الخميس، 9 فبراير 2017

حكمة الصين


للأستاذ محمود عباس العقاد

في الحروب شر يتبعه أو يتخلله بعض الخير
فالشر المحض ليس له وجود، ولا سيما في الحوادث الكبيرة، ومن الخير الذي في الحروب أنها تعين على تعريف الأمم بعضها ببعض، وتعليم الناس ما لم يكونوا يعلمونه من شئون البلاد الأخرى. فلا تنتهي حرب بين أمتين أو أمم شتى إلا تركتها وهي أعرف بأحوالها ورجالها مما كانت قبل اشتعالها، ومصداق ذلك ظاهر في الحروب الأوربية القريبة، وفي كل حرب من الحروب الموزعة في جوانب الكرة الأرضية.

ومنها حرب الصين واليابان
فالأوربيين كانوا يذكرون الصين في القرن الماضي فلا يذكرون بها غير الأفيون والخطر الأصفر، والحائط الأعظم الذي يحيط بها منذ قرون.
وقد يذكرون الرسوم والنقوش والآنية وطرفا من الحكمة التي تنسب إلى كنفشيوس، فإذا بهم قد ذكروا عنها كل ما يعرفون، أو كل ما أرادوا أن يعرفوه!

أما اليوم فالصين بلاد مكشوفة يكتب عنها في لغات العالم كما يكتب عن البلاد الأوربية، ويقرأ الناس ما يكتبه أدباؤها وما يكتبه أدباء العالم عنها، ويحسب جمهور القراء في المسائل الصينية بمثابة الألوف بين جميع الأجناس والألوان.
وأشهر أدباء الصين الذين عرفناهم بعد حربها الأخيرة هو لن يوتانج غير مدافع.

آخر ما قرأناه له مقال في مجلة أمريكية عنوانه (ما بالك لست بفيلسوف؟):
خلاصته أن الشرق والغرب يجب أن يلتقيا، أو هما قد التقيا، وأن التقاءهما ضروري لأن إدراك العقل لطبيعة الإنسان قد تغير، كأنك قد عمدت إلى بناء فحطمت قواعد فهو لا يتماسك ولا يعاد تعميره ليسع العالم الجديد حتى يشترك في بنائه كل من سيأوي إليه، وهم الشرقيون والغربيون.

قال ما فحواه: لما قرأت أن وندل ويلكي كان في شنكنج يوم الجمعة وعاد إلى أمريكا يوم الاثنين ذعرت!. . . أهي فسحة آخر الأسبوع بين قارتين؟ إن الشرق والغرب إذن لملتقيان.

وستطرد قائلاً: إن عالماً جديداً ينبغي أن يسبك من عناصر الثقافات الإنجلوسكسونية والروسية والشرقية؛ وأن حكمة الشرق هنا غناء كبير
وراح يسأل: هل للصين فلسفة أو مذهب فلسفي كمذهب ديكارت مثلاً أو كانت أو غيرهما من المذاهب التي تقيم لنا بناء منطقياً شامخاً للتعريف بأسرار الكون؟
ثم أسرع يجيب: كلا، مع الفخر!
فأما (كلا) فهذا صحيح وينطبق على الصين كما ينطبق على بلاد شرقية كثيرة.
وأما (مع الفخر) فهذا الذي فيه قولان أو أكثر من قولين.

والواقع أن فلسفة الصين كلها تنحصر في موضوعين متقاربين:
أحدهما آدب السلوك، والآخر رياضة النفس على علاج الأهواء ومسايرة الحياة.
ومن كلام لن يوتانج هذا: (إنني - حين أتكلم بلسان الرجل الصيني - لا أحسب أن حضارة من الحضارات تسمى كاملة ما لم تنتقل من التكليف إلى رفع الكلفة، وترجع عن.
وعي وشعور منها إلى بساطة التفكير والمعيشة، ولا أصف رجلاً بالعقل ما لم يكن قد تقدم من حكمة الحصافة إلى حكمة الحماقة، وأصبح فيلسوفاً يشعر بمأساة الحياة ثم يشعر بمهزلتها إذ لابد لنا من البكاء قبل الضحك، لأن الحزن يصير إلى اليقظة واليقظة تصير إلى ضحك الفيلسوف، وملء هذا الضحك ولا ريب الرحمة والسماحة.
وهذا الذي يقوله فيلسوف الصين الحديث هو إعادة عصرية لما كان يقوله فيلسوفها القديم كنفشيوس، أو هو إعادة لكل فلسفة صينية حفظت لنا مسطوراتها إلى اليوم، وخلاصة رياضة النفس والتغلب على الأحزان
ففي بعض أيام كنفشيوس بلغت به المحنة أن أهدر دمه بين أميرين متنافسين، كلاهما يقصده بالسوء وليس منهما من يحميه.

ومضت عليه سبعة أيام بغير طعام غير حساء الأعشاب التي تجمع من الخلاء، فشحب وجهه وهزل بدنه ولكنه لم يزل في مجلسه يترنم على قيثارة. فلما تبرم تلاميذه بهذه المحنه، دعاهم إليه وناداهم: (ما هذا الذي تقولون!. . . إن المصاعب هي التي تعلمنا الهداية إلى الطريق، وإنما في صبارَّة الشتاء تعرف حق المعرفة نضرة الربيع. وإن هذه الفتنة بين الأميرين لهي حظي السعيد) واستدار مترنما إلى كوخه وهو محبور الفؤاد.


هذه هي الحكمة الصين بحذافيرها: آداب سلوك ورياضة نفس وخروج من ذلك كله بالصبر على مصاعب الحياة.


ولم انحصرت حكمة الصين في هذين الموضعين؟
لأن (البلاط الملكي) فيها قديم، وما زال البلاط الملكي هو المصدر الأول لآداب السلوك وأصول الكياسة ورياضة النفس على السمت اللائق والعرف الجميل.
فأصبحت القدوة المطلوبة هي الأخلاق التي تحمد في معاشرة الملوك، وأصبح قوام الحكمة كلها هو السلوك والرياضة، بل أصبح الرجل الذي يروض نفسه على مسايرة الناس واحتمال سيئاتهم مرشحا للأمارة والملك، حيث يخفق الرؤساء والكبراء.



ومن نوادر التي تساق في معرض هذا المعنى نادرة في كتابهم المشهور (سفر الأسانيد) تجري على النحو الآتي:
قال الأمير: من يجد لي رجلاً أرفعه إلى مرتبة الوكالة عني؟ فقال له بعض الحاشية: ابنك يا مولاي تلوح عليه مخائل الذكاء قال الأمير: كلا فإنه شكس عنيد. أتراه يصلح لما نعهده إليه؟
وقال غيره من رجال الحاشية: إن الوالي فلانا يصلح لها.
فقال الأمير: كلا. لأنه يتكلم عن الأعمال العظيمة ولا يعمل شيئاً، وأمانته ظاهرة ليس لها قرار.
قال بعضهم: ليس لها إلا (كون) المدير القدير.
فأجابهم الأمير: كلا. كلا إنه يحيد عن القانون ويبني القناطر لنفسه إذا عم الفيضان.
يعني أنه يجر النفع إلى ناحيته ولا يحفل بمصالح الناس
وعاد يسألهم أن يجدوا له رجلاً قديراً على ما يرجوه منه ولو لم يكن من النابهين الذين تقلدوا المناصب واشتهروا بين ذوي المقامات.
فذكروا له رجلا من عامة الناس.
قالوا للأمير حين سأل عنه إنه ابن رجل ضرير من الأجلاف أمه صخابة سبابة، وأخوه صلف شديد الخيلاء، ولكنه عاش معهم ووفق بينهم وأبطل شكايتهم ونزع منهم داعية الشر، فهم هادئون وادعون
قال: إنه طلبتي، وعلي اختباره.


فحكمة الصين برعت في أدب السلوك ورياضة النفس لأنها نشأت من البلاط العريق ولم تزل منذ نشأتها تدور حوله وترجع إليه
لكن هذا يفسر لنا نشأة الفلسفة السلوكية ولا يفسر لنا امتناع الفلسفة الكونية، فلماذا امتنعت الفلسفات التي تبحث في نظام الكون وسر الحياة وموضع الإنسان من هذا الوجود؟
لماذا لم توجد في الصين فلسفة أو مذاهب فلسفة كمذهب ديكارت وكانت وهجل وبرجسون وغيرهم من فلاسفة أوربا في العصر الحديث؟



الكهانة العريقة إلى جانب البلاط العريق
فالكهانة العريقة تفسر لنا امتناع الفلسفة الكونية، لأن الكهانة تستأثر بأسرار الخلق وعبادة الخالق ولا تطيق المزاحمة من المفكرين في هذه الصناعة
وقد امتنعت الفلسفة الكونية في أوربا حين قامت الكهانة ودانت لها الشعوب بالصولة ورجع إليها الأمر كله في العلم والتعليم والبحث عن حقائق الأشياء
فلما زالت هذه الصولة ظهرت الفلسفات الكونية بمقدار زوالها، واشتهر القرن الثامن عشر وما بعده بتلك الفلسفات لأن العقول انطلقت في القرن الثامن عشر من حكم الكهانة العريقة واستباحت البحث فيما كان قبل ذلك حكراً موقوفاً على رجال الدين.
وعلى هذا ليست المسألة مسألة فخر للصين أو لغير الصين لأنها برعت في حكمة السلوك ولم تبرع في الحكمة الكونية؛ وإنما هي مسألة موانع طبيعية عاقت الوظائف العقلية عن غايتها التي ينبغي أن تتجه إليها ولا تحتبس دونها، فهي نقص وليست بكمال، وهي ضرورة مفروضة وليست بالمزية المقصودة، كما أراد أن يصورها فيلسوف الصين الحديثة.
وفي العهد الذي تتعاون فيه العقول على بناء العالم الجديد من عناصر الثقافات المختلفة ينبغي أن تتمثل لنا هذه الحقيقة ولا نغفل عنها.

ينبغي أن نعلم أن حكمة السلوك ورياضة النفس إنما هي حكمة تراد لتيسير (المعيشة) أي للمنفعة والراحة
ولكن (المعيشة) ومنافعها دون (الحياة) ودوافعها
فنحن نحسن السلوك ونروض النفس لنعيش في سلام
ولكننا نفسر نظام الكون ونستجلي أسرار الطبيعة لنفقة نصيبنا من الحياة، ونتجاوز تيسير المعيشة إلى تحقيق معنى الوجود.

والعالم الجديد ينبغي أن يكون عالم معيشة وحياة، وأن يسمو فيه الإنسان عن طلب الراحة إلى طلب الكمال، وعن تهدئة خواطره إلى توسيع تلك الخواطر وتقريب ما بينها وبين المثل الأعلى.
وإلا فهو عالم (مادي) محدود وإن تظاهر بالزهد والحكمة، ولا فرق في الجوهر بينه وبين النازية والفاشية والعسكرية اليابانية، وهي العلة التي من أجلها نلتمس الخلاص من العالم المتداعي إلى العالم الجديد.
__________________________

مجلة الرسالة
الجزء255 ص:1:4

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق