الثلاثاء، 16 مايو، 2017

العالمون والعاملون



لأمير البيان شكيب أرسلان رحمه الله تعالى

اطلعت في المقتبس على ترجمتكم للأستاذ جول سيمون الفرنسي من فلاسفة هذا القرن فأعجبني تشبيهكم إياه ببعض رجال السياسة في الإسلام ممن أجمعوا بين العلم والعمل أو ممن ترقوا إلى الوزارة من طريق القلم.

وقد ذكرتم من هذه الطبقة طائفة صالحة مثل ابن سينا والصاحب بن عباد والقاضي الفاضل ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم ولو استقصيتم لذكرتم في هذه الجملة ابن الأثير وابن العميد بالمشرق وابن خلدون وأبا بكر بن عمار وابن زمرك في المغرب وكثيراً من الرؤساء وإذا وصل الدور إلى زماننا هذا فجودت باشا وأحمد وفيق باشا بل كوجك سعيد باشا الذي تولى رئاسة الوزراء مراراً وهو من مخرجي صناعة القلم بل من مخرجي كتابة الجرائد السيارة.

وشاء مترجم إفراد هذه الطبقة بالترجمة لملأت تراجمها المجلدات الكبار من القديم والحديث وهي طبقة تمتاز على غيرها بكونها جمعت بين الإدارة والعلم وقرنت بين الحكم والحكم وإن سياستها في الأغلب مبنية على قواعد العلم مستنيرة بضياء الحكمة ومن سعادة العمران أن يكون الحاكم حكيماً.


ولا أريد بذلك تعطيل فضيلة من لم يعرجوا إلى المناصب العالية من طرق الأقلام فإن لهم فضائلهم وإن إدارة الرجال مواهب والعلم علمان غريزي ومكتسب وقد يغني المكتسب عن الغريزي في هذه الأمور لأن الإدارة ترجع إلى العمل والتجربة أكثر مما ترجع إلى العلم والحفظ كما أنه ليس كل من درس وتعلم وركض طرف القلم صالحاً لأن يتولى سياسة الملك وإدارة الجمهور ويخوض غمرات المشاكل لما ذكرنا من كون الإدارة موهبة فطرية تزداد بالتجربة وتزكو بالعمل وإن كل امرئ ميسرٌ لما خلق له.

على أنه لو تبارى العالم العامل المجرب والعامل المجرب بدون علم في مضمار إدارة لكان أولهما هو السابق وكان مذهبه هو الأسلم لأنه يضم إلى نور عقله نتائج قرائح الناس ويبني في عمله على أساس ويضيف إلى منطقه المخلوق معه المنطق المدون الذي حفظه عن الكتب فيجمع بين موهبتي النفس والدرس وينظم بين حاشيتي المطبوع والمسموع فيكون طريقه آمن من الخطر وأقرب إلى الهدى ويبقى مكانه في صدور الناس أهيب من مكان المجرب بدون علم ولا أستاذ.

وشأن هذين الصنفين أحدهما مع الآخر شأن الطبيب القانوني حائز الشهادة مع المجرب الذي اختبر بعض المسائل بنفسه فربما كان المجرب أنفع علاجاً من القانوني ولكن لا يحمل ذلك على ثقة ولا يبعث على طمأنينة وتكون مهارته محصورة في الأمور التي جربها بنفسه فقط ويبقى المتطبب على حذر من طبه وقد يلام من يسلم نفسه إليه ولو أصاب ولا يلم من سلم نفسه إلى القانوني ولو أخطأ وهذا كله من مقتضى مقام العلم.

كذلك خروج رجال السياسة من رواق طلبة الحكمة وصف حملة الأقلام في الأعم الأغلب أقرب إلى لسلامة من خروجهم من طبقة أخرى انحصر فضلها في التجارب الشخصية ولزم أن يخرج صاحبها خارق العادة في الذكاء وبيضة عصره إدراكاً ومضاءً حتى يكون له من عقله مغن عن الدرس فإن طبقة أهل النظر والعمل معاً هي التي جمعت نوراً على نور وضمت بين وحي الصدور ووحي السطور.


وإن مملكة الصين التي فرطت إلى حوض المدنية منذ الآلاف من السنين قد جعلت نظامها من القديم الترقي إلى الإدارة بمعراج الدرس وإن أهم أوضاع مملكتهم هو الامتحان وهو عندهم درجات كلما اجتاز منه الدارس عقبة اعترضته أخرى حتى يجتازها كلها ويكون نيله من مناصب الدولة على قر مضائه في الامتحان ومن كان عندهم أعلى حكمة كان أعلى حكم.

وإنما سلكت حكومات أوروبا في تعليم رجال الإدارة عل أثرهم وإن كانت طريقة هذا التعليم في أوروبا قد تهذبت وترقت وصارت أقرب إلى الفائدة.

فإن الأوروبيين قد جعلوا العلوم فروعاً وأفناناً ورشحوا لكل فن منها طلاباً ليكونوا أقوم عليها من غيرهم وأرسخ فيها من سواهم ومع هذا فلا تزال ترى لرجال القلم المزية الكبرى على غيرهم لأن العلم بلا قلم أشبه بطائر أخص الجناح صاحبه عاجز عن الرقي وإن القلم في كف العالم هو أداة التقدم وجناح النجاح ولهذا تجد أكثر رجال السياسة والإدارة في أوروبا ولاسيما في فرنسا هم من حملة الأقلام وكتاب الصحف ورقاة المنابر ويندر أن يوجد فيهم نابغة أو رجل مشهور إلا وقد سبق له كتابة أو مؤازرة في إحدى الجرائد وذلك أن ثمرات العلم لا تعرف إلا على أسلات الأقلام فمن ظهرت له بينهم آثار فائقة انتخبوه للندوة ثم إن امتاز فيها بين الأقران رفعوه إلى الوزارة سمعاً في إفادة البلاد من معارفه إذ كان العلم على الغالب بالعمل والنظر طريقاً إلى الأثر.


أول سيمون مترجمكم في الشهر الماضي فقد عرفته في باريس سنة 1892م وكان ساكناً في ساحة المادلين وقد ذرف على الثمانين وهو يكتب ويحبر ويؤازر في جملة جرائد وكلماته تشترى بالذهب وكم حبر أغلى من تبر وإلى الآن لا أنسى لذة فصوله القصار في جريدة الطان فإن كتابته آية في الطلاوة والرقة ومثال في سلامة الذوق وسداد الحكم ولقد كانت الحكمة تتفجر من خلال كلماته وقد يعيد القارئ مطالعة كتاباته المرة على المرة ولا يملها من العذوبة والأدب والعلم والعقل وسبحان من خص من شاء بما شاء.

وقد جرت بيني وبينه مباحثات ومراسلات هي عندي من أنفس ذخائر حياتي وكنت أناقشه على بعض أقوال له تتعلق بشريعتنا فإذا أوضحت له الوجه فيها أذعن إلى الحق ولم يكبر ذلك عليه شأن كل عالم كبير لأن العلم إذا خالط النفس صار هو ضالتها وطرد من جواره كل دعوى وصفت تلك النفس لقبول الحقائق وجدير بالبلاد التي يسوس أمورها علماؤها العاملون أن ترقى أعراف الفلاح لأن من أعظم أسباب السعادة أن يكون الفيلسوف والياً أو الوالي فيلسوفاً.

__________________________________

مجلة المقتبس 
العدد 11 - بتاريخ: 16 - 12 - 1906

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق