الثلاثاء، 10 يناير، 2017

بين ابن خلدون ومنتسكبو



القوانين والمجتمع

للأستاذ محمد محمود زيتون

عاش أبن خلدون المغربي المسلم في القرن الرابع عشر، وتأمل التاريخ فوضع موسوعته الخالدة (المقدمة)، وهي أول بحث علمي منظم في الاجتماع، وبعده بأربعة قرون جاء منتسكيو الفرنسي المسيحي بكتابه (روح القوانين) أستغرق في وضعه عشرين عاماً قضاها في دراسات واسعة في المجتمعات وظروفها السياسية والاجتماعية والدينية التي تحدد قوانينها.

عني أبن خلدون بالاجتماع الإنساني وما يلحقه من العوارض والأحوال كما أهتم منتسكيو بالمناخ والدين والقوانين والنظم الحكومية والتقاليد والعادات والأحوال المعيشية، وكلها أمور تتحكم في المجتمع وتؤلف (الروح العامة) وهي ما يحدد خصائص الأمة، ويميز شخصيتها عن سائر الأمم. وبمقتضى هذه الروح العامة يجب أن تسن القوانين (ويجب أن تكون القوانين ملائمة للشعب الذي من أجله سنَّتْ بحيث إذا لاءمت شعباً آخر غيره كان ارتباك عظيم. . . ويجب أن تكون متمشية مع طبيعة البلد ومناخه. . . ومع طبيعة أرضه وموقعه وأتساعه، ومع نوع المعيشة التي يعيشها الشعب من زراعة أو صيد أو رعي، ويجب أن نتفق أيضاً مع مقدار الحرية التي كفلها الدستور، ومع ديانة السكان وميولهم وثروتهم وتعدادهم وتجارتهم وعاداتهم وأحوالهم العامة. . . في كل هذه النواحي يجب أن نعالج القوانين).

وينشأ الاجتماع الإنساني - في رأي أبن خلدون - عن الإحساس بالضعْف من جانب الفرد في الحصول على الغذاء والسلاح، وعن الظلم والعدوان مما لا يزال عالقاً بالنوع الإنساني. أما منتسكيو فيرى أن ما يقرب بين الحيوان وأفراد جنسه إنما هي بوادر الخوف المشترك، وكذلك الإنسان.

ولقد أراد (دوركيم) زعيم المدرسة الاجتماعية الفرنسية الحديثة أن يصبغ جهوده في الاجتماع بالصبغة العلمية فميز في هذا العلم ناحيته (الاستقرارية هو معروف في العلوم البحتة كالميكانيكا والكهربائية وغيرهما).

فطن أبن خلدون إلى هذا قبل (دوركيم) إذ يرى أن المجتمع ينتقل من البداوة إلى الحضارة، وهما حالتان طبيعيتان تعرضان له حتى توفرت الظروف. ويحدث هذا التطور تبعاً لنوع المعاش وانتقاله ومن البسيط إلى المركب، من الضروري إلى الكمالي، ومن البداوة إلى الحضارة: فأهل البدو على الفطرة الأولى، وهم أقرب إلى الخير من أهل الحضر، ونظراً (لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم) فهم لذلك أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.

ومن مظاهر البداوة: (العصبية) التي تكون بالالتحام بالنسب بين القبائل و (سكني البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية) التي بها (تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم) وتكون الرياسة لمن كان (أعرق في البداوة وأكثر توحشاً (والرياسة في نظر أبن خلدون سؤدد، وإذا أنقلب السؤدد إلى الحكم بالقهر والغلبة انتقلت الرياسة إلى الملك وطرأت على المجتمع عوارض الترف والنعيم والأنقياد، ويعرض له التنافس في معالي الأمور كما تعاوره الوحشية وبكل ذاك يكون المجتمع في صميم طور الحضارةلأنالمعاش كان ضرورياً فصار كمالياً، ولأن (الحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع). والملك يتسع إذا كان أساسه الدين أولاً.

هذا هو المجتمع الدنياميكي عند أبن خلدون. أما منتسكيو فيستنتج قوانين طبيعية أولا هي أسباب التطور في المجتمع، منها السلم الناشئ عن شعور الفرد بضعفه إزاء المتوحشين فيشعر (بالدونية) ولا يشعر بالمساواة، ولا يرغب في المهاجمة فيسالم، ويتلو الشعور بالسلم الشعور بالحاجة ثم الشعور بالفرحة المشتركة.

ومن أهم العوامل الفعالة في المجتمع الإنساني (الدين) لما له من أثر في الأخلاق والتربية، وكذلك في السياسة والملك. ويفضل أبن خلدون الأحكام الشرعية على الأحكام التعليمية لأن الأولى يكون الوازع فيها هو الضمير لا المخافة والانقياد كما هو الشأن في الأخرى. لهذا يعتبر التعاليم الشرعية هي أصول التربية والأخلاق، وكل ما عداها مفسد ضار، (فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس، لأن الوازع فيها أجنبي، وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي).

وللدين الأثر القوي في الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، (لان الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية، واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب، وتأليفها، إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه. . . وسرُّه أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، حصل التنافس، وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، اتحدت وجهتها فذهب التنافس، وقل الخلاف، وحسن التعاون، والتعاضد، وأتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة). والدعوة الدينية في نظره تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية، والإمام خليفة عن صاحب الشرع.

أما منتسكيو - مع سعة إحاطته بالدين المقارن - فإنه ينظر إلى الدين من حيث صلاحيته للدولة (فسوف لا أعالج مختلف أديان العالم إلا من حيث علاقتها بالخير الذي تحققه للدولة). ويقول (إن الأمير الذي يحب الدين ويخشاه إنما هو أسد يذعن لليد التي تدلله، أو الصوت الذي يناغيه، والأمير الذي يخشى الدين ويبغضه إنما هو الوحش الضاري الذي يعض السلسلة التي تمنعه من التهجم على المارة، وأما ذلك الذي لا دين له أصلاً فهو ذلك الحيوان المرعب الذي لا يشعر بحريته إلا عند ما يتهجم ويفترس).

لهذا أخذ منتسكيو يعرض على كل حكومة ما يناسبها من الأديان والمذاهب حسب اعتدال هذه الحكومة أو استبدادها (لأن الدين يتبع عادة لون الحكومة) ولأن الدين خير ضامن للناس إخلاص الناس، فإذا وجب ألا يتعارض الدين مع القوانين فقد وجب كذلك ألا يتعارض مع الأخلاق.

يفترض أبن خلدون الفوضى قبل الملك وبعده مما يوجب السياسة الدينية التي يقررها الشرع، أما السياسة العقلية التي يفوضها العقلاء فإنها لا ترقى إلى غاية الأحكام الشرعية. (فالسياسة والملك هي كفالة للخلق، وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم، وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع، وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان).

وأنواع الملك ثلاثة: الملك الطبيعي، والملك السياسي، والخلافة. فالأول حمل الكافة على الغرض والشهوة. 

والثاني حملهم على العقل في جلب النفع الدنيوي، ودفع الضرر. 
والأخير هو حملهم على الشرع دنيا وأخرى، وهي خلاف عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

وإذ تتكون الدولة على هذا النحو، يستقصي أبن خلدون أطوارها الخمسة فيما يلي: - الظفر والاستبداد والترف والمسللة والإسراف: ويرى أيضاً أن المال والجند هما العاملان الرئيسيان في إقامة دعائم الملك إذا وجد، وتقويضها إذا فقدا.

ويستطرد من البحث في الخلافة التي هي الملك الصحيح أو الدولة المثالية إلى البحث في ماهيتها وشروطها وخططها التي في مقدمتها الصلاة، ثم تطورها وانتقالها إلى الملك، ولا ينسى الحروب وأسبابها التي لا تعدو أن تكون من هذه الأربعة: - غيرة ومنافسة، عدوان، غضب لله ولدينه، غضب للملك. والنوعان الأولان حروب بغي وفتنة، والآخران حروب جهاد وعدل.

والعادات تتأثر بالسياسة، فالناس على دين الملك، وعوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه، والمغلوب يقلد الغالب، وتعاقب الأمم والأجيال في الملك يؤدي إلى المخالفة في العادات باطراد. والفضيلة دعامة قوية لقيام الدولة، والعدل أساس الملك، والظلم فساد للدولة وإفساد للرعية.

وعند منتسكيو أن القوانين تنجم عن طبائع الأشياء، والموضوعية منها أو السياسية التي تواضع عليها العقل الإنساني ما هي غلا حالات يتجلى فيها العقل، وهذه القوانين دولية وتشريعية ومدنية: الأولى تتعلق بما بين الدول من علاقات، فهي القانون الدولي العام، والثانية تتعلق بما بين السلطات التي تنظم الدولة من جهة، وبما بينها وبين الدولة من جهة أخرى، والأخيرة تتعلق بتنظيم العلاقات بين الأفراد. ثم يتحدث عن العلاقة بين القوانين الوضعية وبين شكل الحكومة، والأسس التي يقوم عليها الحكم والبيئة الجغرافية والاقتصاد وكل هاتيك العناصر التي تسمى (الروح العامة).

والحكومات عنده أربع: الجمهورية وهي إما ديمقراطية أو أرستقراطية، والملكية، والمستبدة، ولكل حكومة فضيلة تخصها. 

فالديمقراطية فضيلتها حب الوطن أو حب المساواة. 
والأرستقراطية فضيلتها الاعتدال. 
والملكية فضيلتها الشرف. 
والاستبدادية صفتها السياسية والخوف. 
فهي إذن فضائل سياسية لا تمت بصلة إلى الدين أو الأخلاق.

ويقول أبن خلدون (إن الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات منقباً عن عورات الناس، وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالخديعة والمكر والكذب، فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحرب. . .).

وللإصلاح الاجتماعي حدود في منتسكيو إذ يقول (إذا أراد أمير أن يغير من أحوال شعبه فعليه أن يصلح بالقوانين ما هو مؤسس بالقوانين، وأن يغير بالعادات ما هو مؤسس بالعادات، وإنها لسياسة عمياء أن يغير بالقوانين ما يجب تغييره بالعادات).

أما أبن خلدون فإنه ينشد الإصلاح الاجتماعي الذي غايته الاقتداء (إذ هو - أي التاريخ - يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا).

فالظواهر الاجتماعية والعوامل الطبيعية ذات علائق بالقوانين المشتقة من الروح العامة لتي تنتج عن تفاعل هذه العوامل، وتلك الظواهر في كل مجتمع على حدة.

ومن هذا العرض الموجز يرى القارئ مدى الائتلاف والاختلاف بين أبن خلدون رائد التاريخ، وبين منتسكيو رائد السياسة وكيف التقيا في ميدان الاجتماع.
__________________________________________________

مجلة الرسالة العدد 855

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق