الأربعاء، 1 فبراير، 2017

أندلسيات: قصة الفتح بن خاقان


للأستاذ عبد الحمن البرقوقي

1 -
تمهيد:

آما وقد خطت (الرسالة) هذه الخطى الرغيبة الموفقة، وبلغت المبالغ في الفخامة والضخامة والطرافة والإحسان، والحشد والاحتفال، والعناية بالدراسات الدبية الممتعة الموفقة، والترحيب بكل ما يقدم إليها من الموضوعات القيمة الفائقة، فلماذا لا أُلقي دَلوي أنا الآخر في الدلاء، وانشر في (الرسالة) من الآن شيئاً مما تنطوي عليه أضابيري الأندلسية الزاخرة بشتى الموضوعات في هذا الفردوس الإسلامي المفقود - كما كان يسميه فقيد العروبة صديقنا المرحوم احمد زكي باشا - فمن ترجمة أديب إلى قصة شاعر إلى تاريخ فيلسوف إلى حياة علام إلى طرفة أدبية إلى نبذة فلسفية إلى تحفة علمية إلى شطحة صوفية، إلى ما شئت مما تهيأ لي أن اكف على دراسته منذ نيف وثلاثين عاماً حتى صرتُ أطول له عِشرة، وأبطن به خِبرة. . . ولا تسلني لماذا تولعت هذا التولع بدراسة الأندلس وكل ما يمت إلى الأندلس بسبب، فذلك ما اجهل أنا أيضاً علته. . وقد جفت الأقلام وطويت الصحف وقضى الله أن أكون ممن شغفه حباً هذا الفردوس الذي إذا أنت حاولت أن تنزه نفسك بين رياضه النضرة المهرة المثمرة، تجتلي أنوارها، وتجتني من أَمَمٍ أثمارها، وتستمع إلى تغريد بلابلها، وتتروّى من رحيق جداولها، ألفيت ما ينبعث له عجبك وإعجابك، وتشتهي مذاقه حتى يسيل له لعابك، ويتأرجح عبيرهُ المفعَّم فيملأ خياشيمه طيباً، ويستخفّك تغريده المغم فتترنح له تطريباً؛ بيد أنك إذا أنت حاولت هذا الإمتاع من طريق الأسفار التي وضعت في الأندلس قديماً للقيتَ من الألاقى ما لقيت مما لا يكاد ينهض به إلا الأفراد أوتوا من الشوق ما يجلدهم على معاناة البحث والتنقيب والارتياض بتذليل كل صعب عسير. ومن ثم استخلصت لك من نادرة الأسفار، ومغرِّبة الأخبار، باقة جمعت مختلف الأزهار، وسفطاً يحتوي شتى الأثمار، وحاكياً يسمعك احسنَ النغم، وناجوداً تحتسى منه شراباً لا إثم فيه ولا لمم.

أوّه لقد شط القلم، وسجعت ثم سجعت، وتلك التي تستك منها المسامع. . . ومن عذيري من الفتح بن خاقان إذا هو أعداني بسجعه، وتأثر طبعي بطبعه، وان لم يدرك الظالع شأو الضليع؟ ولكن لا تُرَع فسوف أتجنب السجع ما أمكنني تجنبه، وكذلك لا تتوقع ما دمت بصدد هذا الفتح أن ستسمع سجعاً أندلسياً كثيرا قد يضجرك ويسلمك إلى السأم والملال. فسوف أشعشع كل أولئك بما يلطفه ويسيغه أن شاء الله. . .

وإذا كنت اقدم بين يدي كلماتي قصة الفتح بن خاقان فليس ذلك عن قصد قاصد، ولعل الذي وجّه الذهن إليه الآن هو ما أخذته عيني أخيراً في بعض التواليف الحديثة الموضوعة في بلاغة العرب في الأندلس لبعض أصدقائنا من أساتيذ الجامعة إذ يقول: انه لم يترجم للفتح بن خاقان غير ابن خلكان، وإن المقَّري لم يترجم له في نفح واحد. . . واليك بعد ذلك قصة هذا الأديب الأندلسي:

الفتح بن خاقان

ظهر أبو نصر الفتح بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن خاقان عبد الله القبيسي الإشبيلي في عصر هو من خير العصور ومن شر العصور في وقت معا: كان عصراً ذهبياً من ناحية الثقافة، إذ كان عصرا يفقه بكل أنواع المعارف، من علم وأدب وفلسفة، وكان في الوقت ذاته عصر اضطراب سياسي مزعج. . وبَينا الأندلسيون زمَن ملوك الطوائف متمتعون بحرية لاحد لها، يتبجحون فيها ما شاء لهم التبجح، ويلاقي مُثَقَّفُوهم من ملوكهم أقصى غايات الأريحية والإكرام يعيشون في إذرائهم عيشاً تلين لهم مثانيه ومعاطفه، وتدنو عليهم مجانيه ومقاطفه، إذ أنملوكهم كانوا كذل أدباء أفاضل، وعلماء أماثل، أثرت فيهم الحضارة لأندلسية أثرها، فرققت من حواشيهم، وألانت من جوانبهم - بيْناهم كذلك، وجفون الخطوب عنهم نيام، إذ قلب لهم الدهر الخؤون ظهر المجن، وليس لهم جلد النِمر، فكلب عليهم الإسبانيون من الشمال، وطمع فيهم برابربَرٌ العُدوة - مراكش - من الجنوب، فغزاهم المرابطون الخشنون وأزالوا ملكهم، فاستحالت حال الأندلسيين ولا سيما في زمن علي بي يوسف بن تاشفين ذلك الملك الذي كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين اقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين كما يقول المراكشي صاحب المغرب، ويقول عنه أيضاً: واشتد إيثاره - أي إيثار علي بن يوسف بن تاسفين ملك مراكش والأندلس - لأهل الفقه والدين فكان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وكان إذا ولي أحداً من قضاتِه كان فيما يعهد إليه إلا يقطع أمراً ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته، فمعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول ابن البنّي - شاعر أندلسي سنترجم له: -

أهل الرياء لبستمو ناموسكم ... كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتمو الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتو الأموال بابن القاسم

وركبتمو شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم

(ابن القاسم وأشهب واصبغ هم من أئمة مذهب الأمام مالك الذي كان المذهب الوحيد المعمول به في المغرب والأندلس إلى أن يقول: (ولم يكن يُقرَّبُ من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من عَلِمَ عِلْمَ الفروع أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وَحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء. ودانَ أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شئ من علوم الكلام - التوحيد - وقرّر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شئ منه، وانه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شئ منه، وتوعد من وجد عنده شئ من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي رحمه الله أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد حتى سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شئ منها. وأشتد الأمر في ذلك؛ ثم قال: ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك، كأبي القاسم بن الجد، وأبي بكر محمد المعروف بابن القَيْطُرْنه، وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال وأخيه أبي مروان، وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون - صاحب القصيدة المشهورة التي يرثى بها بني الأفطس من ملوك الطوائف والتي مطلعها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصوَر

(وسترى تراجم هؤلاء الأفاضل قريباً) في جماعة يكثر ذكرهم. إلى أن قال: ولم يزل أبو عبد الله بن أبي الخصال وأخوه أبو مروان كاتبين لأمير المسلمين إلى أن أخّرَ أمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة لموجدة كانت منه عليه سببها انه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جند بلنسية حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهم ابن ردمير هزيمة قبيحة، فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها احسن فيها ما شاء، منعني من إيرادها ما فيها من الطول: وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض افحش فيها على المرابطين واغلظ لهم في القول اكثر من الحاجة؛ فمن فصولها قوله: أي بني اللئيمة، وأعيار الهزيمة، آلام يزيفكم الناقد، ويردكم الفارس الواحد؛ فليت لكم بارتباط الخيول ضأناً لها حالب قاعد، لقد آن أن نوسعكم عقابا، وألا تَلُوثوا على وجه نقاباً، وان نعيدكم إلى صحرائكم، ونطهر الجزيرة من رحضائكم. . . في أمثال لهذا القول فاحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته وقال لأبي عبد الله أخيه: كنا في شك من بغض أبي مروان المرابطين والآن قد صح عندنا. فلما رأى ذلك أبو عبد الله استعفاه فأعفاه، ورجع إلى قرطبة بعد ما مات أخوه أبو مروان بمراكش وأقام هو بقرطبة، ثم قال: واختلت حال أمير المسلمين بعد الخمسمائة اختلالا شديدا فظهرت في بلاده مناكر كثيرة، وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد ودعواهم الاستبداد وانتهوا في ذلك إلى التصريح فصار كل منهم يصرح بأنه خير من علي أمير المسلمين وأحق بالأمر منه. . . وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغفله ويقوى ضعفه، وقنع باسم إمرة المسلمين وبما يرفع إليه من الخراج وعكف على العبادة والتبتل فكان يقوم الليل ويصوم النهار مشتهراً عنه ذلك وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس.

نجم أبو نصر الفتح بن خاقان في هذا العصر الذي هو كما أسلفنا من خير العصور لأندلسية من ناحية الثقافة واكتظاظ الأندلس بالعلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء، وفي الوقت ذاته هو من شر العصور إذ كان عصرا سياسيا سخيفا كما ترى.

ولد الفتح بن خاقان سنة 480هـ - 1087م، أي قبل أن يدال للمرابطين من ملوك الطوائف بسنتين. أما وفاته فقد اضطربت فيها كلمة المؤرخين فحكى ابن خلكان إنها كانت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة - 1140م - وقال ابن الأبار القضاعي في معجم أصحاب الصدفي انه توفي ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال: وقرأت ذلك بخط من يوثق به، وقال الوزير الخطير لسان الدين بن الخطيب أن وفاته كانت ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام 529 والفرق بين ما رواه ابن الأبار وبين ما رواه لسان الدين بن الخطيب هو قريب من أربعة اشهر كما ترى. على أن ابن خلكان حكى ما رواه لسان الدين بن الخطيب أيضاً. . . وقال لسان الدين بن الخطيب: وأبو نصر الفتح بن خاقان من قرية بعرف بقلعة الواد من قرى يحصِب. وبضم كلام لسان الدين هذا إلى قول الحجاري في المسهب في حق الفتح: طلع من الأفق الاشبيلي شمسا طبق الآفاق ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها - يبدو لنا ان قرى يحصب هذه من كورة اشبيلية، وقد تكون من كورة أخرى من كور الأندلس نزح منها الفتح إلى إشبيلية واتخذها مقاماً له؛ وقد يريدلسان الدين بن الخطيب أن اصل الفتح من هذه القرية، آما هو فقد ولد بإشبيلية بعد أن نهد إليها آباؤه الأقربون وأقاموا بها؛ وأياً كان مسقط رأسه فقد نشأ في أشبيلية وفيها كما يظهر اخذ الأدب - كما يحدثنا لسان الدين بن الخطيب - عن أبي بكر بن سليمان بن القصيرة - أحد مشهوري الكتاب وسترى ترجمته - وأبن اللبانة من كبار شعراء الأندلس، وابن محمد بن عبدون الشاعر الكاتب صاحب قصيدة: الدهر يفجع بعد العين بالأثر، وابن دريد الكاتب وأبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي الحسن بن سراج، وأبي خالد بن تستغير، وأبي عبد الرحمن بن طاهر، وأبي عامر بن سرور وأبي الوليد بن حجاج. هكذا سرد مشيخته لسان الدين بن الخطيب.

نشأ الفتح بن خاقان نشأة أدبية كما ترى، ومن ثم غلب عليه الأدب حتى انصرف إليه فن كلما عداه ولم يؤثر عنه من المعارف سواه، قال ابن خاتمة: انه لم يعرف من المعارف بغير الكتابة، والشعر، والآداب. أقول: وقلما ترى أديباً أندلسياً إلا وله مشاركة في كثير من العلوم الدينية وغير الدينية. على أن قارئ الفتح بن خاقان يرى انه واسع الاطلاع إلى أقصى حد، وانه أديب كل الأديب وان معارفه العامة وثقافته الشاملة التي لا بد منها للأديب في تلك العصور متوافرة. واليك أقوال مترجميه: قال لسان الدين بن الخطيب: كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقَها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزا في باب الحلي والصفات. وقال في موضع آخر: وشعره وسط، وكتابته فائقة. وقال ابن سعيد في المغرب: فخر أدباء أشبيلية بل الأندلس ذكره الحِجَاري في المسهب، الدهر من رواة قلائده، وحملة فرائده. طلع من الأفق الاشبيلي شمسا طبق الآفاق ضياؤها، وعم الشرق والغرب سناها وسناؤها، وكان في الأدب ارفعالأعلام، وحسنة الأيام، إلى أن قال: وهو وأبو الحسن علي بن بسام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان، وكلاهما قس وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييدا، وعلما مفيدا، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلقاً وتعشقاً بالأنفس، ولولا ما اتسم به مما عرف من أجله بابن خاقان لكان أحد كتاب الحضرة المرابطية بل مجليها المتولي على الرهان، وإنما أخلّ به ما ذكرناه مع كونه اشتهر بذم أولي الأحساب، والتمرين بالطعن على الأدباء والكتاب، وقد رماه الله بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر بن ماجه فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد اسود خلا معه بما اشتهر عنه بتركه مقتولاً. .

نرجئ القول على قتله ولماذا قتل ونمضي الكلام على منزلته الأدبية والمفاضلة بينه وبين معاصره وتوأمه أبي الحسن علي بن بسام صاحب الذخيرة.



2 -

يتشابه الفتح بن خاقان وأبو الحسن بن بسام في أنهما كانا متعاصرين، وفي أنهما تصديا للكلام على أدباء الأندلس من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء والملوك ممن عاصرهما ومن كان قبل عصرهما، وفي أنهما كانا يرسلان إلى معاصريهما يعرفانهم عزمهما ويسألانهم إنفاذ شيء من منثورهم ومنظومهم ليذكراه في كتابيهما: الأول في قلائد العقيان ومطمع الأنفس، والثاني في الذخيرة. قال العماد الكاتب صاحب خريدة القصر: حدثني الصاحب الكبير العالم جمال الدين بن أكرم قال: لما عزم أبن خاقان على تصنيف كتاب قلائد العقيان جعل يرسل إلى كل واحد من ملوك الأندلس ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر والبلاغة ويعرفه عزمه ويسأله إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره ليذكره في كتابه. وكانوا يعرفون شره وثلبه فكانوا يخافونه وينفذون إليه ذلك وصرر الدنانير، فكل من أرضته صلته، أحسن في كتابه وصفه وصفته. وكل من تغافل عن بره هجاه وثلبه. وكان ممن تصدى له وأرسل إليه أبو بكر بن باجه المعروف بابن الصائغ، وكان وزير أبن فلويت صاحب المرية. وهو - أي أبن الصائغ - أحد الأعيان وأركان العلم والبيان. شديد العناية بعلم الأوائل، مستول على أهل الأشعار والرسائل، وكانوا يشبهونه في المغرب بابن سينا بالمشرق، وله تصانيف في المنطق وغيره، فلما وصلته رسالته تهاون بها ولم يعرها طرفه، ولا لوي نحوها عطفه، وذكر أبن خاقان بسوء بلغه، فجعله ختم كتابه، وصيره مقطع خطابه، وقال: هو رمد جفن الدين الخ وبلغ ذلك أبن الصائغ، فأنفذ له مالا استكفه به واستصلحه؛ وصنف أبن خاقان كتاب آخر سماه مطمح الأنفس وصله بقلائد العقيان افتتحه بذكر أبن الصائغ وأثنى عليه فيه ثناء جميلا الخ وكذلك نرجئ الكلام على ما كان بين أبن خاقان وبين الفيلسوف أبن باجه أو أبن الصائغ إلى ما بعد الفراغ من الموازنة بين أبن خاقان وبين أبن بسام. . . وقد ظهر لك مما أوردناه هنا من كلام العماد أن أبن خاقان كان يرسل إلى أعيان الأندلس ليرسلوا إليه آثارهم، وكذلك كان يفعل أبن بسام صاحب الذخيرة. . . قال المراكشي صاحب المعجب: فمما أختار له - أي لأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال أحد كتاب الأندلس البلغاء النابهين - فصول من رسالة كتب بها مراجعا لبعض إخوانه عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئا من كلامه، وهذا الرجل صاحب الرسالة هو أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب الذخيرة. . . وهذا هو محل الشاهد. . . ودونك الآن فصولا من هذه الرسالة - أي رسالة أبن أبي الخصال إلى أبن بسام فأنها من طرف الأندلسيين. قال: وصل من السيد المسترق، والمالك المستحق، وصل الله إنعامه لديه، كما قصر الفضل، كتابه البليغ، واستدراجه المريغ. فلولا أن يصلد زند اقتداحه، ويرقد طرف افتتاحه، وتقبض يد انبساطه، وتغبن صفقة اغتباطه، للزمت معه قدري، وصنت سريرة صدري. ولكنه بنفثات سحره يسمع الصم، ويستنزل العصم، ويقتاد الصعب فيصحب، ويستدر الصخور فتحلب، ولما فجأني ابتداؤه، وقرع مسمعي نداؤه. فزعت إلى الفكر، وخفق القلب بين الأمن والحذر، فطاردت من الفقر أوابد قفر، وشوارد عفر، تغبر في وجه سائقها، ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولا حقها، فعلمت أنها الاهابة والمهابة، والإصابة والاسترابة، حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر، إلا زبرجا يعقب جوادا، وبهرجا لا يحتمل انتقادا. وأنى لمثلي والقريحة مرجاة، والبضاعة مزجاة ببراعة الخطاب، وبزاعة الكتاب. ولولا دروس معالم البيان، واستيلاء العفاء على هذا الشان، لما فاز لمثلي فيه قدح، ولا تحصل لي في سوقه ربح. . . وأنا أعزك الله أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النتف الأخيرة. وأرى إنها قد بلغت مداها، واستوفت حلاها، وأنا أخشى القدح في اختيارك، والإخلال بمختارك. . . إلى أن يقول: وعذرا أعزك الله فأني خططت ما خططته والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بالسراج، وتصول صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا، وتارة تحركه لسانا، وآونة تطويه حبابه، وأخرى تنشره ذؤابه، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب. أو حمة عقرب. وتقوسه حاجب فتاة، ذات غمزات، وتسلطه على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتخلعه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد. ومشقته حروف برق، بكف ودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلا حظ منه للعين، ولا هداية في الطرس لليدين، والليل زنجي الأديم، تبرى النجوم، قد جللنا ساجه، وأغرقنا أمواجه، فلا مجال للحظ، ولا تعارف إلا بلفظ، لو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، أو خضبت به الشيبة لما نصلت، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه. والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الحباب، وجلده الجليد، وصعد أنفاسه الصعيد، فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح، والنار كالرحيق، أو كالصديق، كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب، استوى الفصل، ولك في الإغضاء الفضل، والسلام. . .

وقد حدثنا الفتح في قلائده أنه هو الآخر كتب إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال مستدعيا من كلامه ما يثبته في الديوان - يريد قلائد العقيان - وينبته في زهر البستان، فكتب إليه أبن أبي الخصال رقعة يقول فيها: الحذر - أعزك الله - يؤتي من الثقة، والحبيب يؤذى من المقة؛ وقد كنت أرضى من ودك وهو الصحيح بلمحة، وأقنع من ثنائك وهو المسك بنفحة، فما زلت تعرضني للامتحان، وتطالبني بالبرهان، وتأخذني بالبيان، وأنا بنفسي أعلم، وعلى مقداري أحوط وأحزم، والمعيدي يسمع به لا أن يرى، وإن وردت أخباره تترى فشخصه مقتحم مزدرى، ولا سيما من لا يجلى ناطقا، ولا يبرز سابقا، فتركه والظنون ترجمه، والقال والقيل يقسمه، والأوهام تحله وتحرمه، وتخفيه وتخترمه، أولى به من كشف القناع، والتخلف عن منزله الامتناع، وفي الوقت من فرسان، هذا الشان، وأذمار هذا المضمار، وقطان هذه المناهل، وهداة تلك المجاهل، من تحسد فقره الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزاهر فملقاة في رباها، ولو حلت عن المسك حباها، وصيغت من الشمس حلاها، فهي من الوجد تنظر بكل عين شكرى، لا نكرى، وإذا كانت أنفاس هؤلاء الأفراد مبثوثة، وبدائعهم منثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت متردما، ولا استبقت لمتأخر متقدما، فعندها يقف الاختيار، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، قليل الإمتاع، ثقيل روح السرد، مهلك صر البرد، إلا أن يعود به جماله، ويحرس نقصه كماله، وهبه أعزه الله قد استسهل استلحاقه، وطامن له أخلاقه، أتراني أعطي الكاشحين في اتبابه يدا، وأترك عقلي لهم سدى، وما أخالك ترضاها مع الود خطة خسف، ومهواة حتف، لا يستغل غبينها ولا يبل طعينها. . . الخ الخ فهي رسالة طويلة وإن كانت على طولها ممتعة جميلة. . . .

موازنة ومفاضلة

والآن فلنعرض للموازنة بين الفتح وبين أبن بسام ما دام بينهما هذا التشابه الذي ذكرنا. . .

قال الحجاري صاحب المسهب: وهو - الفتح - وأبو الحسن بن بسام الشتتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان، وكلاهما قس وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن أبن بسام أكثر تقييدا، وعلما مفيدا، وإطنابا في الأخبار، وإمتاعا للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلقا وتعشقا بالأنفس. . . هذا هو كل ما عثرنا عليه للمتقدمين من مفاضلة بين هذين الفاضلين، ونحن فنقول: إن المتفقد لكتاب الذخيرة لأبن بسام، وكتابي القلائد والمطمح لأبن خاقان، يتبن له أن الفتح في الحق أضخم عبارة، وأجزل أسلوبا، وأقدر على التنميق والتزويق والتهويل، ويغلب ذلك على أكثر تراجمه؛ وقد يتعمل حتى يرى أثر التقعر محسا ملموسا، وهو مع هذه الجزالة والضخامة، أقل تقييدا وعلما مفيدا، دع تقصيره في تراجمه من ناحية التحقيق التاريخي فلا يذكر أسم المترجم كاملا ولا نسبه ولا بلده ومنشأه، ولا تاريخ مولده ووفاته، فكأنه يترجم مترجمة لناس يعرفونهم كل المعرفة، وإنما الذي ينقصهم هو أن يلموا ببعض آثار أولئك المترجمين المعروفين، وأن يقفوا على بلاغة الفتح وبراعته، وحذقه ومهارته، وكيف يرفع من يبغي أن يرفعه ويخفض من يريد أن يضعه، ومن هنا لا تعد كتب الفتح كتب تراجم بالمعنى المعروف، وإنما هي بكتب المختارات أشبه. أما أبن بسام صاحب الذخيرة فهو وإن كان أكثر تقييدا وعلما مفيدا، وإطنابا في الأخبار، وإمتاعا - من هذه الناحية - للأسماع والأبصار - كما يقول الحجاري - وإن كان أقل تزويقا وتهويلا وإن كان أعف لسانا، وأنزه بيانا، إلا أنه هو الآخر يقارب الفتح في أغفاله تاريخ من ترجم له مولدا ووفاة ونسبا ومنشأ، ومثل الاثنين في ذلك مثل الثعالبي صاحب يتيمة الدهر، ومثل الثلاثة العماد الكاتب صاحب خريدة القصر وجريدة أهل العصر والباخرزي صاحب دمية العصر وعصرة أهل العصر، كل أولئك يجتزئون ببلاغتهم عن تحقيقاتهم، فكانت كتبهم لذلك نوعا غريبا بين أسفار الأدب في لغة العرب، فلا هي بالمختارات المحضة ول هي بالتراجم الوافية، ولا هي من قبيل العقد والكامل وما إليهما. ولعل أول من ابتكر هذا النوع هو الثعالبي.



3 -

أخلاق الفتح

نقول إن ابن بسام كان أعفّ لساناً، وأنزه بياناً. أمّا الفتح ابن خاقان فقد كان مقذعاً هجاء إلى أنه كان مداحاً فصالاً، فمن أرضاه وألهاه، مدحه وفتح لهاه؛ ومن لا يرضخ له من ماله بما يرضيه، هجاه وأقذع وولغَ فيه. وربما دسّ له لدى أولى الأمر وضرّاهم عليه. ومن ذلك ما كان منه مع فيلسوف الأندلس أبي بكر بن الصائغ وطبيبها الأكبر أبي العلاء بن زهر كما سيمر بك قريباً. . . وقد كان مع ذلك سكيراً معربداً إلى هنوات أخرى لقد يندى لها جبين الأدب، وقعدت به عن بلوغ المراتب التي بلغها أمثاله ومن هو دونه. قال الوزير لسان الدين بن الخطيب في حق الفتح: كان آية من آيات البلاغة لا يُشَق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنه كان مجازفاً مقدوراً عليه، لا يملّ من المعاقرة والقصف حتى هان قدره، وابتذلت نفسه، وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا دخله مسترفداً أميره. وأغلا في عليته. . . وقال ابن بشكوال في الصلة: وكان - الفتح - معاصراً للكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، إلا أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وجاء في النفح أن الفتح قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض - صاحب الشفاء - مخمّراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبتوحدّه حداً تاماً. وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة. . . فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم بقلائد العقيان، قال: فقلت له: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك؟ فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تنسى وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك فيقال له، فيتوارث العلمَ عن الأكابرِ الأصاغرُ؛ قال: فتبين ذلك وعلم صحته وأقرّ اسمه في (القلائد).

ولقد أزلفنا أنه هجا الفيلسوف ابن الصائغ وأقذع في ترجمته له في القلائد، ثم مدحه وأثنى عليه في المطمح؛ وقد حدثنا الوزير لسان الدين بن الخطيب عن سبب هجائه إياه أولاً، قال: وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجه أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به في تكذيبه إياه في مجلس إقرائه إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، ووصف حلياً، - وكان يبدو من أنفه فضلة خضراء اللون، فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزُمرّدة التي على شاربك. . . فثلبه في كتابه بما هو معروف. . .

أما مدحه إياه بعد إذ هجاه فقد ذكر لنا العماد أن ذلك كان منه بعد أن أنفذ إليه مالاً استكفّه به واستصلحه. . . وإليك نُتَفاً مما كتبه في القلائد هاجياً، ثم مما كتبه في المطمح مادحاً: قال في القلائد: (هو - أي ابن الصائغ - رَمَد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفاً وجنوناً، وهجر مفروضاً ومسنوناً، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطَهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بِتَوار في جدث ولا أقر ببارئه ومصوره، ولا قر بتباريه في ميدان تهوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم. الخ الخ). وقد أورد له متعمداً أبياتاً ليست من جيد شعره. وأين هذا من تحليته له في المطمح بقوله فيه ما هذا بعضه: (نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، وتأرجت من طيب ذكره الأمصار، وقام وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام فنناً وتهدّل، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور، الخ الخ). وأورد له شعراً جيداً. وكل أولئك تراه في ترجمتنا لهذا الفيلسوف الأندلسي العظيم. . . أما ما كان من الفتح من الكيد للفيلسوف الكبير والطبيب النطاسي الأشهر والوزير الخطير أبي العلاء زهر لدى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فقد جاء في نفح الطيب ما نصه:

(وكان بينه - أي بين أبي العلاء زهر - وبين الفتح صاحب القلائد عداوة، ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته:

أطال الله بقاء الأمير الأجل سامعاً للنداء، رافعاً للتطاول والاعتداء، لم ينظم الله الملك بلبتك عقداً، وجعل لك حلاً للأمور وعقداً. وأوطأ لك عقبا، وأصار من الناس لعونك منتظراً ومرتقباً، إلا أن تكون للبرية حائطاً، وللعدل فيهم باسطاً، حتى لا يكون منهم من يضام، ولا ينال أحدهم إهتضام، ولتقصر يد كل مُعتدي في الطلام. وهذا ابن زهر الذي أجررته رَسَنا، وأوضحت له إلى الاستطالة سُنَنا، لم يتعدّى من الأضرار إلا حيث اشتهيته، ولا تمادى على غيّه إلا حين لم تنهه أو ألهيته، ولما علم أنك لا تنكر عليه نكراً، ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكراً، جرى في ميدان الأذية مِلء عنانه، وسرى إلى ما شاء بعدوانه، ولم يراقب الذي خلقه، وأمد في الحظوة عندك طلقه، وأنت بذلك مرتهن عند الله لأنه مكنك لئلا يتمكن الجور، ولتسكن بك الفلات والغور، فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق، وأخفق به كل فريق، وقد علمت أن خالقك الباطش الشديد يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يخفى عليه نجواك، ولا يستتر عنه تقلبك ومثواك، وستقف بين يدي عدل حاكم، يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم، قد علم كل قضية قضاها، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فبما تحتج معي لديه، إذا وقفت أنا وأنت بين يديه؟ أترى ابن زهر منجيك في هذا المقام، أو يحميك من الانتقام، قد أوضحت لك المحجة، لتقوم عليك الحجة، والله النصير، وهو بكل خلق بصير، لا رب غيره والسلام. . . هذا جانب من خلائق الفتح: تحوّل وتقلُّب، ونقض لما أبرم، وإبرام لما نقض، وهجاء ثم مدح، ومدح ثم هجاء، ومناوأة للفلاسفة، واستعداد للملوك والأمراء عليهم، إلى ما أشرنا إليه آنفاً من خلعه العذار واستهتاره، وإهماله المعاقرة وفسوقه، حتى كان ذلك سبباً - كما يقول المؤرخون - في تخلفه عن لداته وقعوده عن بلوغ علياً الرتب التي بلغوها. ومن هنا كان حبه المال حباً نال من كرامته ونقص من قيمته وصّيره شهرة لدى العلماء والأمراء وسائر العلية والسروات. ومما يؤخذ عليه أيضاً غروره واعتداده بنفسه إلى أقصى حد؛ ولا أدل على ذلك من قوله في خطبة قلائده: (الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنتنا، وشاد مثواه في أجنتنا، وذلل لنا من الفصاحة ما تصعب فملكناه، وأوضح لنا من مشكلاتها ما تشعب فسلكناه، فصار لنا الكلام عبداً يجيب إذا ناديناه، ومهما يصيب الغرض إذا رميناه).

وبعد فقد كان هذا الأديب الألمعي الموهوب من أولئك الأدباء الذين أدركهم داء الانحطاط، ومثله كثير بين أدباء العرب والعجم والمشرق والمغرب قديماً وحديثاً. . . وهذا الصنف من الأدباء والفنانين جدير بالرحمة والرثاء، لأن عبقريتهم هي سر انحطاطهم، إذ العبقرية في الحق شعبة من الجنون كما شرح ذلك لمبروزو وماكس نوردو وغيرهما. وقد كان انحطاط هذا الأديب سبباً في قتله. . . وفي أنفة مؤرخ كبير وأديب نابغ هو ابن الأبار القضاعي من ترجمته والتعرض لذكره، فقد قال هذا ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي: إنه لم يكن مرضياً وحذفه أولى من إثباته. ولذا لم يذكره في التكملة. أما قتله فقد قال ابن سعيد في المغرب - بعد كلام - ما نصه: (وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجَّه، فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه وتركه مقتولاً. . . . . . . . .). . . وقال ابن دحية إنه قتل ذبحاً بإشارة على بن يوسف بن تاشفين. . .



4 -
تتمة

تواليف الفتح وشئ من منظومه ومنثوره

الشائع المعروف أن ليس للفتح بن خاقان غير قلائد العقيان، ومطمح الأنفس، ولكن يجب أن يلحظ أن المطمح نسختان صغيرة وكبيرة؛ وقال أبن خلكان إن المطمح ثلاث نسخ صغرى ووسطى وكبرى. وللفتح غير قلائد العقيان والمطمح كتاب أسمه بداية المحاسن وغاية المحاسن، ذكر ذلك المقري وقال إن له أيضاً مجموعاً في ترسيله وتأليفاً صغيراً في ترجمة ابن السيد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد. . . ولمناسبة ذكر ابن السيد البطليوسي الأندلسي الأديب الكبير وصاحب شرح أدب الكاتب لابن قتيبة نقول: إنه كان بينه وبين الفتح علقة ومودة، ومن ثم قرظ ابن السيد كتاب القلائد بهذه الرقعة التي أرسلها إلى الفتح، قال: (تأملت - فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه - كتابه الذي شرع في إنشائه، فرأيت كتاباً سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدى له غرر في أوجه ومواسم، فقد أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدى بنجومها، وتردى برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعرى من شعرك، والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيراً وسبقت، ودعي أخيراً وتقدمت، لأعدمت شفوفاً، ولا برح مكانك بالآمال محفوفاً. بعزة الله. .). وقلائد العقيان كتاب قدمه الفتح لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أخي أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ونائبه في الأندلس، وقد ألمعنا فيما سلف إلى بعض صفات هذا الكتاب وأنه هو والذخيرة لابن بسام، واليتيمة للثعالبي، والخريدة للعماد، ونظائها، لا تعد كتب تراجم بالمعنى المتعارف؛ وإنما هي حليّ وصفات لبعض أفاضل العصر وبلغائه بأسلوب منمق بليغ. ومختارات من منظومهم ومنثورهم.

أما تاريخ المترجم له ومنشؤه ونسبه ومولده ووفاته وكيف تصرفت به الأحوال فهذا ما ليسوا منه بسبيل ولا هو من عملهم وإنما هو من عمل المؤرخ. أما هم فأدباء يحلون أدباء معاصرين أو قريبين من عصورهم. . . وأسلوب الفتح في كتبه أسلوب لاشك جزل متين وإن كان كله مسجعاً؛ ومن ثم قد يعلو وقد يسفل، وقد يرى مطبوعاً وقد يرى عليه أثر التكلف والتعمل. وقد كان بلغاء الكتاب في تلك الأعصر يظنون السجع عملا فنياً في الذروة من الفن تلي مرتبته مرتبة الشعر للموسيقية التي فيه وإن كان النقدة من المتقدمين ينكرون الولوع به والإفراط فيه كما ننكره نحن اليوم. وقد اشترطوا به شروطاً أهمها: أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، ولم يشترطوا ذلك في السجع فحسب؛ وإنما اشترطوه في كل المحسنات البديعية، قالوا: إن هذه المحسنات ولاسيما اللفظية منها لا تحل محلها من القبول، ولا تقع موقعها من الحسن، حتى يكون المعنى هو الذي استدعاها وساقها نحوه، وحتى تجدها لا تبتغي بها بدلاً ولا تجد عنها حولاً؛ ومن هنا ذم الاستكثار منها والولوع بها، لأن المعاني لا تدين في كل موضع لها، إذ هي في الغالب ألفاظ، والألفاظ خدم المعاني مصرفة في حكمها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظبة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب والتعرض للشين. ولهذه الحالة كان كلام المتقدمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع ولزموا سجية الطبع أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأسلم من التفاوت، وأبعد من التصنع الذي هو ضرب من الخدع بالتزويق. والرضا بأن تقع النقيصة في نفس الصورة وذات الخلقة إذا أكثر فيها من الوشم والنقش؛ وأثقل صاحبها بالحلي والوشم، قياس الحلي على السيف الددان والتوسع في الدعوى بغير برهان، كما قال المتنبي:

إذا لم تشاهد غير حُسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب

هكذا يقول إمام النقاد عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471هـ - سنة 1078 ميلادية - ويقول: وقد تجد في كلام المتأخرين كلاماً حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع - ومنه السجع - إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين؛ ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن ثقل على العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها. . . ولن تجد أيمن طائراً، وأحسن أولاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تلبس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تضع في نفسك أنه لابد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقع في الذم الخ. (وبعد) فإن الكلام في هذا الموضوع يطول، ولنجتزئ بهذا المقدار. والآن، إلا يسمح لنا القارئ بأن نعرض عليه شيئاً من منظوم الفتح ومنثوره؟ وأنت تعلم أن شعر الكتاب في الأعم الأغلب إن هو إلا مقطعات من جهة، وليس من النسق العالي كشعر فحول الشعراء من الجهة الأخرى. ومن ثم كان ما رأيناه من شعر الفتح على قلته شعراً وسطاً كما قال لسان الدين بن الخطيب. فمن شعره مما لم يرد في كتبه:

لله ظبي من جنابك زارني ... يختال زهواً في ملاء ملاح

ولي التماسك في هواه كأنه ... مروان خاف كتائب السفاح

فخلعت صبري بالعرا ونبذته ... وركبت وجدي في عنان جماح

أهدي لي الورد المضعف خده ... فقطفته باللحظ دون جُناح

وأردت صبراً عن هواه فلم أطق ... وأريت جدا في خلال مزاح

وتركت قلبي للصبابة طائراً ... تهفو به الأشواق دون جَناح

ومنه قوله وقد أورده في قلائد يخاطب أبا يحيى بن الحاج:

أكعبة علياء وهضبة سؤدد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطر

هنيئاً لملك زار أفقك نوره ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر

وأين لخفاق الجناحين كلما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطر

وقد كان واش هاجنا لتهاجر ... فبت وأحشائي جوى تتفطر

فهل لك في ود ذوى لك ظاهراً ... وباطنه يندى صفاء ويقطر

ومن منثوره مما لم يرد في القلائد ولا في المطمح قوله:

معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فان نبهتك فإنما نبهت عمرا، وإن استنرتك فإنما أستنير قمراً؛ والأمير أيده الله تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنه حسام بيد الملك طلاقته فرنده، وشهامته حده، وقضيب في دوحة الشرق رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسمت نارك لعلي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالوادي المقدس. وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه. فجرد أيدك الله تعالى صارم عزم لا يفل غروبه، وأطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه. . . (وأما بعد) فان أردت التروي من منثور الفتح وبدائعه، فعليك بالقلائد والمطمح، فهما بحق نهران يزخران بالمعجب والمطرب، رحمة الله على هذا الأديب الأندلسي العبقري المبدع. .


عبد الرحمن البرقوقي
منشئ مجلة البيان ورئيس قلم المراجعة بمجلس النواب

_________________________________________

مجلة الرسالة الأعداد 125 / 126 / 127 / 129

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق