الاثنين، 23 يناير، 2017

على طريقة الصين أو أبى دلامة


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

قرأت في بعض ما كتب عن الصين الحديثة وحروبها الداخلية - قبل أن تغزوها اليابان - أنه كان يحدث أن يخرج القائد من القواد الصينيين لقتال غريمه فيلقى الجمعان ويصطف الجيشان ويبرز أحد القائدين، ويدعو خصمه فيخرج إليه ويقف بين العسكرين يتبارزان ولكن بالحجة والمنطق، ويتصاولان ولكن على الورق والخرائط، ويتجادلان في أي الخطتين كانت خليقة أن تجيء صاحبها بالنصر، حتى يقتنع أحدهما بأن الدائرة ستدور عليه لا محالة، فيعد نفسه مهزوماً، ويرتد بجيشه عن الساحة، وينصرف خصمه وقد رفع ألوية النصر.

كذلك قال بعض الكتاب. وزعموا أيضاً أن هذا بعض ما أطمع اليابان في الصين وأوهمها أن قتالها أمر هين، وأن المنال قريب والغاية في حكم المدركة، فإذا بها تتورط في حرب لا تعرف لها منها مخرجاً ولا تتبين لها نهاية قريبة، بعد أربع سنوات طويلات دخلت في خلالها مئات من المدائن، واحتلت رقعة أوسع من نصف القارة الأوربية وما زالت الحرب - إذا اعتبرنا قوة المقاومة - كأنها في بدايتها.

وليس من همي أن أقول شيئاً عن الصين، وإنما سقت هذا الخبر لأني ذكرت له مشبها له من أخبار أبى دلامة الشاعر الماجن الظريف فقد حكوا عنه - وحكى هو عن نفسه فيما يروون عنه - أن الخليفة - المنصور أو المهدي - غضب عليه لاعتكافه على الخمر، فأمر به فخرج في بحث حرب مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة. 
قال أبو دلامة: فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه.
فضحك وقال: والله لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك.
ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلى ودعا بغيرهما، فلما حصل ذلك زالت عني حلاوة الطمع فقلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك.
فقال: دع عنك هذا.
وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة.
فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة.
فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي.
قال: والله لتخرجن.
قلت: أيها الأمير فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج. 
فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعيناه تتقدان، فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت.
فوقف، فقلت: أتقتل من لا يقاتلك. . ..
قال: لا.
قلت: أتقتل رجلاً على دينك.
قال: لا.
قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتل إلى دينك.
قال: فأذهب عني إلى لعنة الله.
قلت: لا أفعل أو تسمع مني.
قال: قل.
قلت: هل كانت بيننا قط عداوة أو ترة، أو تعرفني بحال تحفظك عليّ، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً.
قال: لا والله.
قلت: ولا أن أعرف والله إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأريد السوء لمن أراده لك.
قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف.
قلت: إن معي زاداً أحب أن آكله معك لتتأكد المودة بيننا ويرى أهل العسكر هوانهم علينا.
قال: أفعل.
فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلها على معارفها والناس يضحكون، فلما استوفينا ودعني، فقلت له: إن هذا الجاهل - يعني روح بن حاتم - إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل.
قال: قد فعلت.
ثم انصرف وانصرفت، فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك.فأمسك.
وخرج آخر يدعو إلى المبارزة، فقال لي: اخرج، فقلت له:

إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى النزال فتخزى بي بنو أسد

إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد

إن المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت عن أحد

لو أن لي مهجة أخرى لجدت به ... لكنها خلقت فرداً فلم أجد

فضحك وأعفاني.


وهذا الذي كلم به أبو دلامة قرنه فكفاه شره، احتجاج قوي لترك الحرب، ولو كان الأمر إلى الجنود المسوقة وخوطبت بمثله لكان الأرجح في الرأي والأغلب في الاحتمال أن تلقى السلاح وتنفض يدها من كفاح لا تعرف باعثاً عليه أو موجباً له، ولكن الأمر للقادة والرؤساء وهؤلاء لا يعبئون إلا بما يطمعون فيه ويسعون له، ولا يبالون من رضى ممن سخط، ومن بقى ممن هلك، إذا هم أدركوا بغيتهم ونالوا وطرهم.

وقد خاطب الألمان جنود فرنسا بمثل كلام أبى دلامة - في هذه الحرب فكانوا في الشهور الأولى - شهور الركود والتربص - كل ليلة ينادونهم من خط سجفريد (أن لماذا تحاربوننا يا معاشر الفرنسيين ولا عداء بيننا وبينكم ولا مطمع لنا في مستعمراتكم، وقد سمعتم (الفوهرر) يقول في خطبته إن بناء خط سجفريد اعتراف من ألمانيا بأنها تعد الحدود بينها وبينكم نهائية، ولولا ذلك ما جشمت نفسها مشقة البناء ونفقاته، إنما غريمنا وغريمكم الإنجليز، وقد زجوا بكم إلى الحرب ليقاتلونا بكم) الخ الخ وقد فعل هذا الكلام فعله في نفوس الفرنسيين وظهر أثره في معركة فرنسا.

وأعود بكم إلى صاحبنا أبى دلامة فأقول: إن الرصافي - شيخ شعراء العراق في هذا الزمان - أسبغ الله عليه برد العافية صنع شعراً في خبر أبى دلامة مطلعه (قضت المطامع أن تطيل جدالاً)

قال فيه:

أمن السياسة أن يقتل بعضنا ... بعضاً ليدرك غيرنا الآمالا

تفنى الجيوش ولا ضغائن بينها ... سبقت ولا ترة ولا أذخالا

وأستطرد إلى قصة أبى دلامة ثم ختم القصيدة بقوله:

إن الدهور - وهن أمهر سابك - ... سترد أضداد الورى أشكالاً

حتى كأني بالطباع تبدلت ... غير الطباع وزلزلت زلزالا

وكأنني ببني الملاحم أصبحوا ... لأبي دلامة كلهم أشكالا

ويا عسى ولعل، وسمع الله منك صديقنا، ولكن هيهات. . . هيهات! والسلام عليك إذا لم يكن على الأرض سلام.
___________________________________

مجلة الرسالة العدد 400

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق