الأربعاء، 24 مايو، 2017

نظم فارس أفندي الخوري في تاريخ الحرب بين الروس واليابان

المحرم - 1325هـ
مارس - 1907م

الكاتب: محمد رشيد رضا

تقريظ المطبوعات

(وقائع الحرب)

نظم فارس أفندي الخوري أحد كتاب الشام وشعرائها المشهورين أربع قصائد في تاريخ الحرب بين الروس واليابان؛ التي كان مبدأها أوائل فبراير (شباط) سنة 1904 ونهايتها في أوائل سبتمبر (أيلول) سنة 1905.
وأهداها إلى صديقه الدكتور حسين أفندي حيدر فطبعها هذا طبعًا متقنًا بمطبعة الأخبار بمصر، وهي تباع بمكتبة المنار بشارع درب الجماميز بقرشين صحيحين.

وإننا نورد بعض الفصول من هذه القصائد؛ لما فيها من الفائدة والعبرة في ثوب الفكاهة والتسلية؛ ومنها يعلم القارئ درجة الناظم في القدرة على نظم الوقائع وضبطها مع الإنصاف، والأمانة في النقل، وتحري تنبيه الذهن وإنارة العقل، قال في القصيدة الأولى وهو الفصل 5، 6، 7 (وما في الهوامش من تفسير بعض الكلم منقول من الأصل؛ إذ وضع في آخره جدول لذلك) .

(نكبة الروس بغرق الأميرال مكروف على الدارعة بتروبالسك في 13 نيسان سنة 1904)
سعى طوغو على مكروف يوم الـ ... ـلقا، وأعد تدبيرًا مريرا
أقام له الفخاخ بكل وجه ... يؤججه بها نارًا حرورا
وناصبه بعرض البحر حربًا ... فكر عليه لا يخشى نكيرا
أثارته الشهامة عن عرين ... ويأبى الليث إلا أن يثورا
فقاتله وناضله بقلب ... يريه كل معتاص يسيرا
ولكن قلما عدد قليل ... يفوز ويغلب العدد الكثيرا
تدفقت الكرات عليه حتى ... رأى في الكر موقفه مبيرا [1]
فدار إلى الخليج يريد أمنًا ... وكان بواره في أن يدورا
مضى يجتاز فوق فخاخ طوغو ... كملاح يحاذر أن يجورا
إلى أن شقت الغمرات فاهًا ... وأصعدت البلايا والسعيرا
فشاهد تحت أخمصه جحيمًا ... وقد فتحت قذائفه حفيرا [2]
كأن جهنما وجدت سبيلاً ... ومطوياتها لقيت نشورا
كأن هناك بركانًا تلظى ... وأطلق في الفضا نارًا ونورا
كأن البحر غضبان عليهم ... لما جروا على الدنيا شرورا
طوى بضميره حنقًا، فلما ... دنا مكروف كاشفة الضميرا
هوت فيه السفينة في خليج ... وكانت قبل تخترق البحورا
على مكروف، قد بكت البواكي ... وأطلقت المدامع والشعورا
ففاض له بأرض الروس دمع ... يؤلف لو يضم معًا غديرا
بمصرعه عزوم الروس خارت ... وحق لها بذلك أن تخورا
رجاء القوم معقود عليه ... ليدفع عنهم الخطب العسيرا
أميرهُمُ وعند أشد ضيق ... يراد لكشفه فقدوا الأميرا
فكان بهديه قمرًا مضيئًا ... وكان بكره أسد مزيرا [3]
وإن الروس لا يسلون عنه ... ولو وجدوا له فيهم نظيرا

(6)
(الوقعة البرية الأولى على نهر يالو في 1 أيار سنة 1904)
أقام الروس في يالو قلاعًا ... على تحصينها صرفوا شهورا
مسيل النهر دونهم فظنوا الـ ... ـعدى لا يستطيعون العبورا
ومن خاض البحور إلى الأعادي ... أيأبى أن يخوض لهم نهورا؟
مشى اليابان لا يخشون بؤسًا ... وماء النهر يكتنف الصدورا
بجيش كل من فيه جريء ... تمنى للأعادي أن يطيرا
وصبوا من مدافعهم كرات ... يفلق عزم صدمتها الصخورا
لئن صبرت جيوش الروس شيئًا ... فبعد هنيهة ولت ظهورا
وأبقت من ذخائرها نهابا ... ومن أعتادها شيئًا كثيرا [4]
ولليابان في الآثار ... شد ... فكم قتلوا وكم أخذوا أسيرا
أتوا أَنْطُنْغَ بالرايات، حتى ... على أسوارها خطرت خطيرا
لعمرك ليس يحمي السور مُدْنًا ... إذا عدمت من التدبير سورا
فهل حدثت في أخبار دلني ... وما شادوا بساحتها قصورا
وما قد أنفقوا عملاً ومالاً ... على المرسى وكيف جرى أخيرا
أباحوها إلى اليابان غنمًا ... وما نالوا على نصب أجورا
ولا عجب لمختال مدل ... إذا أخلى الحواضر والثغورا
إذا غفل الرعاة عن المواشي ... فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا
وإن الخاشع اليقظان يكوي ... بحد حسامه البطل الفخورا
كذلك من توخى البغي متنًا ... تراه بدون معثرة عثورا

(7)
(وقعة كنشو)
وكنشو بالمدافع منعوها ... وولوا حفظها جيشًا كبيرا
وظنوا أنها تبقى طويلاً ... وتثبت في خفارتهم دهورا
أغار الخصم منقضًّا عليها ... ونار الروس تكتسح المغيرا
إلى أن كوروا القتلى تلالاً ... وأوشكت المعاقل أن تمورا [5]
رأوا أن العدو يموت طوعًا ... ولا يأبى التقحم والكرورا
ومن رغب المنية وانتحاها ... يبيت عدوه عنها نفورا
بدا للروس أن الفتح دان ... يغذ فلا معين ولا مجيرا [6]
فولوا تاركين على الروابي ... ذخائرهم لأعداهم نصيرا
لقد شمخوا على اليابان لما ... رأوا جنديهم قزما زميرا [7]
وقالوا: سوف نطحنهم فتغدو ... قبورهم الضواري والنسورا
ولكنا على يالو وكنشو ... وجدنا القول بهتانًا وزورا
فعرض الجسم لا يغني فتيلاً ... وطول القد لا يجدي نقيرا
ألست ترى الوليد وفيه حزم ... يسوم الفيل خسفًا والبعيرا
رهام الطير تنخلع ارتياعًا ... إذا رأت البواشق والصقورا


***
وقال في أول القصيد الثانية:
(الوقعة الكبرى في جوار مكدن في 15 شباط سنة 1905)
(1)
بمكدن كور بتكن لَمَّ جيشًا ... وشاد له المعاقل والحصونا
رأى الأعتاد وافرة لديه ... فظن مقامه حرزًا حصينا
ولكن رأي أوياما أراه ... أمورًا خيبت تلك الظنونا
أقام له المراصد في الصياصي ... وبين جفونه بث العيونا [8]
تخبره بما اصطنعوا دفاعًا ... لحوزتهم وكيف يدبرونا
أعد الخطة المثلى ليوم ... يروع حر أزمته السنينا
ورتب للهجوم عليه رأيًا ... يكون لمجد رايته ضمينا
وهز جناحي الجيش التفافًا ... على أعدائه المتحصنينا
رمى اليسرى بكوركي فندزو ... فأكو ثم في نوجي اليمينا
(2)
ودارت للمنون رحى طحون ... لها الأجساد قد صارت طحينا
وطبق كل ناحية دخان ... كثيف أسود يعمي العيونا
وصوت القذف أوقر كل أذن ... فإن سمعته تحسبه طنينا
فليس بمبصر أحد أخاه ... وما هو سامع منه الأنينا
فصار الحزن من دك سهولاً ... وصار السهل من جثث حزونا
لو انقشع الدخان بدت أمور ... ترد المرد شيبًا منحنينا
جيوش كيفما العين استدارت ... تراهم يظهرون ويختفونا
كأن الأرض بالأبطال حبلى ... تدفعهم حيارى صارخينا
فلا حجر تراه العين إلا ... يحجب خلفه منهم جنينا
كأن حجارها الصم استحالت ... رجالاً بالحديد مسربلينا
فلا واد بتك الأرض إلا ... ويخرج من معاطفه كمينا
كأن عقولهم ذهبت شعاعًا ... فليس لهم بها ما يرهبونا
فكل فتى غدا أسدًا هصوراً ... وموطئ رجله أضحى عرينا

____________________________________

(1) المبير: المهلك.
(2) الحفير: القبر.
(3) المزير: الشديد القلب والقوي النافذ.
(4) أعتاد الحرب: أدواتها وعدتها.
(5) المعاقل: الحصون , وتمور: تهتز وتميل إلى السقوط.
(6) يغذ: يسرع في السير.
(7) القزم: الزمير القميء الصغير الجثة الذي لا غناء عنده.
(8) الصياصي: جمع صيصية وهي مرتفعات الأرض والمشارق التي يمتنع بها.


مجلة المنار المجلد العاشر / الصفحة:61

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق