الثلاثاء، 24 يناير، 2017

نظرية السامية مؤامرة على الحنفية الإبراهيمية


الأستاذ أنور الجندي


في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ابتكر "شلوسر" مصطلح "السامية" واعتمد في هذه التسمية على نص من التوراة، وكانت الصهيونية من وراء هذه الفكرة، ومن ثم فقد اتسع نطاق هذه المقولة الزائفة، وأقام عليها الكتاب الموالون للصهيونية والاستعمار ما أطلق عليه اسم: "عام الأجناس".

ولغياب الفكر الإسلامي في هذه المرحلة فقد اتسع نطاق الفكرة الإسرائيلية، وسيطرت على مناهج الجامعات ودراسات الثقافة جميعاً، وفي كليات الآداب بالبلاد العبربية تقررت دراسات اللغات السامية وقام على هذه الدراسات مستشرقون يهود، في مقدمتهم يوسف شاختـ وإسرائيل ولفنسون، اللذان أخذا يخدعان الشباب المسلمين والعرب بقولهم: "إن العربية ليست سوى عبرية مقلوبة، وإن العرب إنما اتخذوا اسمهم من (عربة) للصلة بين العرب واليهود من ناحية، وبإعطاء اليهود مكاناً زائفاً في مجال الآداب والعلوم.


البداية:

ومنطلق البحث: أنه قبل بروز فكرة الصهيونية في العصر الحديث "كمخطط متجدد، ومبتعث من (التوراة) التي كتبها حكماء اليهود إبان السبي البابلي، و (التلمود) الذي جاء بعد تدمير الرومان للقدس".

هذا المخطط هو (بروتوكولات صهيون) التي عرفت لأول مرة عام 1897 م، وفي خلال إعداد هذا المخطط كانت هناك محاولات جبارة تعمل على وضع مفهوم الصهيونية التلمودية في داخل كتب التاريخ والموسوعات العالمية. وإدخالها في مناهج المدارس والجامعات الغربية. وبثها عن طريق معاهد المفكرين الذين احتوتهم الصهيونية، شلوسر وبروكلمان ورينان ودور كايم ودوزي. وذلك بالإضافة إلى الاستشراق اليهودي الصهيوني: مارجليوث، جولد تسيهر، برنارد لويس.


السامية إحدى دعاوي الاستشراق اليهودي:

امتصاص الفضل:

وقد حاولت هذه الخطة تحقيق عدة أهداف:

أولاً: نشر فكر السامية التي نسبت إليها كل أمجاد التاتريخ العربي القديم، وسلبه من أصحابه الحقيقيين وخاصة إسماعيل بن إبراهيم وأبنائه وأحفاده، وأضافت هذا كله إلى مصدر غامض ليس له سند علمي، ويستمد مصدره الأساسي من "التوراة" التي كتبها اليهود بأيديهم، وليست التوراة الحقيقية المنزلة على موسى عليه السلام، وذلك بهدف إشراك اليهود مع العرب في هذه الأمجاد، بينما لا يوجد لليهود أي اتصال ببدء هذه الحضارة، ويستتبع هذا الخطر: إيجاد صلة ما بين العربية والعبرية على النحو الذي حاوله الكتاب الذين ما أسموه "تاريخ اللغات السامية" وقاموا بتدريسه في الجامعات وهم: إسرائيل ولفنسون وشاخت ثم الدكتور مراد كامل.


التشكيك في الحق:

ثانياً: محاولة التشكيك في رحلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الحجاز وإقامة ابنه إسماعيل وزوجته هاجر في مكة، وهذا يبدو واضحاً من تجاهل التوراة "الزائفة" لهذه الواقعة التاريخية ومحاولة إثارة الشبهات حولها. وقد ردد الدكتور طه حسين هذا القول في كتابه "في الشعر الجاهلي".

ثالثاً: محاولة اعتبار التوراة "الزائفة" مرجعاً للبحث العلمي، مع أن شهادات كل علماء الغرب تؤكد أن التوراة الموجودة الآن كتبها علماء اليهود، منها ما كتب أيام المملكة الإسرائيلية، ومنها ما كتب قبل الميلاد بنحو ثلاثة قرون.


ظهور الهدف:

رابعاً: محاولة خلق تصور زائف اليهود في الجزيرة العربية وفي الأدب العربي.

خامساً: محاولة إيجاد ترابط بين العرب واليهود، والقول بأنهما أبناء عمومة، وذلك كله يستهدف التمهيد للدعوة إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

سادساً: إعلاء شأن "إسحاق" على "إسماعيل" وهما ابنا إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وأكبرهما إسماعيل الذي هاجر به وأمه إلى مكة، والذي أقام معه القواعد من البيت الحرام، والذي امتحن بذبحه وجاءه بالفداء من السماء، والهدف هو إخراج أبناء إسماعيل من حقوق الوعد الذي تلقاه إبراهيم عليه السلام من ربه، وقصر الوعد على أبناء إسحق تحت اسم أسطورة "شعب الله المختار".

التزييف القديم:

هذه هي أهم أطراف المؤامرة الخطيرة لتزييف تاريخ الإسلام والعرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لحساب الصهيونية التلمودية، وقد جرى تطعيم دوائر المعارف وكتب التاريخ ومناهج المدارس والجامعات بهذه المفاهيم، واستكتاب عشرات الكتاب البحوث المتعددة التي تدور حول هذه الشبهات، لخلق أدلة مضللة لتثبيتها في الأذهان.

وتكاد تكون فكرة "السامية" أخطر هذه الشبهات، وهي مصطلح لم يرد مطلقاً في كتابات العرب والمسلمين على مدى التاريخ، وقد استمد أساساً من نص من نصوص التوراة المكتوبة بأيدي الأحبار، في ظل تقسيم واه للأجناس البشرية مستمد من أسماء أبناء نوح حفيد آدم أبي البشر سام وحام ويأفث.


التزييف الحديث:

وقد برز هذا المعنى في ظل تقسيم مستحدث، ظهر في أوربا إبان استعلاء نزعة العنصرية الأوروبية التي قسمت العالم إلى ساميين وآريين لتضع العرب والمسلمين في قائمة موازية للجنس الآري، صانع الحضارة الذي وصف بكل أوصاف العبقرية والعظمة والاستعلاء على البشر وخضوع الأجناس الأخرى له.

وكان هذا التنظير الذي ألبس ثوب العلم، إنما يستهدف إعطاء الاستعمار "مبرراً" علمياً لسيطرته على الأمم غير الآرية أوروبية.

غير أن المحاولة التي حاولت أن تضع عبارة "السامي" والسامية بديلاً للإبراهيمية والحنيفية وللعرب وللعربية، كانت محاولة ماكرة خطيرة استهدفت أمجاد التاريخ القديم عن العرب، ونسبتها إلى اسم قديم لا يعرف التاريخ الصحيح له مصدراً واضحاً.

والغربيون يعرفون أن التوراة التي بين أيدي الناس اليوم، هي توراة مكتوبة بأيدي الأحبار، وأن صلتها بالتوراة الصحيحة مشكوك فيها، ولذلك فإن الاعتماد عليها في إقامة نظرية تعطي كل هذا القدر من التوسع والنمو والسيطرة في دوائر الثقافة والعلم والجامعات، هو أمر لا أساس له من منهج العلم الصحيح، ولقد كانت اليهودية الصهيونية من وراء هذه النظرية، في سبيل طمس التاريخ العربي السابق للإسلام، وإحياء اللغة العربية وإعطائها رصيداً زائفاً من الصلة باللغة العبرية هو أكبر بكثير من حجمها الطبيعي.


معنى السامية والأكاذيب:

وفكرة السامية تدور حول القول بأن هناك أصلاً واحداً مشتركاً للعرب واليهود، ومحاولة إعطاء العربية أثراً ومكانة غير صحيحة في حضارات الشرق القديم.

وقد كانت الصهيونية وراء هذه الفكرة في محاولة لإعطاء اليهود فضلاً زائفاً في مجالات كثيرة، ومن ذلك القول بأن اليهود هم الذين وضعوا شريعة حمورابي، إبان نفيهم في بابل. بينما وثائق التاريخ تكذب ذلك، وتثبت أن اليهود إبان النفي كانوا يبحثون في حضارات الأمم، عن خيوط يضمونها إلى نسيجهم المهلهل، ليتمكنوا من القول بأن لهم فلسفة معينة، وقد كانت فلسفتهم ومنهجهم الفكري فيما بعد جماع الفلسفة البابلية القديمة والهلينية ومدرسة الأفلاطونية المحدثة وبقايا المجوسية والغنوصية والشرقية، وذلك بعد أن فقدوا أصلهم الأصيل وهو: "توراة موسى" علية الصلاة والسلام كذلك فقد كان هدف هذه المحاولات القول بأن اليهود والعرب أبناء عمومة تربطهم أواصر الرحم والقربى، وتاريخ اليهود بعد الإسلام في المدينة يكشف عن طبيعة هذه الرحم والقربى في مؤامراتهم وغدرهم الذي امتد طوال تاريخهم.

ولقد حاول دوزي ومرجليوت إدعاء هذه الصلات واختلاق تشابه بين قبائل قريش وأسباط اليهود والقول بأن موطن اليهود هو بلاد اليمن، اعتماداً على ألفاظ ملتقطة من لغة سبأ البائدة، تشبه ألفاظاً عبرية.

ولقد استع نطاق هذه الكتابات في الفكر الغربي في هذه الفترة المبكرة، تمهيداً للفكرة الصهيونية، حتى أن بعض العلماء الغربيين لم تخدعهم هذه التلفيقات فكشفوا زيفها، أمثال جوستاف لوبون الذي قال: "لا جرم أن الشبه قليل بين العربي أيام حضارته، واليهودي الذي عرف منذ قرون بالنفاق والبخل والجبن، وأن من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي، ولا ننسى أن طرق الحياة الخاصة التي خضع اليهود لحكمها منذ قرون كثيرة، أمة تكون عرضة لمثل ما أصاب اليهود، ولا عمل لها غير التجارة والربا، وتحتقر كل مكان تنتقل إليه، تلك الغرائز المنحطة بالوراثة المتتابعة مدة عشرين قرناً، وأكثر، فتتأصل فيها وتصير إلى ما صار إليه اليهود لا محالة" أ. هـ.




الشبهات حول العربية:

ولقد كانت مؤامرة "السامية" هذه موضع نظر الباحثين العرب والمسلمين منذ وقت طويل، فلم نقتهم تلك الخطة الماكرة التي استهدفت اعتبارها منهجاً من مناهج الدراسة الجامعية، وإعطاء شبهاتها صيغة المسلمات.

وقد استخدم الدكتور طه حسين في هذا الأمر استخداماً خطيراً، فقد استغل دراسته في تجديد الأدب العربي ودراسة الشعر الجاهلي، لإقرار عدة مفاهيم تخدم وجهة النظر الصهيونية، ومنها القول بأن اللغة العربية لم تكن لغة واحدة في الجزيرة العربية، وأنه قد كانت لغة في الجنوب ولغة في الشمال., وهي محاولة مضللة استهدفت التشكيك في وحدة اللغة العربية قبل الإسلام وإثارة الشبهات حول نموها واتجاهها إلى اتخاذ مكانها الذي أهلها لتكون لغة القرآن ولسان الإسلام.

كذلك فإن الدكتور طه قد هيأ لشاب يهودي استقدمه من فرنسا لإعداد دراستين: إحداهما عن اليهود في جزيرة العرب والأخرى عن تاريخ اللغات السامية، ليحشد فيها كل تلك المخططات التي أعدتها الصهيونية لتزييف التاريخ الإسلامي، وقد قدمت إحدى هذه الدراسات على أنها أطروحة دكتوراه قدمها "إسرائيل ولفنسون" وكان ذلك مقدمة لتصبح هذه السموم "مسلمات" تدرس في الجامعات ولا تزال.


من هذا الباب دخلت الفكرة:

وبذلك استطاعت الصهيونية العالمية أن تدخل نظريتها المسمومة إلى قلب الفكر الإسلامي والأدب العربي، لتضرب به ذلك المفهوم الأصيل الذي عرفه المسلمون واستوعبته آثارهم وتراثهم.

كذلك فقد عاش الدكتور طه حسين حياته كلها يحاول إقناع المسلمين والعرب، بأن لليهود فضلاً على أدبهم وتاريخهم، فهو يعرض لليهود واليهودية كلما عرض للغة العربية وآدابها، ولقد عمل باكراً لتحقيق هذا الهدف حين أعلن بأن وجود إبراهيم وإسماعيل لا تثبته المصادر العلمية والتاريخية وأنكر أن ورود اسمهما وخبرهما في القرآن يعد سنداً صحيحاً.

ومن العجب أن تجد نظرية السامية مثل هذا الاتساع والشهرة وهي تعتمد على نص من التوراة التي كتبها أحبار اليهود، ويقرها طه حسين على ذلك، ولكنه لا يقر القرآن المنزل على وجود إبراهيم وإسماعيل، والقرآن هو النص الموثق الذي نزل من السماء والذي لم يصبه أي تحريف.

كذلك فقد تحدث الدكتور طه عما أسماه أثر اليهود في الحياة العربية والأدب العربي، ومحاضراته متعددة في هذا الصدد وأهمها محاضرته التي سجلتها له مجلة الجامعة المصرية في عددها الأول من سنتها الثالثة عام 1952 م عن أثر اليهود:

أولاً: أن اليهود أثروا في الأدب العربي أثراً كبيراً جنى على ظهوره ما كان بين العرب واليهود.

ثانياً: إن اليهود قالوا كثيراً من الشعر في الدين وهجاء العرب وقد أضاعه مؤلفو العرب.

ثالثاً: إن اليهود انتحلوا شعراً لإثبات سابقتهم في الجاهلية على لسان شعرائهم وشعراء العرب.


كشف الغطاء:

وفي مقدمة كتاب إسرائيل ولفنسون (الذي أصبح الآن يشرف على البعوث الإسرائيلية في أفريقيا) يقول الدكتور طه حسين:

"ليس من شك أن المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيراً قوياً على الحياة العقلية والأدبية للجاهليين من أهل الحجاز، وليس من شك في أن الخصومة كانت عنيفة أشد العنف بين الإسلام ويهودية هؤلاء اليهود وفي أنهار قد استحالت من المحاجة والمجادلة إلأى حرب بالسيف انتهت بإجلاء اليهود عن البلاد العربية.

ويعلن الدكتور طه حسين اغتباطه إلى أن إسرائيل ولفنسون (قد وفق إلى تحقيق أشياء كثيرة لم تكن قد حققت من قبل).

ولكن هذه هي الحقيقة؟؟ أن (الدكتور فؤاد حسنين علي) أكبر المتخصصين في مصر في اللغة العربية وتاريخ اليهود يقول: إن هذا البحث حلقة من حلقات كتب الدعاية الصهيونية التي كانت الشعبة الثقافية للمؤتمر الصهيوني بإشراف (مارتن برير) تدعو إلى نشرها، وما نقله إسرائيل ولفنسون في سرالته من آراء، كان القصد منه إطلاع اليهود الشرقيين وقراء العربية على ما جاء في المصادر الأجنبية، وأن هذه الرسالة التي ما زالت في أيدي المثقفين والباحثين مشحونة بالأخطاء، وهي بعيدة عن المراجع العبرية، وقد أخذ بالنتائج التي وصل إليها الباحث دون التحقق منها بعض الذين يجيدون هذا النوع من الدراسات، والأمانة العلمية كانت تقتضي غير هذا، ذلك أن البحث العلمي يجب ألا يصبغ بصبغة القومية المتعصبة، كما لا يتخذ وسيلة من وسائل الدعاية السياسية أو الكسب المادي الرخيص".

ولاريب أن هذا مقتل من مقاتل طه حسين الكثيرة التي غابت عن كثير من الباحثين.


ما هي قيمة تراثهم:

وإلى قيمة تراث اليهود وصلته بالتراث الإسلامي، يقول الدكتور فؤاد حسنين: "في مصر بزغ فجر الضمير، ومنها أخذ اليهود ما أخذوا، وفي بابل وآشور كانت شريعة حمورابي وفيها الشيء الكثير من هذا التراث الذي نقلوا معهم عن سصفر التثنية، ولما عاد اليهود من المنفى نقلوا معهم عن العرب البابليين الشيء الكثير مما نجده في كتابهم المقدس وكان عند المعينيين والسبنيين العمارة وهندسة الري والتجارة، وقصة ملكة سبأ والدور الذي تلعبه في تاريخ الإسرائيليين، وحياتهم الاقتصادية لا تخفى على أحد، ويشير الدكتور فؤاد حسنين إلى آثار اليهودية والمسيحية والإسلام: وما استتبعه ذلك من تفتق العقل البشري فأنتج أدباً وشعراً ونثراً وقصصاً وفسلفة وحكماً وأمثالاً.

وكان من نتائج هذه الثورات العربية والروحية أن رمت العروبة ببعض أبنائها شعوب العالم القديم من شرقيين وغربيين فحطموا مخلفاتهم العفنة البالية وأقاموا على أنقاضها هذه الدول الفتية التي جاءت بالمعجزات/ فالعرب لا اليونان أو اليهود هم الذين بعثوا العالم من حالة الجمود إلى حياة أفضل، مكنته من التحكم في مصائر الكون، فأطلق العربي الأفكار من عقالها وحررها من جمود رجال المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية وظهرت طائفة من القرابين حيث أنكر هؤلاء التلمود وتعاليمه كما انكمش سلطان الكنيسة وتورات وراء جدران المعابد وقد مهد هذا التطور بدوره إلى ظهور حركة الإصلاح الديني وبعث النهضة العلمية.


تسامح الإنسانية:

وكما عاون العرب على الاضطلاع بهذه الرسالة تسامحهم ومبادؤهم الإنسانية التي أزالت الفوارق بين الشرق والغرب، كما أنهم لمن يمكنوا اللون من أن يكون عاملاً من عوامل التفرقة والتمييز العنصري والحط من القيم الإنسانية، والدين الإسلامي هو الذي ثبت مبادئ الحقوق الإنسانية ولذلك نجح العربي في تحقيق ما عجز عنه اليوناني والفلسفة اليونانية.

ومذهب الإنسانية لم يقو ولم ينتصر إلا بفض العرب، ولم تعرفه أوربا إلا في العصور الوسطى وعلى يد العرب وبعد أن تتلمذ أوربا على العرب في العصر الإسلامي.


التضليل:

ويصل الدكتور فؤاد حسنين إلى القول: بأن الحالقين على العرب والإسلام، والناسبين التراث العربي إلى اليونان واليهود، يضللون أنفسهم وغيرهم، والعكس هو الصحيح، فالمسلمون هم أصحاب الفضل على اليونان واليهود والتاريخ اليهودي يحدثنا أن العرب أحسنوا معاملة اليهود عندما كانوا يهربون من وجه الطغاة من حكامهم في فلسطين، أو فزعاً من اضطهاد اليونان والرومان، فقد نزل أولئك اليهود الجزيرة العربية فوجدوا سهلاً، وهذه القبائل اليهودية التي كانت تنزل يثرب وخيبر ووادي القرى، وفد إقرارها على العرب بعد أن أفقدتهم القرون التي مرت بهم منذ زوال دولتهعم ولغتهم المقدسة، تذوق اللغة العبرية وتجديدها حتى أصبح من المألوف لدى اليهودي أن يعبر عن أفكاره وشعوره في لغة ركيكة هي خليط من العبرية والكلدانية واليونانية، فحالت ظروفه هذه دون خلق آداب عبرية فما كان أولئك اليهود بمستطيعين قول الشعر أو إجادة النثر، فغير نزولهم بين العرب هذه الأوضاع، وبخاصة أن العربي معجب بلغته معني بها نثراً وشعراً، حريص على المحافظة عليها فصيحة نقية.


لغة غير اللغة وطباع غير الطباع:

أخذ اليهود من جيرانهم العرب فن الكلام والنطق الصحيح وفصاحة التعبير فلما رحل بنو قينقاع والنضير وقريظة ويهود خيبر ووادي القرى وغيرهم إلى العراق والشام وفلسطين كانوا يتكلمون بلغة عربية ويتأدبون بأدب عربي ويتطبعون بطباع عربية، يقولون الشعر في مختلف فنونه، ويعبرون عن خواطرهم في لغة هي لغة أهل الحجاز وقد حبب إلى اليهود ظاهرة المحافظة على عربية القرآن الكريم، فاقتفوا فيها أثر العرب، وقد فتح العرب أمام اليهود دون العلم على مصاريعها ولم يفرقوا بينهم وبين غيرهم ويحدثنا التاريخ اليهودي أن الإسلام أحسن معاملة اليهود، حتى أولئك الذين اضطر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون إلى إجلائهم عن قلب الجزيرة العربية تأميناً لرسالة الإسلام وأتباعه، فأقطعهم أمثير المؤمنين عمر بن الخطاب والإمام علي كرم الله وجهه الأراضي الواسعة بالقرب من الكوفة، وعلى ضفاف الفرات، مما دفع المؤرخ اليهودي "جريتز" إلى الإشادة بعدالة العرب وإنسانيتهم في كتابه تاريخ اليهود، قال: لقد وزع عمر أراضي اليهود على المسلمين المحاربين، وعوض اليهود المطرودين - وهذه هي العدالة - أخرى بالقرب من الكوفة على الفرات حوالي عام 640 م، حقاً رب ضارة نافعة.

يقول الدكتور حسنين: هذه بعض حسنات العرب على اليهود، فالعرب هم الذين أهدوهم العربية بعد أن كانوا يرطنون خليطاً لا شرقياً ولا غربياً، والعرب هم الذين هذبوا ذوقهم اللغوي، ورفعوا مستواهم الأدبي فمكنوهم من خلق ملكة أدبة، وثالثاً وليس أخيراً احتذى اليهود حذو المسلمين مع القرآن الكريم، فعنوا بدراسة كتابهم وشرعوا في وسع نحو لغتهم صيانة لها من اللحن والضياع. هذه هي الحقيقة العلمية أسوقها للدكتور طه حسين وتلميذه الدكتور إسرائيل ولفنسون.


سر الحقد:

نقول: هذا هو سر الحقد الشديد الذي بينته الصهيونية العالمية للعرب، واللغة العربية، فتعمل على محو ذلك التاريخ الطويل، ورفع اسم العرب عنه ونسبته إلى رمز مضلل هو "السامية"، فينقل ذلك التاريخ الزاخر من مصدره الأصيل إلى مصدر غامض، يقوم على نص من التوراة التي كتبها أحبار اليهود، التي لا ترقى إلى مستوى الحقائق الثابتة التي قدمها القرآن الكريم الذي لم يصبه أي تحريف.

إن الهدف هو طمس الرابطة بين الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرن السادس الميلادي، وبين دعوة إبراهيم التي بدأت منذ عام 1750 قبل الميلادي، ذلك أن إقامة إبراهيم ابنه إسماعيل في قلب الجزيرة العربية في مكة، وإسماعيل هو جد العرب وجد محمد صلى الله عليه وسلم، وبناء البيت الحرام الكعبة، ودعوة الله سباحه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى إتباع ملة إبراهيم. "وأوحينا إليك أن ابتع ملة إبراهيم حنيفاً".

هذا ما يريد اليهود والصهيونية طمسه وتزييفه، وقد أثبتت الأحافير التي كشف عنها أخيراً: أن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم العربية وإن لم تكن العربية التي نزل بها القرآن أو التي نتكلمها اليوم. كما أثبتت الأحافير: أن اللغة التي كانت مستعملة في اليمن والعراق والشام والحجاز لغة واحدة، وأن اختلفت لهجاتها كما تخلف لهجات الأمم العربية في هذه الأيام، وقد استشهد عبد الحميد السحار - رحمه الله - الذي أورد في كتابه "محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذين معه" بالآية الكريمة: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس".

وقد جاء في كتاب العلامة (ألبرايت) عن أحافير فلسطين قوله: "تتقارب اللغات العربية القديمة عدا الأكادية في الآجرومية والنطق بحيث تشترك كل لهجة وما جاورها ولا يلحظ الانتقال من لهجة إلى لهجة إلا كما يلحظ مثل هذا الانتقال اليوم بين اللهجات الفرنسية والجرمانية".


سكتت التوراة. لماذا؟؟

والملاحظ أن التوراة لم تورد ذكر ذهاب إبراهيم عليه السلام إلى الحجاز، وسكتت هذه المصادر سكوتاً متعمداً عن علاقة إبراهيم بالجزيرة العربية ومكة وبناء الكعبة، بل وسكتت أيضاً عن ذكر هود وصالح من أنبياء العرب القدامى كأنما لم يكن عاد وثمود على مقربة من فلسطين، وقد حدد بطليموس في أطسله موقع ثمود وعاد، وكشفت الحفريات عن مدائن صالح، وعثر على بعض الخطوط الثمودية في ثمود وفي الطائف وقد كان اليهود ينفسون على العرب أن صار لهم بيت محرم منذ أيام إبراهيم، بينما لم يصبح لهم هيكل في بيت المقدس إلا في أيام سليمان بن داود، فكان هذا السكوت المتعمد، وقد عمد اليهود إلى طمس حقيقة وعد الله تبارك وتعالى لإبراهيم، فجعلوه قاصراً على إسحق ولذلك تجاهلوا ابنه الأكبر إسماعيل، وحاولوا إخراجه وإخراج أبنائه من حقوق الوعد الذي تلقاه إبراهيم من ربه، وابتكروا الأكذوبة التي تقول: إن بني إسرائيل وحدهم شعب الله المختار.

يقول الأستاذ السحار: حرم اليهود أبناء إسماعيل حقوق الوعد الذي تلقاه إبراهيم من ربه، وأرادوا أن يسلبوا إسماعيل كل فضل فزعموا أن الذبيح هو إسحق، مع أن التقاليد تقضي بتقديم الابن الأكبر قرباناً لله".

ولاريب أن إنكار إسماعيل وأبنائه يحرف تاريخ العرب قبل الإسلام تحريفاً شديداً، فإن أبناء إسماعيل الاثنى عشر قد انبثوا في هذه المنطقة.


الدليل حقيقة واقعة:

وقد أعلنت ألواح الطين التي كتبت بالخط المساري والتي وجدت في أطلال بابل ونينوي، وبلاد ما بين لالنهرين أن بني إسماعيل كانوا حقيقة واقعة وأن أبناءه الاثنى عشر صاروا قبائل قوية تناوئ بابل وآشور ومصر والإغريق والرومان.

والواقع أن تاريخ هذه المنطقة منذ عهد إبراهيم عليه السلام (1750 قبل الميلاد) هو تاريخ العرب الذين كانت تطلقهم الجزيرة العربية، في موجات مهاجرة امتدت من حدود الفرات إلى المغرب وشملت هذه المنطقة كلها، وإن فكرة السامية الزائفة لم تكن شيئاً معروفاً أم مقرراً، ولا توجد أي إشارة إليها في أي من الكتب أو الحفريات أو الأسانيد المكتوبة على الأعمدة أو الآثار القديمة.


خاتمة:

ومن خلال هذا العرض نصل إلى أن جزيرة العرب أخذت باسم العروبة الصريحة، في كتب اليونان والرومان وأسفار العهد القديم منذ (ألفين وخمسمائة سنة) واسم العرب الصريح أخذ يطلق على أهلها، وعلى المستعمرين في داخلها وتخومها الشمالية جزئياً ثم كلياً منذ ألفين وخمسمائة سنة كذلك، بل قبل ذلك مما تدل عليه النقوشات والمدونات القديمة، واللغة العربية التي تكلم بها سكان الجزيرة والنازحون منذ ألفين وخمسمائة سنة كذلك هي اللغة العربية الصريحة، بقطع النظر عن تعدد لهجاتها، كذلك فإنت الحقائق تؤكد أن اليهود لم يكن لهم دوؤ صريح أو وضع صريح أو أثر صريح في أي نهضة من نهضات هذا التاريخ الطويل، وأنهم زيفوا تاريخهم وتاريخ العرب وعمدوا إلى حجب إسماعيل حتى يقصروا الوعد على أبناء إسحق.

وأن كلمة السامية هي تعبير اصطنعه اليهود ليحصلوا من عمومه دوراً لهم أكثر وضوحاً، من دور العرب أصحاب الشأن الحقيقي وأن يجعلوا منه تكاة لمعارضة خصومهم باسم معاداة السامية.

______________________________________________

كتب ومقالات أنور الجندي
الموسوعة الشاملة

الأريوسية الموحدة


الأستاذ أنور الجندي



منذ وقت بعيد وعلى ألسنة عدد من العلماء والباحثين المسيحيين تتردد الدعوة إلى إعلان بشرية السيد المسيح ونبوته للخالق تبارك وتعالى ومعارضيه ما تردده التفسيرات المسيحية التي تتحدث عن ما يسمى ألوهية السيد المسيح ولقد ظلت هذه الدعوة خافتة حتى جاءت ظاهرتان خطيرتان في الأيام الأخيرة إحداهما ذلك الكتاب الذي صدر في باريس تحت اسم: The Myth of God Incarnat

والذي كتبه سبعة من كبار رجال الكهنوت يعلنون فيه إنكار ألوهية السيد المسيح ويقرون ببشريته فقط. أما الأمر الآخر فهو تلك المخطوطات التي اكتشفت في كهف قمران والتي تثبت أن السيد المسيح نبي مرسل من عند الله وليس إلهًا ولا ابن الإله وإنما هو بشر اختاره الله تبارك وتعالى واصطفاه بالنبوة وأرسله لبني إسرائيل.

وترجع نسبة الأريوسية إلى أريوس الأسقف المصري الذي عارض محاولات تفسير الديانة المسيحية ونسبتها إلى مفاهيم قديمة بالتثليث أو ما يسمى بالطبيعة المزدوجة (وكلها مذاهب وفلسفات قديمة كانت قبل المسيحية وكان أن اقتبسها بولس في تفسيراته للمسيحية وبها نقلها من الديانة الربانية السماوية إلى ديانة بشرية ويقرر الأستاذ رشيد سليم الخوري في وصيته (تموز 1977 م):
إن الكنيسة المسيحية ظلت حتى القرن الرابع الميلادي تعبد الله على أنه الواحد الأحد وأن يسوع المسيح عبده ورسوله حتى تنصر قسطنطين عاهل الروم وتبعه خلق كثير من رعاياه اليونان والرومان فأدخلوا عليها بدعة التثليث وجعلوا لله سبحانه وتعالى أندادًا شاركوه منذ الأزل في خلق السماوات والأرض وتدبير الأكوان وما لأهم الأسقف الأنطاكي مكاريوس الذي لقب نفسه أرثوذكسي (أي مستقيم الرأي) فثار زميله الأسقف آريوس على هذه البدعة ثورة عنيفة شطرت الكنيسة واتسع بين الطائفتين نطاق الجدل حتى أدى إلى الاقتتال فانعقدت المجامع للحوار وفاز أريوس بالحجة القاطعة فوزًا مبينًا.



بيد أن السلطة التي هي أصل البلاء وضعت ثقلها في الميزان فأسكت صوت الحق ونفذت الباطل واستمر المسيحيون ممعنين في ضلالتهم والحق يتململ في قيده منتظرًا أريوسًا جديدًا يعيده إلى نصابه.

وكانت صيحة الشاعر القروي تتمثل في قوله: "لكم أتمنى وأنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الأريوس بطريركيًا أرثوذكسيًا بطلاً ليصلح ما أفسده سلفه القديم ويمحو عنا خطيئة ألصقها بنا غرباء غربيون ولطالما كان الغرب ولا يزال مصدرًا لمعظم عللنا في السياسة وفي الدين على السواء".

هذه هي صيحة الضمير التي هزت من الأعماق كثير من المسيحيون المثقفون والعلماء وفي مقدمتهم هؤلاء الخمسة نفر من رجال الكهنوت الذي أصدروا كتابهم الذي هو الحياة الفكرية والاجتماعية في أوروبا هزًا عنيفًا. إذ أن هذه الصيحة إنما جاءت بعد إرهاصات كثيرة متعددة سبقها فئة من رجال الدين في اليونان ترفض القول بألوهية المسيح.

وسبقها ظهور كتاب لأستاذ في جامعة السربون هو الأستاذ شارل كينيبر وسبقه ما أعلنه القس دافيد إدوارز من كنيسة وسمنستر أما هؤلاء الخمسة ففي طليعتهم القس موربس ولز رئيس لجنة المعتقدات في كنيسة إنجلترا وأستاذ الإلهيات في جامعة أكسفورد، وكلما تنبني الرأي الإسلامي القائل بأن السيد المسيح لم يتخذ لنفسه طابع الألوهية وإنما جعل إلهًا فيما بعد بتأثيرات وثنية في أوائل القرون الأولى للمسيحية.


وتقرر هذه الآراء في مجموعها كما فضها الدكتور معروف الدواليبي بأن القول بألوهية المسيح وبالتثليث وبأنه ابن الله لم يعرف شيء من تلك في حياة المسيح نفسه وتجزم هذه الآراء في مجموعها بأن القول بأن المسيح ابن الله وأنه إله وأنه واحد من ثلاثة: إنما هو صورة للعقائد الوثنية في الهند والشرق الأقصى نقله إلى أوروبا وخاصة إلى روما في هجرات الشعوب "الهند وأوروبية" ثم أدخلت في عهد الامبراطورية الرومانية على الديانة المسيحية لتحتل في شكلها الجديد محل عقيدة التثليث في عقائد روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء.

وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس روما الوثنية من غير تبديل إلا في الأسماء وهذا هو ما سهل على الروم بعد ذلك قبول المسيحية في نفس شكل الوثنية عندهم وكل ذلك كان مجهولاً في بلاد المسيح خاصة وقد أرسل المسيح إلى بني إسرائيل ولم يكن لديهم حينذاك شيء من ذلك، بل كانوا موحدين.

فإذا أضفنا إلى هذه الظاهرة: ظاهرة أخرى أشد قوة هي أن مخطوطات قديمة ظهرت فجأة في كهف قمران وكلما تؤكد البشرية للسيد المسيح وتنفي عنه الألوهية.

وإن هذه مخطوطات مكتوبة في القرن الأول للسيد المسيح عرفنا إلى حد تتجلى اليوم هذه الحقيقة التي ظلت مطموسة أكثر من ستة عشر قرنًا أي منذ عقد مؤتمر شيعة عام 350 ميلادية وقرر أن السيد المسيح إله وابن إله مخالفًا بذلك كل النصوص والوثائق والكتب المحصورة في ذلك العهد.

ولقد كان من أخطر الأحداث ذلك الكشف الأثري الخطير الذي وقع عام 1947 م على شاطئ البحر الميت عندما عثر أحد البدو حينما ضلت عنزاته فاهتدى إلى أحد الكهوف على تلك الجرار الحجرية الغربية التي تشتمل على مخطوطات دينية أذهلت العالم المسيحي بأسره وقد أطلق عليها كشوف شاطئ البحر الميت أو خربة قمران التي تقع جنوب مدينة أريحا (ثمان أميال).



وقد عرف من بعد أن هذه الكتابات مما لا يقدر بثمن لأنها ألقت الضوء على مرحلة خطيرة من تاريخ المسيحية وتاريخ السيد المسيح نفسه والتي كتبت قبل مولد السيد المسيح بسنين طويلة وقد أسرعت بعثات الجامعات والفاتيكان إلى الحصول على هذه الملفات أو أجزاء منها وأنفقت الحكومة الأردنية خمسة عشر ألف دينار في سنة واحدة لشراء هذه المخلفات الأثرية العظيمة.

وقد أجريت فحوص دقيقة على هذه المخطوطات من قبل مؤتمر للمستشرقين عقد في باريس أثبتت فيها أنها وثائق حقيقية لا زيف فيها ولا تلاعب وقد وصفها واحد من أعظم علماء الآثار من المتخصصين في آثار التوراة وهو الدكتور ألبرايت من الولايات المتحدة بقوله (إنها أعظم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث وأفضل تاريخ يمكن أن تكون كتبت فيه هو مائة سنة قبل الميلاد بالحساب التقديري المعروف الآن).

وقد تبين كما يقول الدكتور صبحي الدجاني إن هذه الملفات كتبت بأيدي كتبة في (دير الاسينين) الذي ما زالت خراثبه وأطلاله وبقاياه بادية للعيان إلى يومنا هذا على مقربة من الكهف الذي اكتشفت فيه أول مجموعة من هذه الملفات.

هؤلاء الاسينيون كانوا طائفة يعتقدون أنهم ورثة عهد النبوة وكانت طقوسهم وتعاليمهم وثيقة الصلة بتعاليم الدين المسيحي، وقد أودعوا جميع ما عندهم من ملفات في الكهوف عندما فروا ليأمنوا شر الاضطهاد الروماني الذي كان واقعًا عليهم في ذلك الحين.



ويقول العلماء إن السيد المسيح عليه السلام ربما يكون واحدًا من هؤلاء الاسينيين وأنه كان متأثرًا إلى حد بعيد بطقوسهم وعقائدهم. وكان الاسينيون يعتبرون ثروتهم حصة مشتركة بينهم وأنهم يعتقدون بخلود الروح وتتحدث نصوصهم عن واحد منهم يعلو عليهم كثيرًا ويسمونه "السيد الأكبر" المدهون بالزيت أو المسيح الذي اختاره الله وتتحدث وثائق الاسينيين الذين كانوا يقيمون في الدير على مقربة من البحر الميت أنهم كانوا يشعرون بتسام روحي له شكر موجه إلى الله تبارك وتعالى الواحد الأحد.

وتتحدث الوثائق عن حياة هذا السيد بما يشبه حياة السيد المسيح وقد استقرت في الأذهان فكرة مؤداها أن هذا السيد أو المعلم الذي كان ينزل عليه الوحي.

ويقول (ج. ل. تيتشر) أحد أساتذة كمبردج: إن أحد المراجع الأساسية في ملفات البحر الأسود، إن معلم البر والتقوى الذي يتحدث عنه الاسينيون هو نفسه يسوع المسيح ولا أحد غيره.

ويقول جون كلارك صاحب بحث صاف عن الوثائق أنه من الممكن أن المسيح قد عاش قبل مائة سنة قبل التاريخ الذي أجمع الناس عليه حتى الآن وإن في ذلك جواب مقنع للذين طالما أعربوا عن شكوكهم في الأدلة التاريخية الواردة عن مولد السيد المسيح لأنها قليلة ومليئة بالمتناقضات.

ويقول إبراهيم مطر: إن هذه المكتشفات قد اقتضت دراسة استمرت سنوات طويلة ولا تزال. ويعتقد العلماء أنه قد برحت جماعة من الناس المحبة للعزلة إلى تلك الواقعة بجوار البحر الميت فرارًا من المدن الصاخبة وسكنت هذا الغور المقفر عند طرف الصحراء الموحشة فالتجأت إلى نظام رهباني شديد وحياة مشتركة شاملة.


وقد هزت هذه المكتشفات الأوساط المسيحية والغربية ورجال الآثار حيث وجدت أدراج وأطمار ومخطوطات متنوعة وقطع من النقود الوفيرة والأواني المطبخية والجرار الفخارية كما عثر على مختلف أسفار العهد القديم ما عدا سفر (استير) فضلاً عن بضعة آلاف من المخطوطات الممنوعة ذات القيمة التاريخية والأثر العظيم وحمله القول أن كشوف كهف قمران تؤكد وجود السيد المسيح البشر النبي المرسل إلى اليهود.

وقد استتبع هذا الكشف هجرة عدد من علماء اللاهوت المسيحيين لدراسة هذه المخططات وقد نشرت مجلة (تايم) في عددها المؤرخ (11 نوفمبر 1966 م) بحثًا مطولاً تحت عنوان (انقلاب أو ثورة أجراها القس المسيحي بايك وقد صدرت غلاف المجلة صورته وهو قس مسيحي أمريكي قالت المجلة أنه يتسم لا بالجمود الفكري ولا بالجمود العقائدي بل بالبحث عن الحقيقة. وكان قد ذهب بعد ذلك وفقد هنا لك وألفت زوجته كتابًا في البحث عنه ويقول الأستاذ محمد عزة دروزة أن البحث قد كشف عن أن فرقًا من النصارى ظلت محافظة على عقيدة التوحيد وظل لبعضها أتباع كثيرون حتى أواخر القرن السادس الميلادي ثم انقرضت كلها بعد ذلك بسبب اضطهاد الدولة الرومانية بعد أن قضت على عقيدة التوحيد واعتقدت عقيدة التثليث رسميًا في مؤتمر نيقة 325 م ومن أهم هذه الفرق (الاريسيون) وهم أتباع اريوس وإليه ينسبون والمعروف أن اريوس كان قسيسًا في مدينة الإسكندرية في أوائل القرن الرابع الميلادي وكان راعيًا قوى التأثير في سامعيه واضح الحجة جريئًا في المجاهرة برأيه وقد قاوم وقتئذ ما ذهب إليه بطريرك الإسكندرية (مكاريوس) من القول بألوهية المسيخ وبنوته لله إذ قام اريوس يقرر ويعلن أن المسيح ليس إلهًا ولا ابنًا للإله وإنما هو بشر مخلوق ورسول الله وأنكر كل ما جاء في جميع الكتب الأربعة (أناجيل متى ومرقص ولوقا ويوحنا).


وما ألحق بها من رسائل وهناك فرقة ميلتوس وكان قسيسًا في كنيسة أسيوط يرى ما يراه الاريسيون من أن المسيح عليه السلام ليس إلهًا ولا ابنًا للإله وإنما هو بشر رسول مخلوق.

وقد ذكر ابن البطريق في تاريخه وهو من رجال القرن الثالث الهجري وكان من مترجمي الخليفة المأمون - قال في بيان مذهب اريوس: إنه كان يقول إن الأب وحده هو الله وأن الابن مخلوق مصنوع وقد كان الأب حينما لم يكن الابن وقد تبعه مشايعون كثيرون وكانت كنيسة أسيوط على هذا الرأي وعلى رأسها ميلتوس.

وكان أنصاره في الإسكندرية نفسها، وتبعه خلق كثير في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية وحكم عليه بالطرد من الكنيسة في مجتمع نيقة 325 وتكفيره بعد أن أصدر ذلك المجمع قراره بألوهية المسيح وهناك بولس الشعشاطي تحدث عنه ابن حزم في كتابه "الفصل والملل والنحل"، وكان يقول: وإن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء عليهم السلام خلقه الله في بطن مريم من غير ذكر وأنه إنسان لا إلهية فيه وقد أشار القرآن إلى تلك الفرق النصرانية التي حافظت على عقيدة التوحيد النقي وانقرضت قبل ظهور الإسلام وأثنى عليها القرآن وحكم بنجاة أفردها من العذاب.

(ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون. يؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية.

(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم) الآية.

(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. أولئك لهم أجرهم) الآية.


وقد أثبتت الأبحاث الحارة أنه بتقليب (الكتاب المقدس) يتبين أنه لا يوجد به أي شيء من عقائد النصارى الحالية أي لا توجد فيه قصص الآب والابن أو الثالوث وألوهية المسيح وصلبه أو موته وقيامته أو المعمودية بمفهوم النصرانية للغفران من خطيئة آدم أو ما يشير إلى اتحاد الابن الأزلي بالأب أو ما شابه ذلك.

وإن عقائد النصرانية المشار إليها لا توجد في أقوال المسيح إلا في أقوال تلاميذه الذين آمنوا به وسمعوا عنه تعاليمه مما تعيقه معه أن مسائل التثليث وتأليه المسيح وتأليه روح القدس أمور لا أصل لها في كتب الله وفي جوهر الديانة ولكنها أمور مخترعة بعضها اخترع بمعرفة بولس: الذي كان عدوًا للمسيح وأتباعه في أول أمره كما أن المسيح لم يختره من تلاميذه فضلاً عن أنه لم يرد المسيح ولم يسمع عنه مواعظه.

وبعض الأمور اخترع بمعرفة آباء الكنيسة ومجامعها المسكونية في القرون التالية للمسيحية وأن بشارات الأنبياء التي أعلنت مجيء المسيح في العهد القديم ما ذكرت عنه إلا كونه نبيًا من أنبياء دون أي إشارة إلى أنه سيقتل أو يصلب.

ولقول دائرة معارف لاروس: إن تلاميذ المسيح الأولين الذين عرفوا شخصيته وسمعوا قوله كانوا أبعد الناس في الاعتقاد بأنه أحد الأقانيم الثلاثة المكونة لذات الخالق وما كان بطرس تلميذ المسيح يعتبر المسيح أكبر من رجل يومي إليه من عند الله.

وأشار هربرت ولز إلى أن هذه المبارد والشعائر موضوعة ولا سند لها في الأناجيل.

ومن العسير أن نجد آية كلمة تنسب فعلاً إلى المسيح فسير فيها مبادئ الكفارة والفداء أو خص فيها أتباعه على تقديم القرابين أو اصطناع عشاء رباني.

ويقول أن كلمة (أقنوم) لا وجود لها حتى في تلك الأناجيل أو الرسائل الملحقة بها بل ولا في العهد القديم.


وقد كشف الباحثون بما لا يدع مجالاً للشك بأن المطلع على الأناجيل الثلاثة الأولى المنسوبة إلى متى ومرقص ولوقا يجد أنها لا تحوي أي إشارة عن التثليث أو ألوهية المسيح أو ألوهية روح القدس أو عقيدة الفداء (وهو تجسيد الابن وظهوره بمظهر البشر ليصلب تكفيرًا لخطيئة آدم) كما يزعمون.

وإن ما جاء في ألوهية المسيح فقد جاء بإنجيل يوحنا، وهذا الإنجيل لا يسلم به محققوا النصرانية، فعلماء النصرانية في أواخر القرن الثاني الميلادي أنكروا نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري وهذا يقطع بأن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا مزور النسبة إلى يوحنا الحواري.

وقال العالم أستاولن في العصور المتأخرة (لقلة صاحب كاتلك المجلد بالمطبوع 1944 م، إن كافة إنجيل يوحنا تصنيف أحد طلبة مدرسة الإسكندرية في ذلك الوقت).

تلك المدرسة التي اعتنقت مبادئ الثالوث وألوهية المسيح والروح القدس وبشرت بها جاء ذلك في دائرة المعارف البريطانية التي اشترك في تأليفها 500 من علماء النصرانية ما نصه:
أما إنجيل يوحتا فإنه لا مرية ولاشك كتاب مزور.

يقول: أكهارن في مقدمة أبحاثه أن كثيرًا من العلماء كانوا شاكين في الأجزاء الكثيرة من أناجيلنا لذلك كان من التجوز إضافة مجموع العهد الجديد إلى الله أو إلى المسيح بل إنه يضاف إلى مصنفه فقط كما يقال حاليًا: إنجيل كذا ورسالة كذا:

كذلك فإن المسيح ما جاء أساسًا إلا لشعب اليهود يدعوهم إلى عبادة الله وحده وإلى ترك ما هم فيه من شرور وآثام، وقد ورد في (إنجيل متى اصحاح 15) لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة، وقد دعا المسيح تلاميذه الاثنى عشر إلى تبشير بني إسرائيل فقط لذلك لم تكن رسالة المسيح إلا رسالة قومية يهودية إلى قومه من اليهود وليست رسالة عالمية كما يزعم الرهبان والقساوسة حاليًا بل إن هذا من مخترعاتهم التي لا أساس. والإشارة السابقة تؤكد هذا النظر ذلك أن هؤلاء الاثنى عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً:
إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة ليسامرين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالجري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. وقد حسم القرآن الكريم الموقف في قوله تعالى (ورسولا إلى بني إسرائيل).

وقد عقدت مجلة تايم (فبراير 1978 م) بحثًا هامًا اشتغلت به دوائر وجامعات وكنائس العالم الغربي وهو: ظاهرة الدعوة إلى إنسانية المسيح أو بشرية المسيح والمعارضة لألوهية المسيح فقالت:
إن موجة الرفض لفكرة ألوهية السيد المسيح أو ازدواج طبيعة تزداد قوة وانتشارًا في أوساط المفكرين واللاهوتيين سواء في الجامعات أو في الكنائس الغربية وهؤلاء الرافضون يعلنون أنه لا توجد في الإنجيل ولم يثبت عن السيد المسيح القول بألوهيته، ويؤكدون أنه عليه السلام بشر عادي. وتقول مجلة تايم:

إن هؤلاء الرافضين يمثلون مجموعة دولية تطالب الكنيسة الكاثوليكية باتخاذ موقف شجاع في هذه القضية.

فإذا عرفنا أن مخطوطات كهف قمران قد أهيل عليها التراب بعد قليل وحجبت عن البحث الحر ومات القس الذي ذهب إلى هناك ولم يستطيع أحد التوصل إلى شيء عرفنا إلى أي مدى تحاول دوائر الغرب مواجهة الموقف على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال ولكن إلى متى، فإذا أضفنا إلى هذا كله ما أعلنه دكتور بركاني في كتابه عن زيف النصوص الموجودة في العهد القديم عن خلق الكون وغيره عرفنا إلى أي حد تتهاوى هذه الكتب، وذلك أن الكتب القديمة تواجه تحديًا خطيرًا نتيجة بروز منهج العلم والبحث العلمي القائم على التجربة والنظر وللمقارنة وقد جاءت الكشوف الأثرية في السنوات الأخيرة فكشفت عن زيف كثير من دعاوى الصهيونية عن إبراهيم وإسماعيل وتجاهلها وحجبها لرحلتهما إلى الحجاز وإعادة بناء الكعبة.


ويقول رودلف بولتمان أستاذ علم اللاهوت في جامعة ماربورج (المدينة الألمانية العتيقة) إن العهد الجديد (أي الإنجيل) يجب أن يجرد من العناصر المثيولوجية (الأسطورية) التي فيه إذا كنا نريد لهذا الكتاب المقدس أن يعني شيئًا حقيقيًا ما بالنسبة إلى الرجل العادي اليوم، ويقول:
إن عالم الأناجيل يبدو في نظر الرجل المعاصر مختلفًا عن عالمنا اختلاف المريخ عن الأرض، فالكون في العهد الجديد أشبه ما يكون ببيت مكتظ ويقول إن لغة الميثولوجيا التي كانت ذات مغزى في أيام العهد الجديد والمستمدة في الدرجة الأولى من الغنوصية الإغريقية والرؤية النهوية (كرؤية يوحنا وما إليها) ويعتقد أننا لو توقعنا من العصريين من الناس الإيمان بذلك كشيء حقيقي يكون توقعنا هذا عملاً أحمق، وهكذا نرى أن البحث العلمي الغربي أصبح ينظر إلى الكتاب المقدس من كلا النواحي التاريخية والأثرية والعلمية نظرة مغايرة لنظرة التسليم القديمة التي كانت تقوم على الإيمان أولاً ثم التفكير ثانيًا وهنا يبرز مدى الخلاف بين القرآن الكريم الذين يقوم على البرهان والدليل وتقديم سنن الله في الكون والأمم والحضارات والتأمل في خلق الله والنظر في الكون لتكون وسيلة إلى الإيمان بالله وبين هذا الأسلوب.

ومن هنا نرى أن الشاعر القروي: رشيد سليم خوري قد تفتح قلبه على هذه المعاني وقال: إنه كان ينوي إعلان إسلامه ولكنه رأى أن يقوم بدور هام في المسيحية يكون قدوة لإخوانه أدباء النصرانية، وتلك عبارته: وهو أن أصحح خطأ طارئًا على ديننا قررت أن تكون الخطوة الأولى لي في إيقاظ (الأريوسية الموحدة) من رقادها الطويل حتى تزول العقبة المغلقة بين الإسلام والنصرانية وقال إني أعلن عزوفي عن أرثوذكسيتي المكاريوسيه إلى الأرثوذكسية الأريوسية ومطالبة الأرثوذكسية بالعودة إلى أصلها التوحيدي الفطري إلى الجناح الذي كان يمثله "آريوس" الذي رفض التثليث ويقول:
"لكم أتمنى أنا الأرثوذكسي المولد أن يكون هذا الأريوسي بطريركيًا بطلاً ليصلح ما أفسده سلفه القديم ويمحو عنا خطيئة ألصقها بنا غرباء غربيون ولطالما كان الغرب ولا يزال مصدرًا لمعظم عالمنا في السياسة وفي الدين على السواء".



هذه الأريوسية التي ذكرها الشاعر القروي والتي تتردد الآن على ألسنة الباحثين اللاهوت هي التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى قيصر الروم حين وجه إليه الدعوة إلى دخول الإسلام وحين قال "فإن أبيت فعليك إثم الأريسيين" وقد حاول مفسروا الحديث تفسيرها فقيل أنهم العشارون أو الأكارون أي الفلاحون أو الحرثين وقيل الضعفاء والأتباع أو أهل المكوس وبمراجعة كتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس وكثري والنجاشي نجد أن العبارة ترد هكذا وإلا فعليك إثم القبط إثم المجوس، إثم النصارى من قومك فهي تحمل الملوك تبعة أهل دينهم ولم يرد فيها أي ذكر للفلاحين أو الأكاريين وهكذا وصل الدكتور الدواليبي إلى أن الخطاب حمل هرقل تبعة أهل دينه وخاصة الأريسيين (أتباع أريوس) ممن ثبت أنهم كانوا الفئة الغالبة لدى الروم وأنهم كانوا يؤمنون ببشرية المسيح وينكرون ألوهيته والتثليث والحلول وأنهم كانوا يكرهون على القول ضد ذلك وإلا فالقتل والتنكيل والتحريف لهم ولكتبهم ومعابدهم.

وهي تعني في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إن في رهط هرقل فرقة تعرف بالأريوسية فجاء النسب إليهم كما أورده ابن الأثير حين قال "قوله الأريسيين هو جمع أريسي وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل"وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله خبر أريوس عن كتب النصارى أنفسهم حتنيال كما قال: إن التابعين لأريوس والقائلين بمقالته قد سموا (أريوسيين) مشتقًا من اسمه.


وكان أريوس من كبار رجال النصرانية من أهل الإسكندرية ولد 285 بعد الميلاد وتوفي 336 ميلادية وكان معاصرًا لقسطنطين وقد وقف بكل قواه ضد قرارات المجمع المسكوني الأول الذي دعا إليه قسطنطين والذي تبنوا فيه "وثنية" روما في شكل مسيحي في اجتماع لرجال الدين ضم نحوًا من ألفين وخمسمائة رجل حيث رفضت أناجيلهم التي بلغت المائة ومنها إنجيل الحواري "برنابا" ولم يقبل منها غير الأربعة المعروفة اليوم والمقبولة فقط من قبل نحو مائتين من أصل الحاضرين الذين بلغ عددهم نحوًا من ألفين وخمسمائة رجل.

وهكذا ولدت الديانة الجديدة والكاثوليكية منذ ذلك التاريخ في مطالع القرن الرابع بقرار من نحو مائتين من كهنوت الروم مدعمين بسلطة قسطنطين ولم يسمح بعد ذلك بالاعتماد على واقع المسيحية وتاريخها السابقين أو على أحد أناجيلها الباقية والبالغة (96 إنجيلاً) وقد عارض أريوس بكل عنف قرارات المجتمع المسكوني بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث معلنًا بشرية المسيح مجاهرًا بأن الله واحد ومنزه عن الحلول بأحد وقد هزت وقفته الجبارة هذه الإمبراطور قسطنطين نفسه، لذلك عقد المجمع الثاني ممن قالوا بألوهية المسيح والتثليث وبنوة المسيح لله فقط ليناقشوا أريوس فيما يدعو إليه ولكن أريوس ظل كالطود في عقيدته فحكموا عليه بالكفر والنفي وأخذوا ينكلون بمن كان يقول بقوله.


ويحرقون أناجيلهم وكنائسهم، حتى أرغموا الناس على التظاهر بقبول العقيدة الكاثوليكية وقد كان في الإمبراطورية الرومانية ثلاثة بطاركة في (استانبول) وأنطاكية والإسكندرية وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيميه عن كتبهم في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح فقال: إنه كلما عين الإمبراطور بطرقًا على هذه المدن الثلاث لا يلبث أن يظهر لهم أنه (أريوس) فيقتل أو يطرد وينكل به وبأصحابه حدث هذا وظل مستمرًا حتى جاءت دعوة الإسلام وكتب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يقول "فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم فإن توليت فعليم إثم الأريسيين وهكذا ارتفع صوت رسول الإسلام لحماية الأريسيين من مذابح الكاثوليكية. ومهد لدعوة الإسلام بالقبول الفوري لدى النصارى في كل من سوريا ومصر من بعد.

وقد ظل تاريخ الأريوسية مجهولاً كما يقول الدكتور الدواليبي الذي نقلنا عنه هذه النصوص التاريخية، حتى جاء اليوم، الذي يتحدث فيه كتاب الغرب من لاهوتيين وغيرهم عن هذه الدعوة التي وأدتها الكاثوليكية وبعد أن كشفت الأبحاث العلمية، ومفاهيم الإسلام المنقولة إلى الفكر الغربي عن فساد التفسيرات التي أضافها بولس وغيره إلى حقيقة الدين المنزل على السيد المسيح وأنها معارضة للفطرة ولسنن الله في الكون والمجتمعات وعلت اليوم الصيحة التي سوف يحتاج في السنوات القادمة كل الركام البشري دعوة (بشرية المسيح) ووحدانية الله تبارك وتعالى من غير حلول ولا تثليث.

__________________________________________________


كتب ومقالات أنور الجندي
الموسوعة الشاملة

المؤامرة على الفُصْحى لغة القرآن



الأستاذ أنور الجندي

(1)

المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام


ما تزال المؤامرة على اللغة العربية الفصحى مستمرة لم تتوقف .. لها خيوطها المرتبطة بالاستعمار والاستشراق والتبشير والتغريب .. ثم تضاعفت الدعوة إليها وتنوعت مرتبطة بالصهيونية والماركسية .. وهي مؤامرة تلبس في بعض حلقاتها ومراحلها ثوب البحث العلمي، وتحاول أن تدعي أنها تستهدف الخير والتقدم .. والصورة المعروضة اليوم تخدع الكثيرين. وربما تجد لها من بعض الشباب الذي لم يلم إلماماً كافيا بخطوات المؤامرة، استجابة ساذجة.


وقد كانت المؤامرة على اللغة العربية أساساً تستهدف الدعوة إلى العامية، أو كتابة العربية بالحروف اللاتينية، وأخذت في بعض الأوقات الدعوة إلى معارضة مفاهيم النحو أو نطق الكلمات، وجرت في خلال السنوات الطويلة الممتدة منذ حمل لواءها المبشر الإنجليزي وليم ويلكوكس في مراحل متعددة وانتقلت من مصر إلى المغرب إلى الشام ولبنان، واستطاعت أن تجد لها دعاة ممن يكتبون بالعربية خلفوا أولئك الأجانب الذين حملوا اللواء أول الأمر ..


والذين ينظرون اليوم في مشروع العربية الأساسية الذي تقدمت به بعض الهيئات الأجنبية في حزيران-يونيو 1973 في مؤتمر برمانا، ومنذ أن ارتفعت صيحة الدكتور عمر فروخ بالكشف عنه وإذاعته واهتمام الجهات المختصة به حتى أصدرت إحدى الهيئات الإسلامية وهي: مجمع البحوث بالأزهر تحذيرها الخطير بتوقيع الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر -أقول إن الذين ينظرون في هذا المشروع اليوم يجدونه مرتبطاً كل الارتباط بما أعلنه اللورد دوفرين في تقريره الذي وضعه عام 1882 بعد الاحتلال البريطاني لمصر حين دعا إلى معارضة اللغة الفصحى، لغة القرآن، وتشجيع لهجة مصر العامية واعتبارها حجر الزاوية في بناء منهج الثقافة والتعليم والتربية في مصر ..

وحين قال في تقريره بالحرف الواحد "إن أمل التقدم ضعيف في مصر طالما أن العامة تتعلم اللغة الفصحى العربية -لغة القرآن- كما هي في الوقت الحاضر" ..


ثم لم يلبث المبشر وليم ويلكوكس الذي كان يعمل مهندساً في الحملة الاستعمارية على مصر أن دعا في خطابه المشهور عام 1883 بنادي الأزبكية إلى نشر اللغة العامية والتأليف بها. وقد أطلق على خطبته اسماً خطيراً هو: "لماذا لا توجد قوة الاختراع عند المصريين ..!"، وكانت إجابته بالطبع: "إن السر ذلك هو اللغة العربية الفصحى، وإن سبيل إيجاد قوة الاختراع هو اتخاذ العامية بديلاً ..!".


وتوالت المحاولات الماكرة اللئيمة التي كانت تستهدف أمراً واحداً هو عزل المسلمين عن بيان القرآن وعن أسلوبه وشق وحدة اللسان والكلمة بإعلاء العاميات في مختلف أنحاء البلاد الإسلامية حتى تنمو تلك العاميات وتصبح لغات منفصلة، وعندئذ يصبح القرآن (تراثاً) يترجم ويقرأ عن طريق القواميس. وهم يعضون تجربة اللغة اللاتينية بالنسبة للإنجيل في أوروبا كصورة نموذجية للمحاولة، ويجهلون مدى الفارق البعيد بين اللغتين، وينسون أن الإنجيل لم ينزل باللغة أصلاً؛ وإنما ترجم إليها ..


2- ولما عجزت خطة العامية، قدمت خطة الكتابة بالحروف اللاتينية. واضطلعت المحافل اللغة الرسمية في تقديم عشرات من المشروعات: كان أخطرها مشروع عبد العزيز فهمي باشا الذي قوبل بالسخط والنكير من جميع حماة اللغة العربية والذائدين عنها، وإن كان أتباع التغريب من أمثال لطفي السيد وطه حسين عجزوا عن أن يعلنوا رأياً صريحاً قاطعاً. ذلك أن لطفي السيد نفسه كان من أوائل المصريين الذين حملوا لواء الدعوة إلى العامية بعد أن مهد لها: (ويلكوكس - ويلمور - دنلوب).


3- ثم كانت هناك حطة ثالثة هي: (اللغة الوسطى) وتلك دعوة حمل لواءها فريد أبو حديد وتوفيق الحكيم وأمين الخولي. وهي محاولة ماكرة لفصل اللغة العربية الفصحى عن لغة الكلام ولغة الكتابة بإعلاء اللهجات واعتماد اللغة الصحفية لغة أساسية. فلا هي عامية ولا هي فصحى؛ ولكنها تنزل درجة عن الفصحى لتنفصل عن بيان القرآن وتكون مقدمة لمرحلة أخرى تصل بها إلى العامية.


4- وجاءت بعد ذلك محاولة خطيرة تولاها وتصدى لها الدكتور طه حسين، هي: تبديل الخط العربي وقواعد النحو باسم (تطوير اللغة) تحت اسم تهذيب أو تيسير أو إصلاح أو تجديد، وهي أسماء لبقة مرنة تخفي وراءها هدفاً خطيراً هو -كما عبر عنه الدكتور محمد محمد حسين: "التحلل من القوانين والأصول التي صانت اللغة خلال خمسة عشر قرناً أو يزيد) وهي القوانين التي ضمنت لنا القدرة على مطالعة تراث المسلمين والعرب خلال أربعة عشر قرناً.


فإذا ما تحققت هذه الخطة التي تسمى بالتطوير أو التهذيب وتحللنا من هذه الأصول والقوانين والقواعد التي صانت اللغة هذه القرون، كانت النتيجة هي تحقيق الهدف. في تبلبل الألسنة بين المصري والشامي والمغربي وما بين الإيطالي والأسباني .. وتصبح قراءة القرآن والتراث العربي والإسلامي متعذرة على غير المتخصصين من دارس الآثار ومفسري الطلاسم .. وعندئذٍ تصبح وحدة العرب مقدمة لوحدة المسلمين عمل باطل ..!.


يقول الدكتور محمد محمد حسين: "ليس الخطر في الدعوة إلى العامية، ولا في الدعوة إلى الحروف اللاتينية ولا إلى إبطال النحو وقواعد الإعراب أو إسقاطها؛ وإنما الخطر في هؤلاء العتاة الذين يعرفون كيف يخدعون الصيد بإخفاء الشراك .. إن الخطر الحقيقي هو في الدعوات التي يتولاها خبثاً الهدامون مِمَن يخفون أغراضهم الخطيرة ويضعونها في أحب الصور إلى الناس ولا يطمعون في كسب عاجل، ولا يطلبون انقلاباً كاملاً سريعاً .. إن الخطر الحقيقي هو قبول (مبدأ التطوير) نفسه؛ لأن التسليم به والأخذ فيه لا ينتهي إلى حد معين أو مدى معروف يقف عنده المتطورون، ولا ريب أن التزحزح عن الحق كالتفريط في العرض.


5- كانت هناك ولا تزال خطة أخرى (وهذه الخطط كلها تعمل داخل المؤسسات) مؤسسات اللغة والتعليم. تلك هي بدعة إصلاح اللغة .. وقد ظن الكثير من البسطاء أن المسألة يراد بها سهولة الأداء، فالمصطلح خادع وماكر وسيء النية أيضاً .. وقد كشف هذه المؤامرة الدكتور علي العناني حين قال: 
"إن الإصلاح في الألفاظ والتراكيب والأساليب لا يكون إلا بتغيير قواعد أبنية اللغة وهي (الصرف) وتحوير ضوابط إعرابها والأحوال العارضة على الألفاظ باختلاف الوضع في الجملة وهو (النحو) وتبديل الموضع اللفظي في المفرد والمركب من حيث الحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية وهو (البيان) وبتغيير وإهمال ضوابط الفصاحة والبلاغة وهي (المعاني)، ومعنى إصلاح قواعد الصرف انتقالاً من الصعب إلى السهل إنما يعني أن نهدم علم الصرف من أساسه وننسخه نسخاً تاماً لتعدد قواعده وتنوع ضوابطه، وبعد أن يتم الهدم يبني المصلحون على أنقاضه صرفاً جديداً محدود القواعد، قليل التنويع، خفيفاً على العقل والفكر، سهلاً على الذهن والفهم .. وكذلك الأمر في إصلاح قواعد النحو، وإصلاح علوم البلاغة.

وبهذا يكون معنى الإصلاح في اللغة نسخ العقلية العربية وما فيها من ثقافة نظرية وعملية. ذلك أن الإصلاح هو التغيير، والتغيير يعني الإزالة والوضع.

ويقول الدكتور العناني أن تغيير قواعد اللغة العربية صرفاً ونحواً بالوضع فقط، أو بالوضع والإزالة معناه إحداث لغة جديدة بقواعد جديدة. وهذه اللغة العربية الجديدة إن صح اتصالها بالعربية الحالية المدونة اتصال اللهجة بالأم، فإنه تعبد عنها شيئاً فشيئاً حتى تختفي معالم الصلات بينهما، أو تكاد وعندئذ تكون اللغة العربية الحالية من اللغات الميتة ..


ونقول أن هذا ما يحلم به سعيد عقل، وأنيس فريحة، ولويس عوض .. وما كان يتمناه سلامة موسى، والخوري مارون غصن وطه حسين ولطفي السيد .. ومعنى هذا أن يصبح كل تراث العربية البالغ عشرات الآلاف من الكتب في مختلف مجالات الشريعة الإسلامية والأدب، والحضارة والفكر والفن عبارة عن توابيت في دار الآثار والمتاحف .. ويقول الدكتور علي العناني: "إن قواعد اللغة العربية وُضِعت طبقاً لنصوص القرآن والحديث والمسموع من العرب، فالتغيير في هذه القواعد هجر للقرآن والحديث.


كذلك فإن الدين الإسلامي وهو عقيدة وشريعة قد استنبطت أحكامه فيما يختص بالعقيدة والتشريع في العبادات والمعاملات من الكتاب والسنة وعمل الرسول والقياس والاجتهاد. وكل هذه الأركان والينابيع لا يمكن أن يستنبط منها حكم إلا بواسطة مبادئ خاصة وقوانين معروفة بعلم الأصول. وأساس هذه المبادئ والقوانين الراسخ أو دعائم علم الأصول إنما هي فهم لغة العرب: لغة القرآن والرسول بما وضع لها من القواعد الصرفية والنحوية وضوابط علوم البلاغة، وإذا أصلحت هذه الضوابط وتلك القواعد بالإزالة والوضع انهدم أساس علم الأصول وتداعت دعائمه، وإذا انهدم الأساس وتداعت الدعائم انهدم أيضاً ما يرتكز عليها، وهو هذا العلم .. وإذا وصل هذا العلم الأساسي في استنباط أحكام العقيدة ومسائل الشريعة إلى التداعي، تداعت معه أيضاً طريقة الاستنباط وفهم ما استنبط ودون بالفعل، وضاعت العقيدة واحتجبت الشريعة وعدنا إلى الجاهلية الأولى.


6- هذه هي خلفية الصورة البراقة التي نراها اليوم يحملها مجموعة من أعداء الإسلام واللغة العربية ويدافعون عنها وينقلونها من ثوب إلى ثوب، ومن أسلوب إلى أسلوب، كلما انكشف لهم جانب أعادوا تشكيله في صورة أخرى، وهم الآن على أبواب التعليم، وهي خطوة خطيرة إذا سمح بها وأعين عليها. ومن هنا نجد عبارة شخ الأزهر واضحة في معارضة المشروع حين يقول: 
"إن هذا المشروع واضح الهدف في هدم معالم اللغة العربية، وتبعاً لذلك البعد بها وبأهلها عن القرآن الكريم. ثم ما ينتج عن ذلك من مساس بالإسلام وأصوله كما هي مصونة في كتاب الله وسنة رسوله الكريم، ذلك إلى إيجاد الهوة الواسعة بين ما تئول إليه اللغة (لا قدر الله) وما احتوته من تراث في صورتها السليمة يمتد عبر أربعة عشر قرناً في نحو أربعة عشر إقليماً ..


ولذلك فإن مجمع البحوث الإسلامية يرى في هذا المشروع خطراً داهماً على اللغة العربية والعلوم الإسلامية، من شأنه أن يقطع صلة المسلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الفقهي الذي يعتمد فيما يعتمد عليه على دلالة المفهوم والمنطوق وأساليب القصر، والتقديم والتأخير وما إلى ذلك مما لا يتحقق في لغة أساسها العامية. بل إنه يقطع صلة المسلم بالتراث العلمي الإسلامي بصفة شاملة.



ومَن يطالع تقرير الدكتور عمر فروخ يحس بالخطر الكامن واضحاً في عبارات صريحة، يقول: "وفي أثناء الجلسات الرسمية للمؤتمر، وفي الفترات المتعددة بين الجلسات جرت بحوث واقتراحات وملاحظات جعلتني = خيفة شديدة من المشروع .. إن كل ما دار في مؤتمر برمانا كان يولد فيّ شعوراً بأن الغاية الأولى والأخيرة من المؤتمر كان الاهتمام باللغة العامية .. لقد حضر هذا المؤتمر عدد قليل من اللبنانيين ونفر من العرب غير اللبنانيين (وكثرة) من الأجانب لفتت نظري أن جلهم من الرهبان اليسوعيين ..

ونحن نقول إنها حلقة جديدة من حلقات المؤامرة أخش أنم تقف منها المجامع العربية موقع الصمت أو التردد؛ حيث نرى بعض رجالها يؤمنون بما يؤمن بها المستشرقون ويدافعون عنه، وخاصة في محاولة تطبيق علم اللغات الحديث على اللغة العربية، وهو علم قامت نظرياته ومستخلصاته على أساس دراسة واسعة للغات الأوروبية. 
وهذه اللغات لها تاريخ وتحديات وطرق. 
أما تاريخها فإنها مشتقة من اللغة اللاتينية ولغات أخرى. وقد كانت في أول أمرها لهجات عامية ثم استقلت بنفسها تحت تأثير عوامل كثيرة .. أما التحديات فإن ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة القومية الأوربية جعل الموقف جد مختلف بينها وبين العربية .. أما الطريق فهو أن اللغة العربية ارتبطت بكتاب منزل أعطاها وحماها وجعلها ليست لغة العرب وحدهم؛ وإنما لغة الثقافة الإسلامية بعامة .. ومن هنا فإن محاولة القول الذي تردد كثيراً على ألسنة طه حسين وسلامة موسى ولطفي السيد، وما يزال يتردد على ألسنة بعض من يتولون أمر اللغة، بأن اللغة العربية لغتنا ونحن أصحابها، ولنا حق التصرف فيها، هو قول باطل وغير صحيح ومردود؛ ويرده واقع التاريخ ومنطق البحث العلمي .. وربما كان قولاً صحيحاً بالنسبة للغات الأوربية، أما بالنسبة للغة العربية فإنه أمر جد مختلف؛ ذلك أن اللغة العربية منذ أن نزل التنزيل بها فقد أعطاها أبعاداً تختلف وواقعاً خاصاً ..


فاللغة العربية منذ ارتبطت بالقرآن الكريم أصبحت ليست لغة أمة هي العرب فحسب؛ بل هي لغة فكر وعقيدة ودين وثقافة للمسلمين جميعاً الذين يبلغ تعدادهم أكثر من 700 مليون.


ومن هنا فإن ارتباطها بالقرآن هو وحده الذي حماها من أن تتحول لهجاتها إلى لغات مستقلة، وأن يقرأ تراثها بقاموس .. وسيظل الترابط بين المسلمين ولغة الضاد الفصحى لغة القرآن قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها ..



وبعد: فإن مؤامرة مشروع العربية العامية يجب أن يشجب بقوة من جميع الهيئات الإسلامية وفي مقدمتها رابطة العالم الإسلامي التي تمثل اليوم مكان الأمم لمختلف المنظمات الإسلامية. وهي ما هي غيرة وقوة وإيماناً.



(2)

الفصحى: لغة القرآن

لغة ألف مليون: هم المسلمون

وليس مائة مليون هم العرب وحدهم !


ما تزال قوى التغريب والغزو الثقافي تطارد اللغة العربية الفصحى مطاردة شديدة: وفي مؤتمر المستشرقين الأخير دارت مناقشات وأبحاث كثيرة حول ما يسمونه اللغة العربية الحديثة وحول اللهجات العامية التي يسمونها لغات.

وهناك اتجاه في بعض الجامعات التي يشرف على الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهود صهيونيون يرمي إلى المبالغة في أهمية اللهجات العامية والعناية بدراستها باعتبارها اللغة المستعملة، وهناك دراسات عن اللهجات المصرية والتونسية والمغربية.


ويواجه الأساتذة العرب هذه الحركة بحركة مضادة معادية لهذا الاتجاه يقررون فيها ضرورة التمسك باللغة الفصحى لغة القرآن ويكشفون فساد هذا المنهج التعريبي الذي تحمل لواءه اليهودية العالمية لحساب الصهيونية وإسرائيل، ونحن نعرف أن الهدف هو القرآن والإسلام والقضاء على الوحدة الفكرية الجامعة تحت لواء الإسلام في لغة الأمم.


وفي هذا نذكر ذلك النذير الذي أصدره الأستاذ مصطفى صادق الرافعي منذ خمسين عاماً حين قال:
"إن العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصاحته، إلا مَن لا حفل له به مِن زنديق يتجاهل أو جاهل يتزندق، ثم إن فصاحة القرآن يجب أن تبقى مفهومة ولا يدنو الفهم منها إلا بالمران والمداولة ودرس الأساليب الفصحى والاحتذاء بها وأحكام اللغة والبصر في حقائقها وفنون بلاغتها والحرص على سلامة الذوق بها، وكل هذا يجعل الترخص في هذه اللغة وأساليبها ضرباً من الفساد، والحال الخاصة في فصاحة هذه اللغة ليست في ألفاظها ولكن في تركيب ألفاظها".

ويعني هذا الذي يقوله الأستاذ الرافعي رحمه الله أن اللغة العربية ارتبطت بالقرآن فأصبحت لغة أمة: ولغة فكر وثقافة ولغة عبادة للمسلمين جميعاً الذين يبلغ تعدادهم ألف مليون، وليست لغة مائة مليون هم العرب وحدهم، ولقد حماها ارتباطها بالقرآن مِن أن تتحول لهجاتها إلى لغات مستقلة وحال بينها وبين أن يُقرأ تراثها بقاموس كما يُقرأ تراث اللغات الأوروبية. وسيظل الترابط بين المسلمين وبين لغة الضاد قائماً مادام القرآن الكريم وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.




إن اللغات الأوربية حين انسحبت من اللغة اللاتينية إلى اللهجات القومية فأصبحت لغات خاصة انقطعت عن تراثها القديم، وقد أصبح من شأن هذه اللغة أن تتطور وتتطور وهي في كل فترة تنتقل من اللغة المكتوبة إلى لغة الكلام التي تصبح بدورها لغة كتابة، ومن ثم فإن أوربا لا تستطيع أن تقرأ شكسبير أو ملتون أو غيرهما من أعلام الأدب إلا بواسطة القاموس، وليس بين اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وبين هذا التراث أكثر من أربعمائة عام، بينما يقرأ العرب والمسلمون اليوم امرؤ القيس وبينهم وبينه أكثر من ألف وخمسمائة عام كأنما ألقى شعره في نفس اليوم، ولو أن إنساناً عربياً من الجاهلية بعث اليوم لاستطاع أن يتحدث إلينا ونتحدث إليه ويفهم منا ونفهم منه.

عن القول الباطل الذي يردده هؤلاء التغريبيون من قولهم أن اللغة العربية هي لغتنا ونحن أصحابها ولنا حق التصرف فيها هو قول غير صحيح يرده واقع التاريخ ويدحضه منطق البحث العلمي.


وقد يكون صحيحاً بالنسبة لعلم اللغات الذي استمد مقوماته من دراسة اللغات الأوربية وأقام نظرياته على أساس واقعها وهو إذ يصح بالنسبة لكل اللغات فإنه لا يصح بالنسبة للغة العربية التي احتضنها القرآن فنزل بها ومن ثم فقد أعطاها "أبعاداً خالدة" تختلف اختلافاً واسعاً عن اللغات وقد تتباين ويتعارض معها، ذلك أن اللغات الأوربية ترجمت كتابها المقدس إلى لغاتها الجديدة، وكانت موجة القوميات الأوربية عاملاً على أن تقيم من لهجاتها لغات خاصة منفصلة عن اللغة الأم، كما انفصلت سياسياً عن النظام السياسي الغربي الذي كان قائماً ومتصلاً بالكنيسة الغربية الواحدة، وهذا أمر يختلف في اللغة العربية تماماً؛ فإن المسلمين لم يترجموا قرآنهم وما يزال يقرؤه الهندي والفارسي والتركي والبربري وغيرهم من الأجناس واللغات بنفس اللغة العربية التي نزل بها، ولذلك فهو قد أقام للغة العربية كياناً خاصاً حماها من التحول إلى العاميات، ومن ثم فإن علم اللغات الحديث الذي تجري محاولة تطبيقه على اللغة العربية هو علم قاصر قامت مستخلصاته على أساس دراسة اللغات الأوربية وظروفها، كما ذكرت ولكنه لم يدرس ظروف اللغة العربية.


ولقد اعتقد المسلمون على مدى القرون، وهو الحق: أن لغتهم جزء من حقيقة الإسلام؛ لأنها كانت ترجماناً لوحي الله ولغة لكاتبه ومعجزة رسوله ولساناً لدعوته، ثم هذبها النبي الكريم بحديثه ونشرها الدين بانتشارها وخلدها القرآن بخلوده، فالقرآن لا يسمى قرآناً إلا بها والصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وأن "الأرجانون" لأي فكر أو "منهج بحث" لأي فكر إنما يستند إلى خصائص اللغة ولذلك فإن منهج البحث العلمي العربي إنما يستند إلى خصائص اللغة العربية ولا يستطيع أن يستند إلى خصائص لغة أخرى، فلكل لغة منهجها الفكري القائم على معانيها ومضامينها، وكما هاجم المسلمون المنهج الأرسطي وقالوا أنه مستند إلى خصائص اللغة اليونانية التي تخالف اللغة العربية فكذلك الأمر بالنسبة للمنهج الغربي الوافد (ماركسياً أو ليبرالياً أو فرويدياً أو وجودياً)؛ ذلك لأن الفكر الإسلامي منهج البحث الخاص به ومنهج المعرفة الذي يمثله والمستمد من اللغة العربية أصلاً ومن التوحيد الخالص.


ولا ريب أن محاولة فصل اللغة العربية الفصحى عن لغة الكلام بإعلاء اللهجات أو بخلق ما يسمونه لغة وسطى أو لغة الصحافة، كل هذا له خطره وله أبعاده ومخاطره.



إن النظرة اليسيرة قد ترى في ذلك شيئاً مقبولاً، ولكن النظرة العميقة تكشف عن محاذير عميقة أبرزها: الانفصال عن مستوى البيان القرآني؛ ذلك أنه من الضروري أن تظل اللغة العربية متصلة ببيان القرآن ومرتبطة به، فإذا بعدت عنه كان من أخطار ذلك أن تنفصل أو تنعزل عن مستوى البيان القرآني. فإذا مر زمن طال أو قصر انقطعت الصلة بين البيان والأداء العربي وبين القرآن.


واللغة العربية: لغة غنية خصبة عملاقة، يقول الخليل بن أحمد في كتاب العين:"إن عدد أبنية كلام العرب 12 مليون و305 ألف و412 كلمة"، ويقول الحسن الزبيدي أن ما يستعمل من ألفاظ اللغة العربية هو 5620 لفظاً فقط. 
وعندما نزل بها القرآن أزاحت السريانية والكلدانية والنبطية والآرامية واليونانية والقبطية عن مكانها في مصر والشام وأفريقيا وأدالت منها قبل أن ينقضي قرن واحد، فلما بلغت القرن الثالث تحولت الصلوات في الكنائس إليها، ثم كتبت بها اللغات التركية والفارسية والأوردية والأفغانية والكردية والمغولية والسودانية والأبجية والساحلية. كما كتب بها لغة أهل الملايو وقد حدث هذا منذ أكثر من ألف عام.



ثم دخلت إلى اللغات الأوربية كالفرنسية والألمانية والإنجليزية، وفي اللغة الإنجليزية وحدها أكثر من ألف كلمة عربية. ومن الناحية العلمية فهي تفوق أضخم اللغات ثروة وأصواتاً ومقاطع؛ إذ بها 28 حرفاً غير مكررة. بينما في اللغة الإنجليزية 26 حرفاً ومنها مكرر، كذلك فإن اللغة العربية ثراء في الأسماء فيها 400 اسم للأسد و300 للسيف و255 للناقة و170 للماء و70 للمطر؛ لكل واحد منها استعماله الخاص في حالة معينة.


ولقد عرف رجل من أشد خصوم الإسلام قدر اللغة العربية فكتب عنها في كتابه اللغات السامية، ذلك هو أرنست رينان فقال:
"من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدأت فجأة في غاية الكمال، سلسلة أي سلاسة، غنية أي غنى، كاملة؛ بحيث لم يدخل عليها منذ يومنا هذا أي تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة محكمة ولم يمضِ على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى، ومن أغرب المدهشات أن نبتت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم أُعلنت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر حتى أنه لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة، ولا تكاد تعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تبارى، ولا نعلم شيئاً عن هذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدريج وبقيت حافظة لكيانها خالصة من كل شائبة".



هذا وقد أثبت الأستاذ كامل كيلاني أنه ما من فن أو علم أو معنى في شعر أو نثر يتحدث في أدب من الآداب إلا وله ضريب في اللغة العربية، وقد جمع 18 صورة من هذه المقابلات، بينما وجد أن هناك 25 صورة من الأدب العربي لا ضريب لها في الآداب الغربية.



وقد شغلت كلمة (الوفاء) في اللغة العربية من لسان العرب صفحات 278، 279، 280، 281 من جزئه العشرين، بينما لا توجد هذه الكلمة في بعض اللغات كلية.


ولقد كتب جول فيرن الروائي المشهور قصة خيالية عن قوم شقوا أعماق الأرض طريقاً إلى جوفها فلما خرجوا سجلوا أسماءهم باللغة العربية، فلما سُئِل عن ذلك قال: لأنها لغة المستقبل.


ولذلك فمن الخطر فصل اللغة العربية عَن مستوى بيان القرآن، وذلك هو هدف التغريب الذي يعرفه جيداً جميع المستشرقين.

يقول بول كراوس: "لا لغة عربية بدون قرآن".

ويقول سيديو: أن "اللغة العربية حافظت على وجودها وصفاتها بفضل القرآن".

ومن ثم فإن كل هذه المحاولات لإفساد جوهرها هي بمثابة هجوم على الإسلام يتخفى وراء عبارات كاذبة مضللة.



(3)

وكانت مجلة البيان الكويتية قد اقترحت أن يطلق عام 1397 عام اللغة العربية الفصحى لغة القرآن، ومن الحق أن اللغة العربية في أشد الحاجة إلى هذه النصرة والتجمع والمؤازرة في هذه المرحلة التي يمر بها العالم الإسلامي والوطن العربي بالذات؛ حيث تتجمع قوى كبيرة للتآمر عليه وقد ارتفعت الأصوات: أصوات دعاة اليقظة الإسلامية بالتحذير من تلك الأخطار التي توجه إلى اللغة العربية الفصحى ..


فإن العدو عندما عجز عن مواجهة القرآن الكريم لجأ إلى مهاجمته عن طريق اللغة في مجال البيان، ولجأ إلى التشكيك فيه عن طريق السنة في مجال الفقه. وعلى شباب المسلمين المثقف أن يحذر مما يوجه الآن إلى اللغة والسنة من مؤامرات وتحديات ..



ولقد صدرت في السنوات الأخيرة مؤلفات ودراسات تكشف عن هذه المحاذير، في مقدمتها "الزحف على لغة القرآن" للأستاذ الجليل أحمد عبد الغفور عطار، و"العامية" للدكتورة نفوسة، وصدر لكاتب هذه السطور: "اللغة العربية بين حماتها وخصومها"، ومنذ وقت قريب عُقد في الخرطوم مؤتمر بحث تطوير دراسة اللغة العربية، قرر توحيد مناهج إعداد معلمي اللغة العربية والعمل على تأكيد قرار معلمي أفريقيا الخاص باعتبار اللغة العربية إحدى ثلاث لغات أفريقيا أساسية يدرسها كل أفريقي مع لغته الأصلية، كما أوصى بالإسراع في تعريب التعليم الجامعي.


والواقع أن مجامع اللغة التي قدمت عدداً أوفر من المصطلحات قد أصبحت اليوم محتواة بمجموعة من خصوم اللغة العربية الذين استطاعوا السيطرة عن طريق ما أسموه دراسات علم اللغة والأصوات وهم الذين يحملون لواء الدعوة إلى تشجيع العاميات واللهجات ويفسحون أمامها الطريق لتدخل القواميس ولتسطير على منهجية البيان العربي الأصيل الذي فرضه القرآن الكريم والذي يلتزم أهل العربية بالاتصال به والاستمرار في مستواه ..



والمؤامرة معروفة ومدخلها: تطوير اللغة، والقول بوضع اللغة في خدمة العصر، وهذه كلها عبارات لم تعد تخدع أحداً، ومعروف هدفها وهو الفصل بين العرب وبين لغة القرآن التي جمعتهم إلى محاولة الوصول باللهجات العامية في كل قطر إلى لغة تمزق الوحدة الفكرية والسياسية الجامعة بين العرب أنفسهم وبين العرب والمسلمين. 
ولقد قاومت اللغة العربية الفصحى محاولات مستمرة لم تتوقف وصمدت صموداً عنيداً أمام جميع التحديات الاستعمارية في المغرب العربي وفي سوريا وفي مصر، وفي كل مكان حيث حاول النفوذ الأجنبي ضربها ضرباً مزدوجاً باللغات الأجنبية وبإعلاء اللهجات العامية .. قاومت اللغة العربية كل المحاولات من إدماج وإزالة وإبادة؛ لأنها مدينة لقاموسها الجوهري ولنظام بناء الكلمات وتركيب العبارات والنحو والصرف، ومن هنا كانت دعوتنا إلى نقل العلوم والتكنولوجيا من أفق اللغات الأجنبية إلى أفق اللغة العربية، فنحن لا نطالب بأن ينقل الفكر؛ وإنما نطالب بأن ينقل العلم إلى أفق اللغة العربية لا أن ينتقل العرب والمسلمون إلى أفق اللغات الأجنبية. 
ولقد واجهت اللغة العربية الفصحى في العصر الحديث مقاومة ضخمة في كل مكان: فقد حيل بينها وبين نومها الطبيعي وامتدادها مع انتشار الإسلام إلى آفاق العالم وخاصة في أفريقيا، وتشير التقارير إلى أن اللغة العربية خارج الوطن العربي هي أكثر اللغات الوطنية انتشاراً في أفريقيا المعاصرة، وهناك دول تعتبر العربية فيها أكثر اللغات الوطنية انتشاراً. 
في موريتانيا وتشاد ومالطة، فانتشار العربية في موريتانيا لا يقل عن انتشارها في المملكة المغربية، فاللهجات البربرية المختلفة هي وسيلة التعامل المحلية عند حوالي ثلث سكان موريتانيا، ولكن نصف أبناء البربرية في موريتانيا يستطيعون التعامل في أمور الحياة باللغة العربية وفي المناطق الممتدة من السنغال ومالي إلى تشاد فإن العربية مستخدمة هناك في مناطق كثيرة كلغة أُم أو كلغة تداول، بل إن العربية هي أكثر اللغات استخداماً في المنطقة الممتدة من تمبكتوا (مالي) إلى كانم وواداي إلى غرب السودان.


ويقول التقرير أن أهم تجمع بشري يتعامل بالعربية في هذه المنطقة يوجد في تشاد؛ حيث يعيش فيها حوالي مليون و800 ألف مِمَن يستخدمون اللغة العربية كلغة أُم. والعربية بهذا هي أكثر اللغات الوطنية انتشاراً في تشاد؛ فأبناء اللغات الأخرى يكونون 40 في المائة فقط من سكان تشاد، وهناك منطقة لم يرتبط تعريبها بالإسلام وهي جزيرة مالطة: المنطقة الوحيدة التي تخلو من المسلمين ولغة الحديث فيها إحدى اللهجات العربية، أما في موريتانيا وتشاد ومالطة فإن العربية قاصرة على أمور الحياة اليومية البسيطة، ولكن العربية بعيدة عن هذه المناطق في المجالات الثقافية واللغة السياسية. 
وعلى العكس من ذلك نجد الموقف اللغوي في الصومال حيث تسود في أمور الحياة اليومية البسيطة الواحدة لغة واحدة هي اللغة الصومالية، ولكن أبناءها يتوسلون بالعربية في أمور الثقافة الجادة والتعليم، ويهتم الصوماليون اهتماماً كبيراً بتعليم اللغة العربية ويحسن كثير منهم التعامل بها فتصبح بمثابة اللغة الأم الثانية .. وقدر ارتبط تعليم العربية في الصومال بحفظ القرآن الكريم وبالثقافة الدينية عموماً، غير أنه في ظل الحكم الماركسي الحالي يعاني السكان والعربية من مشاكل كثيرة ليس أقلها قفل المعاهد الإسلامية ومنع الخطابة باللغة العربية .. إنها محنة نعتقد أنها سوف تزول عن شعب الصومال .. 
وهناك دول، يشكل أبناء العربية فيها أغلبية سكانية ولكنهم يكونون أقليات لغوية هي (مالي والنيجر وإيران وأريتريا وأربكستان وأفغانستان)، وقد لاحظ الرحالة الغربيون أن العربية منتشرة من شمال السنغال ومنطقة النيجر إلى تمبكتو، ثم من بورنو إلى دارفور في السودان .. والمنطقة التي ينقطع فيها استخدام العربية هي المنطقة من بورنو إلى تمبكتو. 
كما أشار التقرير إلى أن أكبر تجمع بشري يستخدم العربية في دولة مالي والمناطق المتاخمة لها هم (ذووحسان)، وقد تُعرف لهجتهم العربية باسم (الحسانية)، وهم الذين يُسميهم ابن خلدون (عرب المعقل)، وأغلب الظن أنهم دخلوا هذه المنطقة قبيل دخول الهلالية إلى المغرب. 
كما توجد أقليات عربية اللغة في عدد من الدول الأسيوية، وفي مناطق أخرى من إيران تعيش جماعات تتعامل باللغة العربية في حياتها الخاصة ويقدر عدد هؤلاء بنصف مليون ..

أما في تركيا فتعيش جماعات عربية في منطقة ماردين ويقدر عدد أبناء العربية في تركيا بحوالي ربع مليون نسمة، وهناك عدة جزر لغوية صغيرة في أفغانستان وأزبكستان ..

ويقدر الباحثون أن اللغة العربية الآن هي لغة حوالي مائة وخمسة عشر مليوناً من العرب (1970)، أما الجماعات غير العربية فهي لا تزيد عن خمسة ملايين نسمة، وقد لوحظ ازدياد انتشار العربية في الأجيال الصاعدة مع انتشار التعليم ويصدق هذا على جنوب السودان رغم البطء الشديد في نشر التعليم هناك، وأكبر جماعات بشرية غير عربية في البلاد العربية هي جماعات الأكراد (مليون) والبربر (4 ملايين) والنوبيون والمهرة وأبناء لغات جنوب السودان. 
وفي أقصى جنوب جزيرة العرب تجد في مناطق من جمهورية اليمن الشعبية عدداً من المتحدثين بلغة سامية قديمة هي لغة المهرية، ويعتبر النوبيون أهم تجمع بشري غير العربي في مصر (ربع مليون).


ولا ريب أن هذه الإحصائيات تعطي صورة النمو المتجدد للغة العربية في العالم الإسلامي بالرغم من كل محاولات حصر اللغة الفصحى وحجبها وتغليب اللهجات العامية واللغات الأجنبية عليها، وبالرغم من محاولات تغيير أبجديات اللغات في الملايو وبعض البلاد الأفريقية ..



ولقد كان المرحوم مصطفى صادق الرافعي من أوائل المجاهدين في الدفاع عن اللغة الفصحى، حتى وصف بأنه (حارس لغة القرآن)، يقول:
"قد أدهشتني الكلمة التي جرت على قلم يوسف حنا من اعتقادي أني المختار لحراسة لغة القرآن، فأنا لم أقل له هذا ولم أعتقدها مطلقاً، ومن أجل ذلك أثّرت فيّ هذه الكلمة تأثيراً عظيماً وأعددتها أنباء من الغيب واعتقدتها والظاهر أنها كذلك" ..

والحق أن كتاب الرافعي (إعجاز القرآن) كان بمثابة القنبلة الخطيرة التي ألقاها الرافعي في جو ظن خصوم الإسلام والعربية أنهم قادرون فيه على الهدم دون أن يتلفت إليهم أحد ..


ولكن اليقظة الإسلامية كانت تنطلق دائماً مكتسحة كل هذا الركام الذي شيده الأعداء. وفي هذا المجال يذكر رجل آخر من المجاهدين في سبيل اللغة العربية هو أحمد السكندري:
كان الدكتور منصور فهمي يقول كلما واجهتهم في المجتمع اللغوي مشكلة:
"انتظروا السكندري، أرجئوا المسألة فعند السكندري علم ما أشكل علينا ولديه حل ما استعصى علينا"، فلما مات السكندري قال منصور فهمي: "الآن يموت حلال المشكلات والمرتجي في اللغة للمستعصيات". 
وكان السكندري يقول: "لا يجوز التعريب إلا إذا تحقق العجز في نقل أسماء ومصطلحات الفنون والصناعات وأنواع النبات والحيوان والجماد".
وهو واحد من مؤسسي المجمع ومن أكثر المتحدثين فيه، وقد كان عضواً في لجنة الرياضيات والعلوم الطبيعية والكيميائية وعلوم الحياة والطب، بل لقد كان عضواً في سبع لجان من أحد عشر لجنة، وهو من ذلك الرعيل الأول لدار العلوم: الخضري والمهدي وحفني ناصف -أولئك الذين كانت لم مواقف حاسمة إزاء المؤتمرات التي وجهت إلى اللغة في مطالع العصر ..

ومنذ بدأت فكرة التجمع لحماية اللغة والنظر في أمرها كان السكندري في المقدمة وهو قد شاهد توفيق البكري وحمزة فتح الله والشيخ الشنقيطي وحفني ناصف عندما احتجوا لأول مرة ووضعوا عشرات من الكلمات، ثم جاء بعدهم نادي دار العلوم فوضع مئات الكلمات وشارك هو في هذه اللجنة ..

والسكندري: أزهري درعمي معاً: شغف باللغة وتخصص فيها وكان من أصحاب العزائم، كان مؤمناً بمبدأ لا يتزعزع: أن اللغة تكونت من عناصر تمت للأبدية والخلود، فعنده أن عناصر هذه اللغة تنسحب إلى ماضٍ لا أول له، وفي طاقتها أن تمد إلى مستقبل لا آخر له، فاللغة عنده ماضيها وحاضرها ومستقبلها وحدة قوية متماسكة تتسع لكل المصطلحات. وكان يُعَد من المتشددين في القديم. 
وقد جعل المجمع بالغ الحرص على توفير المظان القديمة، شديد العناية بممارسة ما احتوته من مدخور العربية وكنوزها. 
ولم تكن معاركه داخل المجمع وحده؛ ولكنه كان معاركاً في كل مجال من أجل اللغة. وعندما كان أحمد زكي باشا شيخ العروبة يكتب كان يتحاماه كثيرون، ولكن شيخ العروبة أراد أن يكتب عن اللغة ويتعرض لكلمات: "على الحركرك، ويا الله)، فكتب رأيه، ثم سأل أصدقائه وطالب السكندري بالذات أن يدلي برأيه في الكلمتين ..

وقال السكندري: "ظن الباشا أن صمت مثلي إنما هو علم يكتمه ولا والله ليس إلا قلة الاعتداد بما خطر على بالي والاستهانة بما سنح لي في تخريج هذا الحرف (على الحركرك)، واللهُ يقول (ولا تقف ما ليس لك به علم)، فأما إذا أحرجني الباشا مرتين ولم يرضَ لي غير إحدى خصلتين: الفتيا ولو بغير مضع، أو استحقاق الإلجام بلجام من نار، فإني أستغفر الله وأقول ما لم أتعود قوله:

خطر ببالي أن (على الحركرك) محرف من نقطتين فصيحتين هما: حرَج الحرَج قلبت الجيم فيهما كافاً لتقاربهما في المخارج، الحرَج بفتح الراء معناه أضيق الضيق، فإذا أضيف إلى مثله كما يقول فلان في ضيق الضيق كانت المبالغة أشد، إذ هو بمنزلة أن يقال: أضيق ضيق الضيق، وهو ما تريده العامة وهو نظير قولهم (شفت فيه ويل الويل ومر المر). ويحتمل أن يكون محرفاً عن الحرَج الحرَج، فإذا كان يعجب الباشا مثل هذا التخريج فذاك، وإلا فإنني أعتقد أن إجابتي إنما هي على حرج الحرج، وأربأ بنفسي أن أكون في رأيه مستأهل الإلجام بلجام من نار والعياذ بالله" ..



وبعد فمن الحق للغة العربية أن تفرد لها عاماً يشترك فيه المجاهدون دونها، ولعل الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار أن يقدم وجهة نظره في هذه الدعوة المطروحة الآن على بساط البحث في عدد من البلاد العربية ..




(3)

لماذا دراسة اللهجات العامية والاهتمام بها ؟!

ما تزال اللغة العربية تدافع عن كيانها الذي يرهق الاستشراق والتغريب والذي تخطط له الماركسية في كل مكان تحل فيه، كما يخطط له الاستعمار والصهيونية بوصفها لغة القرآن التي تجمع العرب إلى وحدة الأمة والجماعة وتربط المسلمين إلى وحدة الفكر والثقافة، ولقد ترددتْ في المرحلة الأخيرة ظاهرة تبدو كأنها دفاع عن الفصحى ولكنها تُخفي في أعماقها حربها وخصومتها، تلك هي ظاهرة دراسة اللهجات العامية، ترى ذلك واضحاً اليوم في عديد من مجامع اللغة ومعاهد الدراسة العالية.


وقد حاول بعض الباحثين أن يدعي أن الغاية من دراسة اللهجات هو الكشف عن أنجع الوسائل المؤدية إلى جعل لغة الضاد (موحَدة وموحِدة) في جميع البلاد العربية، أي أن تكون أكبر أداة لتوحيد الشعوب الإسلامية في أمة واحدة.

ولكن المتعمق للأمور يرى أن ذلك وَهْم من الأوهام، وأن التجربة لم تحققه؛ بل حققت عكسه، وأن بعض المعاهد التي استقدمت أمثال أنيس فريحة وغيره لم تزد أن أعطت دعاة العامية سلاحاً ضد الفصحى بالإضافة إلى أسلحتهم المشرعة اليوم في مجال المسرح والإذاعة والكاريكاتير ..



يقول الأمير مصطفى الشهابي: "إن اللهجات العربية العامية تعد بالعشرات بل بالمئات وكلها اليوم لا ضابط لها من نطاق أو صرف أو نحو أو اشتقاق أو تحديد لمعنى الألفاظ؛ فهي كلام العامة يستعمل في الأغراض المعاشية وفي علاقات الناس بعضهم ببعض .. وهذا الكلام وقتي لا يثبت على مرور الأيام، وموضعي لا يتجول من قطر عربي إلى قطر عربي آخر .. ومعناه أن اللهجات العامية لا يمكن أن تكون لغات علم وأدب وثقافة وليس في مقدورها أن تعيش طويلاً وأن يعم بعضها أو كلها، الأقطار العربية كافة، وكل ما يكتب بلهجة عامية يظل محصوراً في قطره وقلما يفهمه غير أبناء ذلك القطر أو غير طائفة من أبناء ذلك القطر، فإذا تدارسنا حقائق هذه اللهجات ووضعنا لكل منها قواعد رجراجة، فماذا تكون مغبة هذا العمل .. إن أخشى ما نخشاه أن يستهوي هذا الموضوع عقول بعض هؤلاء الطلاب فيعكفوا على معالجة تنظيم الكتابة والتأليف باللهجات المختلفة وعلى طبع هذه الرطانات ونشرها فتكون النتيجة تشويشاً وضرراً يباعِد بعض الأقطار العربية عَن بعض، بدلاً من أن يتوحد بلغتها، أي تكون النتيجة مخالفة تماماً المخالفة لِمَا يتوقع من تدريس اللهجات العامية في خدمة الفصحى".



أما القول بأن تدريس هذه اللهجات يفضي إلى معرفة مشكلات الفصحى وإلى مداواة أدوائها فهو قول ضعيف في نظرنا؛ فأدوات الفصحى معروفة تحتاج إلى مَن يعالجها بإخلاص ونشاط وصبر ومثابرة وأهمها وضع المصطلحات العلمية أو تحقيقها وتبسيط قواعد الكتابة والإعراب والصرف والنحو وتبسيط الكثير من تعليلات القواعد الصرفية والنحوية.


وجميع هذه الأمور الشائكة يعرفها علماؤنا الأثبات ولا علاقة لها باللهجات العامة وقواعد تدريسها. ومن الطبيعي القول بأن هذا التبسيط لم يمس جوهر الفصحى وسلامتها وأنها ستظل صعبة في نظر بعض الناس ولا مجال للبحث عن بعض الآراء التي تذهب إلى جعل التبسيط تشويهاً للفصحى. المطلوب هو رد العامي إلى الفصيح، كما فعل الشيخ أحمد رضا العاملي وعلماء أثبات وفقهاء باللغة مِمَن يعرفون كيف يُفيدون الفصحى مِن دراساتهم وكيف يقربون العامية منها وكيف يمنعون طغيان العامية عليها. 
إن قضية الفصحى والعامية لا تُحَل بدراسة اللهجات العامية وتدريسها للطلاب؛ بل تُحَل بتيسير قواعد الفصحى مع الاحتفاظ بسلامتها، وعلى الأخص نشر التعليم في سواد الشعوب العربية، ومنها فرض التعليم بالفصحى على المعلمين وعلى التلاميذ في جميع المدارس، ومنع طبع رسائل بالعامية أو التكلم بها في المدارس والمسارح ومحطات الإذاعة ودوائر الحكومات.



(4)

الفصحى في لغات أوربا


يقول (والت تايلور) في رسالته عن الألفاظ العربية في اللغة الإنجليزية أنه في الفترة ما بعد 1450 ميلادية كان الداخل إلى اللغة الإنجليزية من الألفاظ العربية بمعدل 83 في المائة، وذلك بعد أن اتسعت آفاق التجارة وأسباب المواصلات بين الشرق والغرب، وقد كان للجزيرة الأندلسية أعظم أثر فيما قدمته العربية للغات الأوربية، فالسيادة العربية التي بقيت في تلك الجزيرة بضعة قرون قد طعمت لغتها الأسبانية والبرتغالية بعدد كبير من الألفاظ.

والذي يفتح كتاب دوزي عن الألفاظ في اللغة الأسبانية يجد فيه نحو ألف وخمسمائة كلمة من أصل عربي بعضها يرجع إلى عهود العرب الأولى في الأندلس.

كذلك فقد دخلت إلى أوربا ولغاتها مصطلحات كثيرة عن طريقة جزيرة صقلية وعن طريق الحروب الصليبية.


وقد قسم أنيس المقدسي هذه الألفاظ العربية إلى عدة أنواع:

أولاً: أعلام أشخاص وأمكنة وألقاب خاصة.

ثانياً: ألفاظ ومصطلحات مستحدثة.

ثالثاً: مصطلحات علمية وخصوصاً الفلكية منها كأسماء النجوم (إبرة العقرب) و(الشعري) و(رأس الثعبان).

رابعاً: ألفاظ عربية تبنتها اللغة الإنجليزية أمثال منبر وكنيسة وسراط وفردوس وسكر ومسك وفندق.

وقد اندغمت هذه المصطلحات والألفاظ في اللغة الإنجليزية حتى لم تعد أصولها العربية واضحة.


ومجال القول في هذا الموضوع ذو سعة، وقد تناوله عشرات الباحثين الأجانب:

1- والتر تايلور: ما اكتسبت الإنجليزية من العربية.

2- الأب لامنسي: علاقة العربية بالفرنسية.

3- دوزي: علاقة العربية بالأسبانية والبرتغالية.

4- قاموس أكسفورد.

5- قاموس وبستر.

6- معجم الألفاظ الفلكية: أمين المعلوف.

7- معجم ألفاظ النبات: للدكتور أحمد عيسى.

8- معجم الألفاظ الزراعية: للأمير مصطفى الشهابي.

9- معجم العلوم الطبيعية والطبية: للدكتور محمد شرف.

10- معجم الألفاظ الداخلة في اللغة العربية: للقس الفيسي.
_________________________________________

كتب ومقالات أنور الجندي
الموسوعة الشاملة

الاثنين، 23 يناير، 2017

على طريقة الصين أو أبى دلامة


للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

قرأت في بعض ما كتب عن الصين الحديثة وحروبها الداخلية - قبل أن تغزوها اليابان - أنه كان يحدث أن يخرج القائد من القواد الصينيين لقتال غريمه فيلقى الجمعان ويصطف الجيشان ويبرز أحد القائدين، ويدعو خصمه فيخرج إليه ويقف بين العسكرين يتبارزان ولكن بالحجة والمنطق، ويتصاولان ولكن على الورق والخرائط، ويتجادلان في أي الخطتين كانت خليقة أن تجيء صاحبها بالنصر، حتى يقتنع أحدهما بأن الدائرة ستدور عليه لا محالة، فيعد نفسه مهزوماً، ويرتد بجيشه عن الساحة، وينصرف خصمه وقد رفع ألوية النصر.

كذلك قال بعض الكتاب. وزعموا أيضاً أن هذا بعض ما أطمع اليابان في الصين وأوهمها أن قتالها أمر هين، وأن المنال قريب والغاية في حكم المدركة، فإذا بها تتورط في حرب لا تعرف لها منها مخرجاً ولا تتبين لها نهاية قريبة، بعد أربع سنوات طويلات دخلت في خلالها مئات من المدائن، واحتلت رقعة أوسع من نصف القارة الأوربية وما زالت الحرب - إذا اعتبرنا قوة المقاومة - كأنها في بدايتها.

وليس من همي أن أقول شيئاً عن الصين، وإنما سقت هذا الخبر لأني ذكرت له مشبها له من أخبار أبى دلامة الشاعر الماجن الظريف فقد حكوا عنه - وحكى هو عن نفسه فيما يروون عنه - أن الخليفة - المنصور أو المهدي - غضب عليه لاعتكافه على الخمر، فأمر به فخرج في بحث حرب مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة. 
قال أبو دلامة: فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه.
فضحك وقال: والله لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك.
ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلى ودعا بغيرهما، فلما حصل ذلك زالت عني حلاوة الطمع فقلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك.
فقال: دع عنك هذا.
وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة.
فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة.
فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي.
قال: والله لتخرجن.
قلت: أيها الأمير فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج. 
فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعيناه تتقدان، فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت.
فوقف، فقلت: أتقتل من لا يقاتلك. . ..
قال: لا.
قلت: أتقتل رجلاً على دينك.
قال: لا.
قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتل إلى دينك.
قال: فأذهب عني إلى لعنة الله.
قلت: لا أفعل أو تسمع مني.
قال: قل.
قلت: هل كانت بيننا قط عداوة أو ترة، أو تعرفني بحال تحفظك عليّ، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً.
قال: لا والله.
قلت: ولا أن أعرف والله إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأريد السوء لمن أراده لك.
قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف.
قلت: إن معي زاداً أحب أن آكله معك لتتأكد المودة بيننا ويرى أهل العسكر هوانهم علينا.
قال: أفعل.
فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلها على معارفها والناس يضحكون، فلما استوفينا ودعني، فقلت له: إن هذا الجاهل - يعني روح بن حاتم - إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل.
قال: قد فعلت.
ثم انصرف وانصرفت، فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك.فأمسك.
وخرج آخر يدعو إلى المبارزة، فقال لي: اخرج، فقلت له:

إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى النزال فتخزى بي بنو أسد

إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد

إن المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت عن أحد

لو أن لي مهجة أخرى لجدت به ... لكنها خلقت فرداً فلم أجد

فضحك وأعفاني.


وهذا الذي كلم به أبو دلامة قرنه فكفاه شره، احتجاج قوي لترك الحرب، ولو كان الأمر إلى الجنود المسوقة وخوطبت بمثله لكان الأرجح في الرأي والأغلب في الاحتمال أن تلقى السلاح وتنفض يدها من كفاح لا تعرف باعثاً عليه أو موجباً له، ولكن الأمر للقادة والرؤساء وهؤلاء لا يعبئون إلا بما يطمعون فيه ويسعون له، ولا يبالون من رضى ممن سخط، ومن بقى ممن هلك، إذا هم أدركوا بغيتهم ونالوا وطرهم.

وقد خاطب الألمان جنود فرنسا بمثل كلام أبى دلامة - في هذه الحرب فكانوا في الشهور الأولى - شهور الركود والتربص - كل ليلة ينادونهم من خط سجفريد (أن لماذا تحاربوننا يا معاشر الفرنسيين ولا عداء بيننا وبينكم ولا مطمع لنا في مستعمراتكم، وقد سمعتم (الفوهرر) يقول في خطبته إن بناء خط سجفريد اعتراف من ألمانيا بأنها تعد الحدود بينها وبينكم نهائية، ولولا ذلك ما جشمت نفسها مشقة البناء ونفقاته، إنما غريمنا وغريمكم الإنجليز، وقد زجوا بكم إلى الحرب ليقاتلونا بكم) الخ الخ وقد فعل هذا الكلام فعله في نفوس الفرنسيين وظهر أثره في معركة فرنسا.

وأعود بكم إلى صاحبنا أبى دلامة فأقول: إن الرصافي - شيخ شعراء العراق في هذا الزمان - أسبغ الله عليه برد العافية صنع شعراً في خبر أبى دلامة مطلعه (قضت المطامع أن تطيل جدالاً)

قال فيه:

أمن السياسة أن يقتل بعضنا ... بعضاً ليدرك غيرنا الآمالا

تفنى الجيوش ولا ضغائن بينها ... سبقت ولا ترة ولا أذخالا

وأستطرد إلى قصة أبى دلامة ثم ختم القصيدة بقوله:

إن الدهور - وهن أمهر سابك - ... سترد أضداد الورى أشكالاً

حتى كأني بالطباع تبدلت ... غير الطباع وزلزلت زلزالا

وكأنني ببني الملاحم أصبحوا ... لأبي دلامة كلهم أشكالا

ويا عسى ولعل، وسمع الله منك صديقنا، ولكن هيهات. . . هيهات! والسلام عليك إذا لم يكن على الأرض سلام.
___________________________________

مجلة الرسالة العدد 400

الخميس، 12 يناير، 2017

المستشرقون في موقفهم الخطير إزاء الإسلام



بقلم أمير البيان الأمير شكيب أرسلان
(ونشرت في جريدة الجهاد)

هذه مسألة جلى لا يتنبه إليها الشرقيون كما يجب أن يتنبهوا، وكما هو شأنهم في كثير من المسائل، ولكن عليهم من الآن فصاعدًا بعد أن زعموا كونهم تقدموا ورقوا أن يتنبهوا لهذا الموضوع، وذلك أن أوربة عالم كبير قد أخذ بزمام العالم كله في الوقت الحاضر وهو يتلقى معلوماته عن الشرق والشرقيين من طريقين:
أحدهما: طريق القناصل والسفراء والمعتمدين الرسميين وهؤلاء يكتبون عن الشرق والشرقيين كل شيء ولا يكتمون حكوماتهم عنهما حديثًا إلا أن حكوماتهم تتصرف بتقاريرهم كما تشاء بحسب أهوائها ومصالحها فهي تكتمها أحيانًا وقد تطمسها طمسًا تامًّا حتى كأنها لم تُكتب ولم تتقدم، وهي تفشيها أحيانًا إذا اقتضت ذلك سياستها، وكثيرًا ما تكتم شيئًا منها وتنشر شيئًا، وبالاختصار جميع تقارير سفراء أوربة وقناصلها في الشرق هي رهن أغراض النظارات الخارجية في أوربة، وإذا قلنا: إنها رهن أغراض نظارات أوربة الخارجية، فمعنى ذلك أنها رهن التغطية والتمويه والتلفيق والتبديل والتعديل والفصل والوصل، وإنه لا شيء هناك يقال له حقيقة بل لا يوجد هناك إلا ما يقال له: (مصلحة) .


وأما الطريق الثاني لمعرفة أحوال الشرق والشرقيين فهو طريق الاستشراق، وذلك أنه يوجد في أوربة طبقة من المتعلمين تعنى خاصة بدرس اللغات الشرقية، وكل ما يتعلق بالشرق وأهله، وهم يتنوعون في هذه الدروس فمنهم من يتخصص بعلوم الصين، ومنهم من يتخصص بعلوم اليابان، ومنهم بالمعلومات عن الهند أو عن الجاوى، ومنهم من يجعل همته منصرفة إلى الاستقصاء في أخبار فارس، ومنهم من يوجه نظره إلى تركستان وغير ذلك. وإنَّ جانبًا عظيمًا من الاستشراق وربما يكون هو الأعظم متوجه إلى درس الإسلام والبلاد الإسلامية من مشرقها إلى مغربها.

وإن هذه الطبقة التي تعنى بشأن الإسلام والمسلمين هي التي تكيف المعلومات الإسلامية في أوربة بكيفية نظرها وتمثيلها للعالم الإسلامي إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، هذه الطبقة هي الترجمان الذي يلقي إلى ستمائة مليون أوربي وصف أحوال الإسلام والمسلمين، فإن كان هذا الترجمان أمينًا تلقى هؤلاء الستمائة مليون أوربي تلك المعلومات على وجهها، واعتدلوا بحق الإسلام والمسلمين، وإن كان الترجمان خائنًا أو لئيمًا يُحَرِّف الكلم عن مواضعه ويقلب الحقائق عمدًا لمرض في نفسه أو لإحنة في صدره، أمكنه أن يهيج من أحقاد الأوربيين الكامنة على المسلمين، وأن يثير من عداوتهم لهم ما ليس لضرره حد؛ لأن العالم الأوربي إذا فكر قال، وإذا قال فعل، وإذا فعل قام بانقلابات كثيرة، هذا إلى اليوم، ولا نعلم ماذا يكون في الغد؟
فهل هذه الطبقة التي يصح أن يقال: إنها ترجمان العالم الإسلامي لدى العالم الأوربي هي أمينة أم خائنة في الترجمة؟
الجواب عليه هو هذا البحث الذي نريد الآن أن ننبه الأفكار إليه بعد أن نقرر أن هذه الطبقة هي التي تصور أحوال المسلمين للأوربيين بحسب درجتي صدقها وكذبها أو درجتي علمها وجهلها.
من هؤلاء المستشرقين فئة ما استشرقوا ولا خَطَوْا خطوة في هذه السبيل إلا لأجل أن يتعقبوا عورات الإسلام ومثالبه، ويخوضوا في أعراض المسلمين، ويبحثوا عن زلاتهم؛ ليجسموها ويُبْرِزُوها لأنظار الأوربيين بالشكل المُسْتَبْشَع الذي تنفر منه طباعهم، وتثور حفائظهم، وذلك حتى يزدادوا بغضًا للإسلام وبعدًا عنه، وهذه الفئة من حيث إن أصل استشراقها هو العمل لخدمة المسيحية وتشويه الإسلام بما أمكن لا تقتصر على تجسيم العورات إذا وقعت عليها، بل يبلغ بها سوء القصد أن تقلب الحقائق قلبًا، وأن ترتكب التزوير عمدًا، وأن تأخذ بالحوادث الجزئية فتعممها فتجعل منها قواعد، وكل شيء تعمله هذه الفئة على قاعدة (أن الغاية تبرر الواسطة) فالإسلام بزعمها هو شر محض، فينبغي تنفير الناس منه بالحق وبالباطل، وهذه الفرقة من المستشرقين كثيرة العدد يطول بنا تعدد أسمائها، ومن جملتها لامانس اليسوعي البلجيكي ومارتين هارتمان الألماني، ومرغليوث الإنكليزي، وفنسنك الذي ذكر عنه الدكتور حسين الهراوي أنه طعن في الرسول عليه السلام، وأنا لم أقرأ طعن هذا، ولكنني قرأت مطاعن الآخرين، وقد نشرت في (حاضر العالم الإسلامي) أسماء مشاهير المستشرقين الممتازين في التحامل على الإسلام، فليراجع ذلك من أراد في ذلك الكتاب.


ومن المستشرقين فئة أخرى غرضهم أيضًا أن يخدموا المدنية الأوربية والثقافة المسيحية، وأن يبثوها بما أمكنهم بين المسلمين، ولكنهم لا يستبيحون ما تستبيحه الفئة الأولى من الكذب والبهتان، وقلب الحقائق واللوذ بكل عضيهة للتمثيل بالإسلام وأهله، كلا هؤلاء يلتزمون في مباحثهم الطريقة العلمية التي تقتضي معرفة الحق في أي جانب كان، ولكنهم لا يتحرجون عند أول فرصة تلوح لهم أن يتولجوها ويحملوا على الإسلام باسم العلم بزعمهم، وأن يجسموا الهنات، وأن يعمموا الجزئيات في الأحايين، وأن يتجاهلوا ما عندهم من الطامات الكبرى التي لا تقاس إليها معايب الإسلام في كثير ولا قليل فهذه الفئة يتألف منها أكثر المستشرقين وهم يعدون إجمالاً من ذوي الفضل على العلم، وممن يلزم أن يستفاد منهم، ولكن مع دوام الحذر مما يلقونه أحيانًا من السموم بحق الإسلام مما يكون ضرره أشد من ضرر الفئة الأولى التي بهتانها ظاهر للعيان، يمكن أن توصف هذه الفئة (بالعدو العاقل) ومن هؤلاء الأستاذ ماسينيون الأفرنسي وسنوك هور كرونيه الهولندي وغيرهما.

ومن المستشرقين فئة ثالثة قليلة العدد في أوربة إلا أن منها رجالاً محققين، وهؤلاء يتحرون مزيد التحري، وينصفون الإسلام إنصافًا تامًّا لا يشوبه أدنى تحامل، وإن بدر منهم انتقاد للإسلام في شيء فيكون عن اعتقاد أو وجهة نظر نظروها أو خطأ وقعوا فيه لا عن سوء نية، ولا عن تعمد انتقاص، ولا أعلم في هذه الطبقة أشهر من غولد سيهر المجري الذي هو في الحقيقة أفهم الأوربيين لقواعد الإسلام ومنهم في الحياة الأستاذ كامفماير الألماني والأستاذ مونتا السويسري، ومنهم كاراده فو الفرنسي صاحب كتاب مفكري الإسلام، ومنهم الدكتور مايرهوف الألماني، ومنهم غروسه الفرنسي، ومنهم رينه الإفرنسي الذي بلغ به استشراقه من حب الإسلام أن دان بالإسلام وحج البيت الحرام، ومنهم علماء آخرون لست الآن في مقام استقصاء من جهتهم.

ولا شك أن الفئة الأخيرة قد خدمت الإسلام خدمات جلى في أوربة وحولت كثيرًا من العقائد الباطلة بحق الإسلام عن مجراها الأول، وخففت كثيرًا من الأحقاد، وصححت جمهرة من الأوهام، ولكنها مع الأسف لم تقدر أن تنسف تلك الجبال المتراكمة من البغض والعدوان والعقائد الفاسدة بحق الإسلام والمسلمين؛ لأن التيار الأصلي الباقي من القرون الوسطى لا يزال شديدًا.

كان زميلي إحسان بك الجابري يتحدث منذ يومين إلى مهندس كبير قد يكون أشهر مهندس في سويسرة وهو من كبار المفكرين فقال لزميلي: نشأنا من الصغر في بغض الإسلام وربانا آباؤنا ومعلمونا على مبادئ من العداوة للإسلام نحن الآن نعلم بطلانها، لكننا بحكم الاستمرار لا نقدر أن نتخلص منها)

إن غوته الشاعر الألماني الأكبر الذي يقول الألمان: إنه أكبر دماغ ظهر في ألمانية، وكان شبان الألمان ينتحرون من تأثير بعض رواياته الشعرية، نعم غوته هو نفسه قال - وكلامه هذا مُدَوَّنٌ عنه-: إذا كان هذا هو الإسلام أفلسنا كلنا مسلمين؟
هذا الرجل الذي سحر ناشئة الألمان في عصره ولا يزال يسحرها إلى الآن قد عجز عن أن ينسف ما تراكم من الأوهام المتكاثفة بحق الإسلام في ألمانية، هذا والألمان أقل الأمم الأوربية تحاملاً على الإسلام والمسلمين فما ظنك بغيرهم؟ حرَّر الأستاذ الحجة السيد رشيد رضا في المدة الأخيرة كتابا أسماه (الوحي المحمدي) من أنفس ما كتبه المسلمون في هذا العصر وكل عصر، وكأنما كتبه تلقاء الانتقادات الأوربية التي تتوجه على الإسلام، إما عن تحامل وعداوة، وإما عن جهل المستشرقين حقائق كثيرة فاتتهم، أو عن جهل المؤلفين المسلمين أنفسهم بحقائق دينهم وبكيفية الدفاع عنهم إلا من عصم ربك، أو بعدم فهم الكثيرين منهم لأسرار الشرع المحمدي، وقد أهديناه إلى من نحسن الظن فيهم من المستشرقين فلعلهم ينتدبون لترجمته إلى اللغات الأوربية [1] فتتبدد به أوهام، وتنقشع ضلالات، ويتجلى ما في المطاعن على أحكام القرآن من المُحَالات، فالذي يوفق إليه الأستاذ صاحب المنار في هذا الباب لا يوفق إليه غيره.

وأما الخلاصة التي أريدها من هذه المقدمات فليست إخراج المستشرق فنسنك من المجمع اللغوي المصري، هذا شيء يعني الحكومة المصرية ورعاياها المصريين وهي أدرى بشغلها، وأنا لست من مصر ولا أقدر أن أطأ بقدمي أرض مصر، ولكن أريد تنبيه اللجنة المنتدبة لترجمة الإنسيكلوبيذية الإسلامية إلى العربية إلى شيء وهو أنه مع كون ترجمة هذه الإنسيكلوبيذية هي في الدرجة القصوى من الإفادة، بل هي ضرورية لناشئة العالم الإسلامي لا تخلو من تحاملات منكرة على الإسلام، ومن غلطات وخبطات علمية في مباحثها التي تولاها بعض الفئة الأولى المتحاملة من المستشرقين، فإن تحرير هذا الكتاب تشطره عدد كبير من المستشرقين، وكل منهم كتب بحسب معرفته، ومنهم من كتب بمقتضى هواه أيضًا، فعلى لجنة الترجمة التي يجب أن يكون فيها الأديب والمؤرخ والجغرافي والفلكي والرياضي والكيماوي والجيولوجي والطبيب والفقيه والفيلسوف والمتكلم؛ لتكون الترجمة صحيحة أن يكون بجانبها لجنة تضع في الحواشي تصحيح ما يجب تصحيحه من الأغلاط، وتستدرك أيضًا على فوات المتن، وإلا فنكون أدخلنا في عقول ناشئتنا الجديدة ضلالات لا تحصى باسم العلم والفن وحرية الفكر والاستنتاج التحليلي وغير ذلك من الألفاظ التي يلوكها بعض الأوربيين في تسمية سمومهم الخبيثة، ودسائسهم المنكرة لحمل المسلمين على اتخاذ ثقافتهم، والتحول عن الإسلام، فنحن من هذا البلاء في المقيم المقعد الذي يكفينا بدون ترجمة أنسيكلوبيذية إسلامية يحرر فيها لامنس وأضرابه، فكيف إذا أصبحنا نأخذ أخبار الإسلام والمسلمين عن هؤلاء ولا ننبه عليها؟

إليك الدليل على تحامل لامنس ومحاولته قلب الحقائق العلمية ما أرسل به إليَّ أحد أصحابي من مصر من مقال في الأهرام ينقل كلام لامنس عن عرب الأندلس وهو بحرفه: (لم يكن بين المسلمين الذين قاموا بفتح الأندلس إلا القليل من العنصر العربي الخالص، فكان منهم قواد العسكر وأصحاب الرتب فيه ليس غير.
أما أكثرية الجيش فكانت مؤلفة من البربر والأفريقيين وفضلا عن ذلك فإن عدد العرب الأقحاح كان ينقص باطراد متواصل بسبب الحروب الأهلية. فإذا تقرر هذا رأينا أنفسنا مدفوعين إلى الإقرار مع الأستاذ ريبيره بأن نسبة العنصر العربي في تكوين الشعب الأسباني المسلم قليلة جدًّا، ومن ثم فلا شيء يجيز لنا نعت مسلمي الأندلس بالعرب، إلى غير ذلك من الهذيان الذي هذاه لامنس اليسوعي ومن قبله صاحبه العالم الأسبانيولي. العرب يفتخرون بمدنيتهم الأندلسية، والإسلام يتخذها حجة على أهليته للتمدين والتثقيف والسبق في ميدان الحضارة، وهذا بيت القصيد، فلامنس اليسوعي يريد إنكار هذه الحقيقة التي تأتي بعكس ما يقرره دائمًا هؤلاء المتحاملون من أن الإسلام لم يوفق حتى الآن إلى تأسيس مدنية راقية. ولما كانت هذه المقالة قد طالت وكان الرد على كلام لامنس هذا بالأدلة العلمية القاطعة يأخذ بعض أعمدة من (الجهاد) فإننا نرجئ هذا الرد إلى عدد قادم إن شاء الله.


(المنار)
أشكر لصديقي الأمير شكيب هذا البيان لحقيقة حال جماعة المستشرقين وأصنافهم الثلاثة، ثم أشكر له سلفًا ما سيرد به على لامنس اليسوعي المشهور بغلوه في عيوب طغمته وشرها الكذب، وتحريف الكلم فيما ينشرون من الكتب، والخيانة في العلم والأدب لخدمة سياستهم الدينية على قاعدتهم المشهورة (الغاية تبرر الواسطة) عرفت هذا منذ كنت تلميذًا بتحريفهم لكتاب الألفاظ الكتابية، وإني على اعتقادي بأن أمير البيان سيفضح لامنس في رده عليه بما هو أحق به وأهله، وقلَّ أن يقدر عليه غيره، لا يسعني إلا أن أسبقه فأقول للامنس: إن العرب نزلوا كالغيث من سماء الإسلام على جميع الأقطار فأحيوا جميع الشعوب الآسيوية والأفريقية والأوربية وأصلحوا إفساد حضارتهم ومللهم وأديانهم على قلة عددهم في كل قطر، فإن كانوا وجدوا عونًا لهم من أبنائهم البربر الذين مدينوهم بالإسلام على فتح الأندلس، فالفضل الأول على الفريقين لهم، وإلا فلماذا لم يفعل ذلك البربر في أنفسهم قبلهم، فالعرب كانوا أقلية في غير الأندلس، ولكن قليلهم لا يقال له قليل، فهم كالملح قليله يصلح الطعام، وكالنور شعلة منه تطرد الظلام، ولولا أن تداركوا العالم بالإسلام، لقضت محاكم التفتيش الكاثوليكية على حضارة جميع الأقوام.
____________________________
(1) إنني طلبت من صديقي الأمير شكيب عناوين من يعرف من المستشرقين الذين يعرفون لغتنا وأرسلت كتاب الوحي إلى كل من أرسل إليَّ عناوينهم، ووعد بإرسال غيرها وغرضي من الإرسال إليهم إقامة حجة الإسلام عليهم بوقفهم على حقيقته والوقوف على آرائهم فيه بعدُ، وإني لأنتظر منه إرسال عناوين أخرى.

____________________________

مجلة المنار المجلد 33 ص: 435