الجمعة، 9 ديسمبر 2016

على أبواب الثلاثين للشيخ الأديب علي الطنطاوي


نشرت أول سنة 1939

نظرت اليوم في سجل ميلادي فوجدتني على أبواب الثلاثين، فتركت عملي وجلست أفكر: ماذا بقي لي من هذه السنين الثلاثين يا أسفى؟ 

لم يبقَ إلاّ ذكريات واهية تحتويها بقية قلب تناثرت أشلاؤه على سفوح قاسيون في دمشق، ومسارب الأعظمية في بغداد، وغابات الصنوبر في لبنان ... أي والله، وعلى طريق الأهرام في مصر، وضفاف «الشط» في البصرة، وحوائط النخيل في يثرب ... أشلاء من قلبي وأشلاء. 
فماذا أفدت من عمري الضائع وشبابي الآفل؟ لا شيء! لا مجد ولا مال ولا بنين. 
لم أفد إلاّ اسماً مشى في البلاد فحمل قسطه من المدح والذم والتمجيد والشتم، ولكني كنت في معزل عن هذا كله فلم ينلني منه شيء. 
إن اسمي ليس مني؛ إنه مخلوق من حروف، ولكني إنسان من لحم ودم. 
فهل تشبعني الشهرة، أو يكسوني الثناء؟ 
ولم أملك إلاّ قلباً أحبَّ كثيراً وأخلص طويلاً، ولكنه سقط كَلِيماً على عتبات الحب والإخلاص، ورأساً حشوته بما وجدت من العلوم والمعارف، فأثقلته علومه عن التقدم فاحتلت مكانَه الرؤوسُ الخفيفة الفارغة!
فيا ليتني علمت من قبل أن الحياة مثل اللجة، يطفو فيها الفارغ ويرتفع، وينزل الممتلئ ويغوص!

* * *

أني لأتصور الآن كيف كنت أنظر في طفولتي إلى أبناء الثلاثين، أولئك الشباب الكُمَّل الذين بلغوا قمة الحياة وعرفوا الاطمئنان والاستقرار، فأجد بيني وبينهم بوناً شاسعاً وأرى أني لن أبلغ الثلاثين أبداً ... ذلك لأن كل ما أعلمه أني وُلدت وأنا ابن أربع سنين، فأُدخلت المدرسة، فكنت أعيش فيها سنة لأنجح في الامتحان وأرتقي من صف إلى صف وأستمتع بالعطلة. 
فلما أكملت دراستي العالية ولم يبقَ من مدرسة ولم يبقَ امتحان وقفت فلم أتقدم، وفقدت غايتي فلم أعد أحسُّ أني أعيش. 
ثم تلفتُّ إلى الماضي أعيش بذكراه، فأصبحت كلما انقضى عليّ عام رجعت فيه سنة إلى الوراء، فأنا أصغر كلما كبرت، وأدنو من الطفولة كلما نأيت عنها.
فمتى أبلغ الثلاثين، وأين أحط رحالي بعد هذا المسعى؟

* * *

وغشيت قلبي غاشيةٌ من غمّ، فأشعلت عوداً من الكبريت لأوقد المدفأة -وكنت في ذَهلة- فسرت النار في العود، ثم تأججت وتوقدت وأنا أنظر إلى اللهيب جامد العين محدقاً في عالم بعيد الغور، حتى أحسست بحرارة النار في يدي، فانتبهت وألقيت العود، فإذا هو قد استحال إلى فحمة سوداء ضعيفة تطير مع النسيم ... فقلت: هذه هي الحياة؛ إن الألم الذي أحسسته يلذع نفسي هذه العشية كلذع النار إصبعي، سينتهي بي إلى مثل هذا المصير. سأمضي كما مضى هذا العود، ولكني لا أخلِّف ورائي شيئاً. لن أدع مالاً ولا جاهاً ولا عملاً، لأني اشتغلت -واحسرتى- بالأدب!
ويا ليتني تفرغت -بعدُ- للأدب ولم يستغرق حياتي الكدحُ للعيش. إني لم أعمل شيئاً؛ إن في رأسي وقلبي شيئاً كثيراً، ولكنّ قلمي مكسور، ودواتي جافة، ولساني مشدود بنَسْعة، فأنا لا أستطيع أن أقول ...

عندي ألحان كثيرة فأنا أحب أن أغني، ولكن الغناء يستحيل -من الضيق- إلى زفرات تخرج مقالات، فيحسبها الناس ألحاني كلها، إلاّ أن ألحاني لا تزال في صدري لم يسمعها بشر. 
وماذا ينفعني أن يسمعها الناس فيطربوا ويصفقوا وأتفرد أنا بالخيبة والألم؟ 
إن الناس لا يألفون إلاّ الأغاني الفارغة المدوية، فلتبق أغانيَّ العذبة في صدري، أسمعها وحدي من غير أن يتحرك بها لساني لأن لساني مشغول بإلقاء الدرس.
كل ما أكتب زفرات متألم وإشارات أخرس، فهل يأتي اليوم الذي تنحسر فيه الزفرات عن الأغاني، والإشارات عن الألفاظ والمعاني؟

* * *

على أن هذه الزفرات وهذه الإشارات عزاء نفسي، فكم لهذه «الرسالة» من فضل عليّ، وكم من الفضل لهؤلاء الأدباء الذين يستطيعون أن ينقلوني من دنياي هذي الضيقة إلى دنيا واسعة تطير روحي في أجوائها حرة طليقة، أمثال الرافعي ومعروف والزيات! فهل يدري الزيات، أو هل يدري معروف الأرناؤوط، أني طالما أصرمت الليالي الطويلة في فرتر ورفائيل (1) وسيد قريش وعمر ابن الخطاب (2) وأني طالما لجأت إليها أقرع أبوابها وأتوارى وراء أسوارها في جنان سحرية، لا أستطيع أن أصفها بأكثر من إعلان العجز عن وصفها؟ 
فأيّ عالم في رأس معروف، وأيّ دنيا في صدره؟ 
وأيّ نبل وسمو في هذه اللغة، لغة معروف ولغة الزيات ولغة الرافعي، هذه التي تتيه بجواهرها ولآلئها، على حين تمشي لغات كتاب العصر بأسمالها البالية ومزقها المخرَّقة ... لغة فخمة تشعرك بالسيادة والعظمة، لا كهذه اللغات الهزيلة العارية.
وكم من الفضل لهيكل عليّ، فلقد سلخت في قراءة كتابه «منزل الوحي» أياماً كنت أعيش فيها في عهد النبوة، ولقد مررت بهذه البقاع التي يصفها وأثارت في نفسي عوالم من الذكريات والآمال والخواطر، فإذا أنا أجدها كلها وأجد أكثر منها في كتاب هيكل.

* * *

يا رحمة الله على تلك الأيام! 
أيام كنت أغلق فيها بابي عليّ، ثم أقبل على كتبي أجالس فيها العلماء والأدباء وأجد في حديثهم الصامت لذة ومتاعاً. 
كنت أقرأ لأني كنت أجهل الحياة، فلما عرفتها لم أعد أطيق قراءة ولا بحثاً. 
ولماذا أقرأ؟ 
ولماذا أتعلم؟ 
ولماذا أكون فاضلاً؟ 
والحياة حرب على أهل العلم والفضل، والناس كالحياة لأنهم أبناؤها وتلاميذها!

ألا يحيا الكاذب المنافق سعيداً موقراً ويموت الصادق الشريف فقيراً محتقَراً؟ 
ألا يُصدّق الناس الشيخ المشعوذ لأنه يدخل إلى نفوسهم من باب الدين ويُكذّبون العالم الفاضل؟ 
أليس طريق الشعبذة (3) وادعاء الكرامات والمَخْرَقة على الناس بعلم أسرار الحروف واستحضار المردة واستخراج الجنّ من أجسام بني آدم، آثرَ عند عامة الناس من العلم الصحيح والأدب المحض؟ 
ألا يتمتع هذا اللص بالثقة التي لا يحلم بها عالِم متخصص أو باحث مدقق، وتنهال على يده الأموال وتزدحم على يده الشفاه؟ 
ألا يبلغ المنافق ذو الوجهين أعلى المراتب وأسماها ويبقى الصادق الشريف في الحضيض؟ 
ألا يركب الجاهل السيارة الفخمة ويسكن القصر العظيم ويحتل المرتبة العلمية العليا، ويمشي العالم إلى بيته الحقير لا يدري به أحد؟ أليست أسواق الرذيلة عامرة دائرة، وأسواق الفضيلة داثرة بائرة؟
ألا يظفر الكاذب المفتري بالبريء؟ ألا يغلب القوي الضعيف؟ ألا ينتصر المال على العلم؟
فلماذا أقرأ؟ 
ولماذا أتعلم؟ 
ولماذا أكون فاضلاً؟

* * *

وقمت وقد صفَّيْتُ حسابي مع الحياة، فإذا أنا قد خسرت ثلاثين سنة هي زهرة عمري وربيع حياتي ولم أربح شيئاً!

* * *
_______________________________

(1) «آلام فَرتر» لغوتة و «رُفائيل» للامارتين، ترجم كليهما عن الفرنسية أديبُ العربية وصاحب الرسالة: أحمد حسن الزيات. و «سيد قريش» في ثلاثة أجزاء و «عمر بن الخطاب» في جزأين لمعروف الأرناؤوط، ولجدّي وصف له في غاية الطرافة في الحلقة 35 في «الذكريات»، قال: "ولما شرع يؤلف «سيد قريش» لم يكن قد جدد دراسته للتاريخ، فكان مستشاره الحاج (فلان)، وهو رجل قرأ في زمانه التاريخ ونسيه، ثم نسي أنه نسيه ... "، إلى آخر المقالة. (انظر الذكريات: 2/ 5 وما بعدها) (مجاهد).
(2) ثم رأيت ذلك كله عبثاً، وأن النافع ما نفعك في آخرتك.
(3) الشعبذة والشعوذة بمعنى واحد في اللغة (مجاهد).

من حديث النفس 99 إلى 104
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق