الخميس، 11 مايو، 2017

أندونيسيا والإسلام


الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله تعالى:

هذه الحلقة ليست من صلب الذكريات، ولكنها تجيء معها تأتي على هامشها، ولعلها أنفع للقرّاء وأجدى عليهم ممّا أسرده من ذكرياتي. أكتبها جواباً على أسئلة وردت عليّ لمّا قرأ الناس وصفي لأندونيسيا، أسئلة يقول مرسلوها: متى دخل الإسلام إلى أندونيسيا وما تاريخه فيها؟ وأنا أقول لكم الحقّ: لقد عشت ما عشت من عمري قبل أن أذهب إلى أندونيسيا وأنا لا أعرف شيئاً عن ذلك، لأن المستعمرين أوقعوا الفرقة بيننا حتى صار مَن في شرقيّ الأرض من المسلمين لا يكاد يعرف عمّن في غربيّها، والواجب عليهم أن يكونوا أسرة واحدة، إخوة متعارفين.
ولقد جاءني مثل هذا السؤال لما عُدت من أندونيسيا، فأجبت عليه من إذاعة دمشق في حديث أذيعَ قبل أكثر من ثلاثين سنة. ولقد كنت أكتب يومئذ أحاديثي في الإذاعة فصرتُ ألقيها في الإذاعة وفي الرائي ارتجالاً، لا أُعدّها ولا أكتبها. قلت في مطلع ذلك الحديث (1):
أحبّ اليوم أن تُولُوني المزيد من انتباهكم، فإن هذا الحديث صعب. حاولتُ أن ألخّص فيه حوادث ثلاثمئة سنة في خمس عشرة دقيقة، فما تسمعونه مني في الدقيقة الواحدة صرّم الدهرُ في تأليفه عشرين سنة.
ولئن كان صعباً عليكم سماعه وتتبُّعه لقد كانت كتابته أصعبَ عليّ، لأني قرأت أكثر من ألف صفحة وسألت رجالاً كثيرين في تلك البلاد حتى قدرت على كتابة هذه الصفحات العشر. لا أقولها منّاً عليكم، فلكم المنّة إن استمعتم أمثال هذا الحديث وتركتم ما يُطرِب ويسلّي ممّا تذيع الروادّ، ولكن لتعرفوا قدر ما بذلته فيه.
هذا الحديث عن دخول الإسلام ودخول الاستعمار إلى أندونيسيا، يتلوه حديثان من جنسه: حديث عن جهاد الأندونيسيين واستقلالهم، وحديث عن الأحزاب والجمعيات في أندونيسيا. على أني لا أستطيع أن أعرض عليكم من هذا كله إلاّ إشارات، لأن التفصيل في الكلام عن أندونيسيا يحتاج إلى كرسي مستقلّ في الجامعة وسنة كاملة ينقطع إليه فيها المدرّس والطلاّب.
ويا ليت الجامعات في البلاد الإسلامية تجعل من موادّها تدريس اللسان الأندونيسي الذي يتكلم به أكثر من مئة وخمسين مليوناً من المسلمين في أندونيسيا وفي الملايا (ماليزيا)، واللسان الأردي الذي يتكلم به أكثر من ثمانمئة مليون في الباكستان والهند منهم مئة وخمسون مليوناً من المسلمين.
وبعد، فكيف دخل الإسلام إلى هذه الجزر النائية حتى صار منها اليوم أكبرُ دولة إسلامية في الدنيا، وأكثرها ناساً، وأغناها أرضاً؟ من أين وصل الإسلام إليها؟ ومتى دخلها؟ وكيف انتشر فيها؟ ما كنت أعرف ذلك ولا عرفت من يعرفه، ولقد نظرت في الكتب التي وصلَت إليها يدي فلم أجد فيها عن ذلك الخبر اليقين.


ولمّا كنت في أندونيسيا عرضت على الدكتور سوبارجو، مستشار الخارجية الذي كان وزيرها سابقاً، أن يُمدّني بالمصادر الكافية للكتابة عن أندونيسيا، فنسي أن يفعل. وسألت السفارة الأندونيسية في مصر فلم تُجِب، مع أن هذه الدعاية التي قمت بها مجاناً من إذاعة دمشق قبل ثلاثين سنة وفي «الشرق الأوسط» اليوم تُشترى عادة بالأموال الطائلة، ولا أدري ما حُجّة القوم في هذا الإعراض.
أقدم نصّ عربي وجدته هو ما كتبه الرحّالة المغربي ابن بطوطة، فقد وصل إلى سومطرة وسمّاها جاوة، جاءها من الهند بعد رحلة في البحر استمرّت أربعين يوماً. ويظهر أن اسم «جاوة» كان يُطلَق على مجموعة من الجزر، لأنه بعد أن تبيّن أنه وصل إلى جاوة صرّح بأن اسم المدينة التي دخلها سومطرة، ويبدو من كلامه أنها كانت في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (أي نحو سنة 1350 ميلادية) عريقة في الإسلام؛ فالملك مسلم اسمه السلطان الملك الظاهر، وهو شافعيّ المذهب متفقّه، والعلماء كثيرون، والشعائر الإسلامية مُعلَنة، واللسان العربي منتشر ومفهوم، والشعب كله شافعي المذهب مقيم للصلاة متمسّك بالإسلام.
وقد وصف -على عادته- كيف قابل الملك ووصف ثياب القوم وأنها هذا الإزار (الفوطة) التي نراها اليوم، ووصف العادات والمُواضَعات وأنواع النبات، ولكنه لم يذكر شيئاً عن جغرافية البلاد وتاريخها واسم هذه المملكة وحدودها وصِلاتها بجيرانها.


والذي يغلب على ظني أن الإسلام قد دخل إلى هذه الجزائر قبل أن يصل إليها ابن بطوطة بأكثر من قرن ونصف القرن، حمله إليها التجّار المسلمون من طريقَين: من بلاد العرب، ولا سيما من حضرموت (والحضارمة فينيقيّو العصور الحديثة، يضربون في كل لُجّ ويخوضون كل بحر ويوغلون في البلاد، ولا تزال جالياتهم تملأ أندونيسيا والملايا، أي ماليزيا)، ومن بلاد الهند، ولا سيما من كُجُرات على الشاطئ الغربي.
بدأ الناس في شمالي سومطرة يدخلون في الإسلام أفراداً، ثم صاروا يدخلون فيه أفواجاً، ثم ألّفوا حكومة قوية هي مملكة أبتشيه التي زارها ابن بطوطة، والتي لبثَت تجاهد المستعمرين البرتغاليين أولاً ثم الهولنديين حتى قُضي عليها سنة 1904، أي بعد زيارة ابن بطوطة بأكثر من خمسمئة وخمسين سنة.
واستمرّ هؤلاء التجار يحملون مبادئ الإسلام مع سلعهم وبضائعهم إلى كل مكان يصلون إليه، ثم قفزوا به قفزة واحدة من سومطرة إلى شرق جاوة، وكان الفضل في هذه النقلة لرجل اسمه إبراهيم (وقد مرّ الكلام عنه في هذه الذكريات لمّا زرت قرية كاراشيك) ومنها دخل سورابايا، ثم امتدّ إلى أطراف جزيرة جاوة؛ أي أنه مشى من الطرف البعيد عنّا إلى الطرف القريب منّا.
إن الإسلام كالنبع الصافي؛ كلّما ابتعدتَ عنه مياهه تعكّرَت وتلوّثَت، وقد وصل الإسلام إلى هذه الديار بعد أن ابتعد عن النبع، ابتعد في الزمان وفي المكان، وقد حمله تجّار لم يكونوا قطّ علماء منقطعين إلى العلم ولم يكونوا دُعاة متفرّغين للدعوة، ولم يكن همّهم نشر الإسلام إنّما كان همّهم الكسب والتجارة، ومع ذلك فقد انتشر الإسلام على أيديهم مثل انتشار النار في أكوام القش أو انتشار النور بين طيّات الظلام، حتى عمّ هذه الجزرَ فصار فيها اليوم أكثر من مئة وخمسين مليون مسلم، كانوا -لولا ما حاق بهم- من أكثر المسلمين حماسة للإسلام وحباً له وإقبالاً عليه، ولو كان علمهم بحقائقه كممارستهم له لكانوا خيار مسلمي الأرض.
وكان من دواعي انتشار الإسلام إقبال هؤلاء التجّار على الزواج بالجاويّات. وهُنّ من أحلى النساء حلاوة وإن لم يكنّ من أجملهن جمالاً، حلوات كعرائس المولد في مصر التي تُصنَع من السكّر الهشّ الطري! لا تكاد تعمل فيهن الأيام، وهُن ذوات رقّة وطاعة للزوج وإخلاص للعشير، فوُلد من هذا الزواج جيل جديد ما عرف إلاّ الإسلام لأنه وُلد فيه ونشأ عليه، جيل يجمع مزايا الأبوين وسجايا الجنسين، هؤلاء التجّار المغامرين والنساء من أهل البلاد.


وفي سنة 1450 ميلادية كان حادث غريب؛ فقد أحبّ الملك كرتا ويجايا، ملك جاوة الوسطى، الأميرةَ المسلمة أتشمبا، وسألها الزواج فأبَت حتى يُسلِم، فأسلم. وكان إسلامه فاتحة عهد جديد انتشر فيه الإسلام في جاوة الوسطى، ونشأت إمارات إسلامية صغيرة، ثم اتحدت سنة 1511 وأعلنت الانفصال عن إمبراطورية ماجافاهيت، وتوالى عليها الملوك حتى جاء الملك فاني أونس القائد البارع، فقضى على هذه الإمبراطورية العظيمة سنة 1526 ميلادية.
وفي السنة التي أسلم فيها ذلك الملك ليتزوج بالأميرة المسلمة نزل البرتغاليون تلك الجزر. جاؤوا تجاراً مُحاسنين، ثم طمعوا في البلاد فتدخّلوا في سياستها، ثم عمدوا إلى المخاشنة بعد المحاسنة. وبدأ عصر الجهاد، وكانت مملكة أبتشيه في قوّتها وعظمتها فلم تدعهم ينالون إلاّ أطراف السواحل والجزائر المُفرَدة البعيدة.
ووصل الإسلام إلى جاوة الغربية التي فيها جاكرتا، وانتشر فيها وعمّ أهلَها. وأقام السلطان حسن مملكة بنتام الإسلامية، فصار في سومطرة وجاوة أربع دول مسلمة: أبتشيه في شمال سومطرة، وكراتشيه في شرق جاوة، ومَتارام في وسطها، وبنتام في غربها. وقامت بعد ذلك عشرات من الإمارات المسلمة في هذه الجزر المتباعدة التي يُعَدّ المسكون منها ثلاثة آلاف جزيرة.
وما زال الإسلام يمشي إلى أطراف البلاد بلا دعوة داعٍ ولا سيف مجاهد، يمشي على قدميه بقوّته ومزاياه لا يحمله أحد، حتى قامت حكومة متارام، فنشرت راية الجهاد وسلّت السيف وأرادت نشر الإسلام في أطراف البلاد التي لم يكن وصل إليها، فكانت حروب متصلة وغزوات.


ولم يكَد ينصرم القرن السادس عشر الميلادي حتى صارت جاوة كلها مسلمة. بعد ذلك التاريخ -يا سادة- وصلت طلائع الهولنديين، وصلوا والبلاد كلها مسلمة وفيها حكومات قوية، والحروب والمنازعات متصلة بينها وبين البرتغاليين الذين مرّ على وصولهم إلى هذه البلاد نحو من قرن ونصف. وكانت الحرب قائمة في أوربّا بين هولندا وإسبانيا والبرتغال، فرحّب بهم أهل البلاد لمّا أعلنوا أنهم يريدون إنقاذها من المستعمرين البرتغاليين. ولم يعلموا أن الاستعمار كله نار، وأن الذي يفرّ من النار إلى النار لا ينجو من الحريق.
نزل الهولنديون ضيوفاً يعتمدون على كرم الشرقي، يبسمون له لا ليسرّوه بل ليسحروه، ويصافحونه لا ليؤكدوا الودّ بل ليختبروا قوّة اليد، ويسألونه لا ليطمئنوا لحسن أخباره بل ليعرفوا المكنون من أسراره ... وهذه مقدّمة كتاب الاستعمار. ثم جاؤوهم بالسلع الأوربية، وما كانوا يحتاجون إليها ولا تقوم حياتهم عليها، ويأخذون ثمنها ثروات أرضهم وخيرات بلادهم ... وهذه هي تَتِمّة المقدّمة.
فلما فرغوا منها فتحوا الكتاب، كتاب الاستعمار، وتلوا منه أول باب وهو باب المعاهدات. فعقدوا المعاهدة الأولى سنة 1600، فتعهّدوا لأهل البلاد بتحصين جزيرة أميونيا ودفع المستعمرين البرتغاليين عنها، إيماناً واحتساباً لا يريدون على ذلك جزاء ولا شكوراً، ما يدفعهم إلى ذلك إلاّ الحب للبلاد والرغبة في حفظ استقلالها وإنقاذها من المستعمرين البرتغاليين أعداء الجميع! ثم إنهم -خدمة لأهل البلاد- يَقبلون أن يحملوا على عواتقهم تصريف منتجاتها وشراء حاصلاتها، ينفردون بذلك وحدهم لئلاّ يشاركهم أحدٌ هذا الشرف العظيم ... وهذا هو نفاق المستعمرين.
وتتالت بعد ذلك المعاهدات كما تتالى الحلقات وتترابط، فيكون منها سلسلة طويلة هي قيد الحرّية ورباط الاستعمار. وجرّت الأرباح الطائلة الهائلةُ الشركاتِ الهولنديةَ فتنازعت مثلما تتنازع الضباع على الفريسة، وخاف العقلاء منهم أن يفوتها كلها الربح، وألّفوا منها جميعاً «شركة الهند الشرقية الهولندية»، فسارت على نهج شركة الهند الإنكليزية، وكانت حكومة وسط حكومة. وبدأت فصول جديدة في كتاب الاستعمار.
وأعادت الشركة حكاية المعاهدات وحماية البلاد من البرتغاليين: ذئب يحمي النعجة من الذئب ليكون لحمها له وحده دون أخيه في الذئبية! ولكن البلاد لم تصِر في ذلك العهد نعجة بعدُ، بل هي غابة آساد ولكنها متفرقة متنازعة، ثم إن أكثرها نائم يحلم وسط الغاب، وهذه هي علّة العلل في الشرق: النوم والغفلة والانقسام والتنازع، ولولاها ما ملك أجنبيٌّ من أرض الإسلام شبراً واحداً.


ومشى الاستعمار في طريقه مرحلة أخرى، فاستأذنَت الشركة أن تقيم على السواحل مخازن لتجارتها لتحميها من المستعمرين البرتغاليين (دائماً الحُجّة هي دفع المستعمرين البرتغاليين). وأذنَت بذلك الممالك الأندونيسية، فامتلأت السواحل بحصون هولندية قوية، فيها الجند والعتاد ولكن اسمها الرسمي مخازن الشركة، وليس فيها رسمياً إلاّ البضائع المعَدّة للشحن.
ومشى الاستعمار مرحلة أخرى، بل مراحل كثيرة في شوط واحد، حين جاء بالقائد الصلب القاسي والسياسي الذكي البارع «كون»، الذي حفر للاستعمار الهولندي في أندونيسيا الأساس وأرسى الدعائم ورفع الأركان، وسار به شوطاً كبيراً لم يصله مَن كان قبله. فقد كان للشركة الفروع الكثيرة والمخازن التي أنشأتها وجعلتها قلاعاً، فاستأذن حكومة بنتام في إقامة مركز عامّ للشركة، فأذنت له ولم تدرِ أن هذا المركز سيكون عاصمة البلاد ومقرّ الاستعمار، ومبعث النار التي تأكل الحرّية والاستقلال.


وفي احتفال ضخم أطلق على مدينة جاكترا (جاكرتا اليوم) اسم «بتافيا» الهولندي وفتح للهولنديين باب الهجرة إليها، وأرضى أصحاب الأراضي من الزعماء واستغلّ عمل العمال بما يشبه السخرة المجّانية. وجاء الإنكليز البلد لمّا رأوا هذه الخيرات ينازعون كون هذا، وغلبوه عليه، فعاد بعد شهور واستردّ ما أُخذ منه وطرد الإنكليز.
ثم سفرت هولندا عن وجهها وخلعت هاتيك البراقع التي كانت تغطيه والتي رسمَت عليها البسمات الكاذبة، وأقبلت مستعمِرة فأسّست سنة 1617 أول مدرسة هولندية، وفي سنة 1624 أول كنيسة هولندية: تستغلّ العِلم والدين للاستعمار. ووضعَت للبلاد دستوراً غريباً عن معتقداتها وعاداتها هو دستور بتافيا، وبدأ النزاع وقامت الثورات والحروب.


وكان ميزان الاستعمار يرجح تارة ويطيش تارة، تبعاً للحالة السياسية في أوربا. فلما احتلّ نابليون هولندا سنة 1795 تألفت حكومة هولندية باسم «جمهورية بتافيا» بقيَت إلى سنة 1806، أذاقت الأندونيسيين ألوان الأذى وسخّرتهم وأرضَهم لمصالح تجارها. وفي سنة 1811 سيطرَت على البلاد شركة الهند الشرقية البريطانية، وكان بطل الموقف القائد الإنكليزي الشهير رفلس الذي ذكرتُه لمّا تكلمت عن سنغافورة، فأصلح في الإدارة وكان حُكمه أخفّ أذى. ولمّا هُزم نابليون عادت البلاد إلى هولندا، فأصدرَت قانون الزراعة الذي غصبت فيه خيرات البلاد كلها (كما تصنع الآن إسرائيل في فلسطين) لتعوّض ما فقدَته من أموال في حروب نابليون، وكانت مجاعات مات في إحداها مئة ألف في سيمارنج فقط ما بين تشرين الأول (أكتوبر) 1849 وآذار (مارس) 1850.


* * *


مرّ الاستعمار الهولندي في أندونيسيا بأربع مراحل:
فمرحلة امتدّت مئتَي سنة، من 1600 إلى 1816، كان الهولنديون فيها تجاراً مغامرين، يتوسلون بالحيلة أحياناً والقوّة حيناً إلى امتلاك أطراف البلاد والسيطرة على ملوكها بالمعاهدات واستلام خيراتها، وهم يتقدمون خلال ذلك إلى الأمام، كل يوم يدخل عليهم يزيدهم تمكّناً ونفاذاً، حتى ملكوا أكثر جاوة وأطراف سومطرة وكثيراً من الجزر الصغار.
ومرحلة من 1850 إلى 1904 كانت مرحلة تأسيس وتوطيد، وجمع المال من كل طريق، والإيقاع بين الملوك والتزلّف بالحيلة إلى قويّهم والسيطرة بالقوة على ضعيفهم.
ومرحلة من 1904 إلى الحرب الأولى، كانت مرحلة تغلّب وظفر، فقد تمّت السيطرة على أكثر الملوك والحكومات، فمنهم من استسلم فبقي له اسم بلا حكم وكيان بلا سلطان، ومنهم من حارب وحده فغُلب.
وكان الذي مكّن للمستعمرين أمورٌ فيها عبرة لنا جميعاً، عبرة لمن يريد أن يعتبر بغيره، أولها: هذا التفرّق والانقسام؛ لقد كان في كلّ جزيرة دولة لها علَم ولها جيش، مع أن اللسان واحد والدين واحد والأرض واحدة، وما من داعٍ لهذا التعدّد إلاّ خوف الحاكمين على سلطانهم.
والثاني: أن الأرض كان أكثرها ملكاً للزعماء والناسُ يعملون كالدوابّ فيها، تَشبع الدواب وهم لا يكادون يشبعون، فلما استمال المستعمرون هؤلاء الزعماء اتخذوهم سَوطاً فضربوا به الناس، حتى إذا أمنوا الناس عادوا إليهم فضربوهم هم بسوطهم.
والثالث: هذه الحرب الاقتصادية المنظَّمة التي لم تكن تعرفها تلك النفوس الطيّبة التي لا تزال على الفطرة. أضرب عليها مثالاً واحداً: لمّا ازدهرت صناعة الدخائن (السجائر) الوطنية سنة 1933 وأقبل الناس عليها، جاءت الشركات الأجنبية فاشترت كل ما أنتجته المصانع الأندونيسية فوضعوه في مخازن أعدّوها له، وأمرّوا عليه غازات كيميائية تُفسِد طعمه ولا تبدّل شكله، ثم عرضوه في الأسواق. فلما أخذه الناس أصابهم منه السعال والمرض فضاعت ثقتهم بالمصنوعات الوطنية وأعرضوا عنها حتى ماتت وأغلقت معاملها.
والرابع: المستشرقون، أو واحد منهم على التخصيص هو أسنوك هورغرونيه، الذي أعلن أن سرّ قوّة هذه الأمّة هو الإسلام وأنه لا يمكن قهرها إلاّ بمعرفة هذا السرّ. وقد حقّق بنفسه ما أعلنه فادّعى الإسلام وتعلّم العربية، ودرس في الأزهر وذهب فجاور في مكّة حتى صار من العلماء في الإسلام والعربية، ثم دخل مملكة أبتشيه عالِماً مسلماً وعاش فيها يدرّس ويعلّم ويخطب ويؤم الناس، وعينه تلحظ كل شيء وقلمه يسجّل، حتى أخرج للناس هذه الكتب التي تُعَدّ المورد الأقرب لكل من يكتب عن هاتيك البلاد والتي كانت لهولندا أكثر من جيش، لأنها صنعت ما لم تصنعه الجيوش حين جعلت منها ومن صاحبها دليلاً في حرب المسلمين في أندونيسيا.
والخامس: فتح الباب للمهاجرين الأجانب من هولنديين وصينيين وسيطرتهم على مرافق البلاد وامتلاكهم موارد خيراتها. وهم قوم مستثمرون لا يهمّهم إلاّ الكسب، فهم بذلك عون لأن الاستثمار حلف الاستعمار. وقد بلغت رؤوس أموال الشركات الأجنبية في أندونيسيا سنة 1937 ثلاثمئة وسبعين مليون جنيه، منها مئتان وخمسون مليوناً للهولنديين. ولمّا زرت أندونيسيا سنة 1954 كان أكثر مرافق البلاد من مطّاط وسكّر وغيرهما لا تزال في يد هذه الشركات.


* * *


على أنه ليس في الدنيا خير محض ولا شرّ محض، وما من مصيبة لا تجرّ نفعاً. ولقد كان من منافع الاستعمار (وهو شر وضرّ) أن أدخل في البلاد زراعات جديدة وصناعات، وأنه وحّدها بعد أن كانت متفرّقة، ولقّنها دروساً أحسنَت الاستفادة منها، وأطلعها على سرّ الحضارة الأوربية فذهبَت جِدّتها وبطل سحرها لمّا عُرفت حقيقتها.
ولم يهدأ الأندونيسيون سنة واحدة خلال هذا العهد الطويل، ولم يستنيموا إلى الضيم ولم يستريحوا إلى المذلّة، بل كانوا يهبّون أبداً ثائرين في وجه الغاصب مدافعين عن حريتهم مجاهدين في سبيل ربهم ودينهم، ولكنها كانت ثورات فردية، كل يثور وحده ويقاتل وحده والآخرون ينظرون. ولو ثاروا جميعاً وقاتلوا جميعاً كما فعلوا أخيراً لتمّ لهم هذا الظفر بالاستقلال من عهد بعيد.
وهذه من عِلَلنا المزمنة: باب مغلق يأتي كل منّا يدفعه فلا ينفتح، فيدعه ويقعد، ويأتي غيره فيجرّب وحده، ولو دفعناه جميعاً دفعة واحدة لانفتح لنا.
ثورات وحروب لا أستطيع أن أحصيها، ولكن أذكر منها على سبيل المثال حروب حكومة بنتام من سنة 1619 إلى سنة 1628. هذه الحروب التي كاد أن يُكتب لها النجاح وطرد الواغلين في البلاد لولا تلك العِلّة، العلة ذاتها؛ فإنها لمّا قامت حكومة متارام القوية سنة 1628 تحارب هولندا لم يكن من بنتام إلاّ أن تركَت حرب المستعمرين ووقفت معهم على أختها في الدين والوطن متارام، مخافة أن تقضي عليها وتغلبها على أرضها! ومع ذلك فقد عادت متارام بالجيش الجرّار الذي يُعَدّ مئة ألف والذي لا تقف في وجهه هولندا ولا بنتام، ولكن الهولنديين لمّا رأوا عجزهم عن حرب السيف عمدوا إلى حرب الغدر والمكر، فأحرقوا مخازن الرز وعنابر المؤن وتركوا هذا الجيش يهلك جوعاً ومرضاً.
وفي سنة 1825 كانت الثورة الرائعة، ثورة العالِم المجاهد الصابر الأمير ديبانيكارا، وهو ابن همنوكوبوانا الثالث ملك متارام. وُلد في بلاطه سنة 1785، ولكنه اتصل من مطلع شبابه بشيخ ضاع مني اسمه الآن (لأني كتبته في ورقة فلم أجدها وأنا أكتب هذا الفصل)، فنشّأه على العلم والعبادة، ثم كرّه إليه حياة الفجور فتركها وذهب إلى دار له منعزلة فاعتكف فيها مقبلاً على القراءة والدرس، فحفظ القرآن ونظر في التفسير وقرأ التحفة لابن حجر وكُتُب الغزالي، وأقبل على النظر في التواريخ، فأخذ نفسه بإنكار المنكَر وإزالته بيده، فاعترضه أبوه، فأنكر على أبيه ما كان عليه من المنكَرات وألزمه باتباع سبيل الهدى، ولمّا خلا العرش بوفاة أبيه وأرادوه عليه أباه لأنه لم يرَ نفسه أهلاً لحمل أعباء الحكم. وهذه منقبة لا أعرفها لغيره، ولا أعرف في تاريخ أولياء العهود جميعاً رجلاً آخر رفض عرشاً لأنه لم يرَ نفسه أهلاً له إلاّ معاوية ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
ولمّا اشتدّ عسف الهولنديين وظلمهم لأبناء البلاد الذين كانوا يدعونهم الأقزام رأى الجهادَ واجباً عليه، فنشر رايته ودعا إليه، وكان ابن أربعين سنة. وبدأت المعارك بينه وبين الهولنديين في 20 تموز (يوليو) سنة 1824 واستمرّت خمس سنوات، وكان النصر له في جميعها، وكان قائداً بارعاً وفارساً لا يُشَقّ له غبار. وقتل من الأعداء خمسة عشر ألفاً ثمانية آلاف منهم من الهولنديين، وعجزت عنه جيوش هولندا في المستعمرات فاستنجدوا بأوربا، فأنجدتهم بقوّة هائلة كسرها كلها، فأثاروا عليه الناس وجعلوا لمن جاء به حياً أو ميتاً مكافأة ضخمة، فما نفعهم ذلك شيئاً لالتفاف الناس حوله وتعلّقهم به، برغم أن أكثر الزعماء كانوا مع المستعمر.


فلما ضاقت بهم السبل عمدوا إلى الغدر، فأعلنوا الرغبة في الاستجابة لمطالب الأمير ودعوه إلى المفاوضة، فلما جاء في شهر رمضان (8 شباط 1830) قبضوا عليه وأسروه. ولم يكونوا كراماً في أسرهم ولا نبلاء في ظفرهم، وأي نبل من غادر؟ فلم يرضوا منه بما عرضه عليهم من الانقطاع للعلم والتعليم، ونفوه إلى أقصى الجزر فبقي فيها سجيناً منفياً إلى 8 شباط 1855، أي ربع قرن كامل لا ينقص يوماً ولا يزيد يوماً.
وكان في شبابه وفي كهولته وفي مُلكه وفي سجنه مثلاً كاملاً للعالِم العامل والمسلم الكامل، وكان يبدأ بنفسه وأهله في كل خير يدعو إليه؛ لمّا خرج إلى الجهاد قال لزوجته: اذهبي على بركة الله وفرّقي كل ما نملك في أسر المجاهدين. فأطاعت المرأة الوفية الديّنة أمر زوجها، وبدأت بحليّها فقسمتها في زوجات المجاهدين.
ولمّا خرج أحرق الهولنديون داره، فرآها من بعيد تتوهج نارُها تأكل ماله وفرشه وكتبه، فقال لعمّه: انظر يا عمّ، إن منزلنا يحترق. لم يبقَ لنا على ظهر الأرض منزل، فلنتّخذ منزلاً في الجنّة.
ومشى يدفع دمه ثمناً لذلك المنزل.
كانت ثورة هذا الأمير في أواسط جاوة، على حين كانت في سومطرة الغربية ثورة أخرى، ثورة لله وللإسلام وللحرّية أضرم نارها «قوم بدري» (أي «الجمعية الغرّاء»، لأن «بدري» معناها الأغرّ أو الأبيض باللسان الملاوي (الماليزي)، وقوم أي «جماعة»)، وهم جماعة من طلبة العلم كانوا يتّخذون الثياب البيض فعُرفوا بها، اجتمعوا على إنكار المنكَر والأمر بالمعروف، حتى إذا استجاب لهم الناس ألّفوا «اتحاد الثمانية»، وهم ثمانية علماء من أرباب السطوة والنفوذ. وأعلنوا الجهاد، وكان قائدهم الشيخ مصطفى سحابو يُعرف باسم إمام يونجول، وحاربوا الهولنديين حرباً متصلة ستّ عشرة سنة، من سنة 1831 إلى سنة 1837، لم تنطفئ نارها حتى أُسر هذا الشيخ المجاهد بحيلة احتالوا عليه بها ونُفي إلى أقصى الأرض، وبقي في الأسر سبعاً وعشرين سنة حتى توفّي سنة 1864.
أما الحروب الهائلة التي كلفت الهولنديين ملايين الروبيّات وعشرات من آلاف الرجال فهي حرب حكومة أبتشيه العظيمة التي سمعتم خبرها، فقد اتصلَت معاركها الحمر ووقائعها الغرّ واحداً وثلاثين عاماً، من سنة 1873 إلى سنة 1904. أما التشكيلات الحديثة، منذ ألّف الحاجّ عمر سعيد جوكرو آمينوتو أولَ حزب إسلامي، وهو «شركة إسلام»، وما كان من أمر الاحتلال الياباني والجهاد والاستقلال فسيأتي خبره إن شاء الله في الحلقتين التاليتين.


* * *

`ذكريات 6 / 233 -248



(¬1) انظر فصل «إسلام أندونيسيا» في كتاب «في أندونيسيا»، وهذه الحلقة منقولة عنه ببعض التصرف (مجاهد).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق