الثلاثاء، 13 يونيو، 2017

كتاب حاضر العالم الإسلامي (مجلة المنار)


الكاتب: محمد رشيد رضا
___________________

المطبوعات الحديثة

(كتاب حاضر العالم الإسلامي)

لو كان المسلمون يُعنون بمعرفة شئون أنفسهم، ويبحثون عن أسباب تغييرهم لما كان بأنفسهم من عقائد وفضائل ومعارف، وما أعقبها من تغيير الله تعالى ما كان بهم من نعم السيادة والسلطان والعزة والقوة كما يعنى بذلك علماء الإفرنج - لما وصلوا إلى هذه الدركة من الضعف والهوان.
قد أتى على الشعوب الإسلامية قرون متتابعة وهم يتدهورون من قنة إلى هوة، كما تتدهور الجلاميد من شماريخ الذرى، لا ندري من حطها من علٍ إلى أسفل، وتتحول من عزة إلى ذلة، ولا تعلم لم تتحول.

{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران: 179) فقد قيض بفضله للمسلمين من يوقظهم من سباتهم، ويرشدهم إلى تغيير ما بأنفسهم الآن من أسباب التردي على علم وبصيرة، كما غيروا من قبل ما كان بأنفسهم من أسباب الترقي عن جهل وغفلة، ولكن طرأت عليهم في أثناء هذا الإيقاظ فتنة التفرنج فلبستهم شيعًا، وفرقتهم طرائق قددًا، فقد أفسد ساسة الإفرنج وملاحدتهم جبلاً كثيرًا من أبناء المسلمين، كانوا أضر عليهم من سائر أعدائهم في الدنيا والدين، فهم يضلون المسلمين ويخدعونهم عن دينهم ودنياهم، من حيث يوجد في أحرار الإفرنج من يرشد المسلمين إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، بما يعنون به من تمحيص الحقائق في شؤونهم لذاتها، أو ليستفيد أقوامهم منها.

أمامنا الآن ونحن نكتب هذا كتابان يشغلان مسلمي مصر وسيشغلان سائر البلاد الإسلامية التي يصلان إليها.

(أحدهما) كتاب (الإسلام وأصول الحكم) الذي رأى القراء في الجزء الماضي ويرون في هذا الجزء شيئًا من بيان مفاسده، وأنه لرجل متخرج في الجامع الأزهر وقاضٍ شرعي في بعض المحاكم المصرية، هو أضر على المسلمين من كل عدو.

(والثاني) كتاب (حاضر العالم الإسلامي) وهو لعالم إفرنجي هو أنفع للمسلمين من كثير من أفرادهم الناصحين، دع متفرنجتهم الملاحدة المفرقين، ألا وهو العلامة البحاثة (مستر لوثروب ستودارد) الأمريكي الذي زاد به شهرة على شهرته، ألفه بلغته الإنكليزية وسماه (العالم الإسلامي الجديد) فراج في أمريكة وأوربة رواجًا عظيمًا، وطبع مرارًا متعددة، ونقل إلى أشهر اللغات الغربية والشرقية، وقرظه كبار الكتاب، وأعجبوا بدقة بحثه وسعة اطلاع صاحبه.
ونقله إلى لغتنا العربية عجاج أفندي نويهض أحد أبنائها البررة المجيدين لها وللُّغة الإنكليزية؛ ليُطلع هذه الأمة على أصح ما كتب في وصف حالها، أدق من عرف من علماء الفرنجة بحثًا عنها، وأعد لهم حكمًا لها وعليها، وأصدقهم قولاً فيها، وذكر أن المحققين من العلماء الغربيين شهدوا له بهذه الصفات عند تقريظ كتابه هذا.

ترجم الكتاب وعرض ترجمته على كاتب العصر - كما قال بحق - الأمير شكيب أرسلان الشهير، وطلب منه أن يكتب له مقدمة تليف به ففعل، بل أجاب السائل بأكثر مما سأل، وله في ذلك أسوة حسنة [1] ولكنه أربى في الكرم، فوضع على الكتاب حواشي وذيولاً يصح في وصفها قول العرب: على التمرة مثلها زبدًا، بل تُربي على صحائف الأصل عدًّا، ولعلها مدت مادته بضعفيها مدًّا، فهي بطولها واستطرادتها تضاهي الحواشي الأزهرية، ولا غرو فروح الأمير العلمية والأدبية، أغلب عليه من روحه الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لو جعل هذه الحواشي كتابًا مستقلاً لكان أليق بمقامه وأجدر بإفادتها من جعله إياها تابعة لغيرها، ولكان له منها ربح مالي يزيد على ربح الكتاب الأصلي، بل ربما زاد عليه موشى وموشحًا بها أيضًا، فإن أكثرها موضوعات مستقلة بنفسها، وما فيها من إيضاح لبعض غوامض الكتاب أو استدراك عليه هو أقلها، ولكنه على ما يظهر من معرفته لقدر نفسه، وعلى ما يقول بعض حساده أو مكبري فضله من إعجابه بها، كثيرًا ما يهضمها، ويضعها تواضعه دون ما رفع الله من قدرها، ومن ذلك ظنه أن جعل هذه الحقائق الثمينة ذيولاً لترجمة هذا الكتاب أحرى باستمالة الناس إلى مطالعتها، كأنه لم يشعر بأنه أشهر من صاحب الكتاب لدى قراء العربية، ولم يستشعر أن الثقة به في شؤون الإسلام أقوى من الثقة بذاك عند جميع الشعوب الإسلامية، وغيرهم من الشعوب الشرقية، وكثير من علماء البلاد الغربية وإننا نكتفي الآن بذكر عناوين فصول الكتاب، وأهم عناوين الحواشي لتعريف قراء المنار قيمتها.

- أما موضوع الكتاب ومواده فهي مودعة في مقدمة وتسعة فصول وخاتمة لا يستغني مسلم يهمه أمر أمته وملته عن الاطلاع عليها.
المقدمة (في نشوء الإسلام وارتقائه وانحطاطه) وقد أنصف فيها الإسلام بالثناء عليه، وبيان أصول الإصلاح والهدى المودعة فيه، فتكلم في ذلك كلام عليم خبير منصف، وبين ما أصاب المسلمون بهدايته وما أصابهم بتركها وأسباب الارتقاء وأسباب الانحطاط في الحالين بما تعطيه فلسفة التاريخ وأصول علم الاجتماع للمطلع على تاريخ الإسلام القديم والحديث، والواقف على عقائده وآدابه بالإجمال.
ولكن كلامه فيها لم يسلم من الخطأ في مسائل يتوقف تحقيق الحق فيها على علم استقلالي واسع في العقائد الإسلامية والفرق المختلفة فيهم، فهو على إدراكه لطهارة العقائد والآداب الإسلامية وموافقتها للفطرة البشرية والعقل السليم، ولعدالة التشريع الإسلامي وإصلاحه اللذين جحدهما الشيخ علي عبد الرازق - ولكون العرب كانوا أجدر الشعوب بفهم تلك المزايا لحريتهم وطباعهم السليمة غير المضطربة بتقاليد الأديان التي كان قد أفسدها الزمان - وعلى جعله هذين الأمرين- التعاليم الإسلامية والفطرة العربية - هما الأساس والعلة الأولى لنجاح الإسلام ومدنيته , وعلى إدراكه أن الأعاجم المبلبلة قلوبهم وعقولهم بالتقاليد الموروثة لم يفهموا الإسلام كما فهمه العرب، وأن تغلبهم على الخلفاء وسلبهم لسلطان العرب كان علة العلل للانحطاط الذي تلا ذلك بالارتقاء , هو على إدراكه لكل ما ذكر - قد اختلط عليه الأمر عند المقابلة بين أهل السنة ومتبعي النقل، والمعتزلة الذين حكموا العقل.

علم أن الإسلام دين العقل والفطرة، فظن أن المعتزلة الذين أرجعوا كل شيء في الدين إلى أصول العقل هم الذين استمسكوا بجوهر الإسلام ولبابه الصحيح، وأن خصومهم المحافظين الذين ذهبوا إلى أن النقل والسنة مقياس كل شيء في الدين، هم الذين جهلوا جوهر الإسلام، وظن أن الذين دخلوا في الإسلام، وقد أشربوا في قلوبهم الدين البيزنطي القديم (وأمثالهم من الذين فهموا الإسلام بمرآة أديانهم وتقاليدها؟) قد كانوا من زمرة أهل السنة والنقل؛ لما اعتادوا من التقليد، وأنهم هم الذين أولوا القرآن والأحاديث النبوية تأويلات بعدت بها عن سهولتها وبساطتها قال: (فنتج من ذلك أن أصيب الإسلام بمثل ما أصيبت به النصرانية في الأجيال المظلمة، من تلبيس الدين عقائد غير عقائده، ونسبة الآراء الدينية الجافة إليه وهو براء منها، فلا غرو إذا اشتد الخلاف واتسعت شقته وطال عهده بين الذين اعتصموا بالسنة والنقل، فقاسوا عليهما، وبين الذين جعلوا العقل نفسه مقياسًا لكل شيء) .

ثم زعم أن عقيدة السنة هي التي غلبت على العقل كما كان متوقعًا، وأن تاريخ السنة والتقاليد إنما هو تاريخ السير نحو أدوار الاستبداد وعواقبه المشؤومة.
لم يفرق المؤلف بين السنة والنقل في الإسلام وبين التقاليد في الأديان الأخرى وهي عبارة عن العقائد والشعائر الموروثة عن الآباء والرؤساء والمعلمين، والحق الواقع أن كل ما ذكر من الفساد في الإسلام إنما كان من بدع الذين حكموا عقولهم أي آراءهم النظرية في الدين، وأنهم هم الذين حولوا الإسلام عن بساطته المعقولة الموافقة للفطرة، وهم الذين كانوا السبب في إدخال البدع وضلالات الأديان القديمة وسخافاتها وخرافات الوثنية في الإسلام بالشبهات النظرية التي سموها دلائل عقلية، والأقيسة الشيطانية فيما لا مجال للقياس فيه من عقائد الدين التي لا مأخذ لها إلا الوحي، ومن الأحكام الثابتة بالنص.
أهل السنة والجماعة هم الذين كانوا يجمعون قداسة الدين وسهولته من تطرق بدع الأديان والآراء الفلسفية والشعرية إليها، لتحذير النبي صلى الله عليه وسلم أمته منها، فمنهم من منع القياس في أمور الدين مطلقًا، ومنهم من قال: إن القياس جائز في غير الأمور الاعتقادية والتعبدية، وقصره بعضهم على الأحكام القضائية والمدنية والسياسية.

وكان من بدع المعتزلة دعوتهم إلى القول بخلق القرآن، وحملهم بعض خلفاء العباسيين الذين اتبعوا نحلتهم بحمل المسلمين على ذلك بالقهر والاضطهاد، وقد آذوا به خلقًا كثيرًا من أهل السنة من أجلهم قدرًا إمام الأئمة أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فقد ضربوه ضربًا مبرحًا، وداسوه بأرجلهم ليقول بقولهم، فامتنع أن يقول: هو مخلوق أو غير مخلوق، احتجاجًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يأمروا بذلك ولم يقولوا به، فيسعنا ما وسعهم، ولا نعرف ديننا إلا عنهم، ولو أجزنا مجاوزة نصوص الوحي وتفسير السنة له بآرائنا العقلية تزول الوحدة ونتفرق شيعًا كما تفرق من حذرنا الله أن نكون مثلهم.

ومبتدعة الشيعة الفاطميين، بل زنادقة الباطنيين كانوا يعتمدون في ترويج بدعهم على الفلسفة اليونانية، وهم الذين ابتدعوا في مصر احتفالات الموالد التي لا تزال مشوهة للإسلام وسبة للمسلمين، والإسلام بريء منها، وملوك الأعاجم وأمراؤهم هم الذين ابتدعوا جعل القبور مساجد، وكانوا سبب تقديس الجاهلين لها بل عبادتهم إياها، كما فعل أهل الكتاب قبلنا، وحذرنا نبينا من فعلهم، إذ قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في سبب لعنه صلى الله عليه وسلم للذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد: يحذر ما صنعوا - كما في صحيح البخاري، ولا يزال المدافعون عن هذه البدع يحتجون لها بنظريات يسمونها عقلية كوجود الأرواح، وجواز قضائها أو حملها الخالق تعالى على قضاء الحاجات، ولا يوجد دليل نقلي علي شيء من هذه البدع والخرافات.

من الأسف أن البدع التي يسمونها نظريات عقلية هي التي غلبت على السنة حتى أفسدت على المسلمين دينهم ودنياهم خلافًا لما قاله المؤلف، ولو اتبع الناس الإمام أحمد وأمثاله لما زادوا في الدين شيئًا ولا نقصوا منه شيئًا، ولصرفوا ذكاءهم وجهدهم في العلوم والفنون الكسبية التي تفيدهم وترفع شأنهم، ولم يخلطوا بالدين ما ليس منه.

ألم تر أن مؤلف الكتاب يعد الدعوة الوهابية إصلاحًا في الدين وإرجاعًا له إلى أصله الطاهر، وهل الوهابية إلا الوقوف بالدين على صراطه المستقيم. 
الكتاب والسنة الصحيحة - ورد جميع ما ابتدع فيه سواء استحسنته العقول أم لا، وهل للعقول قاعدة أو حد تقف عنده في هذه الأمور؟ أليس لعباد الأوثان فلسفة دينية، وشبهات نظرية يسمونها دلائل عقلية؟ بلى، ويكفينا هذا في بيان غلط المؤلف في هذه المسألة.

ولنعد إلى موضوعات الكتاب فنقول:
الفصل الأول في اليقظة الإسلامية. وهو في الجزء الأول.
الفصل الثاني في الجامعة الإسلامية. وهو في الجزء الأول.
الفصل الثالث في سيطرة الغرب على الشرق. ج 2.
الفصل الرابع في التطور السياسي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل الخامس في العصبية الجنسية. وهو في الجزء الثاني.
الفصل السادس في العصبية الجنسية في الهند. وهو في الجزء الثاني.
الفصل السابع في التطور الاقتصادي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل الثامن في التطور الاجتماعي. وهو في الجزء الثاني.
الفصل التاسع مع الخاتمة في القلق الاجتماعي والبلشفية.

وأما موضوعات حواشي الأمير شكيب أرسلان فهي في بيان أحوال مسلمي العصر العامة الحديثة وبعض القديمة، تكلم عن مسلمي الصين وجاوة وما جاورها والهند ومسلمي الروسيا في عهد البلشفية الحاضر وشرقي أفريقية والحبشة وماداغسكر وجزائر القومور وريف المغرب الأقصى والفلبين.
تكلم عن مسلمي هذه البلاد وغيرها بما يهم كل مسلم يهتم بأمر المسلمين أن يعلمه، ولا سيما علاقتهم بأوربة ومن سيادتها عليهم ومحاولتها لتنصيرهم، وله في أذيال الجزء الأول فصول تحت عنوان (الإسلام والجنود السوداء) منها (لمحة على حالة الإسلام الحاضرة) ومنها فصل في (الإسلام الأسود) وفصل في (الإسلام عند السنغاليين) ، ويلي ذلك (خلاصة) سياسية لهذه الفصول وما قبلها في شؤون المسلمين وأوربة، فيها من الحقائق التاريخية والعبر السياسية ما يعز أن يصدر مثله عن غير الأمير شكيب.

ويليها فصل في (الجنس الأسود والإسلامية) ، ففصل (في الإسلام في أفريقية) وما يلاقيه من مهاجمة الاستعمار ودعوة النصرانية - ففصل في (الرسالات البروتستانية في أفريقية) ، ففصل (في نهضة الإسلام في أفريقية وأسبابها ووسائل دعوتها من سنة 1790-1900) .
ويلي ذلك الكلام في الطرق الصوفية في أفريقية: القادرية والشاذلية والتيجانية والسنوسية، ويتبع الكلام في الأخيرة ترجمة بعض كبار شيوخها وجدول في أسماء زواياها في ست صفحات بالحرف الصغير (جسم 12) .
ويلي ذلك فصل في (مجاري الدعوة الإسلامية في أفريقية) ففصل في (الصراع بين الإسلام والنصرانية، وأيها الغالب في أمر المدنية) ويليه خلاصة لما تقدم في هذا الموضوع كله.
ومن موضوعات هذه الحواشي والذيول فصول في الإصلاح والمصلحين، وزعماء الإسلام المجددين، منها الكلام عن الوهابية وزعيمها العلمي الشيخ محمد عبد الوهاب وزعمائها الأمراء آل سعود (ومنها ترجمة حكيم الإسلام وموقظ الشرق السيد جمال الدين الأفغاني وشيء من ترجمة الأستاذ الإمام، وأشكر له حسن ظنه أن قرن اسمي باسم أستاذنا) ومنها ترجمة بطل الإسلام والعرب في هذا العهد (الأمير محمد عبد الكريم) ، وتراجم زعماء جمعية الاتحاد والترقي التركية: أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا إلخ.
وكلام عن بعض الفرق والطرق القديمة والحديثة كالمعتزلة والخوارج والبكطشية والبابية والبهائية والاشتراكية والبلشفية والأحمدية القاديانية. 

وجملة القول أن مؤلف هذا الكتاب من أعلم كتاب الفرنجة بشؤون المسلمين، فإن لم يكن أعلمهم بها فهو أجدرهم بتحري الحقيقة وبيانها، وإن واضع الحواشي والذيول التي هي كتاب آخر هو أجدر كتاب العرب بالجمع بين تاريخ الإسلام والمسلمين وبين علاقة أوربة بهم وسياستها فيهم، وأقدرهم على بيان ذلك وأحرصهم على النصح فيه، نعم إنه يوجد من يساويه ومن يفوقه في بعض فروع هذا التاريخ وشعب هذه المسائل، ولكنا لا نعرف أحدًا يضاهئه في معرفة جملتها وتفصيلها، ولا في مزية حسن البيان لها، وقد بلغنا أنه طالع وراجع عند كتابة هذه الحواشي عشرات من الكتب الحديثة التي ألفت بأشهر اللغات الأوربية، ولم يعتمد على حفظه واختباره، فقد اجتمعت في هذا الكتاب خلاصة معارف الغرب والشرق الخاصة بحال المسلمين السياسية والدينية والاجتماعية الحاضرة والمستقبلة، فهو يغني في بابه عن كثير من الكتب والجرائد والمجلات وهي لا تغني عنه، وسننقل للقراء بعض النماذج منه.


طبع الكتاب بالمطبعة السلفية بمصر (سنة 1343) على ورق جيد بنوعين من أصغر حروف الطبع، فالأصل بحرف 18 والحواشي والذيول بحرف 12، فدخل في جزئين يزيد كل منهما على 400 صفحة، وثمن النسخة منهما مجلدة بالقماش المتين 85 قرشًا من الورق الجيد، و60 من ورق دونه، وهو يطلب من مكتبة المنار، ومن مكتبة المعارف بمصر، ومن طلب إرساله بالبريد فليرسل أجرته وهي خمسة قروش صاغ.

***


(الإسلام وأصول الحكم، بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام) كتاب جديد ألفه الشيخ علي عبد الرازق الحامل لشهادة العالمية من الجامع الأزهر وأحد قضاة المحاكم الشرعية، حاول فيه أن يثبت أن الإسلام ليس له حكومة ولا دولة ولا سياسة ولا قضاء، وأنه لا ينبغي أن يكون له ذلك، وأن ما ورد في القرآن الحكيم والسنة النبوية من الأحكام القضائية، والمعاملات السياسية والحربية كان تنفيذه والحكم به خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، من حيث إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى لم يكلف المسلمين أن يلتزموا تلك الأحكام من بعده، وليس لأحد من أمته أن يخلُفه في إقامة حدود الله وتنفيذ أحكام شريعته، وانتحال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للقب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان باطلاً، وإن اتفق عليه العلماء وأهل الحل والعقد من الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم ما فعلوا ذلك إلا خدعة سياسية؛ لإخضاع العرب وغير العرب لملكهم، وأن حكومتهم كانت في الواقع ونفس الأمر لا دينية، وأن كل ما قاله المسلمون في الخلافة الإسلامية والحكومة الدينية باطل لا يقوم عليه دليل، وإنما يقوم الدليل على أنه لا بد للناس من حكومة مهما يكن شكلها ولو اشتراكية بلشفية، وأن حكومة الخلافة كانت شرًّا وإذلالاً للمسلمين، وخلاصة الكتاب أن المسلمين ليس لهم تشريع إسلامي سياسي ولا مدني ولا قضائي، وأن الدين ترك لهم ذلك ليرجعوا فيه إلى أحكام العقل وتجارب الأمم، فيباح لجميع المسلمين ولكل شعب منهم أن يختار لنفسه ما شاء من أنواع الحكم إلا شكل الخلافة والنيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة ما ورد في الكتاب والسنة، وما جرى عليه الخلفاء الراشدون من الحكم الإسلامي.

فهذا الكتاب شر مما كتب جميع أعداء الإسلام لهدم الإسلام وتمزيق شمل جامعته الدينية والدنيوية، يدعو المسلمين إلى الارتداد عن دينهم، ويبيح لهم عصيان الله تعالى ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه، وتوعدا على عصيانه بعذاب الله تعالى , فهو مخالف لما لا يُحصى من النصوص القطعية المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، ولا خلاف بين أحد من المسلمين في كفر من يجحد شيئًا من ذلك، وقد كتبت أربع مقالات في التفنيد الإجمالي لهذا الكتاب، نشرت الأولى منهن في الجزء الماضي، وهي ما كتبته قبل قراءة الكتاب كله، وضاق هذا الجزء عن نشر شيء آخر منها.

يقول مؤلف هذا الكتاب أنه ألفه في مدة عشر سنين متقطعة لا متصلة؛ وذلك لأنه حاول إبطال الحق الصريح الذي هو أوضح من الشمس ببعض التخييل الشعري والسفسطة، فتكلف كثرة التفكير في الشبهات التي تقيه ما هو متوقع له من التكفير، وكان جل مادته فيه بعض كتب الإفرنج التي كتبوها في الخلافة، وكتاب (خلافت وحاكميت ملية) الذي كتبه بعض علماء الترك لإقناع مسلميهم بما فعلته حكومة أنقرة الجمهورية من إلغاء الخلافة والفصل بين الدين والحكومة، ومن بعض كتب التاريخ والأدب والكلام، ومن العجيب أن يكون من مادته مع ما ذكر مثل كتاب الأغاني وكتاب العقد الفريد، ولم يكن منها صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، ولا موطأ مالك، ولا مسند أحمد، ولا شيء من كتب السنن! وماذا يفعل بالصحاح والسنن من يريد هدمها والاستغناء بكتب الإفرنج عنها؟
قامت قيامة علماء الأزهر وغيرهم من أهل الدين احتماء على المتجرئ على هذه الضلالة والإهانة للإسلام والمسلمين كافة، وقام في تجاههم بعض الإفرنج والملاحدة والمرتدين ينصرون داعيتهم ويناضلون دونه، وكان لسان حماة الإسلام جريدة (اللواء والأخبار) الإسلامية، ولسان أنصاره وحماته جريدة (السياسة) وبعض الجرائد الإفرنجية، والتزم بعض الجرائد العربية الحياد، واختار بعضها الذبذبة والنفاق، وإنما تكأة أنصاره في الدفاع عنه ما يسمونه (حرية الرأي) ولكنهم يحتكرون هذه الحرية له ولأنفسهم، ويحرمونها على رجال الدين، فالمدافعون عن الإسلام والمبينون لحقيقته يتهمون عندهم بالاعتداء على حرية الرأي المقدسة في القانون، وأما المهاجم للإسلام الداعي لهدم تشريعه، المهين لجميع المسلمين من الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين فله عندهم أن يقول ما يشاء فيهم، وليس لهم أن يقولوا فيه شيئًا! !

ولم أقرأ له ولأنصاره مقالة ولا عبارة في إثبات شيء من مقاصد الكتاب ولا في تخطئة شيء مما فنده المنتقدون منها، لم يتجرأ أحد ممن قرأت كلامهم على ذلك إلا محامٍ اسمه (أحمد مصطفى) قال أنه قرأ الكتاب كله، وأنه مؤمن بما فيه، وبأنه {لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} (فصلت: 42) فهو عنده قد سلب القرآن ما وصفه الله تعالى به من عصمته، ولا يمكن أن يريد أنه شاركه في هذه الصفة؛ لأنه مخالف له وناقض لجميع أحكامه السياسية والمدنية والشخصية، فإذا كان القرآن هو الحق المعصوم من الباطل كما وصفه الله تعالى فلا يمكن أن يكون مخالفه - ككتاب الشيخ علي عبد الرازق - إلا باطلاً، فأيهما يختار ذلك المحامي.

وقد طبع الكتاب سنة 1343 بمطبعة مصر على ورق جيد بشكل جميل في صورته ووضعه بقدر ما هو قبيح في معناه وموضوعه، وبيعت النسخة منه بعشرة قروش، والظاهر أن نسخه نفدت بكثرة الخوض فيه مع قلة المطبوع منه، فإنه ألف نسخة فقط.

__________

(1) هذه إشارة إلى ترجمة آخر أبواب كتاب العلم من صحيح البخاري (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل) وهو النبي صلى الله عليه وسلم.

مجلة المنار المجلد 26 / الصفحة 223

تقديم لكتاب حاضر العالم الإسلامي (مجلة الرسالة)

الكتب

حاضر العالم الإسلامي

تأليف لوتروب ستودارد الأمريكي
ترجمة الأستاذ حجاج نويهض وتعليق الأمير شكيب أرسلان

لنا في كل يوم مثل جديد ينهض دليلا قاطعا على أن النهضة الفكرية الحديثة جادة لا هازلة، قوية لا تعرف الخور، ثابتة الأصول لا يخشى على بنائها من الزلل والسقوط، فهي نهضة تستمد الوحي من ماضيها الناصع المجيد، ثم لا تقف عند ذلك راثية باكية، إنما هي تتخذ من ذلك الماضي عدة. وعماداً لمستقبل تنظر إليه بعين يملأها الأمل، وقلب يحدوه الرجاء. وأن نهضة لا تقيم صرحها فوق هام ذلك العماد الركين، لهي هباء يسبح في الهواء، لا يتصل بالأرض ولا يرتفع إلى السماء. لأنها عندئذٍ تكون هائمة في عزلة زمنية، لا تعرف لشوطها مبدأ ولا نهاية، كما يخبط ذو السبيل الجائر في بيداء موحشة مقفرة، يرى الموت جاثماً في أحضان كثبانها أنى سار.
وإنا نضرب لك مثلاً أوروبا حين قامت تنفض عن نفسها غبار القرون الوسطى ونهضت تشيد حياة جديدة زاهرة، فلم تنشئ جديداً من عدم، ولا هي أولت القديم ظهرها مزدرية له ناقمة عليه، بل نظرت إلى الوراء قبل أن تبدأ السير إلى الأمام، واستلهمت التاريخ - تاريخ الإغريق والرومان - لتستقي من معينة الدافق ماء الحياة التي تريد.
من أجل هذا، يحق لنا أن ننظر إلى نهضتنا نظرة فيها ثقة ورجاء، لأننا نلاحظ فيما نلاحظ اتجاهاً إلى تاريخ العرب والإسلام، يزداد سعة وشمولاً في اطراد لا ينقطع، وأقل ما يقال في هذا الاتجاه، أنه يشحذ الهمم الخامدة، ويهدي نهضتنا سبيلاً سواء.
فبين يدي الآن مجلدات أربعة، كتبت في حاضر العالم الإسلامي، ألفها الكاتب الأمريكي لوتروب ستودارد ثم نقلها إلى العربية الأستاذ حجاج نويهض وفيها فصول وتعليقات وحواش مستفيضة عن دقائق أحوال الأمم الإسلامية وتطورها الحديث بقلم الأستاذ الكبير والمجاهد العظيم الأمير شكيب أرسلان، وقد يظن القارئ - وله عذره في هذا الظن - أن الكتاب المترجم هو الأصل، وأن ما كتبه الأمير شكيب حواش متناثرة هنا وهناك، ولكن الواقع نقيض ذلك، فالفصول المترجمة لا تتجاوز خمس المقدار، وأربعة الأخماس الباقية هي حواش للأمير، وأنه ليخيل إلي أن كتاب لوتروب أتخذ تكأة لنشر هذه الفصول الكثيرة القيمة التي دبجتها يراعة الأمير شكيب أرسلان في شئون المسلمين والإسلام.
فأما الفصول المنقولة إلى العربية التي استأثرت بعنوان الكتاب فهي تسع كلها بحث دقيق في حالة الشعوب الإسلامية في العصور الحديثة، فهو يحدثك في تحليل ممتع عن اليقظة الإسلامية، والجامعة الإسلامية وسيطرة الغرب على الشرق، والتطور السياسي، والعصبية الجنسية والتطورين، الاقتصادي والاجتماعي، ثم يختم فصوله يبحث فيما يسود تلك الشعوب من قلق يدفعها إلى الثورة والانقلاب.
أما حواشي الأمير فليس إلى حصرها من سبيل، وكلها شيق ممتع ولكنها - عندي - قد خرجت بالكتاب عن وحدته وتجانسه، بل خرجت بالكتاب عما يجب أن تكون عليه الكتب من تركيز في موضوع بعينه، وأدنته من دوائر المعارف التي من شأنها أن تجمع بين دفاتها شتيتاً من ضروب العلم والمعرفة، وهو يعترف بذلك في المقدمة إذ يقول عن هذا الكتاب أنه لم يصل بعد إلى الدرجة المنشودة من السعة والشمول، وانه يرجو أن تتسع يوماً ما حتى (يصح أن يقال أن في اللغة العربية إنسيكلوبيديا إسلامية أشبه بموسوعات العلوم التي عند كل أمة من الأمم الراقية التي يقتدي بها) ثم يستطرد فيحفز همة الحكومات لوضع تلك (الإنسيكلوبيديا فيقول (وهذا الأمر وهو وضع معلمة إسلامية وافية ضافية لا يجوز أن يغيب عن نظر الحكومات الإسلامية التي تبغي الفلاح، وتنشد الرقي والطيران إلى النجاح بجناح. . .)
ومهما يكن من أمر هذه الفوضى في التأليف لا نطمئن إليها ولا نرضاها، فهو كتاب جليل القيمة كبير النفع، ويجدر بنا أن نقتبس لتقديمه إلى القراء عبارة الأمير التي صدر بها الكتاب (أما كتابنا هذا في أجزائه الأربعة فأنه يجوز أن يقال إنه معلمة إسلامية صغيرة، بل هو في المباحث الجغرافية والتاريخية والإحصائية عن أقطار الإسلام النائية وبقاعة المجهولة فذ في بابه، وكذلك يمتاز هذا الكتاب بالمباحث السياسية التي قيض لمحررها أن يعلمها. من عين صافية، وأن يقف على الرواية الوثقى منها بطول خبرته، وقرب سنده، واستمرار مزاولته لهذه الأمور 47سنة، وفيه بعد تراجم وأخبار، لم يسجلها كتاب ولا جرى بها قلم، فلا يجدها الناشد في غيره إذ هي نتيجة مشاهدات الكاتب وما رآه بالعين وما سمعه بالأذن، وما كان له فيه أخذ ورد. وعلى كل حال ففي هذا الكتاب من الطريف ما لا يسع إنكاره الجاحد، ولا يضير مراء الحاسد. ولا شك في أن الأمة الإسلامية الناهضة إلى تجديد تاريخها، النازعة إلى النماء بجميع فروعها وشماريخها، ستتفطن إلى كل ما يعوزها من هذه المقاصد الجليلة، ومن جملتها تأليف المعلمة الكبرى التي هي من ضرورات رقيها وأشراط نموها).

زكي نجيب محمود

مجلة الرسالة العدد 43 - بتاريخ: 30 - 04 - 1934

الأربعاء، 24 مايو، 2017

حقائق عن الغزو الفكري للإسلام

الأستاذ أنور الجندي

هناك مجموعة من الحقائق التي تكشفت أخيراً بعد أن انهارت مخططات التغريب والغزو الثقافي في العالم الإسلامي وبعد أن أوشكت جولة هذا الباطل تسربل بالعلم والبراعة واللمعان الخاطف أن تنطفئ وتنهار.
وكان حقاً علينا أن نتعرف على هذه الأمور حتى لا تخدعنا مرة أخرى حين يحاول النفوذ الأجنيب أن يغير جلده أو يعاود خداعه أو يحاول تجديد أساليب مكره.
ونحن نعرف أن هذا النفوذ الأجنبي الذي يحاول أن يحتوي أمتنا وفكرنا هو مجموعة من المؤتمرات التي يحكيها النفوذ الأجنبي والصهيوني والماركسي، وأنه بدأ بصيحات متعددة:
هي صيحة لويس التاسع وصيحة غلادستون وصيحة كرومر، وصيحة اللورد اللنبي وصيحة كامبل وهي صيحات خمس يجب أن نعيها ونتعرف عل هدفها.


أم لويس التاسع فإنه بعد أن هزم في الحملة الصليبية السابعة التي تحطمت أمام المنصورة وأقتيد وهو قائدها أسيراً حتى يفتدي نفسه وسجن في بيت لقمان.
هذا الرجل المهزوم الأسير كتب في مذكراته يقول: "لقد تبين لنا بعد هذه الجولة الطويلة أن هزيمة المسلمين عن طريق الحرب مسألة مستحيلة لأنهم يملكون منهجاً محكماً يقوم على الجهاد في بيل الله ومن شأن هذا المنهج أن يحول دون هزيمتنا عسكرياً ولذلك فإن على الغرب أن يسلك طريقاً آخر، هو طريق الكلمة، الذي يقوم على نزع الفتيل من هذا المنهج وتفريغه من القوة والصمود والبسالة، وذلك عن طريق تحطيم مجموعة من المفاهيم بتأويلها أو التشكيك فيها".
هذه الوصية كانت أساس الخطة التي قام بها الغرب من بعد عن طريق إنشاء مؤسستي التبشير والاستشراق وإثارة الشبهات حول مفهوم الإسلام الأصيل الجامع دنيا ودولة وعقيدة وشريعة وأخلاقاً، ومن ثم كانت محاولات الاستشراق تدور كلها حول تحويل الإسلام إلى دين لاهوتي عبادي منفصل عن الحياة منتزع من ميادين الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية.


ولما كان القرآن هو مصدر هذا المنهج الرباني الأصيل الذي ما هزم المسلمون إلا عندما تغافلوا عنه أو حاولوا التماس غيره فإن صيحة غلادستون في مجلس الهموم البريطاني كانت تمثل حقيقة الفهم الاستعماري الإنجليزي - وإنجلترا إذ ذاك إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس - حين وقف وهو ممسك بالمصحف يقول: "إنه لا أمل في إخضاع المسلمين ما دام هذا الكتاب باقياً في الأرض".
وكان هذا إشارة مضاعفة للعمل على إثارة الشبهات حول القرآن وعقيدته وشريعته على النحو الذي عرفناه من قراءة تاريخ التبشير والغزو الثقافي.


ثم جاء كرومر الذي أمضى ربع قرن كامل وهو الحاكم الفعلي لمصر ليبني - كما قال في تقاريره الرسمية ومذكراته - جيلاً جديداً من المتفرنجين الذين يوالون الحضارة الغربية والحاكم الأجنبي ويقبلون التعامل معه ويؤمنون بأن هذه البلاد لا تنجح إلا إذا سارت في طرق الحضارة الغربية.
وكان من ثمرة عمل كرومر: لطفي السيد الذي أعلن عداءه للعروبة وللإسلام وللعالم الإسلامي ودعا إلى الإقليمية المصرية الفرعونية. وطه حسين الذي قال: أننا يجب أن نأخذ الحضارة الغربية حلوها ومرها وخيرها وشرها وما يحمد منها وما يعاب.


ثم جاءت صيحة أشد نكراً هي صيحة اللورد اللنبي: الذي كانت دولة بريطانيا قد خدعت العرب بوعود إنشاء دولة عربية إذا هم عاونوهم في الحرب العالمية الأولى فلما فعلوه كان جزاءهم احتلال بلادهم.
فاحتل الفرنسيون سوريا ولبنان واحتل الإنجليز الأردن والعراق وفلسطين وظهر وعد بلفور الذي أعطى اليهود وطناً قومياً في فلسطين.
ثم جاء اللورد اللنبي ليقف ويقول: اليوم انتهت الحروب الصليبية. وهو يعني أن الجيوش التي هزمت وآخرها بقيادة لويس قد عادت بعد ثمانمائة سنة مرة أخرى إلى هذه البلاد منتصرة ومنهية للحروب الصليبية على نحو آخر.


وإذا كانت هذه الخيوط يمكن أن تعطي المثقف المسلم صورة حقيقية للخلفيات لواقعنا في مواجهة النفوذ الأجنبي فإن هناك قصة أخرى وصيحة أخرى للوزير كامبل وزير خارجية بريطانيا 1907 م.
فقد توصل هذا الرجل إلى أن الحضارة الغربية وهذا النفوذ الاستعماري الضخم للدول الغربية قد دخل في مرحلة الأفول ولكنه أراد أن يجمع علماء العالم ومفكريه ومؤرخيه لوضع خطة تقول:
إذا كانت هذه هي نهاية الحضارة الغربية فمن الذي سيخلف بريطانيا والغرب، فأعلن المؤتمرون: أن المسلمين هم المستخلفون لأنهم أهل المنطقة أولاً، ولأن لهم من عقيدتهم منهج محكم يمكنهم من استعادة بناء الحضارة الإسلامية، هناك جرى التفكير حول خطة للحيلولة دون تمكن المسلمين والعرب من امتلاك هذه الإرادة وتأخير هذه الجولة ما أمكن وجرى البحث حول السبيل الذي يمكن الغرب المنهار بحكم انتهاء جولته من استبقاء نفوذه وتأخير قيام النهضة الإسلامية في بلادها، قال دهاة السياسة ودهاقين الاستبداد والاستعمار:
عليكم أن تغرسوا جنساً غريباً عن هذه الأمة في المنطقة الواقعة بين أفريقيا وآسيا حتى يحول دون امتدادها ويفصل بينها، هنالك تقدم اليهود وقالوا: نحن العنصر الغريب العازل.

ومن هنا بدأت مؤامرة الصهيونية في فلسطين وإلى يوم آخر بعيد.


هذا هو منطلق اليقظة الإسلامية إلى معرفة التحديات التي تواجه الأمة، فإذا أضفنا إليها مثلاً تقرير اللورد كرزون ضعيف ما دام العامة يتعلمون اللغة العربية الفصيحة لغة القرآن كما في الوقت الحاضر ولا يتعلمون اللغة العربية الدارجة لأن نسبة اللغة المصرية الدارجة إلى لغة القرآن كنسبة الإيطالياني إلى اللاتيني واليوناني الحديث إلى اليوناني القديم وعربية الفلاح لغة قائمة بنفسها وقواعدها خاصة بها فإذا لم تؤخذ هذه الاحتياطات يستمر الجيل الجديد مثل سابقه غير حاصل لخدمة وطنه وتظل عبارة مصر للمصريين كما كانت اسماً بلا مسمى".
هذا هو الاتجاه الواضح للنفوذ الأجنبي نحو القرآن واللغة العربية والهدف هو قطع اللغة الحية عن القرآن ومن ثم يصبح مجهولاً ويقرأ بقاموس وتموت العربية ويموت القرآن ويذهب الإسلام.
هذا القرآن هو الذي أزعجهم، رمى به غلادستون وقال عنه كرومر أنه يؤخر التقدم ودعا كرزون إلى العامية وجاء بعد ذلك ماسينون ليدعو إلى الكتابة بالحروف اللاتينية.
وتوالت نذر التغريب وتجمعت سحبه في أفق الفكر الإسلامي لاحتوائه والقضاء على ذاتيته وخصائصه، فقالوا نابليون أيقظ الشرق، وكذبوا فإن الذي أيقظة الشرق هو محمد بن عبد الوهاب وصالح المؤمنين الذين ارتفعت صيحتهم بالعودة إلى المنابع.
وعمل الغزو الفكري في ميدان الثقافة والتعليم حتى أن 50 ألفاً من أبناء المحظوظين يتعلمون بمدارس الإرساليات كل عام ويملأون عقولهم وقلوبهم بمفاهيم مسمومة مغلوطة صاغتها قوى متآمرة من المستشرقين والمبشرين والماسون والعلمانيين والوثنيين لهدم هذه القوة التي تقف في وجه الفكر البشري الضال كله وهي الإسلام.
وقد صنع النفوذ الأجنبي تلك المحاولة الخطيرة التي أسموها التغريب والتي استهدفت تحطيم مقومات الإسلام الأساسية وإثارة الشبهات حول مقومات الفكر الإسلامي التي تتمثل في الأصول الأساسية:
القرآن والسنة وهما منهج الإسلام في بناء المجتمع وقد اتهم الدين بالجمود والعجز عن متابعة الحضارات وهو مصدر التقدم في العالم.
اللغة العربية بإعلاء شأن العاميات والحروف الأعجمية وإتهامها بأنها لغة عاجزة عن الاستجابة للتطور إذ أنها لغة دينية.
سيرة الرسول وتاريخ الإسلام بإثارة الشبهات حول وقائعه.
الحضارة الإسلامية وإنكار فضلها على الحضارة المعاصرة واتهامها بأنها حضارة غير أصيلة وإسقاطها في مجال تطور الحضارة الإنسانية.
الأدب العربي وإخضاعه لمقاييس جديدة واحدة تجرده من أصالته الإسلامية.
التراث الإسلامي والغض من قدرة ومحاولة إحياء الجوانب المتصلة بالفكر الشعوبي والوثني والفكر الصوفي الفلسفي.
التاريح الإسلامي ومحاولة تزييفه وإثارة الشبهات حوله واتهامه بأنه مليء بالثغرات.
كذلك جرى العمل على الحيلولة دون استئناف المسلمين حياتهم أو بناء مجتمعهم على أساس إسلامي وذلك بإثارة الثغرات القومية والإقليمية والتشكيك في العقيدة وإيجاد الفرق والنحل الهدامة، وتركيز المفاهيم العلمانية والمادية وصرف الأمة عن وجهتيها التي سارت عليها أربعة عشر قرناً والقضاء على خصائصها ومحو مآثرها وتحقير ماضيها وإفساد حاضرها، وخلق جديد منهزم مفتون بالغرب وأباطيله ومفاهيمه.


ولا ريب أن أولى مطالبنا هي الأصالة الفكرية: هذه الأصالة القادرة على فرز كل ما لا يتلاءم مع روح التراث وترك كل ما هو دخيل ثم الدرة على الانفتاح على الفكر الإنساني والتطور العلمي في يقظة ووعي كاملين بحيث نأخذ الوسائل وحدها لا تستطيع أن تقدم شيئاً ذا بال أو تعطي إضافة بناءة صحيحة إذا لم تكن مرتبطة بالأصالة وبوجود الأمة وحقيقة رسالتها وهدفها، وإن التطلع إلى التقدم العلمي والتكنولوجي لن تكون له فائدة إيجابية إذا لم يصدر عن إيمان أكيد بجذور الأمة الأولى الحقيقية وأن يتحرك في داخل إطار فكرها وقيمها. كذلك فإن الحوار مع الفكر العالمي يجب أن يتم في داخل إطار "الأمانة" التي تحمل لواءها الأمة الإسلامية للبشرية كلها دفعاً إياها إلى الحق وحجزاً لها عن الشر.
إن أبرز معالم الإسلام هو التكامل بين أعماق القلب ومجرى الفكر، وإقامة مبدأ التعاون بديلاً لمبدأ الصراع، وتقدير لقاء الأجيال بوصفه أصدق من صراع الأجيال والاعتقاد بأنه ليس بين الإنسان والطبيعة صراع ولكنها محاولة سيطرة واهتداء إلى النفع بها.
ولا ريب أن السنة الجامعة هي البوتقة الناصعة التي انصهرت فيها كل الثقافات والنحل والدعوات التي طرحت في فلك الفكر الإسلامي فاستصفتها السنة وحررتها من شبهاتها وأخذت عصارتها الطيبة فضمتها إلى كيانها.
فالسنة هي النهر الكبير والمذاهب والفرق روافد منه وقد صهرت السنة خير ما في الكلام والاعتدال والتصوف والتشيع في مضمونها الجامع الذي يستمد حقيقته ووجوده من المفهوم القرآني الأصيل.
وقد وقف الإسلام أمام الفكر اليوناني الوافد كما وقف أمام غنوص الشرق، موقف العداوة والبغضاء كاشفاً عن وجوده الخلاف بين ذلك كله وبين مفهوم التوحيد الخالص.
كذلك فقد رفض الإسلام التطور على حساب الأصالة.
ورفض التقدم على حساب التضحية بالجذور والقيم الإسلامية.
كما رفض تضحية القيم العليا في سبيل التقدم المادي ولم يخضع مفاهيمه للحضارات وأهواء الأمم، وليس في المناهج والأيديولوجيات شيء لامع إلا وعند المسلمين ما هو مثله أو خير منه وهو في الغرب مقطوع الصلة بالله ولكنه في الإسلام متصل الحلقات وهو في الفكر البشري انشطاري ولكنه في الإسلام جامع متكامل.
إن العودة إلى المنابع هي صيحة المسلمين في كل أزمة وكلما أدلهمت الأحداث وأحاطت الأزمات، كانت دعوة الغزالي وابن حنبل وابن حزم وابن القيم وابن عبد الوهاب.



وفي ضوء هذا كله نجدنا في حاجة إلى استيعاب الحقائق الآتية:
أولاً: إن انطلاق المسلمين والعرب على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يتم بدون الارتكاز على قاعدة أساسية تكون هي المصدر والمنطلق ونقطة البدء ونقطة النهاية: هذه القاعدة ليست سوى المنهج الأصيل الذي قدمه الإسلام لبناء المجتمع.
وعلى المسلمين اليوم أن يفهموا الإسلام فهم الصدر الأول له وهو أصح فهم: قوة خالقة من وراء الإنسان والإنسان مستخلف في الأرض عن الله الخالق مسئولية، وجزاء وتعاليم أخلاقية تطبع الحياة والحركة والمجتمع. الإنسان فرد ولكنه جزء من المجتمع.
ولا يزال الجسم الإسلامي يرفض العضو الغريب ولا يزال الكيان الإنساني يرفض الجسم الغرب.
العقيدة وليست اللغة هي علامة بقاء الجماعة فإذا زالت العقيدة زالت الجماعة وانحلت وانقرض وجودها.
كان التأويل من أخطر الأسلحة التي استعملت النصوص تفسيراً يخرجها من مدلولاتها الأصلية إلى مدلولات منحرفة ولقد حذر القرآن من هذا الخطر.


ثانياً: نحن ندرس الفلسفة ولكن نعتقد أن الفكر الفلسفي ليس هو الفكر الإسلامي ونؤمن بأن الفكر الإسلامي قرآني المصدر.
نحن لا تهزنا صور البريق وخاصة براعة البيان إلا إذا كان صاحبه يصدر عن منطلق القرآن وهدي الإيمان ويخشى الله ويبتغيه.
وقد يكون هناك نظريات لامعة تخدع العقل أو تعجب البسطاء وهذه نحذرها لأنها ليست إلا من هوى النفس ومطامع الذات.


ثالثاً: قطع الإسلام الامتداد الفكري والثقافي بين ما قبل الإسلام وبعده: قطعه عن العرب أولاً ثم عن كل مكان ذهب إليه وقد ذهب إلى قلب آسيا وأفريقيا فنزعها تماماً من عبودية ألف سنة لليونان والرومان ثم قطع امتداد العبودية الفرعونية والفارسية والقيصرية للإنسان وقطع امتداد الوثنية في العالم كله وأطلق العقل البشري من قيوده التي كانت تأسره حول المعابد ورفعه إلى اعتقاد بحياة أخرى وراء هذه الحياة.
إن الثقافة التي قدمها اليونان والرومان والتي استمرت ألف سنة قبل أن يجيء الإسلام قد تلاشت تماماً بعد أقل من قرن من دخول الإسلام وقام على الزمن حقيقة واقعة هي الانقطاع الحضاري.
عندما تشتد المحن والأزمات على المسلمين أن يعودوا إلى المنابع الأولى وأن يلتمسوا أصول الإسلام قبل ظهور الخلاف من أصوله القرآنية وأن تؤمن بأن كل ما انحدر إلينا من الماضي ليس إسلاماً كله فكثير منه وضعه شعوبيون وفلاسفة وملاحدة وأن بين الحق والباطل هوى النفس والظن فإذا تغلب الهوى استخدم العقل لتبرير الفاسد من الأمر والتمس الرخص وفارق العزائم وآثر السلامة على المعاناة.


رابعاً: ليس الإسلام ديناً روحياً ولا مذهباً مادياً، ولكنه يجمع بين المعنويات والماديات في تناسق عجيب. وهو حين يرفض روح النسك بمفهوم الرهبانية واعتزال الحياة يرفض في نفس الوقت روح التحلل والإباحية والانطلاق بغير قيود ويقيم نظام الحياة في المجتمع في إطار من الضوابط والحدود يحول بينها وبين الارتطام والانهار.


خامساً: طبع الإسلام حياة العرب والمسلمين في الماضي ولا يزال يطبعها وسيظل يطبعها إلى مئات السنين ولذلك فإن كل حركة فكرية أو اجتماعية في التاريخ الحديث تتجاهل هذا الواقع البديهي فهي تتجاهل الإطار الطبيعي الذي يجب أن ينشأ ضمنه والأساس العملي الذي يجب أن تستند إليه، إنه يجب أن يكون في داخل الإسلام لا خارجه.


سادساً: جاء الإسلام ظاهرة مستقلة عن فعل البيئة. وكذلك جاءت النبوات فهي لم تخضع للتفسير المادي للتاريخ ولم تكن ذات علاقة بردود فعل لظروف الحضارات أو أحوال الأمم (ويخطئ من يقول أن الإسلام جاء بعد أن ضعفت الروم والفرس) أو أنه جاء نتيجة انقلاب في نظم الانتاج أو انبثاقاً من واقع اقتصادي.
ولا يمكن تفسير حروب الإسلام وفتوحه تفسيراً اقتصادياً أو القول بأنها كانت من أجل الفقر أو رغبة في الحصول على المغانم.
لقد أسقط الإسلام منطق التفسير المادي للتاريخ الذي يحتم انبثاق كل انقلاب سياسي من انقلاب مناظر في نظام الانتاج وعلاقاته.
لقد جاء الإسلام من البداية مقرراً المساواة في الغرض وضمان حد الكفاية للفرد وتحقيق التوازن الاقتصادي بين الفرد والمجتمع.


سابعاً: ليست هناك صلة بين المذاهب الاجتماعية والحقائق العلمية: الحقائق العلمية لا تثبت إلا في المعامل أما المذاهب الاجتماعية فهي نظريات من صنع عقول أو تخطئ وتصيب.


ثامناً: لقد كان الإسلام عاملاً أساسياً في كل حركات التحرر التي قامت بها الشعوب المستعبدة في عصرنا وقد انطلقت النضالات الوطنية من تحت رأيه الجهاد في سبيل الوطن وكان الإسلام في هذه النضالات رمزاً للمقاومة الروحية والثقافية ضد الاحتلال والاستعباد.


تاسعاً: لقد انحسرت تلك الموجة الضالة التي حاولت أن تلتقط النصوص من السنة أو التراث لدعم وجهة نظر الغزو الثقافي.. وتبين أن كثيراً من النصوص التي أريد بها تأييد الديمقراطية أو الاشتراكية أو تحديد النسل ليست صحيحة.


عاشراً: فليحذر المسلمون اليوم وهم على الطريق لامتلاك أدوات الحضارة المادية وتراثها التكنولوجي والعلمي والميكانيكي أن تستوعبهم هذه الحضارة او تحتويهم في إطار الفكر الغربي الانشطاري للعناصر وعليهم أن يبدأوا من نقطة التوحيد والإيمان بالإخاء الإنساني والعدل والرحمة.


حادي عشر: إن بدايات النصر ومطالع الفجر يجب أن لا تخدع المثقفين وتخلق فيهم طمأنينة زائفة مستسلمة أو تصرفهم عن المثابرة والإصرار على تأكيد الخط الرباني الصحيح وتوسيد الطريق القرآني الأصيل وتثبيت الخطأ على الطريق المستقيم إلى الغاية الكبرى.


ثاني عشر: بالرغم من كل الضربات التي وجهت للمسلمين خلال القرن الرابع عشر فإن عددهم قد تضعفت إلى أن بلغ المليار على امتداد الكرة الأرضية كلها.
لقد تأخرت التجربة الإسلامية لتستعلن بعد أن فشلت كل التجارب يئس المصلحون العلمانيون.


ثالث عشر: لقد أصبح المسلمون يملكون الطاقة والثروة والتفوق البشري وهم على أبواب استيعاب تكنولوجيا العلم بحيث يستطيعون استغلال مساحات واسعة من الأراضي وقدرات هائلة لم تستغل بعد، لقد جاء دور عالم الإسلام بعد أن نضبت آبار الغرب وثرواته ومصانعه التي عملت بخامات المسلمين أربعة قرون أو يزيد، وسوف تكون حضارة الإسلام متميزة بطابع العدل والرحمة والإخاء الإنساني، إن المسلمين اليوم ينتقلون من عصر اليقظة إلى عصر النهضة مروراً بمرحلة الرشد والأصالة والحفاظ على الشخصية والتماس المنابع.


رابع عشر: لا نقول قدمت أفغانستان: الفارابي وأين سينا أو قدمت فارس: الغزالي وأبو حنيفة: فالحقيقة أن الإسلام هو الذي قدمهما. وعندما يتحدث الكتاب عن الفوارق بين العقليات الفرنسية والإنجليزية والألمانية بينما هي مسيحية الأصل نجد أن للمسلمين عقلية واحدة موحدة في بلاد المسلمين جميعاً تشهد أصولها من التوحيد وجماع الروح والمادة.


خامس عشر: في مجال الدعوة إلى الحوار يجب الحذر فإن المسألة مرحلية والرأسمالية هي المسيحية. وإنهم يأخذون المسلمين ليكونوا (ردياً) للمسيحية في محاربة الشيوعية. والمعروف أن عداء المسلمين عداء قديم. ولكنها محاولة للاستفادة من الإسلام لخدمة الرأسمالية.


سادس عشر: أربع شخصيات ليست هي شخصيتنا الحقيقية:
المصرية الفرعونة، العربية قبل الإسلام، اليونانية، الأوروبية الحديثة.
سابع عشر: من الخطأ وصف الإسلام بأنه ثورة، ذلك أن الإسلام إصلاحاً لبيئة أو لعصر ولا جاء رداً على ظروف اجتماعية في القرن السابع الميلادي وليس مذهباً ولا نظرية ولكنه رسالة السماء الخالدة التي تختلف عن الأيديولوجيات والفكر البشري.


ثامن عشر: المفهوم النقي للإسلام، القرآني المصدر..
استقامة الفكر مع استقامة الخلق وطهارة الباطن مع طهارة الظاهر ونقاء الوجه مع نقاء السريرة.
هذه الشخصية التي لا تطمح إلى شيء من متاع الدنيا وعاشت فقيرة وكانت تستطيع لو أرادت أن تحصل على الكثير ولقد عرض عليها الإغراء فأبت ورغبت فيما عند الله.


تاسع عشر: فهم الغربيون الإسلام منذ وقت مبكر، فهما أشد عمقاً من فهمنا فهموه على أنه منهج حياة ونظام مجتمع، ومن ذلك قول جوردون تشايلنن (في كتابه ماذا حدث في التاريخ) كثير من الناس يعرفون الإسلام كدين من الأديان ولكن قلما يفهمه كحركة من الحركات ولذلك يمكننا أن نختصر هذه الحقيقة في العبارة الآتية: الإسلام دين عجيب بين أديان العالم فهو يجمع بين الدنيا والدين.



كتب ومقالات أنور الجندي - الموسوعة الشاملة

ضرب من الفروسية في اليابان


للأستاذ صلاح الدين المنجد

يجد الباحث في فروسة اليابان وتقاليدها أفانين لذيذه تفيض بالبطولة والنبل والإباء، تهز المرء حتى ليحسب أنها من عمل الخيال الرائع والتصوير البارع والوصف الجميل.
فإذا تأملتها علمت بأن اليابانيين قوم قدسوا الشرف في مغالاة ومقتوا الذل بأنفة، ولم يصبروا على ضيم يراد بهم أو هون يساق إليهم.
وحسبك أن تعلم بأن الفروسة عندهم معناها الشرف والذود عنه والموت في سبيل بقائه طاهراُ، ودفع كل ما يشين المرء ويعيبه؛ فلضربة بسيف في عز خير عندهم من لطمة أو شتيمة في ذل.
فإذا طعن الياباني في شرفه، فلديه أمران لا مَدْفع لهما: قتل من أهانه، أو قتل نفسه.

ولعل أروع مثال لذلك أمر القائد العظيم (نوجي) الذي كان له - كما يقولون - روغان الثعلب وختل الذئب ووثبة الأسد، والذي أوتي النصر في موقعه (بور - آرثر) على الروسيين ففض حرمتهم وأوهن بأسهم وظهر عليهم، فأدهش الغرب ورجاله، وملك على فتيان اليابان قلوبهم، والذي يسمونهم (بصاحب الربع ساعة) لقوله: (الحرب صبر ربع ساعة).
وقصة هذا القائد طريفة غريبة فيها بطولة وشمم، وفيها إباء وشجاعة، فلقد استيقظت اليابان ذات يوم على تذراف الدموع وتصعيد الزفرات، وقد وجم الناس وانتشر الأسى وأعلن الحداد لموت ابن الآلهة الميكادو (موتزو - هيتو) الذي دفع باليابان الحديثة إلى ذروة المجد وجعلها أمة ذات بأس وقوة، يخشاها الغرب ويفرق منها.
وبينما الناس في حزنهم غارقون، فوجئوا بنبأ آخر كان على الشباب والجنود أشد هولاً.
فلقد أعلنت الصحف أن الجنرال (نوجي) منقذ اليابان من الروسيا قد قتل نفسه. . فطفق الناس يسأل بعضهم بعضاً عن سر انتحاره، وهو ازدهار مجده وتألق سعده، وحسبوا يومئذ أن ذلك كان حزناً على الميكادو.

على أن بعضهم ما زالوا يتسقطون أسراره ويستطلعون أخباره حتى علموا بأن (نوجي) كان في ماضيات أيامه تلميذاً في مدرسة حربية، فكلمه أستاذ له ذات يوم بما يهينه ويشينه. . . وما هي إلا ساعات حتى عزم على قتل نفسه ليتقي العار وسوء المقالة، لأن نظم المدرسة تمنع الانتقام من أساتيذها، وكان له صديق من العائلة المالكة، أخلص له وأحله من نفسه محلاً رفيعاً، فأخبره بما عزم عليه وطلب منه أن يشهد الانتحار>
وللانتحار في اليابان طرائق وتقاليد.
فالرجل الذي يريد قتل نفسه يطعن صدره إلى جانب القلب بخنجر حاد، فإذا تدفق الدم تقدّم منه صديق مخلص له ممن أوتوا النبل والشرف، فيضرب عنقه أمام المذبح بين روائح البخور الشذىّ.

وطلب (نوجي) من الأمير أن يضرب عنقه إذا طعن صدره؛ وكان الأمير ذا شأن وسلطان فمنعه عن الانتحار.
وكان مما حدّثه به يومئذ: (عش لليابان يا صديقي. . . فما ينبغي لك أن تقتل نفسك ووطننا بائس يعوزه الشباب. لقد أهنت وعليك أن تموت، ولكني أقبل الإهانة، أنا الأمير ابن الآلهة، لنفسي وما عليك بعد ذلك. ابق يا صديقي وعش لليابان!).
وصدع نوجي بالأمر. وتصرمت أعوام فأضحى الأمير إمبراطوراً وأصبح (نوجي) أعظم قائد عرفته اليابان الفتاة، فيشتهر بالمغامرة والبطولة ويذيع صيته ويتردد على الأفواه اسمه وتستفيض شهرته ويدحر جيوش الروسيا ويكسب المعارك ويصبح المثل الأعلى للفتيان.

وظلت الإهانة عالقة بالإمبراطور طوال حياته. . . ولا بأس عليه منها وهو ابن الآلهة التي تغفر لمن تشاء، وتعذب من تشاء وترضى عمن تشاء، فلما قضى الميكادو نحبه عادت الإهانة إلى (نوجي) فلم يطق العيش ذليلاً. . . فأمر أن تشعل الشموع، وأن يحرق البخور، وجثا تحت قدمي الإله، وأغمد الخنجر في قلبه على مهل، فتدفق دمه الفوار. . . وتقدم صديق له فضرب عنقه، وهو يبتسم راضياً مطمئناً؛ فقد أنقذ الشرف، وابتعد عن العار.
ومات (نوجي) بعد أن تخطى الستين من العمر، رضي البال مثلوج الفؤاد لأن ذلك أدعى لطيب الذكر، وخلود الاسم.

مجلة الرسالة
العدد 315 - بتاريخ: 17 - 07 - 1939

الشنتو



ما كادت صيحة النوردبين تهدأ في ألمانيا بعد طرد اليهود منها حتى ارتفعت في اليابان صيحة تشبهها في النعرة والتغني بالمحتد وتأليه الأرومة والتبرؤ من الانتساب إلى الصينيين في العنصر، والادعاء بأنهم (أي اليابانيين) سلالة مستقلة لا عن الصين فقط بل عن جميع البشر، لأنها منحدرة مباشرة من الآلهة. . .!

وهذه دعوى عريضة جديدة، كان الناس يضحكون من قدماء المصريين واليونانيين حين ادعوها. .
وقد اتسعت آفاق الشنتويزم فشملت ديانة اليابانيين ووطنيتهم وفدائيتهم ومذاهبهم السياسية والاجتماعية، وتغلغلت في جميع مرافقهم الحيوية. . من عنابر المصانع. . . إلى رمال الصحراء التي يقرءون في صفحتها الغيب. . .
ومهما حاول اليابانيون التبرؤ من منشئهم فالثابت هو أنهم مزيج من المغول والآينو وأقوام البحار الجنوبية.

كما أن الألمان ليسوا من سلالة نوردية خالصة، وكما أن اليهود ليسوا شعب الله المختار .


مجلة الرسالة
العدد 249 - بتاريخ: 11 - 04 - 1938

الغزو الياباني الاقتصادي لأسواق العالم



للأستاذ محمد عبد الله عنان

يشعر العالم المتمدن اليوم بأن قوة جديدة خطيرة قد نزلت إلى الميدان الصناعي والتجاري، وهذه القوة تندفع إلى الإمام بسرعة مدهشة، وتجرف أمامها كل حاجز وكل مقاومة، وتضطرب لها جميع أسواق العالم شرقية وغربية: تلك هي قوة الغزو التجاري الياباني الذي تهتز أمامه اليوم معظم الأمم الصناعية والتجارية، وترقب تفاقمه في خوف وهلع.
ولقد كان هذا الغزو منذ عامين أو ثلاثة شديد الوطأة على بعض الأسواق الكبرى، ولا سيما أسواق الإمبراطورية البريطانية، ولكنه اليوم يغدو مشكلة عالمية.
فمن آسيا إلى أفريقية وأوربا وأمريكا الجنوبية يجتاح هذا الغزو المدهش جميع الأسواق القديمة، ويلقي الذعر في دوائر الصناعة والتجارة العليا، ويثير أينما حل كثيراً من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
ولقد حاولت الدول الصناعية والتجارية الكبرى أن تحد من أخطار هذا الغزو بجميع الوسائل الممكنة، وفي مقدمتها الحماية الجمركية، ولكنها لم توفق حتى اليوم إلى صده بطريقة ناجعة، لأنه يعتمد في قوته واندفاعه على أسس اقتصادية محكمة، ويتفوق بمزاياه المدهشة على كل منافسة ومقاومة، ويتحدى كل إجراء لرده لا يستمد من نفس الأسس الاقتصادية التي يقوم عليها

وقد ظهرت طوالع هذا الغزو الياباني في المشرق بقوة: في الصين والهند وأفغانستان وفارس والبلاد العربية ومصر؛ واجتاح الأسواق القديمة في الحبشة، وفي شمال أفريقية وفي جنوبها؛ ثم اجتاح أسواق أمريكا الجنوبية؛ كل ذلك بسرعة مدهشة لم تترك مجالاً للقيام بأية مقاومة منظمة؛ ولم يكتف بمنافسة الصناعة الأوربية المؤثلة في أسواقها القديمة فيما وراء البحار، ولمنه نفذ إليها في نفس مواطنها ومر معظم الأمم الأوربية ذاتها، وأصبحت البضائع والمنتجات اليابانية تتدفق عليها كالسيل، وتنافس البضائع والمنتجات المحلية منافسة الحياة والموت.
ولما كانت قوة الأمم الغربية ورفاهتها وسلطانها السياسي والاقتصادي في أفريقية وآسيا تقوم على صناعتها وتجارتها قبل كل شيء فأنا نستطيع أن نتصور ما يثيره هذا الغزو الياباني الخطر في معظم الأمم والحكومات الأوربية من عوامل الخوف والجزع ونحن في مصر نشعر منذ حين بآثار هذا الغزو تنمو وتتسع بسرعة، وتبدو واضحة فيما ينهمر على سوقنا المصرية من صنوف البضائع والسلع اليابانية الرخيصة المغرية مع ذلك.
وتشمل هذه المنتجات اليابانية معظم الحاجات الشخصية والمنزلية؛ من ثياب وأقمشة وحرائر وأحذية وخردوات وساعات وأدوات وآلات كهربائية وآلات حديدية وقاطعة، وأنواع الآنية، والأدوات الكتابية واللعب وغيرها مما لا يقع تحت حصر؛ وقد ظهر أثر هذه المنافسة في بعض صناعاتنا الفتية مثل صناعة الغزل إذ أخذت الأقمشة اليابانية القطنية والحريرية الرخيصة في منافسة منتجاتنا منافسة قوية، وكذلك صناعة الأحذية فقد أخذت الأحذية اليابانية تتدفق على السوق المصرية بأثمان غير معقولة.
على أن أثر الغزو الياباني لا يقف في مصر عند هذا الحد؛ وإذا كانت مصر لا تتمتع بصناعة واسعة يخشى عليها مباشرة من هذا الغزو، فأنها يجب أن تخشى منه بحق على مستقبل محصولها الرئيسي وهو القطن الذي تستهلكه الصناعة الأجنبية وتحتاج إليه أشد الحاجة؛ ومن الواضح أن مستقبل القطن المصري يتوقف على رخاء الصناعات التي تقوم عليه وتستمد حاجتها منه؛ ولما كان الغزو الصناعي الياباني قد أخذ يهدد صناعة القطن في لانكشير، وهي أعظم عميل للقطن المصري، ويهدد الأسواق التي تعتمد عليها لانكشير في تصريف منتجاتها، فإنه يحق لنا في مصر أن نرقب سير هذا الغزو الياباني بمنتهى الاهتمام، وأن نفكر فيما عسى أن يترتب على هذا الصراع الاقتصادي الخطير بين الصناعات الأوربية القديمة وبين اليابان في حياتنا الاقتصادية من الآثار.

وسنحاول في هذا المقال عرض الموضوع من الناحية العامة، ودرس العوامل والأسباب التي مكنت اليابان من تنظيم غزوتها الاقتصادية المدهشة، ومن النجاح في مغالبة الصناعات الأوربية الراسخة، على حداثة عهدها بالنهضة الصناعية الحديثة.
إن وثبة اليابان الحديثة ترجع إلى فاتحة هذا القرن فقط، أعني إلى انتصارها الباهر في الحرب التي خاضت غمارها مع روسيا سنة 1905م؛ فقد كان أول نصر حاسم أحرزته في العصر الحديث دولة أسيوية على دولة أوربية عظمى؛ وكانت أوربا القديمة تعتقد قبل ذلك في مناعتها، وتوقن أن العصر الذي تستطيع فيه دولة شرقية أن تهزم دولة غربية قد انتهى إلى الأبد، فجاء انتصار اليابان على روسيا مبدداً لهذا الحلم؛ وشعرت اليابان بقوتها ومنعتها، وازدادت ثقة بمستقبلها وحقها في تبوأ مكانتها الحقة بين الدول العظمى؛ ومن ذلك الحين تسير اليابان في ميدان التقدم الحديث بخطى مدهشة، وقد كان هذا التقدم في المبدأ محصوراً في آسيا، أو بعبارة أخرى في الشرق الأقصى؛ ولكن اليابان أخذت منذ نهاية الحرب الكبرى تتجه نحو الغرب بخطى سريعة؛ وكان الصراع بين اليابان والغرب يدور أولاً حول الغزو السياسي والاقتصادي للصين؛ فلما شعرت الأمم الغربية بأن نفوذها الاستعماري القديم في الصين أخذ يهتز ويضطرب أمام التقدم الياباني أرسلت صيحتها ونذيرها بالخطر الأصفر، وحاولت أن تصبغ المعركة الاستعمارية الاقتصادية بصبغة جنسية؛ ولكن هذه المعركة التي تضطرم حول اقتسام الصين واستعمارها انتهت أخيراً بانتصار اليابان على الدول الغربية؛ واستطاعت اليابان إلى جانب كوريا التي تملكها منذ بعيد، ن تغزو منشوريا وأن تستولي عليها، وبذا أصبحت تملك في الصين إمبراطورية استعمارية شاسعة غنية بمواردها.

ولم تقف اليابان عند هذا الحد، بل أعلنت رداً على صيحة الخطر الأصفر، ما يشبه مبدأ مونرو الأمريكي، وهو أنها تعتبر نفسها صاحبة الحق الأول في استعمار الصين، وأنها ستقاوم منذ الآن فصاعداً أية محاولة من جانب الدول الغربية لتوسيع نفوذها السياسي والاستعماري في الصين
ولما حققت اليابان برنامجها الأول في الشرق الأقصى، ضاعفت جهودها في الاتجاه نحو الغرب ومنافسته في ميادينه الصناعية والتجارية، واستطاعت أن تنظم هذا الغزو الاقتصادي الجارف. ونستطيع أن نجمل أهم العوامل التي تعتمد عليها اليابان في تنظيمه في أمرين:
الأول: وفرة اليد العاملة.
والثاني: رخص العمل والأجور بنسب مدهشة.
وقد نما الشعب الياباني في العصر الأخير نمواً سريعاً، وأضحى يبلغ اليوم خمسة وستين مليوناً في جزائر اليابان وحدها، هذا عدا كوريا وسكانها عشرة ملايين.

ويزيد الشعب الياباني في العام مليوناً، وهي نسبة مدهشة، ويرجع احتشاد الشعب الياباني في جزائره على هذا النحو إلى كثرة النسل التي لم تتأثر بنظريات المدنية الحديثة ووسائلها في ضبط النسل، وعدم إقبال اليابانيين على الهجرة، ووضع الأمم الغربية الحواجز في سبيل هجرتهم.
وتدل الإحصاءات الأخيرة على أن عدد اليابانيين المهاجرين لا يزيد عددهم على أكثر من سبعمائة ألف في جميع أنحاء العالم.
والياباني ميال بالطبيعة إلى البقاء في وطنه؛ ومما يذكي هذه الرغبة في نفسه نظام الملكية الصغيرة التي تسمّره في أرضه. وقد كان هذا الاحتشاد الهائل في تلك الجزر الصغيرة وتعذر سبل الهجرة من أكبر العوامل في دفع اليابان إلى اعتناق الفكرة الصناعية، والعمل على تحويل اليابان إلى بسيط شاسع من الصناعات الكبيرة التي تستطيع أن تستغرق هذه الملايين العديدة وان تمدها بالقوت.
وقد نجحت هذه السياسة نجاحاً عظيما، حتى كان عدد المصانع يزداد في العصر الأخير بمعدل مائة إلى ثلاثمائة في العام الواحد. وكان عدد هذه المصانع سنة 1917م يزيد قليلاً عن ألفين، فوصل في سنة 1929م إلى 59887 مصنعاً! ثم زاد في الأعوام الأخيرة زيادة كبيرة.

ومن الغريب أن اليابان استطاعت أن تقوم بهذه المعجزة الصناعية رغم كونها ليست غنية في الموارد والمواد الأولية؛ فهي في الواقع تستورد كثيراً من المواد الأولية من الخارج. ولكن اليابان غنية في بعض المواد الحيوية كالفحم، فهي تملك منه مقادير وافرة، وتصدر منه أحياناً؛ وتملك أيضاً مقادير وافرة من البترول والحديد، ولكنها لا تفي بحاجتها.
أما في المواد الأولية الزراعية فاليابان فقيرة جداً، وهي تستورد معظم ما تحتاج إليه من القطن والصوف والجلد وغيرها، على أن هذا النقص لا يمنع صناعتها من التقدم بخطى جبارة؛ فقد استطاعت كما سنفصل بعد أن تأخذ المحل الثالث في الصناعات القطنية بعد إنكلترا والولايات المتحدة رغم كونها تستورد القطن من الخارج.

ومن الطبيعي أن يؤدي احتشاد السكان ووفرة الأيدي العاملة إلى رخص الأجور. ومسألة الأجور هذه إحدى معجزات الصناعة اليابانية ونعمها السابغة، وهي معقدة متنوعة النواحي؛ وتنخفض الأجور في اليابان إلى حدود غير معقولة؛ وللعامل الياباني (معيار للمعيشة) في منتهى التواضع، وليست له طلبات خاصة، فهو قنوع جد القناعة لا يطمح إلى أكثر مما يحقق ضرورات العيش، ولا يفكر في شيء من ألوان المتعة والترف التي يطمح إليها العامل الأوربي.
وهو صبور لا يحسب في العمل حساباً للقوت، وليس له تشريع عملي يحميه، ولم يعرف بعد شيئاً من تلك النزعة العدائية التي تجعل العمل ورأس المال في الغرب خصمين دائمين، والتي تحفز الكتلة العاملة إلى الجهاد المستمر في سبيل حقوقها المادية والمعنوية. ومن الصعب أن نقدم بياناً رقمياً عن الأجور في اليابان يمثل حقيقة ما يكسبه العامل، لأن الأجور النقدية تدعم أحياناً بأنواع من المعاونات الخاصة، كالتعويض عن العمل الزائد، والمكافآت، ثم الأجور النوعية كتقديم الطعام أو المسكن أو الثياب.
ولكن يستدل من المباحث التي أجراها مكتب العمل الدولي أن متوسط أجرة العامل الياباني تبلغ في اليوم: (1) في الصناعات الفنية 2. 20 ين (11 فرنا - أو نحو 15 قرشاً) (2) وفي المناجم 1. 80 ين (9 فرنكات أو نحو 11 قرشاً) ويبلغ متوسط ما تأخذ المرأة 1. 03 ين (نحو خمسة فرنكات أو سبعة قروش). وهذه النسبة تعتبر مرتفعة بالنسبة لبعض الصناعات الخفيفة مثل صناعة الغزل حيث يبلغ معدل الأجور أقل من ين أو نحو أربعة أو خمسة قروش. وفي كثير من الصناعات لا يزيد مستوى الأجور على مستوى الأجور الزراعية العادية.
وفي الصناعات الصغيرة يوجد نظام مشترك في العمل والحياة يشبه نظام الأسرة، ومما تجدر ملاحظته إن كثيراً من أصحاب المصانع في اليابان لم يتأثروا بعد بنظريات الرأسمالية الغربية في استغلال الفرد، وما زالت تسود لديهم الفكرة العائلية القديمة في اعتبار صاحب العمل والعمال الذين معه، أسرة واحدة ترتبط برباط الأخوة والمصلحة المشتركة، وفي كثير من المعامل الصغيرة يتناول العمال طعامهم في المصنع ويقيمون في مساكن يعدها لهم صاحب العمل؛ ويقوم صاحب العمل بقسطه من العمل كباقي العمال، ويتناول طعامه معهم، ويعيش مثلهم في نفس المسكن، ولا يشعر العمال في هذا الجو إلا أنهم مع سيدهم زملاء وأخوة؛ وهذا النظام العائلي يعاون على الإنتاج في ظروف وتكاليف يسيرة لا تمكن منافستها على الإطلاق.

ويرتبط بالعمل والأجور مسألة ساعات العمل، وهي من العناصر الهامة في تكاليف الإنتاج. ومن المعروف أن الكتلة العاملة في الأمم الغربية استطاعت أن تصل في تخفيض ساعات العمل وفي تقرير أيام العطلة والإجازات الدورية إلى نتائج مرضية جداً؛ فالأسبوع الصناعي في معظم الدول الغربية لا يتجاوز اليوم 42 ساعة، ولا يتجاوز اليوم الصناعي ست ساعات أو سبعاً، وللعامل يوم عطلة أسبوعي مقرر هو يوم الأحد، وله فوق ذلك حق في إجازة سنوية أو دورية معينة تختلف باختلاف الظروف؛ وهذه الحقوق كلها مقررة بالتشريع؛ أما في اليابان فلا توجد فكرة التحديد في الزمن، وتدل المباحث الأخيرة على أن معدل اليوم الصناعي في معظم الصناعات اليابانية لا يقل عن عشر ساعات، على أنه لا توجد لذلك حدود أو قيود قانونية إلا فيما يتعلق بالنساء والأحداث، فاليوم العملي لهؤلاء يجب ألا يزيد على إحدى عشرة ساعة، والقانون يقضي بأن يمنحوا راحة مقدارها ساعة إذا زاد يوم العمل على عشر ساعات، ولا توجد في اليابان راحة أسبوعية للعمال كما في أوربا، لأن يوم الأحد هو عطلة نصرانية لا تقرها التقاليد اليابانية؛ ولا تعرف هذه التقاليد من جهة أخرى يوماً معيناً تخصصه للعطلة الأسبوعية، وقد كان في مشروع اتفاق واشنطون، في المادة الخاصة باليابان أن يمنح جميع العمال على اختلاف طوائفهم عطلة أسبوعية قدرها أربع وعشرون ساعة، ولكن اليابان لم تقر هذا الاتفاق.
على أن المعامل الكبيرة اعتادت أن تمنح عمالها عطلة مقدارها يومان في الشهر، يوم في منتصف الشهر ويوم في نهايته؛ على أنه لا توجد لذلك كما قدمنا قواعد ثابتة، والعمال اليابانيون أنفسهم ينفرون من فكرة الراحة الدورية خوفاً من أن تنقص أجورهم تبعاً لتقريرها.

ومما تقدم نرى أن الصناعة اليابانية تعمل في ظروف مدهشة تستطيع معها غزو كل سوق وسحق كل منافسة، وقد لخص كاتب اقتصادي وثبة اليابان الصناعية في هذه الكلمات: (إن الأجور الصناعية في اليابان سويت بالأجور الزراعية، وغدت ثلث ما كانت عليه سنة 1929م؛ وأسبوع العمل ستون ساعة؛ وقد يبلغ طبقاً لبعض الإحصاءات في صناعة القطن مائة وعشرين ساعة، وفي اليابان شعب يزيد في العام مليوناً، والعنصر البشري يعني به أكثر مما يعني بالآلات. . . وتلك في الواقع مدنية صناعية جديدة بين النظم الفنية الأمريكية ورخص العمل الشرقي، فمدير المصنع الياباني يتناول مرتباً قدره (1700 ليرة) (نحو 30 جنيهاً) وهو خمس ما يتناوله زميله الأمريكي. وأثمان المنتجات اليابانية أقل بنحو خمسة وثلاثين في المائة من أثمان منتجات أي سوق أوربية أو أمريكية).
وأشار السنيور موسوليني في إحدى خطبه أمام مجلس النقابات الصناعي إلى نهضة اليابان الصناعية بقوله: (هنالك فيما وراء الاطلانطيق تفتحت مشاريع صناعية ورأسمالية هائلة؛ ولكن ثمة في الشرق الأقصى توجد اليابان وهي منذ أن اتصلت بأوربا في حرب سنة 1905م، تتقدم نحو الغرب بخطى شاسعة).

ويجب أن نذكر ما لنشاط اليابان البحري من أثر في تنظيم هذا الغزو، فلليابان أسطول تجاري ضخم يربطها بأوربا وأمريكا وجميع أنحاء العالم؛ ويعمل هذا الأسطول لحمل التجارة اليابانية إلى ما وراء البحار في ظروف مشجعة جداً، ويصطبغ عمله بلون التعاون القومي لأنه يعتبر أداة قوية لنشر التجارة اليابانية تسخر كل قواها ونشاطها لتحقيق هذه الغاية.
وسنحاول أن نبحث في فصل آخر ما لهذا الغزو الاقتصادي الياباني من أثر في السوق المصرية وفي الاقتصادي المصري.


مجلة الرسالة
العدد 82 - بتاريخ: 28 - 01 - 1935

نظم فارس أفندي الخوري في تاريخ الحرب بين الروس واليابان

المحرم - 1325هـ
مارس - 1907م

الكاتب: محمد رشيد رضا

تقريظ المطبوعات

(وقائع الحرب)

نظم فارس أفندي الخوري أحد كتاب الشام وشعرائها المشهورين أربع قصائد في تاريخ الحرب بين الروس واليابان؛ التي كان مبدأها أوائل فبراير (شباط) سنة 1904 ونهايتها في أوائل سبتمبر (أيلول) سنة 1905.
وأهداها إلى صديقه الدكتور حسين أفندي حيدر فطبعها هذا طبعًا متقنًا بمطبعة الأخبار بمصر، وهي تباع بمكتبة المنار بشارع درب الجماميز بقرشين صحيحين.

وإننا نورد بعض الفصول من هذه القصائد؛ لما فيها من الفائدة والعبرة في ثوب الفكاهة والتسلية؛ ومنها يعلم القارئ درجة الناظم في القدرة على نظم الوقائع وضبطها مع الإنصاف، والأمانة في النقل، وتحري تنبيه الذهن وإنارة العقل، قال في القصيدة الأولى وهو الفصل 5، 6، 7 (وما في الهوامش من تفسير بعض الكلم منقول من الأصل؛ إذ وضع في آخره جدول لذلك) .

(نكبة الروس بغرق الأميرال مكروف على الدارعة بتروبالسك في 13 نيسان سنة 1904)
سعى طوغو على مكروف يوم الـ ... ـلقا، وأعد تدبيرًا مريرا
أقام له الفخاخ بكل وجه ... يؤججه بها نارًا حرورا
وناصبه بعرض البحر حربًا ... فكر عليه لا يخشى نكيرا
أثارته الشهامة عن عرين ... ويأبى الليث إلا أن يثورا
فقاتله وناضله بقلب ... يريه كل معتاص يسيرا
ولكن قلما عدد قليل ... يفوز ويغلب العدد الكثيرا
تدفقت الكرات عليه حتى ... رأى في الكر موقفه مبيرا [1]
فدار إلى الخليج يريد أمنًا ... وكان بواره في أن يدورا
مضى يجتاز فوق فخاخ طوغو ... كملاح يحاذر أن يجورا
إلى أن شقت الغمرات فاهًا ... وأصعدت البلايا والسعيرا
فشاهد تحت أخمصه جحيمًا ... وقد فتحت قذائفه حفيرا [2]
كأن جهنما وجدت سبيلاً ... ومطوياتها لقيت نشورا
كأن هناك بركانًا تلظى ... وأطلق في الفضا نارًا ونورا
كأن البحر غضبان عليهم ... لما جروا على الدنيا شرورا
طوى بضميره حنقًا، فلما ... دنا مكروف كاشفة الضميرا
هوت فيه السفينة في خليج ... وكانت قبل تخترق البحورا
على مكروف، قد بكت البواكي ... وأطلقت المدامع والشعورا
ففاض له بأرض الروس دمع ... يؤلف لو يضم معًا غديرا
بمصرعه عزوم الروس خارت ... وحق لها بذلك أن تخورا
رجاء القوم معقود عليه ... ليدفع عنهم الخطب العسيرا
أميرهُمُ وعند أشد ضيق ... يراد لكشفه فقدوا الأميرا
فكان بهديه قمرًا مضيئًا ... وكان بكره أسد مزيرا [3]
وإن الروس لا يسلون عنه ... ولو وجدوا له فيهم نظيرا

(6)
(الوقعة البرية الأولى على نهر يالو في 1 أيار سنة 1904)
أقام الروس في يالو قلاعًا ... على تحصينها صرفوا شهورا
مسيل النهر دونهم فظنوا الـ ... ـعدى لا يستطيعون العبورا
ومن خاض البحور إلى الأعادي ... أيأبى أن يخوض لهم نهورا؟
مشى اليابان لا يخشون بؤسًا ... وماء النهر يكتنف الصدورا
بجيش كل من فيه جريء ... تمنى للأعادي أن يطيرا
وصبوا من مدافعهم كرات ... يفلق عزم صدمتها الصخورا
لئن صبرت جيوش الروس شيئًا ... فبعد هنيهة ولت ظهورا
وأبقت من ذخائرها نهابا ... ومن أعتادها شيئًا كثيرا [4]
ولليابان في الآثار ... شد ... فكم قتلوا وكم أخذوا أسيرا
أتوا أَنْطُنْغَ بالرايات، حتى ... على أسوارها خطرت خطيرا
لعمرك ليس يحمي السور مُدْنًا ... إذا عدمت من التدبير سورا
فهل حدثت في أخبار دلني ... وما شادوا بساحتها قصورا
وما قد أنفقوا عملاً ومالاً ... على المرسى وكيف جرى أخيرا
أباحوها إلى اليابان غنمًا ... وما نالوا على نصب أجورا
ولا عجب لمختال مدل ... إذا أخلى الحواضر والثغورا
إذا غفل الرعاة عن المواشي ... فمن ذا يدرأ الأسد الهصورا
وإن الخاشع اليقظان يكوي ... بحد حسامه البطل الفخورا
كذلك من توخى البغي متنًا ... تراه بدون معثرة عثورا

(7)
(وقعة كنشو)
وكنشو بالمدافع منعوها ... وولوا حفظها جيشًا كبيرا
وظنوا أنها تبقى طويلاً ... وتثبت في خفارتهم دهورا
أغار الخصم منقضًّا عليها ... ونار الروس تكتسح المغيرا
إلى أن كوروا القتلى تلالاً ... وأوشكت المعاقل أن تمورا [5]
رأوا أن العدو يموت طوعًا ... ولا يأبى التقحم والكرورا
ومن رغب المنية وانتحاها ... يبيت عدوه عنها نفورا
بدا للروس أن الفتح دان ... يغذ فلا معين ولا مجيرا [6]
فولوا تاركين على الروابي ... ذخائرهم لأعداهم نصيرا
لقد شمخوا على اليابان لما ... رأوا جنديهم قزما زميرا [7]
وقالوا: سوف نطحنهم فتغدو ... قبورهم الضواري والنسورا
ولكنا على يالو وكنشو ... وجدنا القول بهتانًا وزورا
فعرض الجسم لا يغني فتيلاً ... وطول القد لا يجدي نقيرا
ألست ترى الوليد وفيه حزم ... يسوم الفيل خسفًا والبعيرا
رهام الطير تنخلع ارتياعًا ... إذا رأت البواشق والصقورا


***
وقال في أول القصيد الثانية:
(الوقعة الكبرى في جوار مكدن في 15 شباط سنة 1905)
(1)
بمكدن كور بتكن لَمَّ جيشًا ... وشاد له المعاقل والحصونا
رأى الأعتاد وافرة لديه ... فظن مقامه حرزًا حصينا
ولكن رأي أوياما أراه ... أمورًا خيبت تلك الظنونا
أقام له المراصد في الصياصي ... وبين جفونه بث العيونا [8]
تخبره بما اصطنعوا دفاعًا ... لحوزتهم وكيف يدبرونا
أعد الخطة المثلى ليوم ... يروع حر أزمته السنينا
ورتب للهجوم عليه رأيًا ... يكون لمجد رايته ضمينا
وهز جناحي الجيش التفافًا ... على أعدائه المتحصنينا
رمى اليسرى بكوركي فندزو ... فأكو ثم في نوجي اليمينا
(2)
ودارت للمنون رحى طحون ... لها الأجساد قد صارت طحينا
وطبق كل ناحية دخان ... كثيف أسود يعمي العيونا
وصوت القذف أوقر كل أذن ... فإن سمعته تحسبه طنينا
فليس بمبصر أحد أخاه ... وما هو سامع منه الأنينا
فصار الحزن من دك سهولاً ... وصار السهل من جثث حزونا
لو انقشع الدخان بدت أمور ... ترد المرد شيبًا منحنينا
جيوش كيفما العين استدارت ... تراهم يظهرون ويختفونا
كأن الأرض بالأبطال حبلى ... تدفعهم حيارى صارخينا
فلا حجر تراه العين إلا ... يحجب خلفه منهم جنينا
كأن حجارها الصم استحالت ... رجالاً بالحديد مسربلينا
فلا واد بتك الأرض إلا ... ويخرج من معاطفه كمينا
كأن عقولهم ذهبت شعاعًا ... فليس لهم بها ما يرهبونا
فكل فتى غدا أسدًا هصوراً ... وموطئ رجله أضحى عرينا

____________________________________

(1) المبير: المهلك.
(2) الحفير: القبر.
(3) المزير: الشديد القلب والقوي النافذ.
(4) أعتاد الحرب: أدواتها وعدتها.
(5) المعاقل: الحصون , وتمور: تهتز وتميل إلى السقوط.
(6) يغذ: يسرع في السير.
(7) القزم: الزمير القميء الصغير الجثة الذي لا غناء عنده.
(8) الصياصي: جمع صيصية وهي مرتفعات الأرض والمشارق التي يمتنع بها.


مجلة المنار المجلد العاشر / الصفحة:61