الجمعة، 9 ديسمبر 2016

أنا والقلم للشيخ الأديب علي الطنطاوي



سألني أحد الإخوان الذين يقرؤون هذه الذكريات، فقال: 
لقد قرأتُ في الحلقة (22) وما قبلها أنك تلقّيت العربية عن الأساتذة الجندي والمبارك وسلام، وقبلهم قرأت النحو والصرف على المشايخ صالح التونسي وأبي الخير الميداني وأبي الخير القوّاس، فعمّن أخذت الإنشاء؟ 
وكيف تعلّمت الكتابة؟


فورد عليّ ما لم أُعِدّ له جواباً، لأنه ما خطر هذا السؤال يوماً على بالي ولا قدّرت أنني سأُسأله، وقعدت أفكّر فقلت: صحيح والله، كيف تعلّمت الكتابة؟
ما أخذتها عن أستاذ. 
وليست الكتابة علماً يُتلقّى عن الأساتذة كما يتلقى الطالب النحو والصرف والفقه والأصول، وما كان في أساتذتنا من يُعَدّ من أرباب الأقلام أو يُحسَب مع الكتّاب. 
وكلّ هؤلاء الذين سَمّاهم الأخ السائل والذين استمددت منهم معرفتي بالعربية ما كان فيهم من يُحسِن الكتابة، حتى الأستاذ الجندي فإنه على كثرة مصنّفاته كان عالِماً لا كاتباً، وليس العالِم كالكاتب؛ الكاتب هو الذي يُخرِج لك مكنون نفسه حتى تراه ظاهراً لعينك، ويصف لك المشهد الغائب عنك حتى تُبصِره أمامك، ويملك الفكرة فيتصرّف بها تصرّف المالك حتى يُدخِلها ذهن الشاكّ أو المُنكِر أو المعارض كما يُدخِلها ذهن الموافق أو الخليّ. هو الذي يملك عيناً كعين المصوّرة (الكاميرا) تسجّل كلّ جميل في الكون أو قبيح وكلّ محبوب في النفس أو مكروه تسجيلاً يخلّده ويُبقيه، كما يسجّل وقائع الناس وطِباعهم وخلائقهم. 

ثم إن الكتابة كالطبّ صارت إخصاء (أي اختصاصاً) فلم يَعُد الطبيب يداوي الأمراض كلها في الأعضاء كلها، بل لم نعُد نجد طبيباً داخلياً (باطنياً) عاماً، بل صار لكل عضو إخصائي (أي اختصاصيّ) ولكل مرض إخصائي.

وكذلك الكتابة؛ فكتابة صحفية، وكتابة أقصوصة أو قصّة أو رواية، وكتابة مسرحية، والكاتب المسرحي إما كاتب مآسٍ وفواجع (تراجيديات) أو كاتب يرسم البسمات على الشفاه ويستخرج الضحكات من الأعماق. ثم إن ذلك كله إمّا أن يكون بالأسلوب الواقعي الذي يمشي على الأرض ويصوّر أحوال أهلها، أو الذي يعلو في جِواء الخيال أو يقيّد شوارد الأحلام، أحلام اليقظة أو المنام، وإمّا أن يعرض الصورة كاملة أو يجعل لها رمزاً (سمبول) يدلّ عليها ويشير إليها.

وأصناف أخرى لا أريد، بل لا أقدر أن أستقريها وأتقصّاها، وليس في أساتذتي ولا في مشايخي من كان في شيء من هذا.
حتى دروس الإنشاء في المدرسة لم أستفِد يوماً منها ولا نبغت يوماً فيها، وما نلت فيها الدرجة الكاملة في الامتحان قط.
لماذا؟ لأنهم كانوا يكلّفوننا الكتابة في موضوعات غريبة عنّا بعيدة عن أذواقنا ومشاعرنا، ويطلب منّا الأستاذ أن نفكّر برأسه هو وأن نُبصِر بعينه، وأن نُغمِض عيوننا نحن ونعطّل تفكيرنا. 
وكان بعضهم يحدّد لنا حداً لا نجاوزه من عدد الأسطر أو الصفحات. 
فمَن رأى فكراً أو شعوراً يوزَن أو يُكال أو يُقاس؟ 


ولقد كنت أعجب دائماً من الأستاذ الزيات، كيف تأتي افتتاحية للرسالة في حيّز معيّن لا يزيد عليه ولا يكاد ينقص منه مهما يكن الموضوع.
ومن أمثلة ما كان يُطلَب منّا أن نكتبه أن أستاذنا الجندي (عليه رحمة الله) كلّفنا يوماً أن نكتب في ««وصف روضة». 
فنبشت ذهني ونثرت ما في مخزون ذاكرتي، فما وجدت فيها صورة «روضة» إلاّ «قهوة الروضة» في حمص. 
فما الذي أصفه؟
وكنت أعرف في بساتين دمشق بستاناً لأخوالي من آل الخطيب، إذا ولجت بابه الخشبي رأيت أمامك «مَزْبَلة» (1) وإلى جنبها ساقية عَكِرة، يتجمّع ماؤها في بِرْكة أقلّ ما يُقال فيها إنها ليست نظيفة، وعند مدخل البستان أشجار ضِخام من الجوز تحوم حولها الغربان (2).
فلما رأى الموضوع أخرج القلم الأحمر، وملأ الصفحة بمثل دماء الجروح من كثرة الخطوط الحُمر. 
قلت: فما الذي أنكرتَه يا سيدي؟ 
قال: ساقية عكرة، وغربان؟! هلاّ ذكرت ماءً كذَوْب اللُجَين تلمع فيه حصى كاللآلئ؟ وهلاّ جعلت على الغصون العنادل والبلابل؟
قلت: يا سيدي، لقد وصفتُ ما أبصرتُ. 
وأنا لم أشاهد في عمري ماء كأنه ذوب اللجَين ولا حصى «يرُوعُ حاليةَ العذارى فتلمَسُ جانبَ العَقدِ النظيم»، وما عرفت العندليب ولا البلبل. 
أفأصفُ ما لم أرَ ولم أعرف؟
ولكن الأستاذ لم يُعجِبه ما قلتُ ولا ما كتبت!

* * *

وكان الذين يكتبون عندنا قلائل، وما يصل إلينا من مصر من الكتب والمجلاّت قليلاً أيضاً، ولا أمدّ إليه يداً لأن الأستاذ كان يحذّرنا منه لئلاّ تفسد به مَلَكاتنا ويسري اللحن إلينا؛ لذلك اقتصرَت قراءاتي إلى آخر الدراسة الثانوية على كتب الأدب القديم، فقرأت «الأغاني» كلّه (وإن لم أفهمه كلّه) و «العقد الفريد» و «البيان والتبيين» وما كان في مكتبتنا من أمثال هذه الكتب وما كان فيها من دواوين الشعراء، ولم أعرف من الأدب الجديد إلاّ ما كتب المنفلوطي في «النظرات» و «العبرات» وما تُرجم له فصاغه بقلمه من القصص والروايات، ومجلّة «الرابطة الأدبية» التي تكلّمت عنها في الحلقة (22) من هذه الذكريات.

والمنفلوطي سَلِس العبارة ضحل المعنى، ليس لأفكاره عمق ولكن على ألفاظه طلاوة، كثير الترادف، خَطابي الأسلوب، ومقالته «تأبين فولتير» التي صاغ فيها ما تُرجم له عن فيكتور هوغو هي في رأيي النموذج الكامل للأسلوب الخطابي الذي كان الغالب على نثر هوغو. 
ومن قرأ كتبه (أي هوغو) «قبل المنفى» و «أثناء المنفى» وخطبه في مجلس النوّاب ومرافعاته في المحاكم، لا سيما دفاعه عن ولده، رأى دليل هذا الذي أقوله. 
ولو أتقن هوغو العربية وكتب بها تأبينه فولتير لما جاء بأعظم ولا أكرم ممّا كتب المنفلوطي. هذا رأيي أنا.
وما أحدٌ ممّن كان من لِداتنا ومن أبناء عصرنا إلاّ تأثّر يوماً بالمنفلوطي و «نظراته». أما «العبرات» فأكثر قصصها بدائية مصطنَعة. 
وليست البراعة أن يموت الولد من المرض فتموت الأم من الحزن ويموت الأب من الندم ويموت أهل الحارة من البكاء ... بل البراعة أن يسخن الطفل قليلاً ولا تدري أمه وهي وحدها في الدار ما تصنع له، فتسهر معه: تضمّه إلى صدرها وتحاول أن تدفع عنه المرض بعاطفتها. 
إن وصف حال الطفل والأم أصعب من أن نجعل من هذا المرض وباء يقتل أهل البيت والجيران، ويدَع الناس كأنهم في هيروشيما يوم ارتكب فيها ناس من البشر الجريمة التي لم يرتكب مثلَها نيرون ولا هولاكو، ولا إبليس نفسه.


وما كنّا نعرف من الكتّاب إلاّ العقّاد والرافعي والمازني وطه حسين والزيات وحسين هيكل وأمثالهم، عرفنا بعض كتبهم التي وصلَت إلينا (كالمطالعات والديوان وحصاد الهشيم)، أمّا كتّاب الشام فقد عرفنا منهم محمد كرد علي في خطط الشام وغرائب الغرب، وشكيب أرسلان، ومحبّ الدين الخطيب، وأعضاء الرابطة الأدبية وأمثالهم. 

فهل أستطيع أن أقول إنني قلّدت في الكتابة واحداً منهم ومشيت على أثره وتبعته في أسلوبه؟ 
هذه كتاباتهم وهذه كتابتي، فما منهم من أشبهَت كتابتي كتابتَه حتى أكون قد قلّدتُه. وكان أهلي علماء ما كان فيهم كاتب إلاّ خالي محبّ الدين، فهل قلّدتُه؟ 
إن أسلوبه غير أسلوبي، فمن أين إذن جئت بهذا الأسلوب؟ ما عندي عن ذلك إلاّ نصف العلم، ونصف العلم «لا أدري»!

أنا في العادة أخجل فأهضم نفسي حقّها بهذا الخجل، ومن حقّي أن أقول: إن الأسلوب الذي أكتب به والأسلوب الذي كنت أخطب به كلاهما جديد، قلّدني فيه كثيرون وما قلّدت فيه أحداً، وكذلك الأسلوب الذي كان ينظم به أخي أنور العطّار رحمه الله.
أنا لا أنكر أني تأثّرت حيناً بالمنفلوطي وحيناً بالرافعي وحيناً بالمازني، لا سيما في قصّة «سانين» (وهي قصّة سيئة لكاتب روسي ترجمها من قديم عن الإنكليزية ونشرَتها سلسلة روايات «مسامرات الشعب» من أكثر من نصف قرن)، وحيناً بجبران، ولكن هذا كلّه كان عارضاً لم يستمرّ طويلاً. 
وكنت معجباً أشدّ الإعجاب بالرافعي، ولكن تبدّل نظري إليه وحكمي عليه، وخير ما كتب «تحت راية القرآن» و «وحي القلم»، أمّا ما يسمّيه فلسفة الحب والجمال في مثل «رسائل الأحزان» و «السحاب الأحمر» و «أوراق الورد» فأشهد أنه شيء لا يُطاق، يتعب فيه القارئ مثل تعب الكاتب ثم لا يخرج منه بطائل.

وكنت معجَباً بالزيات، ولا أزال معجَباً به، وإن كان يحسّ القارئ بأنه يَتعب بتخيّر ألفاظه ورصف جُمَله. 
أما زكي مبارك فأحسب أنه صاحب أجمل أسلوب، تقرؤه بلذّة ولا تكاد تجد فيه فائدة! ولقد قرأت كتابه «ليلى المريضة في العراق» خمس مرّات، وما فهمت ما ليلى هذه؛ أهي حقيقة أم رمز؟ 
وهل يصف واقعاً أو يسرد خيالاً؟ 
ماذا يريد أن يقول، ما عرفت ولا وجدت من عرف. 
ولكنه -على ذلك- كلام جميل جميل.

وممّن عرفت مَن يكتب المقالة الواحدة في يوم كامل أو في أيام عِدّة، كالرافعي (كما قال عن نفسه في مقالته «دعابة إبليس»)، والزيات كما عرفته لمّا كنت معه. 
ومنهم من يكتبها في جلسة واحدة، لا يمسح القلم ولا يُعيد النظر في جملة، كالمازني وزكي مبارك في أكثر أحواله. 
وكان الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيّد» يكتب المقالة التي تهزّ البلد أو ترجّ أركان الحكومة وهو يحدّث زُوّاره ويكلّم مَن حوله، و «لكلّ امرئ من دهرِهِ ما تعوّدا».

* * *

لمّا كنت أدرّس الأدب والإنشاء كنت أجد التلاميذ يبدؤون كل موضوع من فوق، من "أشرقَت الغزالة على الدنيا بأشعّتها الذهبية" ... فكنت أقول لهم: ابدؤوا من تحت، من الأرض؛ اكتبوا عمّا ترونه وتُحسّونه، أنا أفضّل الأدب الواقعي على الخيالات والأوهام. فيمتثلون ولكن لا يقتنعون، فكانوا كثيراً ما يسألونني: كيف ندخل في الموضوع؟ 
كيف تدخلون؟ 
من الباب! الذي تريد أن تقوله قُله بلا مقدّمات.


كان أبعد ما يطمح إليه الناشئ أن ينشر ما يكتب. 
ولم يكن ذلك سهلاً، فقد كانت الجرائد (عندنا في الشام مثلاً) أربعاً، كلّ واحدة بأربع صفحات صفحة منها للمقالات. 
فكان المجال ضيّقاً ولكن كان الجائلون فيه قليلين، وفي كتابي «من حديث النفس» فصل عنوانه «أول مقالة نشرتها»، وأنا أكتب هذه الحلقة والكتاب بعيد عني لذلك ألخّص لكم الفصل بكلمة.

كان ذلك على ما أذكر سنة 1345، وقد كتبت مقالات كثيرة ثم شققتها ولم أسعَ إلى نشرها. وكيف أنشرها وأنا بطبعي متردّد معتزل؟ 
بل أنا خجول من الدخول، فإذا صرت بالداخل تبدّل الخجل جرأة. 
فشجّعت نفسي وحملت المقالة إلى دار «المقتبس»، والمقتبس هي المجلّة التي أنشأها أستاذنا محمد كرد علي في مصر ثم حوّلها جريدة يومية وأقام أخاه أحمد (أبابسام) عليها، وكانت في السنجقدار. 
فصعدت السلّم وأنا متردّد متهيّب أتشجّع فأُقدِم ثم أفكّر فأُحجِم، أصعد درجة وأقف وأهم بالهبوط ثم أعاود الصعود، حتى صرت فوق، وإذا أنا أمام الأستاذ أحمد كرد علي. 
فنظر إليّ فرأى فتى في الثامنة عشرة، فرحّب بي ودعاني إلى القعود فقعدت، ونظر إليّ متسائلاً فقلت: عندي مقالة أريد نشرها.
ولم يكن أحدٌ من الشباب ينشر مقالات في الصحف، إنما كان ينشر فيها كتّاب معدودون لا يزيدون. 
فعجب ومدّ يده إليّ فقمت فدفعت بها إليه، وقعدت وقلبي تُسمَع دقّاته، لقد كنت كالمتّهَم الواقف أمام القاضي لا يدري أيُحكَم عليه بالسجن أم يُحكَم له بالبراءة. 
وقرأها متمهّلاً وهو يسارقني النظر وأنا قاعد على مثل الحديد المُحمى، ثم قال: عظيم، أنت كتبتَها؟
وكان في سؤاله رنّة الشكّ، كأنه يحسب أني سرقتها أو أنها كُتبَت لي. 
قلت: نعم. 
قال: لا أريد إتعابك، ولكن ما دمت قد جئت فهل تحبّ أن تعطينا نصف ساعة تساعدنا فيها أم أنك على موعد؟ 
قلت: بل أساعد. 
قال: شكراً تفضّل. 
ودفع إليّ مجموعة من البرقيات لرويتر وهافاس (وكانتا هما الشركتين اللتين تتولّيان نشر الأخبار) وقال: أرجو أن تقرأها وتصوغ منها مقالة قصيرة تلخّصها وتجمعها فيها. وكان يريد امتحاني، قلت: حاضر.
وما مرّت ربع ساعة حتى ناولتُه المقالة المطلوبة، وكان قلمي يومئذ أسرع من ذهني، وكان ذهني في ثورة متوقّدة في مضائه وسرعته. 
فدهش وقال: شكراً، غداً تقرأ مقالك منشوراً. 
وخرجت وأنا لا أكاد أبصر طريقي من الفرح، أريد أن يعرف الناس كلهم أن مقالي سيُنشر غداً وتحته اسمي! 
كنت أشعر أنني أمشي على الأرض ولكن لا أمسّها بقدمي، كأني راكب «حوّامة» في يوم لم تكن قد عُرفَت فيه الحوّامات. 
ولم تذُق عيوني تلك الليلة طعم المنام؛ كنت أرقب الصبح حتى أرى الجريدة ومقالتي فيها. 
وذكرت كل ما كنت أحفظ من الشعر في الشكوى من طول الليل، وكنت أحفظ الكثير.
وكانت الجرائد تصدر بعد الظهر، فجعلت أدور حول دار الجريدة، حتى إذا صدرَت أخذتها وخفقان قلبي يكاد يطغى على أصوات الشارع، ووقفت إلى جانب الجدار وقلّبتها بلهفة، فإذا المقالة فيها وقد قدّم لها مقدّمة ألبسني فيها ثوباً أكبر مني (3).

* * *

يا أسفي على أيام الصبا ولذّات الصبا! 
لقد نشرت بعدها أكثر من ألف، بل أكثر من ألفَي مقالة، ولكن ما أحسست يوماً بمثل تلك الفرحة. 
وأنا أكتب المقالة الآن كأني أؤدّي واجباً ما من أدائه بُدّ، وأبعث بها، أو أُملِيها بالهاتف فيسجّلها الأخ طاهر أبوبكر وأحياناً الأخ وهيب غراب، ثم ينسخها ثم يتفضّل بقراءتها عليّ، وأطمئنّ إلى خلوّها من الأخطاء، فإذا دخلَت المطبعة لحقَتها الأخطاء من حيث لا أدري.

إنه لا يؤذيني شيء كما تؤذيني أخطاء الطبع، وأشدّها ما كان فيه تبديل كلمة بكلمة. 
لقد كتبت في الحلقة الماضية «العشرينيات» وقلت لهم مؤكداً: «العشرينيات» بصيغة النسبة لا «العشرينات»، فلما قرأتها مطبوعة إذا هي «العشرينات»! لقد قاسيت من هذه الأخطاء ما يُعَدّ من «الأشغال الشاقّة» التي يُحكَم بها مع السجن على المجرمين!
تأتي المقالة منشورة وأقرؤها لأطمئنّ عليها، ثم أعود فأقرؤها لأستمتع بها، ثم لا أستطيع أن أعود إليها أبداً. 
وإني لأكتب الحلقة من هذه الذكريات ولا أكاد أذكر ما قلت فيما كان قبلها، لذلك تأتي بعض الحوادث مكرّرة مُعادة.

* * *

اقترح عليّ أحد المحبّين أن أنشر «المجموعة الكاملة» لكلّ ما كتبت، فقلت: هيهات! لقد كتبت في جرائد ومجلاّت ما عندي منها نسخة واحدة، كتبت سنة 1935 في جريدة «الجزيرة» عند الأستاذ تيسير ظبيان رحمه الله (لمّا كانت تصدر في الشام) مقالات ما عندي منها شيء، وكتبت في «المكشوف» عند فؤاد حبيش مقالات ما عندي منها شيء، وفي «الثقافة» عند الأستاذ أحمد أمين، وفي مجلاّت وجرائد نسيت حتى أسماءها.

وقد طُبع لي إلى الآن ما يقارب الأربعين كتاباً، وأحسب أن الذي ضاع يملأ أربعين كتاباً آخر (4). 
أمّا أحاديثي في الإذاعة والرائي فإنها لو جُمعت لجاءت في خمسين كتاباً، ولكني لا أملك صوراً عنها وأكثرها ما كتبتها أصلاً.
وأسأل الله أن يكتب لي بعض الثواب عليها.

* * *

_________________________________________

(1) ولا يُزعِجْك اسم المزبلة، فإنها تُباع بالذهب لأنها سماد طبيعي يخمّرونه ليسمّدوا به الأرض فتُخرِج الحَبّ والثمر، وهي بنت عمّ «الدّمْنة» التي امتلأت بذكرها روائع الأشعار.
(2) يريد أنه كتب موضوعاً يصف فيه تلك المزبلة (مجاهد).
(3) سبقت الإشارة إلى هذه المقالة في الحلقة الرابعة والثلاثين من هذه الذكريات (مجاهد).
(4) بعد وفاة جدي رحمه الله صدرَت -بتوفيق من الله- ثلاثة كتب ضمّت مقالات سبق نشرها (أو سبق نشرُ أكثرها) في صحف ومجلات لكنها لم تصدر في كتب من قبل، وهي «فصول اجتماعية» و «سيد رجال التاريخ محمد صلى الله عليه وسلم» وجزءٌ ثانٍ من كتاب «مقالات في كلمات». وقد أعددت من قريب كتاباً جديداً سمّيته «نور وهداية»، وكدت أنتهي من ثلاثة كتب أخرى أرجو ألاّ يتأخر صدورها، وهي «مباحث إسلامية» و «فصول في الدعوة والإصلاح» و «فصول في الثقافة والأدب»، وربما استطعت أيضاً إصدار جزء ثان من «فصول اجتماعية».أما أحاديث الإذاعة والرائي فلم أستطع أن أُخرج إلى اليوم غير كتاب واحد منها، هو الجزء الثاني من «الفتاوى». وقد وضعت خطة للعمل في أحاديث رمضان (على مائدة الإفطار) التي أرجو أن تصدر في عدة أجزاء، إلا أنها لن تخرج على الناس قريباً لأن العمل بها صعب عسير يحتاج إلى وقت وجهد غير قليل (مجاهد).


ذكريات 3/ 182 إلى 191
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق