الاثنين، 13 فبراير، 2017

على سور (جينان)





بتاريخ: 30 - 08 - 1937

القصص
للكاتب الصيني الشهير (يانغ جينغ شينغ)
ترجمة محمد مكين الصيني


لما رجع (هونغ سين) إلى المنزل قال لأخيه: (هل سمعت أن اليابانيين يريدون أن يحتلوا مدينة (جينان)؟)
فأخذ أخوه يشك في وفاء جنود الصين وقال: (ألم يقاومهم جنودنا؟)
قال وهو يريد أن ينوه بكرامة جنود الصين إخلاصهم: (بلى!)
فجعل أخوه يرتاب في كفايتهم قائلاً: (هل في المدينة قوة كافية؟)
قال: (لا بد أن تسقط المدينة في أيدي اليابانيين عاجلاً أو آجلا! ولكن الواجب علينا أن ندافع عنها باذلين أقصى جهدنا، فإن خضعت لهم في آخر الأمر قوتنا فلن تخضع لهم روحنا.) ثم رفع رأسه وأصلح بيده شعره.
فطفق أخوه يرتاب في توازن القوتين المتحاربتين قائلا: (بلغني أنه قد وصل إلى (جينان) خمسة آلاف من جنود اليابان.)
قال، وهو يتمشى في الغرفة: (اسمع! قد شرع اليابانيون يطلقون المدافع! لا يتوقف الانتصار على كثرة الجنود، فإذا اشتدت حمية قومنا وتطوع نصفهم للدفاع فلا تخش سوء العاقبة ولو. . .)
ثم توقف عن الكلام لأن قلم الرصاص الذي في يد أخيه انكسر ونشأ عن ذلك فرقعة صغيرة، ووقف ينظر إلى أخيه بعين الريبة وسكت هنيهة ثم قال: (هل كتبت في هذه الأيام إلى السيدة الوالدة؟)
قال أخوه: (لا. قد انقطعت المواصلات بين (جينان) و (تسينغ تاو) منذ أيام كما علمت فلا يمكن أن يصل إليها الخطاب لو بعثت به.)
- (إذا لم يصلها خطاب منا فلا محالة يشتد اضطرابها. ولا أمل في الدراسة هذا العام مع هذه الحالة، فان استطعت أن تعود إلى البلد مبكراً فعلت. إن السيدة الوالدة بعد وفاة السيد الوالد في حاجة إلى من يعولها، ويكفي أن يتطوع أحدنا للدفاع)
ولما سكت تأمل فيه أخوه شاكا في أمره.
وقد أكثر من الكلام، وبعد أن دار في الغرفة دورتين جلس إلى مكتبه فأخذ كتاباً ينظر فيه كأنه يطالعه.
قد تتابعت في ضواحي المدينة أصوات المدافع وارتفعت الصيحات داخل المدينة.
تذكر فجأة أمراً ما فوضع الكتاب على المكتب ورمق أخاه حزيناً كئيباً يقول: (شانغ سين!)
(مالك يا هونغ سين؟)
قال لأخيه بكل لطف: (اذهب إلى الآنسة (لوس) لعلها هي وأمها في حال سيئة من الذعر)
فأومأ أخوه برأسه أن سمعاً وطاعة.
وبعد خمس دقائق جلجلت أصوات المدافع تتخللها فترات قصار، فقام أخوه يقصد الباب فصافحه قائلاً: (يا أخي!)
وقد خالف في ندائه هذا عادته فإنه كان دائماً يدعو أخاه باسمه فتلاقى بصره ببصر أخيه ثم قال: (إلى اللقاء!)
فنظر إليه أخوه نظرة المحزون المهموم وقال: (ألا تخرج الليلة فتكتب خطاباً إلى السيدة الوالدة؟)
فأشار برأسه أنه سيفعل، وخرج أخوه، وكان ذلك بعد الظهر.
وبعد المغرب أخذت أصوات المدافع تتكاثر وتتعالى في ضواحي المدينة، وارتفعت الصيحات بالويلات؛ ولما كاد الليل ينتصف خفتت أصوات المدافع شيئاً فشيئاً وأخذت تقل، وكان (هونغ سين) يتمشى في غرفته ويظن أن أخاه في منزل الآنسة (لوس) فدعا له بالأمن والسلامة، ثم فتح خزانة الثياب وأخرج منها ثوباً من ثياب الألعاب الرياضية فلبسه، وشد رباط حذائه ثم أقفل باب المنزل وخرج.
وكان القمر وهو في أيام التربيع الثاني ممتقعاً لونه معلقاً في جو الشرق تحيط به غيوم فاحمة كأنها تحاول أن تبتلعه.
وكانت الرصاصات وقنابل المدافع تتطاير هنا وهناك، وأصوات البكاء والعويل تملأ أذنيه.
جعل يمشي في أقرب طريق إلى البوابة الغربية لسور المدينة: ولم يخطُ إلا خطوات قلائل حتى طارت قنبلة من فوق رأسه فوقعت على جدار بعض البيوت فَمُلئت أذناه جلبة وضوضاء من تهدم الجدران يعقبه أصوات الفزع والصراخ والبكاء؛ ثم عاد الجو بعد هنيهة إلى ما كان عليه من سكون وهدوء.
ولما اجتاز عدة شوارع رأى بيتاً تشتعل فيه النيران اشتعالاً هائلاً، ورأى جماعة من الرجال والنساء، منهم من يحمل على ظهره أمه الفانية، ومنهم من يقود أباه الهرم، ومنهم من تحمل على ذراعها رضيعها، وهم يهيمون على وجوهم في الشوارع باكين صارخين لا يدرون إلى أين يلتجئون. وبيناهم كذلك إذا بقنبلة تسقط بينهم فانفجرت فمليء الجو صراخاً وأنيناً: أنين الذين يشرفون على الموت الزؤام، فأغمض عينه ومضى في سبيله قدماً بخطوات واسعة. ثم ارتبكت رجلاه فجأة ارتباكاً كاد يعثر منه، فنظر إلى الأرض فإذا بجثة سيدة ملقاة على الثرى تبين في نور القمر أن قنبلة قد ذهبت بإحدى رجليها وتركتها غارقة في دمائها البريئة، وطفل لم يمض على ولادته حول كامل مكب على صدرها يرضعها
ولما بلغ جانب السور رأى نور القمر يسطع من بين الغيوم السوداء، وشاهد كثيراً من جثث الجند مبعثرة على مسند السور هنا وهنالك يئن فيها من لم تزهق نفسه بعد، فالتقط من الأرض بندقية وسلب إحدى الجثث كنانة الرصاص ثم أخذ يصعد على السور، وما كد ينتهي إلى شرفاته حتى تدحرجت جثة من فوق السور عثر فيها ثم نهض من عثرته على الفور، ولما انتهى إلى الشرفات التفت يمنة ويسرة فوجد مسافة نيف وخمسين متراُ خالية من حراسة الجند، ثم أخرج رأسه من بين شرفتين ليعرف حالة العدو، فطار نحوه الرصاص ومر بجانب أذنه، فأنسحب سريعاً وانتقل إلى ما بين الشرفتين الخامسة والسادسة من يساره، وأخرج رأسه مرة أخرى فرأى بأشعة القمر بضعة عشر جندياً يحاولون تسلق السور من هذا المكان الخالي من الحراسة، بعضهم على أكتاف بعض، فصوب بندقيته إلى أحدهم في الطبقة السفلى وأطلق عليه رصاصة فأصابته بالمصادفة فانهارت الطبقة السفلى وتدحرج الذين فوقها إلى الخندق كلهم أجمعون.
ولكن بعد هنيهة اجتمعوا عند السور مرة أخرى فأطلق عليهم رصاصتين فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر، وبينا هو في اضطراب وغضب إذا برجل يناديه من وراء ظهره: (من أنت يا رجل؟!)
أجابه (هونغ سين) بدون تروّ ولا تردد: (من عساكر الخفية.)
ولما التفت إلى خلفه وجد بضعة عشر جندياً قد أتوا إلى النقطة التي يدافع عنها وحده فدلهم على اليابانيين تحت السور، فأطلقوا عليهم وابلا من الرصاص فأصابوا شرذمة منهم وتوارى الباقون في حقول القمح بجانب السور، ولم لم يحسوا بحركتهم ظنوا أنهم قد فروا من وجوههم، فأخرجوا مطمئنين رءوسهم من خلال الشرفات، وإنهم لكذلك إذا بنار تلألأت أمامهم عن بعد، وإذا بقنبلة طارت نحوهم فذهبت بإحدى الشرفات وتطايرت شظايا القنبلة في كل صوب، ومات عقب انفجارها أكثر المدافعين عن السور؛ فأنسحب الباقون إلى نقطة أخرى بعيدة عن مسقط القنبلة ثم جاءت قنبلة أخرى لم تصب شيئاً.
وبعد بضع دقائق اقترب بضعة عشر جندياً يابانياً من السور فأطلق عليهم وابل من الرصاص فاختفوا في حقول القمح
واستمروا على الكر والفر، وبعد مدة مات المدافعون عن السور من قنابل المدافع ولم يبق منهم إلا جندي واحد مع (هونغ سين) الذي أصيب في ذراعه اليسرى فعصبها بمنديله.
انفجر الليل واجتمع الأعداء في شرقي السور الشمالي وخف الضغط على نقطتهما فأخرج (هونغ سين) من جيبه علبة لفائف التبغ وقدمها إلى زميله الجندي قائلاً: (دخن لفافة)
ثم جلسا خلف شرفات السور ورأيا مئات من آثار قنابل المدافع على السور وقد أشتمل ضباب الصباح على وحشة واكتئاب
قال (هونغ سين): (لولا عرقلة اليابانيين لوصلت جيوشنا إلى مدينة (ديجو):)
وقال الجندي: (يسوءني جداً أنهم أهلكوا الليلة خلقاً كثيراً من إخواننا.) ثم أمتص الدخان بقوة.
وعبر (هونغ سين) عن آماله قائلاً: (لعل عدد الباقين منا يكفي للدفاع عن المدينة يوماً آخر.)
فهز الجندي رأسه ثم أخرج من جيبه رغيفاً من الخبز وقال لزميله: (أتحب أن تتناول شيئاً من هذا؟) فهز (هونغ سين) رأسه وأخرج لفافة من لفائف التبغ ليسد بها جوعه
دار الجندي بعينيه حول وجه (هونغ سين) وأطرافه وهو يأكل من خبزه ثم قال: (يا أخي! إنك لا تشبه الجندي في الصورة.)
فسأله (هونغ سين) مبتسماً: (لا يهمني هل أشبه الجندي في الصورة أو لا أشبهه. قل لي هل أشبه الجندي في الدفاع؟)
قال الجندي معجباً به: (نعم ما رأيت قط جندياً باسلاً داهية مثلك!)
ثم شبع الجندي فكثر حديثه فقال. (ألا إن المتطوعين في هذه المرة كثيرون، وكنا بعد ظهر أمس ندافع في جهة الجنوب فجاء طالب من طلبة المدارس ليساعدنا على الدفاع، وما كان أشجعه في القتال! ولكنه واأسفاه لم يكن يدري كيف يختفي وراء شرفات السور فأصيب بعد قليل بجرح.)
قال (هونغ سين): (أكان ذلك بعد ظهر أمس!)
(نعم.)
(كيف شكله؟)
(أقصر منك بقليل ويشبهك في السحنة غاية الشبه.)
قال ذلك وهو يديم النظر إلى عيني (هونغ سين)
فسقط على الأرض ما بقي في يد (هونغ سين) من لفافة التبغ
فسأل الجندي فزعاً: (هل يلبس الزي الأزرق الخاص بالطلبة؟)
(نعم.)
(أجرحه في خطر؟) قال هذا وهو فاغر فاه ينتظر جواب صاحبه الذي قال:
(جرح في ترقوته اليسرى، فإذا أتيح له من يسعفه أمكن أن يشفى؛ ولكن أنى يكون لنا فراغ لنعتني بجرحه؟ فتساقط المسكين على الأرض وجعل ينادي: (يا أماه!) فسأله على سبيل المزاح
(يا رجل! أفتريد أن ترضع أمك؟)
فنهض (هونغ سين) من فوره.
فقال له الجندي: (أتريد أن تعود إلى المنزل؟)
(لا. بل إلى جهة الجنوب.)
(لإسعاف الجرحى؟)
(لإسعاف شقيقي؟) ثم مشى نحو الجنوب.
فقال الجندي: (وا أسفاه!)
في هذه اللحظة نفسها اشتد هجوم الأعداء في شرق السور الشمالي وتوالت أصوات المدافع وتعالت معمعة المدافعين على السور وأصوات البكاء والعويل والصراخ داخل المدينة كأن الأعداء قد اقتربوا من جانب السور هناك.
فأدبر (هونغ سين) ودنا إلى شرقي السور الشمالي ساكتاً صامتاً يسمع الجندي يقول: (يا للخطر! إن عدد المدافعين هناك غير كاف، وإني لذاهب إلى مساعدتهم.)
رأى الجندي ينهض من مكانه فيضع على كتفه بندقيته ويمشي نحو الشرق الشمالي.
فناداه (هونغ سين): (أنتظر!)
فأقبل الجندي ووجده واقفاً واجماً رانياً إلى شرقي السور الشمالي ولا يذهب إلى الجنوب.
فسأله الجندي: (مالك يا أخي؟)
فلم يجبه ببنت شفة وهو لا يزال واقفاً في مكانه شاخصاً ببصره.
قال الجندي: (أنا ذاهب)
(نذهب معاً)
فهز (هونغ سين) رأسه هزة ومسح بكمه مدامعه وأخذ يعدو مع الجندي نحو شرقي السور الشمالي الذي اشتدت عليه قنابل المدافع اليابانية.

محمد مكين الصيني
أحد أعضاء البعثة الصينية في الأزهر

_________________________________________________________

مجلة الرسالة العدد 217

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق