الثلاثاء، 16 مايو، 2017

باب في تأديب الصغير من كتاب العقد الفريد



قالت الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا.
وقالوا: أطبع الطين ما كان رطبا، وأعمر العود ما كان لدنا.
وقالوا: من أدّب ولده غمّ حاسده.
وقال ابن عباس: من لم يجلس في الصغر حيث يكره، لم يجلس في الكبر حيث يحبّ.

قال الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقالوا: ما أشدّ فطام الكبير، وأعسر رياضة  الهرم.

قال الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم

كتب شريح إلى معلم ولده:
ترك الصّلاة لأكلب يسعى بها ... يبغي الهراش مع الغواة الرّجّس
فليأتينّك غدوة بصحيفة ... كتبت له كصحيفة المتلمّس
فإذا أتاك فعضّه بملامة ... أوعظه موعظة الأديب الكيّس
فإذا هممت بضربه فبدرّة ... وإذا بلغت ثلاثة لك فاحبس
واعلم بأنّك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرّعني أعزّ الأنفس

لابن عبد القدوس:
وقال صالح بن عبد القدّوس:
وإنّ من أدّبته في الصّبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد له جهله ... كذي الضّنى عاد إلى نكسه
ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه

وقال عمرو بن عتبة لمعلّم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه. روّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه، فإنّ ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. وعلّمهم سنن الحكماء، وجنّبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك.
_____________________________

ابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ): العقد الفريد 2 / 272-273
دار الكتب العلمية - الطبعة: الأولى، 1404 هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق