الثلاثاء، 16 مايو 2017

باب في حب الولد من كتاب العقد الفريد



أرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال:
ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن له أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودّهم، ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويحبّوا وفاتك. فقال: لله أنت يا أحنف. لقد دخلت عليّ وإني لمملوء غضبا على يزيد، فسللته من قلبي.
فلما خرج الأحنف من عنده بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب.
فبعث يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطهره إياها.

وكان عبد الله بن عمر يذهب بولده سالم كل مذهب، حتى لامه الناس فيه، فقال:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال: إنّ ابني سالما ليحب الله حبّا لو لم يخفه لم يعصه.

وكان يحيى بن اليمان يذهب بولده داود كل مذهب؛ حتى قال يوما: أئمة الحديث أربعة: كان عبد الله، ثم كان علقمة، ثم كان إبراهيم، ثم أنت يا داود.
وقال: تزوّجت أم داود، فما كان عندنا شيء ألفّه فيه، حتى اشتريت له كسوة بدانق.

وقال زيد بن علي لابنه: يا بنيّ، إن الله لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فحذّرنيك. واعلم أن خير الآباء للأبناء من لم يدعه الحبّ إلى التفريط، وخير الأبناء للآباء من لم يدعه التقصير إلى العقوق.
وفي الحديث المرفوع: ريح الولد من ريح الجنة.
وفي أيضا: الأولاد من ريحان الله.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم لما بشّر بفاطمة: ريحانة أشمّها ورزقها على الله.

ودخل عمرو بن العاص على معاوية وبين يديه بنته عائشة، فقال: من هذه؟
فقال: هذه تفاحة القلب! فقال له: انبذها عنك، فو الله إنهن ليلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. قال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو الله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الأحزان مثلهن. وربّ ابن أخت قد نفع خاله.

وقال حطّان بن المعلي الطائي:
لولا بنيّات كزغب القطا ... حططن من بعض إلى بعض
لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض
وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض

وقال عبيد الله بن أبي بكرة: موت الولد صدع في الكبد، لا ينجبر آخر الأبد.

ونظر عمر بن الخطاب إلى رجل يحمل طفلا على عنقه، فقال: ما هذا منك؟
قال: ابني يا أمير المؤمنين! قال أما إنه إن عاش فتنك، وإن مات حزنك.

وكانت فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترقّص الحسين بن علي رضي الله عنهما وتقول:
وا بأبي شبه النّبي ... ليس شبيها بعلي 

وكان الزبير يرقص عروة ويقول:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي

وقال أعرابيّ وهو يرقّص ولده:
أحبّه حبّ الشّحيح ماله ... قد كان ذاق الفقر ثم ناله
إذا يريد بذله بدا له

وقال آخر وهو يرقّص ولده:
أعرف منه قلّة النّعاس ... وخفّة من رأسه في راسي

وكان رجل من طيء يقطع الطريق، فمات وترك بنيّا رضيعا، فجعلت أمّه ترقّصه وتقول:
يا ليته قد قطع الطريقا ... ولم يرد في أمره رفيقا
وقد أخاف الفجّ والمضيقا ... فقلّ أن كان به شفيقا

وقال عبد الملك: أضرّ بنا في الوليد حبّنا له فلم نؤدّبه، وكأن الوليد أدّبنا.

وقال هارون الرشيد لابنه المعتصم: ما فعل وصيفك فلان؟ قال: مات فاستراح من الكتّاب. قال: وبلغ منك الكتّاب هذا المبلغ. والله لا حضرته أبدا. ووجهه إلى البادية فتعلم الفصاحة، وكان أمّيا، وهو المعروف بابن ماردة.
____________________________________________


ابن عبد ربه الأندلسي (المتوفى: 328هـ): العقد الفريد 2 / 273-274-275
دار الكتب العلمية - الطبعة: الأولى، 1404 هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق