الاثنين، 2 يناير 2017

أسباب انهيار الفردوس المفقود


هناك أساب لانهيار الفردوس المفقود نحاول إجمالها، وقد أغفل المؤرخون المحدثون بخاصة ذكر هذه الأسباب لأن الذين كتبوا عن الأندلس أكثرهم من الغربيين الذين لا يذكرون الأثر المهم في فتح الأندلس وانهيارها.

والمؤرخون العرب المحدثون ساروا على منوال المؤرخين الأجانب، ولكن المؤرخين القُدامى من المسلمين ذكروا أسباب انهيار الأندلس بشكل غير مباشر، أي أنّ هذه الأسباب وردت في خضمّ السرد الطويل، فمثلاً كتاب (نفح الطيب) للمقري، تطرق إلى هذه الأسباب ولكن في مجال سرد الحوادث، والذي يريد اكتشاف هذه الأسباب عليه أن يقرأ ذلك الكتاب الضخم بأجزائه الكثيرة، وهذا ليس متيسّراً إما لضيق الوقت عند بعض الناس أو لصعوبة قراءة هذا الكتاب الضخم والانتباه إلى أسباب سقوط الأندلس.

وقد لجأت إلى كثير من المؤرخين المعروفين من أساتذة الجامعات والمختصين لكي أجد لديهم أسباب سقوط الأندلس، فلم أحظ بجوابٍ شافٍ بالرغم من كثرة مَن استفسرت منهم، لذلك سأحاول إيجاز هذه الأسباب لتكون دروساً للمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، لأنني أعتقد أن أهمية التاريخ تكمن في العبرة من دراسته، لا في الاستمتاع به كحوادث وقصص وأحداث.

لقد فتح المسلمون الأندلس حين كانوا يتمتعون بعقيدتهم التي قادتهم إلى النصر، فلما تخلّوا عن هذه العقيدة تخلّى عنهم النصر وأصبح نصيبهم الهزائم. لقد كان قائد فتح الأندلس (طارق بن زياد) بربرياً، يقود جيشاً من العرب ومن البربر، يسود بينهم الانسجام الروحي والنفسي لأنه يسيطر عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" وكما جاء في القرآن الكريم ((*إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ*)).

وبعد أن جعل الفاتحون الدين وراءهم ظِهريّاً وفرّقوا بين الناس - المسلمين - بالجنس والمال والمناصب، أصبحوا ضعفاء في كل مكان.

كانت تسيطر على البلاد العربية إمبراطوريتان عظيمتان، الإمبراطورية الساسانية التي كانت تسيطر على العراق والمشرق، والإمبراطورية البيزنطية المسيطرة على سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين ومصر وشمالي إفريقية، ومع سعة أملاك هاتين الإمبراطوريتين وعظمة مظاهرهما، وطول مدة حكمهما، إلاّ أنه كان فيهما الكثير من عوامل الضعف والانحلال. من هذه العوامل: ضعف العقيدة، واختلال النظام، ونقص القيادة، وعواقب الترف وتفرق الآراء .. ولكن البلاء الأكبر إنما حاق بتلك الإمبراطوريتين من آفة الغرور الباطل والاستخفاف بالخصم المقاتل ... ! فكانت دولة الفرس لا تنظر إلى البادية العربية إلاّ نظرة السيّد المبجّل إلى الغوغاء المهازيل ... !، الذين يحتاجون إما إلى العطاء وإما إلى التهذيب. لقد كانت عوامل الفناء قد اصطلحت على هدم الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية قبيل الإسلام وأيام الفتح الإسلامي.

ولكن العوامل التي قضت على الفرس والروم بالهزيمة - كائنة ما كانت - ليست هي العوامل التي قضت للعرب المسلمين بقيام دولة، وانتشار عقيدة، لأنّ استحقاق دول للزّوال لا ينشئ لغيرها حق الظهور والبقاء.

كذلك لم يكن انتصار العرب على الفرس والروم لأنهم عرب وكفى ... ! فقد كان في أرض هاتين الدولتين عرب كثيرون يدينون لهما بالطاعة، وينظرون إليهما نظرة الإكبار والمهابة، وكان القادرون منهم على القتال أوفر من مقاتلة المسلمين وأمضى سلاحاً، وأقرب إلى ساحات القتال من أولئك النازحين إليها من الجزيرة العربية.

وقد كان هناك عرب كثيرون انهزموا أمام المسلمين وهم كذلك أوفر في العدد والسلاح، وأغنى بالخيل والإبل والأموال.

بل إنّ الفئة القليلة من العرب المسلمين انتصروا على الفئة الكثيرة من العرب غير المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومَن بعده في أيام الرِّدّة وأيام الفتح الأول في عهد الخليفة الراشد أبي بكر الصديق ومَن بعده من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، فهي نصرة عقيدة لا مراء. ولكن القول بانتصار العقيدة هنا لا يغني عن كل قول، فالواقع أن الذين انتصروا بالعقيدة كانوا رجالاً أولي خبرة وقدرة يؤمنون بها ويعرفون كيف يتغلبون بها على أعدائهم؛ عقيدة منشئة يذود عنها حماة قادرون.

ْكان العرب قبل الإسلام ماهرين في حروب العصابات، ماهرين في استخدام السلاح والفروسية، لهم قابلية ممتازة على الحركة من مكان لآخر بسهولة وسرعة، وبأقل تكاليف إدارية، ولكنهم كانوا متفرقين، بأسهم بينهم شديد، لهذا كانت خبرتهم الحربية وشجاعتهم الفطرية تذهب عبثاً في الغارات والمناوشات المحليّة.

فلما جاء الإسلام، وحّد عقيدتهم، ونظّم صفوفهم، وغرس فيهم روح الضبط والطّاعة، وطهّر نفوسهم، ونقّى أرواحهم، وأشاع بينهم انسجاماً فكرياً، فأصبحت قوتهم المبعثرة وجهودهم المضاعة قبل الإسلام تعمل بنظام دقيق وضبط متين بعد الإسلام بقيادة واحدة لهدف واحد، وأصبح المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها إخوة يتحابون بنور الله ويهتدون بهديه، وهم أمة واحدة تحيتها السلام ورايتها السلام، ودينها الإسلام.

كما دفعت هذه العقيدة إلى نفوس المسلمين جميعاً حمية سمت بهم إلى الإيمان بأنهم لا غالب لهم من دون الله، وحبّبت إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلتهم يرون هذا الاستشهاد نصراً دونه كل نصر، كما بعثت فيهم روح الاعتزاز بالنفس، والشعور بأن عليهم رسالة واجبة الأداء للعالم. كما غرست هذه العقيدة في نفوس المسلمين الإيمان المطلق بالقضاء والقدر، لذلك استهانوا بالموت، وأقدموا عليه فرحين مستبشرين.

إنّ مجمل عوامل انتصار الفاتحين المسلمين هي نشاط العرب ومثلهم البربر وخفّة أثقالهم، وشجاعتهم، وحسن تدريبهم على أسلحتهم، ومهارتهم في الفروسية، واكتفاؤهم الذاتي بأبسط القضايا الإدارية وأقلها، وقابليتهم الممتازة على تطوير أساليب قتالهم، وحفظ خطّ رجعتهم، فهم لذلك جنود ممتازون.

وتيسر قادة أكفاء قادرون على قيادة رجالهم بحزم وجدارة، وانتشار العقيدة الإسلامية بين صفوفهم، وما كانت عليه أحوال الدّول التي فتحوها من اعتلال واختلال، كما أن تسامح المسلمين ونشرهم العدل، وتركهم البلاد المفتوحة على ما هي عليه من دين ومعاملات.

لقد انتصر المسلمون أولاً وقبل كل شيء بعقيدتهم المنشّئة البناءة التي حملها إلى الناس حماة قادرون قادة وجنوداً.

وحين جاء الفاتحون المسلمون للأندلس كانا الحكم فيها ضعيفاً، وكان من بين المسيطرين مَن استعان بالمسلمين على أهل بلاده، ودار الزمن دورته، فأصبح المسلمون متفرقين، يستعين الأخ على أخيه بالأجنبي، كما أنّ المسلم الذي أهمل عقيدته أصبح مشغولاً بالترف والمال، لذلك تخلخلت نخوتهم، وأصبحوا مسلمين جغرافيين، لا مسلمين حقيقيين.

فتح المسلمون الأندلس حين كانت عقيدتهم (عبادة)، فلما تخلّوا عن عقيدتهم وأهملوها، وأصبحت عندهم (عادة)، لذلك سهل عليهم التفريط في بلادهم، والاستعانة بالأجنبيّ على أبناء دينهم.

ولعل خير شاهد على ما نقوله ما سجّله (ابن حزم الأندلسي) - وهو من أوثق مؤرخي الأندلس - قال في كتابه، نَقَط العروس - واصفاً عصر ملوك الطوائف -: 
"لقد شغل عصر الطوائف من حياة الأمة في تحطيم الأخلاق واختلاط الحق بالباطل، والحلال بالحرام" وكل ذلك يجمله ابن حزم في كلمة واحدة، هي المحنة أو الفتنة.
ثم يصوّر لنا المحنة أو الفتنة في كلمات قليلة، ولكنها قوية ورائعة، فيصف ابن حزم في (رسالة التلخيص في وجوه التخليص) فيقول: 
"وأما ما سألت من أمر هذه الفتنة وملابسة الناس بها مع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض، فهذا أمر امْتُحِنَّا به، نسأل الله السلامة وهي فتنة سواء، أهلكت الأديان إلاّ مَن وقى الله من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب، وعمدة ذلك أن كل مدبّر مدينة أو حصن في أندلسنا هذه، أولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله، وساعٍ في الأرض لفساد، والذي ترونه عياناً من شنّهم الغارات على أبناء المسلمين من الرعيّة التي تكون في ملك مَن ضارّهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، وأنهم ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على القوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية، والضريبة من أهل الإسلام، معتذرين بضرورة لا تبيح ما حرّم الله، غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم، فلا تغافلوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفسّاق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزيّنون لأهل الشرّ شرّهم، الناصرون لهم على فسقهم"، وقد كان الفقهاء في الواقع في هذا العصر الذي ساد فيه الانحلال والفوضى الأخلاقية والاجتماعية أكبر عضد لأمراء الطوائف، في تصويغ طغيانهم وظلمهم وتزكية تصرفاتهم الجائرة وابتزازهم لأموال الرعيّة، فقد كانوا "يأكلون على كل مائدة، ويتقلبون في خدمة كل قصر، ليحرزوا النفوذ والمال ويضعون خدماتهم الدينية والفقهية لتأييد الظلم والجور وخديعة الناس باسم الشرع، وقد انفسح لهم بالأخص في ظل الطوائف مجال العمل والدّسّ والاستغلال، واحتضنهم الأمراء الطغاة، وأغدقوا عليهم العطاء".

وقد فطن إلى ذلك إلى جانب ابن حزم قرينه ومعاصره المؤرخ (ابن حيّان) فحمل على الفقهاء ونوّه بصمتهم عن فضح الظلم الذي يرتكبه الأمراء لأنهم على حد قوله: "قد أصبحوا بين آكلٍ من حلوائهم وخابطٍ في أهوائهم" وينوّه ابن حزم باختلاط الحلال بالحرام في مجتمع الطوائف ثم يعود وهو بصدد الإجابة عن وجه السلام في المطعم والملبس والمكسب، وينوّه بما كان يسود مجتمع الطوائف من اختلاط الحرام بالحلال في جباية الضرائب ومجانبتها لحكم الشرع.
وهي حالة يقدم لنا عنها الصورة التالية: "وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زمننا، هذا باب جديد لا يؤثم صاحبه ولا يؤجر، وليس على الناس أن يبحثوا عن أصول ما يحتاجون إليه من أقواتهم ومكاسبهم إذ كان الأغلب هو الحلال، وكان الحرام مغموراً، وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه فإنما هو باب: أغلق عينيك واضرب بيديك ولك ما تخرجه، إما تمرة وإما جمرة، وإنما فرّقت بين زماننا هذا والزمان الذي قبله لأن الغارات في أيام الهدنة لم تكن غالبة ظاهرة كما هي اليوم، والمغارم التي كان يقبضها السلاطين إنما كانت على الأرضين خاصّة، وأما اليوم فهي جزية على رؤوس المسلمين يسمونها بالقطيعة، ويؤدونها مشاهرة، وضريبة على أموالهم من الغنم والدّوابّ والنّحل برسم على كل رأس وعلى كل خلية شيء ما، وقبالات ما يؤدّى على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في البلاد، هذا كل ما يقبضه المتغلبون، وهذا هتك الأستار، ونقض لشرائع الإسلام من شعوبهم عروة عروة، وإحداث دين جديد بعيد عن تعاليم الله". 

ويبلغ ابن حزم ذروة حملته على أمراء الطوائف - هذا وإن ابن حزم ليبلغ الذروة على أمراء الطوائف في تهاونهم في أحكام الدّين وما اتسموا به من تهاون في الدين والعقيدة حتى يقول: "والله لو علموا أن في عبادة الشيطان بقاؤهم لبادروا إليها، فيعتمدون على النصارى، ويمكنونهم بتدوين المسلمين، فيمكنونهم منهم ويحملونهم إسارهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع فعمروا البلاد بالنواقيس".


ونستطيع أن نتصور مجتمع الطوائف منحلاّ انحلالاً شاملاً من الناحية الاجتماعية مستهتراً يتّسم بضعف الإيمان وجنوحهم إلى مخالفة تعاليم الدين الحنيف.

وابن حزم يدفع ملوك الطوائف ولا يستثني منهم أحداً بيد أن هذه الملاحظات التهكميّة اللاّذعة وأمثالها، تستحيل بعد ذلك عند ابن حزم إلى نظرات تحليلية عميقة لأحوال مجتمع الطوائف، وأحكام قاسية يصدرها على هذا المجتمع المستهتر التي تقضم أسسه عوامل الانحلال والتفكك المادي والأدبي، ويلتزم ابن حزم التعميم في نظراته وأحكامه، ولكنه صريح لا يلجأ إلى مداجاة أو توريةٍ، وهو يدمغ ملوك الطوائف لا يستثني منهم أحداً، وكان ابن حزم قد اصطدم بوزير غرناطة اليهودي، وقد وردت هذه الأحكام بالأخص في موضعين من رسائله:

الأول: في مستهل رسالته في الرّدّ على ابن التغريدي أو ابن نغرالة وزير غرناطة اليهودي، وإليك ما يقوله الفيلسوف في هذا الموضع: "اللَّهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عمّا قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموالهم، ربما كانت سبباً في انقراض أعمالهم وعوناً لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزّوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم، حتى استشرف لذلك أهل القلّة والذمّة، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتمّوا بذلك ضعف همّنا، لأنهم مشاركون لنا من الامتعاض للديانة الزهراء، والحميّة للملّة الغراء، ثم هم بعد ذلك متردّدون بما يؤول إليه إهمال هذه الحال من فساد سياستهم، والقدح في رئاستهم فللأسباب أسباب، وللمداخلة إلى البلاد أبواب والله أعلم بالصواب".

من الواضح أن ابن حزم يقصد من كلامه أمراء الطوائف وهو هنا يركز اهتمامه حول رمي هؤلاء الأمراء بإهمال حياطة الدّين والذّود عنه، لمناسبة ما حدث من قيام (إسماعيل بن نغرالة) اليهودي، بتأليف رسالة في الإسلام، رأى فيها ابن حزم طعناً في بعض آيات القرآن، ورأى تقصير (باديس بن حبوس) أمير غرناطة في ردع وزيره وفي الدفاع عن الدين، بيد أنه لا يتّجه إلى ذكر باديس دون غيره، وإنما يتّجه إلى مخاطبة أمراء الطوائف جميعاً واتهامهم بنفس الاتهام المرّ، فهم جميعاً في نظره سواء في التقصير في حق دينهم، وفي الاشتغال عن صونه ببناء القصور والشؤون الفانية.

مما تقدّم من شهادة ابن حزم وهو مؤرخ ثبت وفقيه وفيلسوف وأديب أن ملوك الطوائف كانوا متفرقين، بأسهم بينهم شديد يستعينون بالعدو على إخوانهم المسلمين، ويستعينون بأعداء دينهم على أهل دينهم.

والاستعانة بالأجنبي له خطورة عظيمة جداً، فهذا الأجنبي يطلع على عورات المسلمين، ويستطلع أرضهم، ويعرف نقاط الضعف فيهم، ويطّلع على اختلافاتهم، فهو يعرف بذلك مداخل المدن والحصون ونواقصها والأمكنة التي يمكن الاستيلاء عليها منها، كما يعرف تفرق كلمة المسلمين، وتشتّت قوتهم وصفوفهم، وأنهم أصبحوا أعداء بعضهم، وهم لا يقاومون كما ينبغي.

لذلك يمكن اعتبار مدة ملوك الطوائف هي المدة التي فتحت أبواب الأندلس للعدو المتربّص بهم، فلذلك كانت المدن الأندلسية العظيمة تتساقط بالتتابع، بينما يبقى المسلمون الآخرون متفرّجين غير متعاونين على صد العدو، وربّما أعان المسلم عدوه على أخيه المسلم، وما هكذا تورد يا سعد الإبل كما يقول المثل ... !



يمكن تلخيص أسباب سقوط الأندلس بما يلى:

1 - تهاون المسلمين في دينهم الذي قادهم للنصر المؤزّر.

2 - تعاون المسلمين مع أعدائهم.

3 - عدم تعاون المسلمين فيما بينهم في حرب أعدائهم.

4 - اهتمام المسلمين بالتّرف على الاهتمام بالتدريب العسكري.

5 - اهتمام المسلمين بالقصور والمال أضعاف اهتمامهم بالجهاد.

6 - ضعف قياداتهم العسكرية والدينيّة.

7 - تفرّق كلمة المسلمين وظهور الاختلاف العنصري والقبلي.

8 - التناحر والتنافس على السلطة.

9 - انتشار الاضطرابات الداخلية.

10 - تمكين أعداء المسلمين من رقاب المسلمين.

11 - تشتت المسلمين بالثورات الداخلية والاستعانة بالعدو على المسلمين.

- اتحاد نصارى الإسبان مع نصارى أوربا وتحت إشراف البابا على كسر المسلمين وإخراجهم من الأندلس.


لقد كان المسلمون الفاتحون الأوّلون يعملون لقلوبهم فأصبح المسلمون الجغرافيون بعد ذلك يعملون لجيوبهم، ولن يكون العمل للجيوب غير الهزيمة والخسران، وما على المسلمين اليوم أن يتعلموه أن يكونوا من أصحاب القلوب لا من أصحاب الجيوب.

لم يكن هناك ارتباط قوي بين العناصر التي وفدت إلى الأندلس فالعرب كانوا في جانب، والبربر كانوا في جانب، والعرب ليسوا وحدة واحدة، وإنّما كانوا شيعاً وأحزاباً، وكذلك كان البربر. ثم نبعت عناصر إسلامية في الأندلس من الصقالبة ومن السكان الأصليّين، ولكل من هؤلاء وأولئك طابع واتجاهات، ويمكننا أن نقول بوجه مجمل:

إن الصّخب والاضطرابات والحروب بين هذه العناصر بدأ مبكّراً واستمرّ استمراراً متّصلاً ولم يهدأ إلا تحت ضغط القوة، وكان يهدأ ليبدأ ثورة عارمةً عندما تتوانى أو تضعف هذه القوّة.

وقد تيسّر القادة الأقوياء الذين سيطروا، ثم ضعف أولئك القادة وأصبحوا يهتمّون بأنفسهم أكثر من اهتمامهم بشعوبهم فكانت الكارثة.

لقد كان الشعب الأندلسي شعوباً جمعها الإسلام، فلما تخلّوا عنه أصبحوا أعداء متفرقين لا شعباً واحداً.
_________________________________________



الواء الركن محمود شيت خطاب رحمه الله تعالى (المتوفى: 1419هـ)قادة فتح الأندلس 2/ 424 إلى 432
الناشر: مؤسسة علوم القرآن - منار للنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق