرب، حتى لتجد رعاة الإبل يقصدون القصائد ارتجالاً) .
لسان العرب له الاحترام الأكبر عند فحول علماء الأمم الأجنبية، فإنهم عرفوا مكانته فوصفوه بأعلى الصفات، وبذلك ارتفع قدر الأمة العربية نفسها عند من يقدر الأشياء حق قدرها.

قال القسيس الإنجليزي س. م. تزويمر وهو من كبار البروتستانت في كتابه
المشهور (جزيرة العرب. مهد الإسلام):
(يوجد لسانان لهما النصيب الأوفر في ميدان الاستعمار المادي ومجال الدعوة إلى الله وهما: الإنجليزي والعربي، وهما الآن في مسابقة وعناد لا نهاية لهما؛ لفتح القارة السوداء مستودع النفوذ والمال، يريد أن يلتهم كل منهما الآخر، وهما المعضدان للقوتين المتنافستين في طلب السيادة على العالم البشري. أعني النصرانية والإسلام).

وقال إنجليزي آخر وهو القسيس الشهير جورج بوست:
(لغة العرب تفوق كل لغة في الانتشار إذا نظرنا إلى اتساع الأقطار التي لها فيها سلطان. 
وهي تفوق أيضًا كل لغة إذا نظرنا على التأثير في مستقبل الأعمال البشرية، ولا نستثني من كل تلك اللغات إلا لغتنا الإنجليزية).

وقال أحد علماء الإنجليز المتمكنين من علوم العرب، يصف لسانهم نقلاً عن كتاب (تزويمر) المذكور آنفًا:
(إنه خالص من شوائب الدخيل، غني بنفسه عن غيره. 
وفيه مقدرة عجيبة على إيضاح المعاني وإظهار الأفكار، ومفرداته لا تحصى ولا تعد، وقواعده النحوية في غاية المتانة، وبالاختصار به يسهل عرض الموضوعات الدينية والفلسفية والعلمية، بطريقة لا تفوقها لغة إلا الإنجليزية وبعض لغات أخرى قليلة رقاها الدين النصراني في أوربا الوسطى).

ولنستشهد بكلمة لأحد الفلاسفة الظرفاء، أراد مدح المعارف الدنيوية عند أهل أوربا والصنائع اليدوية في الشرق الأقصى، فقال:
(استوى الكمال على ثلاثة أشياء: مخ الإفرنج، وأيدي أهل الصين، ولسان العرب).


حقًّا ليس للغة العرب مثيل في كمالها إذا قارناها بأخواتها، فإن قلنا: إن (العبرية) لغة مقدسة عند أهل التوراة والإنجيل، فالعربية بالقرآن أقدس. 
وبجانب فرد واحد يقرأ التوراة باحترام وتجلة، نجد مائة مسلم يتلون الكتاب المجيد حق تلاوته باحترام أعظم وإجلال أظهر. 
وإن قلنا: إن (اللاتيني) لسان العبادة في الكنائس الكاثوليكية، فلسان الإسلام أعم في مساجد المشرقين والمغربين بين أهل التوحيد جميعًا، والصلاة به متواصلة تواصل ساعات الزمن. 
ألا ترى المؤذن يدعو المؤمنين إلى صلاة الفجر في جزر الفيلبين في أقصى الشرق باللسان العربي المبين، فتتبع تكبيراته تكبيرات المئات والألوف من أهلها، يتردد صداها من مئذنة إلى مئذنة، ومن جبل إلى جبل، ومن واد إلى واد. 
فإذا قضيت صلاته في تلك الجزر، تنقل الأذان منها إلى غيرها، تنقل الفجر في مطالعه فسمعته في الصين وسيبيريا، ثم في الهند وفارس، ثم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، والقدس الشريف والقسطنطينية المحمية، ثم في مصر المحروسة بحماية الله، ثم في تونس الخضراء، ثم في الجزائر والسودان، ثم في المغرب الأقصى، ثم يصل هذا الصوت الرخيم إلى الأوقيانوس حتى شواطئ الأمريكان في أقصى الغرب، فهكذا كلما طلع الفجر وبزغ النور قام الناس للصلاة والفلاح؛ لعبادة الخلاق العظيم الذي يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا.

مع دوران الشمس تسمع أمواج الأذان كأمواج البحر المتلاطم، تطرد الموجة
الشرقية أختها الغربية لتوقظ العباد الصالحين من نومهم العميق، فلا تفوت لحظة
من الزمن إلا وفيها لله عبادة وللقرآن ترتيل.

فإن قيل: إن اليونانية القديمة ثم اللاتينية ثم الإنكليزية أو الألمانية وكانت وما زالت آلات ومبادلة الأفكار بين الإفرنج، فإن لساننا العربي كذلك آلة كاملة
لمبادلة الأفكار والعلوم بين المسلمين في آسيا وأفريقيا وجهات أخرى كثيرة.
وإن قيل: إن لغة الفرنسيس لغة أهل السياسة في أوربا، أجبنا أن لغة العرب رابطة أقوى منها في مثل هذه الشؤون الاجتماعية؛ لأن الأمم الإسلامية جمعاء مرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا بواسطتها، فالعالم المسكوبي مثلاً يعرف بها شؤون أهل رأس الرجا الصالح ثم يرشد أهل وطنه. 
والعالم البوسنوي يعرف بها أحوال القطر المصري وينبه أبناء جنسه. 
والعالم الجاوي يتناول بذلك اللسان العام الجامع معلوماته عن أحوال القسطنطينية والقوقاز وفارس، وهكذا تتبادل الأفكار المفيدة.

لغة الكتاب العزيز تنشر في أنحاء المسكونة العلوم الأدبية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والشرعية وغيرها. 
فهي الرابطة القوية والعروة الوثقى التي لا انفصام لها. 
بها تتقارب الأجناس المختلفة وتتشابه الأضداد بالتدريج في الأحكام والأخلاق والمبادئ، وبها تتساوى الناس في معرفة الشريعة الغراء، لا فرق في ذلك بين السود والبيض، والصفر والحمر. 
فهي أقوى رابطة (بروح القرآن وفي ظله) وتفوق متانة كل روابط الجنسية والوطنية وغيرها.

اللغة العربية لها الفضل على أكثر اللغات الجديدة في مشارق الأرض ومغاربها، فلو أخرجت من قواميس الأسبانيول والبرتغيز وسكان أمريكا الجنوبية والوسطى مثلاً جميع المفردات العربية، والحلى التي اكتسبتها رطانتهم من العرب، لما عرفت تلك الأمم أن تبدي فكرًا ساميًا، ولتاهت في مجاهل العي والبكم، ولعجزت الآن أن تتباهى بشعرائها وأدبائها.
وأين تكون لغة الفرنسيس أنفسهم لو جردناها من كل ما يزينها من مختلفات فصحاء الحجاز.
فما بالك باللغات الإسلامية مثل الفارسية والتركية والهندوستانية والجاوية والملايو، وغيرها من ألسنة السودان والتتار والبربر وإخوانهم. 
حقًّا لو أخرجنا المفردات العربية التي في تلك اللغات - كما يطلب ذلك بعض المتفرنجين من كتابها- لبقيت كهيكل الميت. عظامًا مفككة لا حياة فيها.


لغة العرب هي لغة المستقبل؛ لأن النبي العربي هو خاتم النبيين، فشريعته باقية إلى يوم القيامة (كما قدمنا) ، والقرآن الكريم حامل تلك الشريعة المطهرة هو السبب في بقاء اللغة العربية حية بين الشعوب؛ لأنهم لا يفهمون دينهم على وجهه
الصحيح من هذا الكتاب الكريم الأبها. 
فلذلك تموت جميع اللغات الأخرى أيًّا كانت وتبقى لغة العرب في بهائها وجمالها. 
وقد أجاد أحد علماء الإفرنج المشهورين بعلومهم الواسعة، إذ كتب قصة خيالية، فرض فيها سياحًا في أجواف الأرض تحت قعر البحر العميق وجعل هؤلاء السياح يخترقون طبقات القرى الأرضية حتى وصلوا إلى وسطها أو ما يقرب من ذلك , ولما أرادوا الرجوع إلى وطنهم فكروا في ترك أثر يحفظ ذكرهم إلى أبد الآبدين، إذا وصلت علماء الأجيال المستقبلة إلى محط رحالهم، فاتفقوا فيما بينهم أن ينقشوا على الصخور كتابة باللغة (العربية) ، هذا ولما سئل جول فرن كاتب هذه القصة، عن سبب اختياره تلك اللغة العربية.
قال: إنها لغة المستقبل ولا شك في أن يموت غيرها وتبقى هي حية حتى يرفع
القرآن نفسه، فتأمل أيها القارئ اللبيب، واعلم أن طعن الطاعنين في لغة أجدادك
الأماجد ثرثرة لا يعتد بها.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر: 9).
اعتاد بعض المتفلسفين من أمد بعيد الطعن في لساننا العربي الفصيح؛ لأغراض في النفس، ومنشأ هذه الأغراض: 
إما تعصب ديني طائش السهم، وإما الجشع الاستعماري الذي يعمي ويصم، فقامت في زمننا حرب عوان بين علماء الإفرنج المستشرقين؛ سببها اختلافهم في الحكم عن لغتنا باستطاعتها أو عدم استطاعتها التعبير عن الأفكار الدقيقة وتدوين العلوم المنعوتة بالحديثة، ففريق نصرها وفريق خذلها. 
فأما الناصرون لها فقد مر عليكم شيء من أقوال بعضهم، وأما الخاذلون فمنهم من رماها بالفقر المدقع في مادة التعبير، والعي المعجز عن تأدية الغرض من اللغات، وهذا ظاهر بهتانه. 
ومنهم من اعترف لها بالغنى، ولكن زعم أن غناها مفرط زاد عن الحد، وشبه أهلها برجل كثر ماله كثرة لا حد لها، فعجز عن حصره وتدبيره وفاته الانتفاع به.

هذا بعض ما رميت به لغتنا، فيجب علينا معشر المصريين أن ننهض بالعلوم القوية وبالفنون الأدبية، حتى لا يجرؤ عاقل بعد الآن إلى الحكم على لساننا المبين إلا بعد أخذ رأينا، ولا يصح أن تعطى الفتاوى الطويلة العريضة من الأجانب في أمور العربية، ونحن أحياء نرزق من غير أن يكون لنا صوت مسموع.

لا شك أن أول واجب علينا أن نعتني بلغتنا الجميلة، وأن نتفانى في حبها وخدمتها كما فعل من سبقنا في العصور الماضية من أهل الفضل والإحسان الذين تغلبوا على الشهوات، وصرفوا الأموال، وسهروا الليالي، وجابوا البلاد في التماس حرف من حروفها جهلوه، فاستفادوا وأفادوا. 
وأنتم أيها الطلبة الأفاضل، سيكون لكم شأن عظيم في القريب العاجل، فاستعدوا لذلك قبل أن تفوت الفرص.
لغتنا سلاحنا الماضي البتار في جهاد هذه الحياة، ودرع النجاة. 
فبها نحيي علوم أجدادنا الواسعة الدائرة، ونظهر كنوزهم الثمينة المدفونة في مكاتب الصين والهند والسودان، وفي أوربا خصوصًا أسبانيا والقسطنطينية، ولو لم نستخرج إلا الألفاظ الاصطلاحية العديدة التي نسيت ونحن في حاجة إليها لكفانا. 
فإن العلوم لا تفهم ولا تنشر إلا بالأسماء، وما دمنا نستعمل ألفاظًا أجنبية، فإننا لا نقدر على تعليم عامة الأمة إلا بكل صعوبة، وإن تعلمنا نحن بعد الجهد الجهيد من كتب الأجانب.
أسماء الحيوان والنبات والجماد موجود أغلبها في العربية والاصطلاحات الطبية الفلكية والفلسفية، موجودة كذلك في كتبنا، ومن الجهل أن ندعي أنها لا توجد، وكذلك مصطلحات باقي العلوم والفنون المدفونة في بطون السطور التي تركها لنا آباؤنا الأولون. 
فلا ضرورة تلجئنا لِليّ الألسنة بمعجرفات مستهجنة كما يفعل بعض المتفيهقين الثرثارين؛ في التعبير عن مصطلحات موجودة نظائرها في كتبنا.

ولا مانع من تعريب الكلمات الأعجمية الدالة على المسميات المستحدثة أو استعمالها على عجميتها عند الضرورة، كما أدخلت اصطلاحات عربية كثيرة في قواميس الشعوب الإفرنجية وغيرها.
ومن يدعي من أهل العجمة أن سيدة اللغات فقيرة، فليفتح عينيه، فإنه يجد في نفس رطانته ألفاظًا فنية متعددة أصلها عربي، وليرجع إلى الحق إن كان من أهله {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج:
46)
***
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً} (الفرقان: 53) لمصر مقام خطير بين الشعوب الإسلامية؛ لمكانها من ملتقى الأبحر، ولترقيها العلمي العظيم من يوم أن أيقظ محمد علي الكبير أذهان أهلها، وأنشأ بينهم المطابع التي كانت ينبوعًا صافيًا رويت بفيضه جميع الأقطار. وأزهرها المنيف له الفضل على أغلب طلاب العلوم الشرعية المنتشرين في أنحاء المسكونة فهذه (الجامعة الإسلامية) كالشمس الباهرة، يستضيء بها عباد الله المخلصون.
وتأثير مصر يزداد يومًا فيومًا في القاطنين بالأراضي المطهرة، سواء أهل مكة والمدينة أو البقاع التي بارك الله حولها، ومنها ينتقل ذكر مصر المحبوبة إلى باقي أوطان المسلمين في المشارق والمغارب.

وظيفة مصر الأدبية ستزداد أهمية في المستقبل؛ لأنها وسط عالمين إسلاميين كبيرين: 
هما العالم الأسيوي والعالم الأفريقي اللذان يريدان أن يتعانقا باشتياق عظيم
ويتحابا.
ولا يخفى أن مصرنا هي القنطرة التي تصل بين الحبيب وحبيبه، وأن لها مزايا كبيرة في هذا الشأن عند أهل الذكر.
ومن جهة أخرى، فإن قطرنا المبارك سيتخذ كوصلة تربط العالم الإفرنجي ذا المعارف المنعشة والفنون الجميلة بأمم عديدة، جمدت على ما وجدت عليها آباءها من أسباب الفوضى والانحلال.

وها هي (الجامعة المصرية) أول خطوة في ذلك الطريق السلطاني الجديد.
فماذا نعمل في وظيفتنا هذه الجديدة، هل نوصل تلك المعارف والفنون باستقلال رأي مكيفين لها حسب مبادئنا وأذواقنا الإسلامية، حتى نكون باب نعمة على إخواننا من عرب وعجم أو نكون آلة صماء تعمل حسبما تحرك، ولا تعمل إلا شرًّا، فنهيئهم لأن يصيروا فريسة سائغة وغنيمة باردة، ستؤدي وظيفتنا حسبما تكون تربيتنا، فإن حسنت التربية حسنت النتيجة والعكس بالعكس، ولا تكون التربية جيدة إلا إذا تأسست على مبادئ محمدية، ولا تكون المبادئ محمدية إلا إن استخرجناها من الكتاب العزيز، وهذا لا يتأتى إلا إذا أحطنا باللغة العربية وعرفنا أسرارها، وفقنا كل مخلوق في إظهار محاسنها وعجائبها لا أن يسبقنا علماء الأجانب، مثل: أساتذة (كمبريدج) و (لايدن) و (برلين) وغيرها، ويتركونا وراءهم تائهين في مجاهل الحواشي الثقيلة السقيمة، لاهين بما فيها من سفسطة دقيقة عقيمة.

من يخدم اللغة العربية، فإنه يخدم الإسلام، وخدمة الإسلام تؤدي إلى ترقية بني الإنسان كلهم أجمعين. 
فهل يحجم الطلبة المصريون عن جهاد علمي يكون لهم بعده الفخر الأبدي، ولمصرهم العزيزة ولجماعة الموحدين الحظ الأوفر؟
برقي اللغة العربية يسود القرآن، وتنتشر علومه، وتزيد الشعوب العربية ارتباطًا فتقوى وتترعرع، وفي آن واحد يقوى ويترعرع المجموع الإسلامي كله.
فلينظر الطلبة المصريون إلى علو مكانتهم في المستقبل وسط الأمم المختلفة. 
تلك المكانة الخطيرة التي تشبه أن تكون (رقابة أدبية عالية) شرطها الأول خدمة
لسان النبي القرشي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأجل فهم كتاب الله المجيد على وجه يوصل إلى سعادة العالم بالعمل به. 
وليتدبروا كثيرًا معنى الآية الحكيمة.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيداً} (البقرة: 143) .

... ... ... ... ... ... ... القاهرة في 5 جمادى الآخرة
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمود سالم

_______________________________________

مجلة المنار المجلد 14 / الصفحة 441

القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني


ولد سنة 529 وتوفي سنة 596

هذا هو الرجل الذي قال فيه عبد اللطيف البغدادي أحد فلاسفة الإسلام: دخلنا عليه فرأيت شيخاً ضئيلاً كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام وكأنه يكتب بجملة أعضائه. . . وسألني مسائل كثيرة ومع هذا فلا يقطع الكتابة والإملاء.

هو عبد الرحيم بن علي البيساني نسبة لبيسان إحدى بلاد فلسطين الملقب بالقاضي الفاضل. 
قيل أن سبب تعلمه الإنشاء ما روي له من أنه قال: كان فن الكتابة بقصر في زمن الدولة العلوية غضاً طرياً وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكاناً وبياناً، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطاناً، وكان من العادة أن كلاً من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشدا شيئاً من علم الأدب أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرب ويرى ويسمع أشياء من علم الأدب. 
قال: فأرسلني والدي وكان ذا ذاك قاضياً بثغر عسقلان إلى الديار المصرية في أيام الحافظ وهو أحد خلفائها وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات وكان الذي ترأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن الخلال. 
فلما حضرت إلى الديوان ومثلت بين يديه وعرفته من أنا وما طلبتي رحب بي وسهل. 
ثم قال لي: ما الذي أعددت لفن الكتابة من الآلات.
فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن الكريم وكتاب الحماسة. 
فقال: في هذا بلاغ. ثم أمرني بملازمته فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه أمرني: بعد ذلك أن أحل شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخره ثم أمرني أن أحله مرة ثانية فحللته.

وصف العماد الكاتب من كتاب الدولة الصلاحية المترجم به على طريقته في الكتابة فقال: رب القلم والبيان، واللسن واللسان، والقريحة الوقادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة: والفضل الذي ما سمع في الأوائل، ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع، يخترع الأفكار، ويفترع الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط الملك بآرائه، رابط السلك بلألائه، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دون لكان لأهل الصنعة، خير بضاعة، أين قس عند فصاحته، وابن قيس في مقام حصانته، ومن حاتم وعمرو في سماحته، وحماسته.

طريقة القاضي الفاضل هي كطريقة العماد الكاتب في الأسجاع المنمقة المحبرة ولقد استحكمت هذه الطريقة في القاضي حتى صار يكتب فيها كأنها فيه طبع لا مسحة عليها من التكلف والتعمل. 
وهي الطريقة التي نقلها العماد الكاتب الأصفهاني عن الفارسية في الغالب ولم تكن شائعة بالعربية في بلاد الشرق وقد برز فيها صاحب الترجمة حتى فاق المتقدمين. 
قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وهو مجيد في أكثرها.

وكثيراً ما يقع للفاضل عبارات تكاد تكون من دلائل الإعجاز على بيانه، ومن أسرار البلاغة التي يسمو بها على أقرانه. 
مثل قوله في صفة قلعة شاهقة ويقال أنها قلعة كوكب: وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة، عمامة، وانملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة.

ولقد نال القاضي الفاضل الحظوة من صلاح الدين يوسف بن أيوب بإنشائه حتى أنه لم يكن وزير الإنشاء عنده بل مدبر أمور مملكته وله من الدالة ما للولد على الوالد أو الوالد على الولد حتى استشاره السلطان يوماً في الحج فلم يسمح له.
وقال له: أن رفع مظلمة عن أهل وادي الزبداني أفضل من الحج إلى بيت الحرام على ما جاء في كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين النورية والصلاحية. 
وفي هذا التاريخ من أحواله وانموذجات من إنشائه تدل على ماله من المنزلة السامية في قلب السلطان صلاح الدين والمكانة من تدبير أمور مملكته ودولته.

وكان القاضي يعمل الخيرات ولم تشغله مصالح الدولة عن النظر فيها وإقامة معالمها وحبس الأوقاف على وجوهها النافعة وإكرام العلماء والأدباء قصاده من أقطار البلاد الإسلامية في عصره. 
كل هذا وكان في وقته متسع لطلب العلم ومذاكرة أهله وخطب ودهم وقربهم. 
وناهيك بأشغال تقتضيها أمور الدولة على ذاك العهد المحفوف بالمخاوف والفتن.

واستمرت حال القاضي على ما كانت عليه زمن الملك الناصر صلاح الدين عند ولده الملك العزيز وكان يميل إليه في حياة أبيه. 
ولما توفي العزيز قام ولده الملك المنصور بالملك بتدبير عمه الملك الأفضل نور الدين وتوفي أول دخول الملك العادل أبو بكر بن أيوب إلى الديار المصرية وقد نال بصناعة الإنشاء ما عز نيله على المحدثين والقدماء ولسان حاله ينشد لابن مكنسة الإسكندري وكثيراً ما كان يرددهما.
وإذا السعادتك لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان


محمد كرد علي

المقتبس العدد 5 - بتاريخ: 22 - 6 - 1906