الخميس، 1 ديسمبر 2016

الإسلام في أوربا الشرقية في أمسية الغزو المنغولي (1016م - 1223م)



للأستاذ المؤرخ أرسلان يوهد انووكز
بقلم الأستاذ علي محمد سرطاوي

(يعرف التاريخ أن كثيراً من البوذيين أو المسيحيين قد اعتنقوا الدين الإسلامي، ولكن هذا التاريخ لا يعرف أن المسلمين قد اعتنقوا البوذية أو النصرانية).
الأستاذ و. بارتولد - جامعة بطرس برج

الذين يعنون بدراسة أوربا الشرقية يعرفون أن الدين الإسلامي قد بدأ يتغلغل في مملكة الخزر (وهي المنطقة الواقعة بين مصب نهر الفولجا والدون) من القرن الثامن الميلادي؛ وفي بداية القرن الحادي عشر أصبح له أتباع كثيرون، ولعله أصبح - وإن لم يكن صاحب النفوذ السياسي - الدين الذي يعتنقه أكبر عدد من الناس. ويعرفون أيضاً أن الإسلام في مملكة الفولجا البلغارية (جمهورية التتار السوفيتية في الوقت الحاضر)، قد أخذ ينتشر في نهاية القرن التاسع، وفي النصف الأول من القرن العاشر، حتى أصبح وطيد الأركان، شامخ البنيان.

وعلى ضوء ما تقدم، ويطيب لنا أن ندرس مصير الإسلام في هذين البلدين أثناء القرنين السابقين للغزو المنغولي، وذلك بين سنة 1016م، وهي السنة التي انهارت فيها مملكة الخزر بصورة نهائية، وسنة 1223م، وهي السنة التي ابتدأ بها الغزو المنغولي الأول.
والأمر على جانب عظيم من الخطورة؛ وذلك لأن أراضي هاتين المملكتين قد أصبحت المركز الرئيسي للدين والسياسة لحياة عصر هؤلاء البرابرة الذهبي؛ هذا القسم من الإمبراطورية المنغولية الذي أخضع لحكمه روسيا حتى نهاية القرن الخامس عشر، والذي غدا فيه الإسلام - في وقت قصير - الدين العام لهذه الإمبراطورية.
مصير الإسلام في المملكة البلغارية على الفولجا لا توجد صعوبة تتعلق بمصير المملكة البلغارية على نهر الفولجا أثناء الفترة التي نتحدث عنها؛ إذ بقيت هذه المملكة حتى الغزو المنغولي، والدين الإسلامي غير منتشر بين الطبقة الحاكمة من الأتراك والبلغاريين فحسب، وإنما بين القبائل الفينية التي يتألف من أفرادها السود الأعظم من السكان. وعلى الرغم من ذلك، فإننا لا نعرف بالضبط المستوى الذي وصلت إليه الثقافة الإسلامية بين بلغاري الفولجا في الفترة نفسها.

وغنى عن البيان أن نشير إلى أن تضعضع المملكة الكيفيانية التي كانت تقع إلى الشمال الشرقي من روسيا الحديثة، والتي كانت تعرف باسم سوزادلي في محاذاة المملكة البلغارية، قد جعل الأخيرة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، المركز الرئيسي للحياة الروسية السياسية. وفي بداية أمسية الغزو المنغولي، أخذت روسيا تمد سلطانها على حساب المملكة البلغارية، حتى استولت عام 1221م على مصب نهر أوكا (أحد الروافد الرئيسية لنهر الفولجا)، وفي السنة نفسها بينت مدينة نجنى نفجورد
وتنحصر المشكلة، تحت وطأة هذه الظروف، في تتبع مصير الإسلام في أوربا الشرقية، في أمسية الغزو المنغولي، في مملكة الخزر.

زالت مملكة الخزر من سجل الوجود عام 1016م، حين هاجمتها القوات البيزنطية والروسية المتحالفة، فهزمت تلك القوات مجتمعة، آخر ملوك الخزر، وتقع أسيراً في أيديها. ومصير الإسلام في أراضي مملكة الخزر السابقة، بعد سقوطها في أيدي أعدائها، لم يدرس الدراسة التي يستحقها، ولم يعن به أحد، كما أعرف، حتى اليوم.
ومرد ذلك إلى قلة المصادر، ليست المكتوبة منها فحسب، وإنما الآثار الإسلامية نفسها، فإنها مشوهة وقليلة جداً. ولكي نفهم هذا الأمر فهماً دقيقاً، علينا أن نذكر أن أراضي مملكة الخزر السابقة قد صارت مسرحاً لحروب دامية ومدمرة، كانت تمحو من الوجود مدناً بأسرها، وتتركها أنقاضاً، وتنشأ فوقها في كثير من الأحيان، مدن حديثة.
ومن المحقق أن هذه الأنقاض تؤلف مصدراً خصباً للآثار الإسلامية، وأن عمليات التنقيب، لأسباب لا يتسع المجال لذكرها، لم تتجاوز في أحسن أوقاتها، المراحل الأولى، وفي كثير من الأماكن المهمة لم نبدأ أبداً. 
ونذكر على سبيل المثال أن موقع عاصمة مملكة الخزر أتيل لما يكتشف.
ولما كانت المدن التي بناها هؤلاء البرابرة في عهدهم الذهبي، قد قامت على أنقاض مدن مملكة الخزر التي هدموها، لذلك كثيراً ما كانت نتيجة التنقيب، لا تتجاوز الطبقات التي تتصل بعهد أولئك البرابرة الذهبي. أما الطبقات التي بحثها، والتي تقص حكاية مصير الإسلام في ثناياها، في الفترة التي نتحدث عنها (1016م - 1223م) قلما تصل إليها أيدي المنقبين.

غير أن النقص في هذه المقدمات التي تعين على الدراسة هذه المشكلة التاريخية، ينبغي أن لا يبقى عقبة تبرز إهمال هذه الدراسة. 
وعلى النقيض من ذلك يجب أن تحفز هذه الحقيقة رغبتنا، وتبعث فينا حب الكشف عن المجهول، وتدفعنا إلى التفتيش عن مصادر لم نفتش عنها قبل اليوم. 
ومن تحصيل الحاصل أن نقوم أنه ينبغي، بادئ ذي بدء، قبل الحصول على معلومات وافية عن طريق التنقيب، أن نلخص ما هو معروف من حقائق التاريخ، لنستطيع رؤية النتائج التي يمكن أن تنشأ عن مقدمات من هذا النوع. 
وهذا ما حفزني إلى محاولة الكشف عن هذه الحقائق الغامضة، التي ليس في استطاعتي قول الكلمة الفاصلة في شأنها، ولكن إذا قدر لي أن أوضح خطوط المشكلة الرئيسية بعض التوضيح، فقد يصيب محاولتي ما أرجوه لها من توفيق.
وسأستعين، بكل ما يتصل بالمصير السياسي لسكان مملكة الخزر السابقة، بنظرية المستشرق الروسي العظيم ف. جريجوريف الذي يعتقد أن أولئك السكان قد اندمجوا بالقبشاك وهم قوم رحل من دم تركي، تطلق عليهم المصادر الأوربية أسم كومانز والمصادر الروسية أسم بولوفرسيس ولسوء الحظ، لم يحاول البروفسور جريجوريف، كما أعرف، دعم آرائه بمصادر يمكن الرجوع إليها، ولذلك لا معنى لنا من إيضاح بعض الغموض الذي يكتنف هذا الموضوع.


أما مصير الإسلام في مملكة الخزر السابقة، فسأحاول أن أوضح أن خضوع هذه المملكة للقبشاك، قد تبعه اعتناق العناصر التي استقرت من بداوتها، عن هؤلاء الناس، الدين الإسلامي الحنيف.
وتحت هذه الظروف، فسأحاول تقسيم هذا المقال إلى قسمين:
(1) اندماج الخزر في القبشاك. (2) اعتناق العناصر التي تحضرت من القبشاك الإسلام في مملكة الخزر السابقة.

1 - اندماج الخزر في القبشاك:
نظر للدور المهم الذي مثله القبشاك في القسم الشرقي من أوربا، والقسم الغربي من آسيا، نرى قبل المضي في الحديث عن هذا القسم، أن نشير إشارة عابرة إلى أهميتهم السياسية في التاريخ.
إن القبشاك هم آخر الجماعات الرحل التي وصلت إلى أوربا من أواسط آسيا، قبل المنغول، بأعداد كبيرة جداً. 
وحين نتحدث عن أهميتهم السياسية يكفي أن نعرف أن هجرتهم قد شملت مساحات هائلة، امتدت من منابع الأرتشي في سيبريا عبر سهوب الكازاخستان إلى جنوب روسيا حتى مصب نهر الدانوب، وعلى الرغم من أن القبشاك لم يتمكنوا من تكوين وحدة اجتماعية، وعاشوا حتى الغزو المنغولي، قبائل متفرقة، بسبب عددهم الهائل، والمساحة المتسعة التي شملتها هجرتهم، إلا أنهم لعبوا دوراً عظيماً في تاريخ البلدان المجاورة، وبصورة خاصة في خوريزم، وجورجيا، وروسيا، وهنغاريا، وبيزنطيا. ومن الضروري أن نشير إلى أن مصر كانت تستمد مماليكها من منتصف القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر من هؤلاء القبشاك بصورة رئيسية؛ ذلك لأن تجار الرقيق من الإيطاليين، كانوا يجلبون من موانئ شبه جزيرة القرم، الرقيق من القبشاك، ويبيعونه بعد ذلك في ميناء الإسكندرية. 
وكما هو معروف في التاريخ، أن السلطان بيبرس (توفى سنة 1277م) أحد أعاظم المماليك كان من القبشاك، وأخيراً أصبح القبشاك يؤلفون الكثرة المطلقة من سكان عصر المغول الذهبي.
أما المستوى الثقافي لأولئك القبشاك فقد كان يتباين كثيراً؛ إذ كان يعتمد، إلى حد بعيد، على قدر اتصالهم بالبلدان المتمدينة من قريب أو من بعيد ومن المحقق أن أولئك الذين عاشوا مجاورين للخورزم، وعددهم كبير جداً، قد تأثروا بالإسلام تأثراً قوياً عميقاً. والسؤال الذي بقى يدور في خواطرنا في هذه المرحلة، أن نبين المصير الذيالإليه الخزر بعد سقوط دولتهم.
لقد اجتاح القبشاك أراضي مملكة الخزر السابقة، فتلاشى بالتدريج أسمهم من التاريخ، ولم يعد لهم إلا بعض الذكر في المدن. 
وقلما تمر بدراستنا بفترة تتصل بأراضي مملكة الخزر السابقة؛ ولا نجد ذكر القبشاك يملأها، وإلى جانبهم، بصورة محدودة ذكر الآلان وهم شعب من أصل إيراني كونوا أقلية كان لها خطرها في مملكة الخزر السابقة. 
والذين لا يزال أحفادهم، حتى اليوم، يعيشون في شمال القفقاس ويعرفون بالأساتسة ولهذا السبب نجد أن رشيد الدين، مؤرخ إمبراطورية المنغول المشهور، حين يتحدث عن وصول المنغول في الهجرة الأولى، للإمبراطورية الشرقية عام 1223م يصف كيف أتوا من إيران عن طريق القسم الشرقي من القفقاس، واضطروا في الشمال إلى كسر شوكة المقاومة القبشاكية والألانية: ومن البديهي أنه لو بقى للخزر سلطان سياسي، للعبوا دوراً مهماً في مقاومة المنغول، ولكان لهم ذكر في تاريخ رشيد الدين. ونجد الحقيقة نفسها، في استيلاء المنغول بصورة نهائية على أراضي مملكة الخزر السابقة في ابتداء السنة الثلاثين في القرن الثاني عشر الميلادي، فلقد كان القبشاك الذين قاوموا المنغول والشعوب الأخرى لا ذكر لها، ومن بينهم الخزر.
والمصادر الفارسية تتحدث من جهة أخرى عن استيلاء القبشاك في شبه جزيرة كرش في أمسية الغزو المنغولي، والتي كانت تحت حكم الخزر.
ومن غير المعقول أن أمة قوية كالغستاف، يمكن أن تترك وراءها أمة محاربة كالخزر دون أن تخضعها أولاً.
وأحسب أننا في غير حاجة إلى الدخول في تفاصيل أخرى بعد ما تقدم لتؤكد أن القبشاك، قلعوا الخزر في المنطقة حتى مصب الفولجا، تلك المنطقة التي كانت المركز السياسي لدولة الخزر، التي ذابت فيهم بالتدريج، والتي ازدهر فيها الإسلام قبل وصول هؤلاء الغزاة الذين سارعوا لاعتناقه.
وسنحاول الآن تبيان أن اندماج الخزر بالقبشاك قد تبعه اعتناق العناصر التي استقرت من هؤلاء الغزاة، مبادئ الدين الإسلامي الحنيف بالتدريج.


2 - اعتناق القبائل القبشاكية التي استقرت في مملكة الخزر الإسلام: -
يعتبر المستشرق الروسي العظيم ف. بارنولد الذي توفى عام 1930 حجة في سعة الاطلاع على مصادر التاريخ الإسلامي في مملكة الخزر السابقة. 
والذي أعرفه أنه لم يحاول مطلقاً، دراسة مصير الإسلام في هذه المملكة دراسة جدية، وكثيراً ما يجد الإنسان بعض الأحيان تناقضاً فيما كتبه عن هذا الموضوع ولكن ما ذكره بصورة عامة عن جبروت الإسلام، وسحره، وما أسهب فيه من الدعاية لذلك الدين بين العناصر التركية، يسند إلى حد بعيد الرأي الذي بسطناه في هذا الموضوع عن اعتناق هؤلاء القبشاك الدين الإسلامي ولا يتناقض معه أبداً وقد رأيت أن أقتبس بالحرف الواحد ما ذكره المستشرق العظيم بارنولد عن هذا الموضوع:
قال بارنولد: (إن المعجزة العظيمة للإسلام، إذا ما قورن بالديانات الأخرى، تتركز في أن العالم الإسلامي كان في تلك الفترة، في مستوى رفيع من الطاقة الثقافية، والرخاء الاقتصادي بين الشعوب المتمدنة. 
وكان هؤلاء الرحل في حاجة مستمرة إلى البضائع المصنوعة في تلك الأقطار المتمدنة. 
وبصورة خاصة إلى الأقمشة. 
وكان الاتجار مع هؤلاء الرحل، في الوقت نفسه، عظيم النفع لتلك الشعوب المتحضرة. لكن هذه التجارة كانت ضرورية لهؤلاء الرحل الذين كانوا يطلبونها من الأقطار الغربية المتمدنة، ولما أصبحت البضائع التي يشترونها من البلدان الإسلامية من ضروريات حياتهم تأثروا بالإسلام، لا عن طريق الدين فحسب بل عن طريق الحضارة الرائعة التي كان يتسم بها ذلك الدين. 
ولم يكن أمامهم غير اعتناق الإسلام ليجعل صلاتهم الروحية والمادية متينة مع تلك البلدان والشعوب الإسلامية.
ولقد أظهر الإسلام صفة أخرى يمتاز بها عن سائر الديانات المعروفة، أثناء الدعاية له بين الترك؛ ذلك أنه على الرغم من قلة عدد اتباعه بالقياس إلى الديانة البوذية والمسيحية، فإنه يمكن لنفسه في قلوب البشر كدين عام للإنسانية، بأوسع ما تحويه هذه الكلمة من معنى، لأنه لا يقصر نفسه على جماعة أو جنس من بني الإنسان. 
إن النجاح الذي صادفته الديانات الأخرى كان في بعض الأحيان أكثر مما وصل إليه الإسلام؛ غير أن ذلك النجاح لم يعمر طويلاً. 
فلقد عرف تاريخ الديانات فيما عرف الديانة المانيكية التي امتد ظلها فوق الأرض وكان لها أتباع ينتشرون من جنوب فرنسا إلى بلاد الصين، غير أن هذا الانتشار لم يكفل لها الحياة فذهبت إلى غير رجعة، ومحيت من سجل الوجود. 
والديانة البوذية ابتدأت بنشاط عالمي، وراحت تنتشر في بلاد الغرب محمولة على أجنحة دعاية قوية، ولكنها انكمشت على نفسها لتصبح ديانة البلدان الراقدة في شرق آسيا. وقبل انتشار الإسلام كان للنصرانية أتباع بين الترك أنفسهم؛ وفي الوقت الذي أوصدت الأبواب من منغوليا أمام الدعاية الإسلامية، اعتنق الديانة المسيحية عدد كبير من الناس الذين كانوا يعيشون في الأجزاء الجنوبية والشرقية والغربية من هذه البلاد، غير أن هذا النجاح ليس لم يكن غير سحابة صيف. 
وفي الوقت الحاضر يبدو أن النصرانية هي ديانة العالم الأوربي؛ غير أن المسيحيين وراء حدود هذا العالم الأوربي، من الناحية العددية والسمو العقلي ليست لهم قيمة في الأمرين بالقياس إلى المسيحيين في أوربا. 
أما الإسلام فلقد أصبح عن طريق ما فيه من صدق، دين الشعوب المتمدنة في أوساط آسيا وشرقها، ويزيد عدد اتباعه وخاصة في الهند، وفي الأرخبيل الأندنوسي عن عددهم في غرب آسيا. 
ويؤلف المسلمون في الصين عنصراً مستقلاً بثقافته الدينية التي تقوم بالتعبير عنها لغتهم الأصلية دون الشعور بالحاجة إلى مساعدات خارجية، على حين أن محاولة الديانة المسيحية التمكين لنفسها في الصين قد باءت بفشل ذريع وخيبة مخجلة. وفي أفريقيا صادفت النصرانية نجاحاً ضئيلاً بالقياس إلى الدين الإسلامي وبين الأحباش، الشعب الأفريقي الوحيد الذي استطاعت الكنيسة أن تجد لها مكاناً فيه. 
امتدت الدعاية الإسلامية إلى المكان نفسه، وصادفت نجاحاً حتى في القسم الأخير من القرن التاسع عشر. 
وخلاصة القول أن التاريخ يعرف أن كثيراً من الشعوب البوذية أو المسيحية قد اعتنقت الإسلام، ولكنه لا يعرف أية جماعة إسلامية اعتنقت البوذية أو المسيحية).



ويثني بار تولد ثناء عاطرا على الدور المهم الذي قامت به الصوفية الإسلامية إن الصوفيين الذين ذهبوا لنشر مبادئ الدين الإسلامي بين الأتراك في سهول الاستبس، قد لاقوا من النجاح أكثر مما لاقاه أولئك الذين ذهبوا للمكان نفسه يبشرون بالأرثوذكسية المسيحية. ومع أن دعاة من الديانات الأخرى، كالبوذية والمانكية، والمسيحية، قد جربوا القيام بدعايات واسعة قبل مجيء المسلمين، إلا لن الدعاية الإسلامية قد لاقت نجاحا واسعا، وخاصة بين الشعوب التي كانت قد عرفت الشي الكثير عن الديانات الأخرى).
ويضيف المستشرق العظيم إلى ما سبق في موضوع آخر من كتابه قوله: (وبسبب سيطرة الثقافة الإسلامية على تاريخ هذه الفترة، فإن كل اتصال بين تعاليم الإسلام، وتعاليم الديانات الأخرى: لم تنشأ عنه غير نتيجة واحدة، هي امتداد ظل الإسلام والتمكين لنفسه في آفاق جديدة. حتى في الزمن الذي تسلط فيه القراقتيون - أولئك المتعصبون الذين كانت الثقافة الصينية عميقة الجذور وبعيدة الغور في نفوسهم، والذين حاربوا الإسلام ولم يعتنقوه، أخذت المناعة التي لديهم ضد الذين تضعف كلما امتد ظلهم على المسلمين، وراح الإسلام يمكن لنفسه في سلطانهم ونفوسهم؛ وهو وإن لم يكن انتشاره على نطاق واسع، كما كان في الفترة المنغولية، إلا أن مجرد الانتشار بين أولئك المتعصبين، يعتبر من معجزات هذا الدين).

رأي بار تولد حول إسلام الكبشاك:
يبدو لنا أن النتيجة المنطقية لآراء بار تولد عن قوة الأغراء العجيبة الكامنة في مبادئ الدين الإسلامي، والتي لعبت دوراً هاماً في إسلام الأتراك، يمكن أن نكون كما يأتي، إن اعتناق عدد لا يستهان به من الخزر لمبادئ الإسلام، قد أبعد بالتدريج كل صلة لهم بالديانات الأخرى بعد خضوعهم للكبشاك، ثم اندماج هؤلاء المسلمين مع الغزاة بعد ذلك قد كانت نتيجته المباشرة عزل المنطقة التي حول مصب الفولجا عن جميع الديانات الأخرى وفي صفحات سابغة من الكتاب نفسه يقول البر فسور بار تولد: (كان لا يزال في الشمال الغربي من آسيا عدد كبير من القبائل التركية الرحل، الذين على الرغم من اتصالهم بالحضارة الإسلامية، كانوا يحملون العداء للدين الإسلامي. ونجح الكبشاك في القرن الحادي شر في توسيع مدى هجرتهم إلى عشر في توسيع مدى هجرتهم حتى وصلوا في تلك الهجرة إلى تخوم البلدان الإسلامية في الجنوب، وأصبحوا جيران الخورزبين.


كيف يمكن تعليل هذا التناقض؟.
ليس من اليسير على، ولا من المبهج لنفسي، أن أخالف الرأي علامة من طراز بار تولد النادر، وأشعر وأنا أفعل ذلك بالشيء الكثير من عدم السرور. 
والذي يشفع لي في تلك المخالفة ويجرؤني على انتقاد آرائه، أن النتائج التي يصل إليها علامة عظيم، إذا لم تدعمها المصادر التي لا مفر من الاستناد إليها (كالتي نحن بصدها)، فإن فقدان تلك المصادر، يولد حالة تنحرف بالحقائق عن مجراها الصحيح، وندفع الآخرين إلى ذلك الطريق الممهد، مهملين التعمق في دراسة المشاكل التي لا يعرف عنها إلا القليل.
والذي أراه أن رأي بار تولد في الأمر، ينبغي أن يفسر كما يأتي: وقبل كل شيء ينبغي أن تعرف أولاً، أنه كان معنياً أشد العناية بتاريخ أواسط آسيا، وحينما امتدتالحوادث إلى القسم الغربي من الفولجا، لم يكن دقيقاً في الإحاطة بها. 
وثانياً فيما يتصل بالقبائل الكبشاكية التي احتلت مملكة الخزر القديمة، فيجب أن نفرق بين الجماعات الرحل وغير الرحل منهم، فإن أولئك الذين امتزجوا بالخرز واستقروا إلى جانبهم، راحوا يعتنقون الإسلام بالتدريج. 
وأولئك الذين بقوا على عهدهم الأول من البداوة، استمروا على وثنيتهم الأولى، أو كان الإسلام عند الذين اعتنقوه منهم، ليس غير طلاء خارجي لم ينفذ إلى مواطن الإيمان من نفوسهم.
ومما يجعل طريقة إسلام الكبشاك غامضة نوعا ما، أن المؤرخين من الروس لم يهتموا بهم كثيراً ولا قليلاً. 
وبهذه المناسبة يجدر بنا أن نذكر أن الأستاذ (ن. بارسوف صاحب المؤلف الرائع (الجغرافيا التاريخية لروسيا القديمة) كان قد أشار منذ مدة طويلة إلى أن مؤرخي الروس كانوا يكرهون التحدث عن الإسلام اشد الكره، وانهم كثيراً ما كانوا - بدافع من بغضهم المتأصل للإسلام - يخلطون بين المسلمين والوثنيين. 
ومن الجديد بالذكر أن بعض القبائل الكبشاكية التي اتصلت بالروس غالبا ما كانت تعتنق المذهب الارتوذكسي. 
وهذا الكلام يصدق فقط على الكبشاك الرحل، أما أولئك الذين سكنوا المجاري السفلى لنهر الفلجا فلا اعتقد أنهم اتصلوا أدنى اتصال بالروس.
ومن حسن الحظ أن أجد تأييداً لما ذهب إليه من مؤرخ روسي آخر يدعى أ. يا كويوفسكي في كتابة عن عصر هؤلاء البرابرة الذهبي نقتطف منه ما يأتي: (أن الغالبية العظمى من الكبشاك عاشت معيشة ارتحالية، غير أن قسما منهم اخذ يستبدل بهذه الحياة الزراعية المستقر تدريجياً. (واستولى الكبشاك على الممتلكات الواسعة التي خلفتها المملكة السابقة، وكان الخزر إذ ذاك يحيون على ضفاف الفولجا حياة زراعية بحتة، واعتاد هؤلاء الغزاة هذه الحياة، ولكنهم راحوا يفقدون لغتهم ومميزاتهم العنصرية. على الرغم من احترافهم الزراعة، وتحضرهم).

ويذكر يا كويوفكسي أن غزو الكبشاك، لم يوفق التجارة بين حوض الفولجا الأسفل والأقطار الإسلامية، تلك التجارة التي كانت منتعشة قبل مجيئهم. وبعد ذلك يمضى في تأييد ما ذهب إليه عن كيفية إسلام الكبشاك حين يقول: (وفي نفس الوقت الذي كانت التجارة آتية من الشرق، كان الإسلام يسير معها، مخترقا مدن الفولجا شيئاً فشيئاً. (وأن اعتناق سكان مدن الفولجا الإسلام، وخاصة المراكز المهمة، مثل بلغار وإتل (عاصمة مملكة الخزر السابقة)، كان نتيجة للأعمال التبشيرية التي قام بها التجار والصناع).

وما أشرت إليه في هذا المقال عن إسلام كبشاك حوض نهر الفولجا الأسفل، يتفق وما جاء في كتاب بار تولد عن إسلام برابرة العصر الذهبي. يقول بار تولد: (لقد كان لثقافة العالم الإسلامي العالمية في ذلك الوقت اثر كبير على إسلام رؤساء الأقوام الذين كانت العقائد المسيحية متغلغلة بينهم، أكثر من تغلغل الديانة الإسلامية بين الكبشاك. أما الأليانين (أو الأوسيتين اليوم فقد كان يصفهم المؤرخون بأنهم مسيحيون. إلا أن ابن بطوطة الرحالة الإسلامي الشهير قابل في سراي (وهي عاصمة مملكة البرابرة)، وتقع في مجرى الفالجا الأسفل، قسيما من الألينين الذين اعتنقوا الدين الإسلامي).

ويصف بعد ذلك بار تولد إسلام ببرك خان شقيق مانوخان (مؤسس عصر البرابرة الذهبي). والذي حكم من 1254 - 1266، واشتهر بتعلقه الشديد بالدين الإسلامي، يقول بار تولد: (ولم يكن الخان مسلماً فحسب، بل كانت زوجاته من واتباعه مسلمين أيضاً. لقد كان لكل أمير، ولكن زوجة زوجاته مؤذن وإمام خاص، وكانت هنالك مدارس لتعليم الصبيان القران الكريم).
ولقد تم عمل من هذا النوع في مدى عشرين سنة من استيلاء المنغول على حوض نهر الفالجا الأسفل. ولم يكن مثل هذا العمل ممكناً، لو لم يكن الإسلام منتشرا في تلك الأماكن قبل مجيء هؤلاء الغواة الوثنيين.


_________________________________________

مجلة الرسالة الأعداد 969 / 970

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق