الثلاثاء، 24 يناير، 2017

الأريوسية الموحدة


الأستاذ أنور الجندي



منذ وقت بعيد وعلى ألسنة عدد من العلماء والباحثين المسيحيين تتردد الدعوة إلى إعلان بشرية السيد المسيح ونبوته للخالق تبارك وتعالى ومعارضيه ما تردده التفسيرات المسيحية التي تتحدث عن ما يسمى ألوهية السيد المسيح ولقد ظلت هذه الدعوة خافتة حتى جاءت ظاهرتان خطيرتان في الأيام الأخيرة إحداهما ذلك الكتاب الذي صدر في باريس تحت اسم: The Myth of God Incarnat

والذي كتبه سبعة من كبار رجال الكهنوت يعلنون فيه إنكار ألوهية السيد المسيح ويقرون ببشريته فقط. أما الأمر الآخر فهو تلك المخطوطات التي اكتشفت في كهف قمران والتي تثبت أن السيد المسيح نبي مرسل من عند الله وليس إلهًا ولا ابن الإله وإنما هو بشر اختاره الله تبارك وتعالى واصطفاه بالنبوة وأرسله لبني إسرائيل.

وترجع نسبة الأريوسية إلى أريوس الأسقف المصري الذي عارض محاولات تفسير الديانة المسيحية ونسبتها إلى مفاهيم قديمة بالتثليث أو ما يسمى بالطبيعة المزدوجة (وكلها مذاهب وفلسفات قديمة كانت قبل المسيحية وكان أن اقتبسها بولس في تفسيراته للمسيحية وبها نقلها من الديانة الربانية السماوية إلى ديانة بشرية ويقرر الأستاذ رشيد سليم الخوري في وصيته (تموز 1977 م):
إن الكنيسة المسيحية ظلت حتى القرن الرابع الميلادي تعبد الله على أنه الواحد الأحد وأن يسوع المسيح عبده ورسوله حتى تنصر قسطنطين عاهل الروم وتبعه خلق كثير من رعاياه اليونان والرومان فأدخلوا عليها بدعة التثليث وجعلوا لله سبحانه وتعالى أندادًا شاركوه منذ الأزل في خلق السماوات والأرض وتدبير الأكوان وما لأهم الأسقف الأنطاكي مكاريوس الذي لقب نفسه أرثوذكسي (أي مستقيم الرأي) فثار زميله الأسقف آريوس على هذه البدعة ثورة عنيفة شطرت الكنيسة واتسع بين الطائفتين نطاق الجدل حتى أدى إلى الاقتتال فانعقدت المجامع للحوار وفاز أريوس بالحجة القاطعة فوزًا مبينًا.



بيد أن السلطة التي هي أصل البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكت صوت الحق ونفذت الباطل واستمر المسيحيون ممعنين في ضلالتهم والحق يتململ في قيده منتظرًا أريوسًا جديدًا يعيده إلى نصابه.

وكانت صيحة الشاعر القروي تتمثل في قوله: "لكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الأريوس بطريركيًا أرثوذكسيًا بطلاً ليصلح ما أفسده سلفه القديم ويمحو عنا خطيئة ألصقها بنا غرباء غربيون ولطالما كان الغرب ولا يزال مصدرًا لمعظم عللنا في السياسة وفي الدين على السواء".

هذه هي صيحة الضمير التي هزت من الأعماق كثير من المسيحيون المثقفون والعلماء وفي مقدمتهم هؤلاء الخمسة نفر من رجال الكهنوت الذي أصدروا كتابهم الذي هو الحياة الفكرية والاجتماعية في أوروبا هزًا عنيفًا. إذ أن هذه الصيحة إنما جاءت بعد إرهاصات كثيرة متعددة سبقها فئة من رجال الدين في اليونان ترفض القول بألوهية المسيح.

وسبقها ظهور كتاب لأستاذ في جامعة السربون هو الأستاذ شارل كينيبر وسبقه ما أعلنه القس دافيد إدوارز من كنيسة وسمنستر أما هؤلاء الخمسة ففي طليعتهم القس موربس ولز رئيس لجنة المعتقدات في كنيسة إنجلترا وأستاذ الإلهيات في جامعة أكسفورد، وكلما تنبني الرأي الإسلامي القائل بأن السيد المسيح لم يتخذ لنفسه طابع الألوهية وإنما جعل إلهًا فيما بعد بتأثيرات وثنية في أوائل القرون الأولى للمسيحية.


وتقرر هذه الآراء في مجموعها كما فضها الدكتور معروف الدواليبي بأن القول بألوهية المسيح وبالتثليث وبأنه ابن الله لم يعرف شيء من تلك في حياة المسيح نفسه وتجزم هذه الآراء في مجموعها بأن القول بأن المسيح ابن الله وأنه إله وأنه واحد من ثلاثة: إنما هو صورة للعقائد الوثنية في الهند والشرق الأقصى نقله إلى أوروبا وخاصة إلى روما في هجرات الشعوب "الهند وأوروبية" ثم أدخلت في عهد الامبراطورية الرومانية على الديانة المسيحية لتحتل في شكلها الجديد محل عقيدة التثليث في عقائد روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء.

وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس شكل الوثنية عندهم وكل ذلك كان مجهولاً في بلاد المسيح خاصة وقد أرسل المسيح إلى بني إسرائيل ولم يكن لديهم حينذاك شيء من ذلك، بل كانوا موحدين.

فإذا أضفنا إلى هذه الظاهرة: ظاهرة أخرى أشد قوة هي أن مخطوطات قديمة ظهرت فجأة في كهف قمران وكلما تؤكد البشرية للسيد المسيح وتنفي عنه الألوهية.

وإن هذه مخطوطات مكتوبة في القرن الأول للسيد المسيح عرفنا إلى حد تتجلى اليوم هذه الحقيقة التي ظلت مطموسة أكثر من ستة عشر قرنًا أي منذ عقد مؤتمر شيعة عام 350 ميلادية وقرر أن السيد المسيح إله وابن إله مخالفًا بذلك كل النصوص والوثائق والكتب المحصورة في ذلك العهد.

ولقد كان من أخطر الأحداث ذلك الكشف الأثري الخطير الذي وقع عام 1947 م على شاطئ البحر الميت عندما عثر أحد البدو حينما ضلت عنزاته فاهتدى إلى أحد الكهوف على تلك الجرار الحجرية الغربية التي تشتمل على مخطوطات دينية أذهلت العالم المسيحي بأسره وقد أطلق عليها كشوف شاطئ البحر الميت أو خربة قمران التي تقع جنوب مدينة أريحا (ثمان أميال).



وقد عرف من بعد أن هذه الكتابات مما لا يقدر بثمن لأنها ألقت الضوء على مرحلة خطيرة من تاريخ المسيحية وتاريخ السيد المسيح نفسه والتي كتبت قبل مولد السيد المسيح بسنين طويلة وقد أسرعت بعثات الجامعات والفاتيكان إلى الحصول على هذه الملفات أو أجزاء منها وأنفقت الحكومة الأردنية خمسة عشر ألف دينار في سنة واحدة لشراء هذه المخلفات الأثرية العظيمة.

وقد أجريت فحوص دقيقة على هذه المخطوطات من قبل مؤتمر للمستشرقين عقد في باريس أثبتت فيها أنها وثائق حقيقية لا زيف فيها ولا تلاعب وقد وصفها واحد من أعظم علماء الآثار من المتخصصين في آثار التوراة وهو الدكتور ألبرايت من الولايات المتحدة بقوله (إنها أعظم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث وأفضل تاريخ يمكن أن تكون كتبت فيه هو مائة سنة قبل الميلاد بالحساب التقديري المعروف الآن).

وقد تبين كما يقول الدكتور صبحي الدجاني إن هذه الملفات كتبت بأيدي كتبة في (دير الاسينين) الذي ما زالت خراثبه وأطلاله وبقاياه بادية للعيان إلى يومنا هذا على مقربة من الكهف الذي اكتشفت فيه أول مجموعة من هذه الملفات.

هؤلاء الاسينيون كانوا طائفة يعتقدون أنهم ورثة عهد النبوة وكانت طقوسهم وتعاليمهم وثيقة الصلة بتعاليم الدين المسيحي، وقد أودعوا جميع ما عندهم من ملفات في الكهوف عندما فروا ليأمنوا شر الاضطهاد الروماني الذي كان واقعًا عليهم في ذلك الحين.



ويقول العلماء إن السيد المسيح عليه السلام ربما يكون واحدًا من هؤلاء الاسينيين وأنه كان متأثرًا إلى حد بعيد بطقوسهم وعقائدهم. وكان الاسينيون يعتبرون ثروتهم حصة مشتركة بينهم وأنهم يعتقدون بخلود الروح وتتحدث نصوصهم عن واحد منهم يعلو عليهم كثيرًا ويسمونه "السيد الأكبر" المدهون بالزيت أو المسيح الذي اختاره الله وتتحدث وثائق الاسينيين الذين كانوا يقيمون في الدير على مقربة من البحر الميت أنهم كانوا يشعرون بتسام روحي له شكر موجه إلى الله تبارك وتعالى الواحد الأحد.

وتتحدث الوثائق عن حياة هذا السيد بما يشبه حياة السيد المسيح وقد استقرت في الأذهان فكرة مؤداها أن هذا السيد أو المعلم الذي كان ينزل عليه الوحي.

ويقول (ج. ل. تيتشر) أحد أساتذة كمبردج: إن أحد المراجع الأساسية في ملفات البحر الأسود، إن معلم البر والتقوى الذي يتحدث عنه الاسينيون هو نفسه يسوع المسيح ولا أحد غيره.

ويقول جون كلارك صاحب بحث صاف عن الوثائق أنه من الممكن أن المسيح قد عاش قبل مائة سنة قبل التاريخ الذي أجمع الناس عليه حتى الآن وإن في ذلك جواب مقنع للذين طالما أعربوا عن شكوكهم في الأدلة التاريخية الواردة عن مولد السيد المسيح لأنها قليلة ومليئة بالمتناقضات.

ويقول إبراهيم مطر: إن هذه المكتشفات قد اقتضت دراسة استمرت سنوات طويلة ولا تزال. ويعتقد العلماء أنه قد برحت جماعة من الناس المحبة للعزلة إلى تلك الواقعة بجوار البحر الميت فرارًا من المدن الصاخبة وسكنت هذا الغور المقفر عند طرف الصحراء الموحشة فالتجأت إلى نظام رهباني شديد وحياة مشتركة شاملة.


وقد هزت هذه المكتشفات الأوساط المسيحية والغربية ورجال الآثار حيث وجدت أدراج وأطمار ومخطوطات متنوعة وقطع من النقود الوفيرة والأواني المطبخية والجرار الفخارية كما عثر على مختلف أسفار العهد القديم ما عدا سفر (استير) فضلاً عن بضعة آلاف من المخطوطات الممنوعة ذات القيمة التاريخية والأثر العظيم وحمله القول أن كشوف كهف قمران تؤكد وجود السيد المسيح البشر النبي المرسل إلى اليهود.

وقد استتبع هذا الكشف هجرة عدد من علماء اللاهوت المسيحيين لدراسة هذه المخططات وقد نشرت مجلة (تايم) في عددها المؤرخ (11 نوفمبر 1966 م) بحثًا مطولاً تحت عنوان (انقلاب أو ثورة أجراها القس المسيحي بايك وقد صدرت غلاف المجلة صورته وهو قس مسيحي أمريكي قالت المجلة أنه يتسم لا بالجمود الفكري ولا بالجمود العقائدي بل بالبحث عن الحقيقة. وكان قد ذهب بعد ذلك وفقد هنا لك وألفت زوجته كتابًا في البحث عنه ويقول الأستاذ محمد عزة دروزة أن البحث قد كشف عن أن فرقًا من النصارى ظلت محافظة على عقيدة التوحيد وظل لبعضها أتباع كثيرون حتى أواخر القرن السادس الميلادي ثم انقرضت كلها بعد ذلك بسبب اضطهاد الدولة الرومانية بعد أن قضت على عقيدة التوحيد واعتقدت عقيدة التثليث رسميًا في مؤتمر نيقة 325 م ومن أهم هذه الفرق (الاريسيون) وهم أتباع اريوس وإليه ينسبون والمعروف أن اريوس كان قسيسًا في مدينة الإسكندرية في أوائل القرن الرابع الميلادي وكان راعيًا قوى التأثير في سامعيه واضح الحجة جريئًا في المجاهرة برأيه وقد قاوم وقتئذ ما ذهب إليه بطريرك الإسكندرية (مكاريوس) من القول بألوهية المسيخ وبنوته لله إذ قام اريوس يقرر ويعلن أن المسيح ليس إلهًا ولا ابنًا للإله وإنما هو بشر مخلوق ورسول الله وأنكر كل ما جاء في جميع الكتب الأربعة (أناجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا).


وما ألحق بها من رسائل وهناك فرقة ميلتوس وكان قسيسًا في كنيسة أسيوط يرى ما يراه الاريسيون من أن المسيح عليه السلام ليس إلهًا ولا ابنًا للإله وإنما هو بشر رسول مخلوق.

وقد ذكر ابن البطريق في تاريخه وهو من رجال القرن الثالث الهجري وكان من مترجمي الخليفة المأمون - قال في بيان مذهب اريوس: إنه كان يقول إن الأب وحده هو الله وأن الابن مخلوق مصنوع وقد كان الأب حينما لم يكن الابن وقد تبعه مشايعون كثيرون وكانت كنيسة أسيوط على هذا الرأي وعلى رأسها ميلتوس.

وكان أنصاره في الإسكندرية نفسها، وتبعه خلق كثير في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية وحكم عليه بالطرد من الكنيسة في مجتمع نيقة 325 وتكفيره بعد أن أصدر ذلك المجمع قراره بألوهية المسيح وهناك بولس الشعشاطي تحدث عنه ابن حزم في كتابه "الفصل والملل والنحل"، وكان يقول: وإن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم السلام خلقه الله في بطن مريم من غير ذكر وأنه إنسان لا إلهية فيه وقد أشار القرآن إلى تلك الفرق النصرانية التي حافظت على عقيدة التوحيد النقي وانقرضت قبل ظهور الإسلام وأثنى عليها القرآن وحكم بنجاة أفردها من العذاب.

(ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية.

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) الآية.

(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. أولئك لهم أجرهم) الآية.


وقد أثبتت الأبحاث الحارة أنه بتقليب (الكتاب المقدس) يتبين أنه لا يوجد به أي شيء من عقائد النصارى الحالية أي لا توجد فيه قصص الآب والابن أو الثالوث وألوهية المسيح وصلبه أو موته وقيامته أو المعمودية بمفهوم النصرانية للغفران من خطيئة آدم أو ما يشير إلى اتحاد الابن الأزلي بالأب أو ما شابه ذلك.

وإن عقائد النصرانية المشار إليها لا توجد في أقوال المسيح إلا في أقوال تلاميذه الذين آمنوا به وسمعوا عنه تعاليمه مما تعيقه معه أن مسائل التثليث وتأليه المسيح وتأليه روح القدس أمور لا أصل لها في كتب الله وفي جوهر الديانة ولكنها أمور مخترعة بعضها اخترع بمعرفة بولس: الذي كان عدوًا للمسيح وأتباعه في أول أمره كما أن المسيح لم يختره من تلاميذه فضلاً عن أنه لم يرد المسيح ولم يسمع عنه مواعظه.

وبعض الأمور اخترع بمعرفة آباء الكنيسة ومجامعها المسكونية في القرون التالية للمسيحية وأن بشارات الأنبياء التي أعلنت مجيء المسيح في العهد القديم ما ذكرت عنه إلا كونه نبيًا من أنبياء دون أي إشارة إلى أنه سيقتل أو يصلب.

ولقول دائرة معارف لاروس: إن تلاميذ المسيح الأولين الذين عرفوا شخصيته وسمعوا قوله كانوا أبعد الناس في الاعتقاد بأنه أحد الأقانيم الثلاثة المكونة لذات الخالق وما كان بطرس تلميذ المسيح يعتبر المسيح أكبر من رجل يومي إليه من عند الله.

وأشار هربرت ولز إلى أن هذه المبارد والشعائر موضوعة ولا سند لها في الأناجيل.

ومن العسير أن نجد آية كلمة تنسب فعلاً إلى المسيح فسير فيها مبادئ الكفارة والفداء أو خص فيها أتباعه على تقديم القرابين أو اصطناع عشاء رباني.

ويقول أن كلمة (أقنوم) لا وجود لها حتى في تلك الأناجيل أو الرسائل الملحقة بها بل ولا في العهد القديم.


وقد كشف الباحثون بما لا يدع مجالاً للشك بأن المطلع على الأناجيل الثلاثة الأولى المنسوبة إلى متى ومرقص ولوقا يجد أنها لا تحوي أي إشارة عن التثليث أو ألوهية المسيح أو ألوهية روح القدس أو عقيدة الفداء (وهو تجسيد الابن وظهوره بمظهر البشر ليصلب تكفيرًا لخطيئة آدم) كما يزعمون.

وإن ما جاء في ألوهية المسيح فقد جاء بإنجيل يوحنا، وهذا الإنجيل لا يسلم به محققوا النصرانية، فعلماء النصرانية في أواخر القرن الثاني الميلادي أنكروا نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري وهذا يقطع بأن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا مزور النسبة إلى يوحنا الحواري.

وقال العالم أستاولن في العصور المتأخرة (لقلة صاحب كاتلك المجلد بالمطبوع 1944 م، إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف أحد طلبة مدرسة الإسكندرية في ذلك الوقت).

تلك المدرسة التي اعتنقت مبادئ الثالوث وألوهية المسيح والروح القدس وبشرت بها جاء ذلك في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها 500 من علماء النصرانية ما نصه:
أما إنجيل يوحتا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور.

يقول: أكهارن في مقدمة أبحاثه أن كثيرًا من العلماء كانوا شاكين في الأجزاء الكثيرة من أناجيلنا لذلك كان من التجوز إضافة مجموع العهد الجديد إلى الله أو إلى المسيح بل إنه يضاف إلى مصنفه فقط كما يقال حاليًا: إنجيل كذا ورسالة كذا:

كذلك فإن المسيح ما جاء أساسًا إلا لشعب اليهود يدعوهم إلى عبادة الله وحده وإلى ترك ما هم فيه من شرور وآثام، وقد ورد في (إنجيل متى اصحاح 15) لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة، وقد دعا المسيح تلاميذه الاثنى عشر إلى تبشير بني إسرائيل فقط لذلك لم تكن رسالة المسيح إلا رسالة قومية يهودية إلى قومه من اليهود وليست رسالة عالمية كما يزعم الرهبان والقساوسة حاليًا بل إن هذا من مخترعاتهم التي لا أساس. والإشارة السابقة تؤكد هذا النظر ذلك أن هؤلاء الاثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً:
إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة ليسامرين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالجري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. وقد حسم القرآن الكريم الموقف في قوله تعالى (ورسولا إلى بني إسرائيل).

وقد عقدت مجلة تايم (فبراير 1978 م) بحثًا هامًا اشتغلت به دوائر وجامعات وكنائس العالم الغربي وهو: ظاهرة الدعوة إلى إنسانية المسيح أو بشرية المسيح والمعارضة لألوهية المسيح فقالت:
إن موجة الرفض لفكرة ألوهية السيد المسيح أو ازدواج طبيعة تزداد قوة وانتشارًا في أوساط المفكرين واللاهوتيين سواء في الجامعات أو في الكنائس الغربية وهؤلاء الرافضون يعلنون أنه لا توجد في الإنجيل ولم يثبت عن السيد المسيح القول بألوهيته، ويؤكدون أنه عليه السلام بشر عادي. وتقول مجلة تايم:

إن هؤلاء الرافضين يمثلون مجموعة دولية تطالب الكنيسة الكاثوليكية باتخاذ موقف شجاع في هذه القضية.

فإذا عرفنا أن مخطوطات كهف قمران قد أهيل عليها التراب بعد قليل وحجبت عن البحث الحر ومات القس الذي ذهب إلى هناك ولم يستطيع أحد التوصل إلى شيء عرفنا إلى أي مدى تحاول دوائر الغرب مواجهة الموقف على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال ولكن إلى متى، فإذا أضفنا إلى هذا كله ما أعلنه دكتور بركاني في كتابه عن زيف النصوص الموجودة في العهد القديم عن خلق الكون وغيره عرفنا إلى أي حد تتهاوى هذه الكتب، وذلك أن الكتب القديمة تواجه تحديًا خطيرًا نتيجة بروز منهج العلم والبحث العلمي القائم على التجربة والنظر وللمقارنة وقد جاءت الكشوف الأثرية في السنوات الأخيرة فكشفت عن زيف كثير من دعاوى الصهيونية عن إبراهيم وإسماعيل وتجاهلها وحجبها لرحلتهما إلى الحجاز وإعادة بناء الكعبة.


ويقول رودلف بولتمان أستاذ علم اللاهوت في جامعة ماربورج (المدينة الألمانية العتيقة) إن العهد الجديد (أي الإنجيل) يجب أن يجرد من العناصر المثيولوجية (الأسطورية) التي فيه إذا كنا نريد لهذا الكتاب المقدس أن يعني شيئًا حقيقيًا ما بالنسبة إلى الرجل العادي اليوم، ويقول:
إن عالم الأناجيل يبدو في نظر الرجل المعاصر مختلفًا عن عالمنا اختلاف المريخ عن الأرض، فالكون في العهد الجديد أشبه ما يكون ببيت مكتظ ويقول إن لغة الميثولوجيا التي كانت ذات مغزى في أيام العهد الجديد والمستمدة في الدرجة الأولى من الغنوصية الإغريقية والرؤية النهوية (كرؤية يوحنا وما إليها) ويعتقد أننا لو توقعنا من العصريين من الناس الإيمان بذلك كشيء حقيقي يكون توقعنا هذا عملاً أحمق، وهكذا نرى أن البحث العلمي الغربي أصبح ينظر إلى الكتاب المقدس من كلا النواحي التاريخية والأثرية والعلمية نظرة مغايرة لنظرة التسليم القديمة التي كانت تقوم على الإيمان أولاً ثم التفكير ثانيًا وهنا يبرز مدى الخلاف بين القرآن الكريم الذين يقوم على البرهان والدليل وتقديم سنن الله في الكون والأمم والحضارات والتأمل في خلق الله والنظر في الكون لتكون وسيلة إلى الإيمان بالله وبين هذا الأسلوب.

ومن هنا نرى أن الشاعر القروي: رشيد سليم خوري قد تفتح قلبه على هذه المعاني وقال: إنه كان ينوي إعلان إسلامه ولكنه رأى أن يقوم بدور هام في المسيحية يكون قدوة لإخوانه أدباء النصرانية، وتلك عبارته: وهو أن أصحح خطأ طارئًا على ديننا قررت أن تكون الخطوة الأولى لي في إيقاظ (الأريوسية الموحدة) من رقادها الطويل حتى تزول العقبة المغلقة بين الإسلام والنصرانية وقال إني أعلن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسيه إلى الأرثوذكسية الأريوسية ومطالبة الأرثوذكسية بالعودة إلى أصلها التوحيدي الفطري إلى الجناح الذي كان يمثله "آريوس" الذي رفض التثليث ويقول:
"لكم أتمنى أنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الأريوسي بطريركيًا بطلاً ليصلح ما أفسده سلفه القديم ويمحو عنا خطيئة ألصقها بنا غرباء غربيون ولطالما كان الغرب ولا يزال مصدرًا لمعظم عالمنا في السياسة وفي الدين على السواء".



هذه الأريوسية التي ذكرها الشاعر القروي والتي تتردد الآن على ألسنة الباحثين اللاهوت هي التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى قيصر الروم حين وجه إليه الدعوة إلى دخول الإسلام وحين قال "فإن أبيت فعليك إثم الأريسيين" وقد حاول مفسروا الحديث تفسيرها فقيل أنهم العشارون أو الأكارون أي الفلاحون أو الحرثين وقيل الضعفاء والأتباع أو أهل المكوس وبمراجعة كتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس وكثري والنجاشي نجد أن العبارة ترد هكذا وإلا فعليك إثم القبط إثم المجوس، إثم النصارى من قومك فهي تحمل الملوك تبعة أهل دينهم ولم يرد فيها أي ذكر للفلاحين أو الأكاريين وهكذا وصل الدكتور الدواليبي إلى أن الخطاب حمل هرقل تبعة أهل دينه وخاصة الأريسيين (أتباع أريوس) ممن ثبت أنهم كانوا الفئة الغالبة لدى الروم وأنهم كانوا يؤمنون ببشرية المسيح وينكرون ألوهيته والتثليث والحلول وأنهم كانوا يكرهون على القول ضد ذلك وإلا فالقتل والتنكيل والتحريف لهم ولكتبهم ومعابدهم.

وهي تعني في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إن في رهط هرقل فرقة تعرف بالأريوسية فجاء النسب إليهم كما أورده ابن الأثير حين قال "قوله الأريسيين هو جمع أريسي وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل"وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله خبر أريوس عن كتب النصارى أنفسهم حتنيال كما قال: إن التابعين لأريوس والقائلين بمقالته قد سموا (أريوسيين) مشتقًا من اسمه.


وكان أريوس من كبار رجال النصرانية من أهل الإسكندرية ولد 285 بعد الميلاد وتوفي 336 ميلادية وكان معاصرًا لقسطنطين وقد وقف بكل قواه ضد قرارات المجمع المسكوني الأول الذي دعا إليه قسطنطين والذي تبنوا فيه "وثنية" روما في شكل مسيحي في اجتماع لرجال الدين ضم نحوًا من ألفين وخمسمائة رجل حيث رفضت أناجيلهم التي بلغت المائة ومنها إنجيل الحواري "برنابا" ولم يقبل منها غير الأربعة المعروفة اليوم والمقبولة فقط من قبل نحو مائتين من أصل الحاضرين الذين بلغ عددهم نحوًا من ألفين وخمسمائة رجل.

وهكذا ولدت الديانة الجديدة والكاثوليكية منذ ذلك التاريخ في مطالع القرن الرابع بقرار من نحو مائتين من كهنوت الروم مدعمين بسلطة قسطنطين ولم يسمح بعد ذلك بالاعتماد على واقع المسيحية وتاريخها السابقين أو على أحد أناجيلها الباقية والبالغة (96 إنجيلاً) وقد عارض أريوس بكل عنف قرارات المجتمع المسكوني بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث معلنًا بشرية المسيح مجاهرًا بأن الله واحد ومنزه عن الحلول بأحد وقد هزت وقفته الجبارة هذه الإمبراطور قسطنطين نفسه، لذلك عقد المجمع الثاني ممن قالوا بألوهية المسيح والتثليث وبنوة المسيح لله فقط ليناقشوا أريوس فيما يدعو إليه ولكن أريوس ظل كالطود في عقيدته فحكموا عليه بالكفر والنفي وأخذوا ينكلون بمن كان يقول بقوله.


ويحرقون أناجيلهم وكنائسهم، حتى أرغموا الناس على التظاهر بقبول العقيدة الكاثوليكية وقد كان في الإمبراطورية الرومانية ثلاثة بطاركة في (استانبول) وأنطاكية والإسكندرية وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيميه عن كتبهم في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فقال: إنه كلما عين الإمبراطور بطرقًا على هذه المدن الثلاث لا يلبث أن يظهر لهم أنه (أريوس) فيقتل أو يطرد وينكل به وبأصحابه حدث هذا وظل مستمرًا حتى جاءت دعوة الإسلام وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يقول "فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم فإن توليت فعليم إثم الأريسيين وهكذا ارتفع صوت رسول الإسلام لحماية الأريسيين من مذابح الكاثوليكية. ومهد لدعوة الإسلام بالقبول الفوري لدى النصارى في كل من سوريا ومصر من بعد.

وقد ظل تاريخ الأريوسية مجهولاً كما يقول الدكتور الدواليبي الذي نقلنا عنه هذه النصوص التاريخية، حتى جاء اليوم، الذي يتحدث فيه كتاب الغرب من لاهوتيين وغيرهم عن هذه الدعوة التي وأدتها الكاثوليكية وبعد أن كشفت الأبحاث العلمية، ومفاهيم الإسلام المنقولة إلى الفكر الغربي عن فساد التفسيرات التي أضافها بولس وغيره إلى حقيقة الدين المنزل على السيد المسيح وأنها معارضة للفطرة ولسنن الله في الكون والمجتمعات وعلت اليوم الصيحة التي سوف يحتاج في السنوات القادمة كل الركام البشري دعوة (بشرية المسيح) ووحدانية الله تبارك وتعالى من غير حلول ولا تثليث.

__________________________________________________


كتب ومقالات أنور الجندي
الموسوعة الشاملة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق