الخميس، 3 نوفمبر، 2016

الإسلام في غرب أفريقية



مدى انتشاره في تلك الأقاليم ومبلغ أثره في الأهلين

للأديب جمال الدين محمد الشيال

تقدمه

بدا الإسلام في شبه جزيرة العرب. . . ومنها انتشر سريعاً في مختلف أنحاء العالم فوصل إلى الصين شرقاً امتد إلى الأندلس والمحيط الأطلسي غربا. وأينما وصل الإسلام ونشأت حضارة إسلامية جديدة أخذت عناصرها من حضارة الإقليم الهرمة المحطمة ومن حضارة الدين الجديد وتعاليمه. . . ثم استقرت هذه الحضارات، كل حضارة في إقليمها الخاص بها. . . وظهرت لها بمرور الزمن مميزات خاصة. . . ولكن هذه الحضارات كانت تتصف بصفات مشتركة تجتمع فيها عند نقطة واحدة تميزها جميعاً. . . تلك هي أنها حضارات إسلامية.

وفي كل بلد من هذه البلاد الإسلامية وجدت معاهد للعلم ونشأ العلماء في كل فن. . . ونبغوا. . . ورحلوا. . . ونشروا دينهم. . . وكتبوا الكتب تتحدث عن كل علم وفن. . . وتصف كل قطر عرفوه أو رحلوا إليه أو نقلوا إليه دينهم. . .

وكانت بلاد المغرب إحدى تلك الأقاليم التي انتشر فيها الإسلام وإحدى تلك الأقاليم التي نشرت الإسلام في طول الصحراء وعرضها حتى وصل إلى حدود الكمرون جنوباً وإلى شاطئ المحيط الأطلسي غرباً. . . وقد تحدث المؤرخون الإسلاميون عن هذه الجهات في كتبهم ورحلاتهم. . .

فأبو عبيد البكري الأندلسي وابن فياض الأندلسي وابن خرداذبة كلهم يتحدثون عنها وعن حدودها فيقولون: (فأول بلاد المغرب مما على ساحل البحر الرومي مدينة أنطابلس المعروفة ببرقة، وآخرها مما على ساحل البحر الأعظم مدينة طنجة، وطنجة هذه آخر بلاد المغرب المحقق وما بعدها من البلاد فإنما هو في الجنوب إلى أن يأتي بلاد الحبشة والهند. . .)

أما ابن بطوطة فقد جاب الصحراء المسلمة واتصل بقبائلها وملوكها ووصل حتى بلدة كارسخو بين نهري النيجر والشنغال. وابن بطوطة رحالة عاش في النصف الأول من القرن الرابع عشر، وقد طاف في معظم الجهات الإسلامية المعروفة في ذلك الحين ومنها غرب أفريقية؛ وقد أحببت أن أنقل عنه أخبار انتقاله باختصار لتكون دليلاً مادياً على وصول الإسلام لتلك الجهات وإن كان الرجل يخلط خلطاً غريباً بين نهري النيل والنيجر، ولكن له في الواقع عذره لجهل العالم كله في ذلك العصر بأواسط أفريقية ومنابع أنهارها. يقول ابن بطوطة:
(ثم سرنا من زاعزي فوصلنا إلى النهر الأعظم وهو النيل وعليه بلدة كارسخو؛ والنيل ينحدر منها إلى كابرة، ثم إلى زاغة؛ ولكابرة وزاغة سلطانان يؤديان الطاعة لملك مالي. . . وأهل زاغة قدماء في الإسلام ولهم ديانة وطلب للعلم؛ ثم ينحدر إلى تنبكتو، ثم إلى كوكو، ثم إلى بلدة مولي من بلاد الليمين - وهي آخر عمالة مالي - ثم إلى يوفي، وهي من اكبر بلاد السودان، وسلطانها من أعظم سلاطينهم؛ ثم ينحدر إلى بلاد النوبة وهم على دين النصرانية؛ ثم إلى دنقلة، وهي اكبر بلادهم وسلطانها يدعى بابن كنز الدين أسلم أيام الملك الناصر؛ ثم ينحدر إلى جنادل، وهي آخر عمالة بالسودان، وأول عمالة أسوان من صعيد مصر).

(ثم سرنا من كارسخو فوصلنا إلى نهر صنعرة، ثم رحلنا إلى بلدة ميمة فنزلنا منها على آبار بخارجها، ثم سافرنا منها إلى مدينة تنبكتو، ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير منحوت من خشبة واحدة، ثم سرت إلى مدينة كوكو وهي مدينة كبيرة على النيل؛ ثم سافرت منها إلى تكدَّا، ووصلنا إلى كاهر من بلاد السلطان التكركري؛ ثم سرنا بعد ذلك خمسة عشر يوماً في برية لا عمارة فيها إلا أن بها الماء، ووصلنا إلى الموضع الذي يفرق به طريق غات الآخذ إلى ديار مصر وطريق ثوات، وسرنا من هنالك عشرة أيام ووصلنا إلى هكار وهم طائفة من البربر ملثمون، وسرنا من بلاد هكار شهرا، ووصلنا يوم عيد الفطر إلى بلاد برابر، ثم وصلنا إلى بودا وهي من أكبر قرى ثوات، وأقمنا ببودا أياماً ثم سافرنا في قافلة، ووصلنا في أواسط ذي القعدة إلى مدينة سجلماسة. . . الخ).

وهو إذ يتحدث عن معدن النحاس ص320 يقول (ويحملون النحاس منها إلى مدينة كوبر من بلاد الكفار - وإلى زغاي - وإلى بلاد برنو وهي مسيرة أربعين يوماً من تكدا وأهلها مسلمون ولهم ملك اسمه إدريس. . .).

من هذا نستبين بكل وضوح أن أقصى ما وصل إليه ابن بطوطة غرباً هو مدينة (كارسخو) وهو في كل تلك المنطقة التي طاف بها يذكر أنه كان ينزل بسلطان الولاية المسلم فيرحب به ويجمعه بقضاة الولاية وعلمائها. غير أن ابن بطوطة لم يصل إلى شاطئ المحيط من جهة الغرب في حين أن الإسلام كان منتشراً في غانة في ذلك الحين كما سنرى من قول ابن خلدون المعاصر لابن بطوطة في كتابه (المغرب في تاريخ الدول الإسلامية بالمغرب) وهو يبدأ بتحديد بلاد المغرب وغرب أفريقية على عهده، وقوله في ذلك ثقة لأنه نشأ في تونس وتنقل في معظم بلاد المغرب كتلمسان وبسكرة وبجاية وغيرها. واتصل بالحكام في كل تلك الأقاليم، وله كتابه المشهور (العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر).

حدود المغرب كما جاءت في كتاب (المغرب) لابن خلدون:
(إن المغرب قطر واحد متميز الأقطار، فحده من جهة الغرب البحر المحيط، وعليه كثير من مدنه مثل طنجة وسلا وأدفو وأنفى وأسفى، وهي كلها من مساكن البربر وحواضرهم؛ وأما حده من جهة الشمال فالبحر الرومي المتفرع من هذا البحر المحيط يخرج في خليج متضايق ما بين طنجة من بلاد المغرب وطريف من بلاد الأندلس؛ وأما حده من جهة القبلة والجنوب فالرمال المستهيلة الماثلة حجزاً بين بلاد السودان وبلاد البربر، ويعرف عند البادية بالعرق، وهذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتدئ من البحر المحيط وذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل الهابط من الجنوب إلى مصر فهنالك ينقطع؛ وأما حده من جهة الشرق فيختص بطرابلس وما وراءها إلى جهة المغرب مثل أفريقية والزاب والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى والسوس الأدنى والأقصى. هذا هو المغرب في العرف لهذا العهد وهو الذي كان في القديم ديار البربر ومواطنهم).

ومن هذا نرى أن ابن خلدون في وصفه للبلاد أدق بكثير من غيره من كتاب العرب؛ وتبدو لنا دقته من وصفه لتفرع بحر الروم من البحر المحيط، وتبدو لنا دقته بوضوح بعد هذا بقليل عندما يتتبع العرق حتى يصل إلى النيل. وسيبدو لنا ابن خلدون أكثر دقة عند كلامه عن شعوب البربر، وقد أردت أن أبدأ بوصف جونستون لهذه الشعوب ثم أتبعه بوصف ابن خلدون؛ وسنرى بعد قراءة الوصفين أن ابن خلدون على تقدم عصره كان أجمل وصفاً وأدق تعبيراً من جونستون. ولا غرو فابن خلدون ابن تلك الفيافي والبلاد. وسنأتي الآن بتقسيم جونستون لجماعات البربر: في أوائل القرن السابع كان الجنس الليبي أو بربر شمال أفريقية الذين كانوا يسكنون كل المنطقة بين الحدود الغربية لمصر (بعد واحة سيوه) شرقاً وساحل مراكش غرباً ينقسمون إلى: -

(1) البربر الشرقيون أو الليبيون (لواتا وهوارة وأوريغا ونفوسة ويسكنون قيرينيقا وطرابلس وتونس وجزءاً من شرق الجزائر.

(2) البربر الغربيون أو صنهاجة وكانوا يشغلون سواحل الجزائر وغربيها وكل مراكش حتى يصلوا إلى حدود الصحراء جنوبا.

(3) أقتم لوناً وقد انحدروا من وقد يتصلون في الأصل بالغولا الذين سكنوا في القرن السابع أجزاءً كانت تقل أو تكثر من الإقليم الصحراوي جنوب الجزائر وتونس ومراكش ومن زناتة انحدر البربر المزاب الحديثون وقبائل الورجلي وبنو مرين الذين أسسوا أسرة حكمت البربر فيما بعد.

وقد دفع كثير من زناتة السود إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط في فترات مختلفة، كما أن كثيرين من البربر الشرقيين أو الليبيين قد دفعوا إلى قلب الصحراء تحت تأثير العرب الفاتحين ومنهم نشأت مزقة الطوارق فيما بعد. وكذلك هاجر كثيرون من البربر الغربيين أو الصنهاجيين في القرن السابع إلى الصحراء جنوباً واستقروا شمال نيجيريا وشمال حدود السنغال فليس هناك من شك أن كلمة (اسم قبيلة من قبائل البربر) قد أخذت من صنهاجة ثم حرّف البرتغاليون زناجا فيما بعد فأصبحت (سنغال).


وفي القرن السابع كذلك كانت هناك علاقات تجارية بين زنوج جنوب وشرق ليبيا ووصلت هذه العلاقات حتى كانم وبحيرة شاد ودارفور وكردفان، فكانت هذه الطرق أكبر مسهل للعرب في فتوحهم المستقبلة للسودان وبلاد المغرب.

هذا ملخص تقسيم جونستون لهذه القبائل. ولنر الآن ماذا يقول ابن خلدون في وصفها قال:

(هذه الأمم السودان من الآدميين هم آهل الإقليم الثاني وما وراءه إلى آخر الأول، بل وإلى آخر المعمور متصلون ما بين المغرب والمشرق يجاورون بلاد البربر بالمغرب وأفريقية وبلاد اليمن والحجاز بالوسط، والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق؛ وهم أصناف وشعوب وقبائل أشهرهم بالمشرق والحبشة والنوبة، وأما أهل المغرب فنحن ذاكروهم، وأما نسبهم فإلى حام بن نوح).

(وعد ابن سعيد من قبائلهم وأممهم تسع عشرة أمة فمنهم بالمشرق الزنج على بحر الهند ولهم مدينة منبسة وهم مجوس ويليهم بربرا، والإسلام لهذا العهد فاش فيهم ولهم مدينة مقدشوا على البحر الهندي يعمرها تجار المسلمين، ومن غربيهم وجنوبهم الدمادم وهم حفاة عراة؛ ويليهم الحبشة وهم اعظم أمم السودان وهم مجاورون لليمن على شاطئ البحر الغربي منه؛ ويليهم البجا وهم نصارى ومسلمون ولهم جزيرة مدينة دنقلة غرب النيل وأكثرهم نصارى؛ ويليهم زغاوة وهم مسلمون ومن شعوبهم تاجرة؛ ويليهم كانم وهم خلق عظيم والإسلام غالب عليهم ومدينتهم حيمي ولهم التغلب على بلاد الصحراء إلى فتران؛ ويليهم عن غربيهم كوكو وبعدهم نقارة والتكرور ولمى وغنم وجابي وكوري وانكرار ويتصلون بالبحر المحيط إلى غانة في الغرب).

(ولما فتحت أفريقية المغرب دخل التجار بلاد المغرب منهم فلم يجدوا فيها أعظم من ملك غانة. كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب وكانوا أعظم أمة ولهم اضخم ملك، وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف بصوصو. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بمالي. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بكوكو ويقال لها كاغو. ثم بعدها أمة أخرى تعرف بالتكرور. ثم إن أهل غانة ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي بلاد البربر واعتزوا على السودان واستباحوا حماهم واقتضوا منهم الأتاوات والجزى، وحملوا كثيراً منهم على الإسلام فدانوا به؛ ثم اضمحل ملك أصحاب غانة وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أهل السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم. ثم إن أهل مالي كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك وأستطالوا على الأقاليم فتغلبوا على صوصو وملكوا جميع ما بأيديهم من ملكهم القديم، وملك أهل غانة إلى البحر المحيط من ناحية الغرب وكانوا مسلمين يذكرون.

أن أول من أسلم منهم ملك اسمه (برمندانة). ثم يذكر ابن خلدون بعد ذلك من تولى الحكم بعد هذا الملك حتى يصل إلى الملك ساكورة (سبكرة) فيقول عنه: (وحج أيام الملك الناصر وقتل عند مرجعه بتاجور وكانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الأمم المجاورة لهم وافتتح بلاد كوكو وأصارها في ملكة أهل مالي فاتصل ملكهم من البحر المحيط وغانة بالمغرب إلى بلاد التكرور في المشرق، واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان وارتحل إلى بلادهم التجار من بلاد المغرب وأفريقية. . . الخ).

هذا هو كلام ابن خلدون وقد تعمدت أن أنقله في هذه السطور الكثيرة لأنه قد شرح ما ألم به ابن بطوطة وما أجمله جونستون، فمن كلام ابن خلدون نستطيع أن نفهم بوضوح أي القبائل كانت تسكن في كل تلك الأقاليم، ونستطيع أن نفهم بوضوح أي هذه القبائل كانت تدين بالإسلام وإلى أي حد وصل الإسلام؛ ولكن ابن خلدون عاش في أوائل القرن الرابع عشر كما قلنا وهو إذ يتحدث عن هذه الديار يتحدث عنها كديار إسلامية انتقل إليها الإسلام من مختلف الجهات واستقر بها وأثر في أهلها، ولكننا قد نتساءل بعد هذا: كيف دخل الإسلام إلى تلك الجهات وكيف اقتحم على أولئك الزنوج غاباتهم وإحراجهم وبيوتهم ومدنهم؟ وكيف أثر في الأهلين وفي عاداتهم وأخلاقهم؟ هذا ما سنتناوله الآن بالبحث.







كيف عم الإسلام غرب أفريقيا
1 - في المدة بين سنتي 640و642 تم لعمرو بن العاص فتح مصر. ومنها استطاع عبد الله بن أبي سرح وعبد الله بن الزبير فيما بعد فتح طرابلس وتونس والجزائر.

2 - وفي سنة 661 كانت واقعة صفين المشهورة وانشق بعدها قوم على علي بن أبي طالب فسموا بالخوارج. وقد هاجرت فئة منهم إلى شمال أفريقية ونزلوا بشواطئ تونس، وقد استمرت بقاياهم حتى قبيل الحرب العظمى في جزيرة جربا وهناك انتشرت آراؤهم. ومن هذه الجزائر انتقلت هذه الآراء إلى شمال أفريقية حتى ساحل مراكش الأطلسي؛ وبعد سنة 720 أصبحت الخارجية مذهب الأهلين من البربر.

3 - وفي سنة 669 استقر حكم العرب في شمال أفريقية، وعين عقبة بن نافع حاكما على أفريقية (تونس الحالية)؛ وفي سنة 673 أنشئت القيروان لتكون حاضرة لحكم المسلمين. وفي سنة 681 تقدم عقبة نحو الغرب بجيشه حتى وصل إلى المحيط الأطلسي.

4 - وبعد سنة 795 تولى حكم أفريقية موسى بن نصير وتقدم في فتوحه حتى استولى على مراكش إلا مدينة سبتة وهناك لم يجد العرب صعوبة في نشر الإسلام دين الفطرة. وتمكن موسى من فتح الأندلس بعد ذلك على يد قائده البربري طارق بن زياد.

5 - وتولى حكم أفريقية بعد هذه الأدراسة ثم الأغالبة وتبعهم أسرات أخر حتى أتى الفاطميون فورثوا الحكم وأغاروا على مصر واستقلوا بها باسطين نفوذهم على أفريقية وصقلية.

6 - وفي المدة التي بين القرن السابع ومنتصف القرن الحادي عشر كان العنصر العربي في شمال أفريقية أقلية يمثلون في آلاف من الجنود والحكام ورجال الدين. ولكنهم استطاعوا بمرور الزمن أن يفرضوا دينهم ولغتهم وحكمهم على ملايين من البربر.

7 - وحوالي سنة 1045 نزل بالشاطئ الأيمن للنيل قبائل بني هلال وبني سليم آتين من أواسط بلاد العرب وابتدءوا يعملون على إثارة الشغب في مصر العليا؛ ولكي يتخلص منهم حكام مصر الضعفاء في ذلك الحين حرضوهم على أن يغزوا شمال غرب أفريقية، فعبر الصحراء منهم ما يقارب من المائتي أو الثلاثمائة محارب حتى وصلوا إلى حدود تونس وطرابلس واستقروا هناك.

8 - وبعد مدة يسيرة رحل إلى مصر قبائل أخرى من شبه جزيرة العرب؛ ووصلوا إلى النيل الأوسط. وعلى النيل الأزرق (في سنار) أنشئوا امبراطورية الفنج العظيمة التي استقرت من القرن الرابع حتى القرن التاسع عشر. ومن النيل الأعلى قاد هؤلاء الأقوام حملات كثيرة متتالية نحو وسط وغرب أفريقية. ومن نسل هؤلاء تكونت قبائل لا زالت تعيش حتى اليوم حول بحيرة شادو في دارفور وواداي وشمال السنغال ونهر النيجر.

9 - وفي القرن الحادي عشر أيضاً نشأت فرقة المرابطين. وعلى أيديهم اعتنق سكان سينيغمبيا ونيجريا الإسلام.

10 - وتلت دولة المرابطين دول كثيرة كدول الموحدين والحفصيين وغيرهم، وكانت كل دولة تبدأ حكمها بنشر مذهبها الديني، وبالتالي كانت تدفع كثيراً من البربر أثناء نشر دعوتها إلى اعتناق الإسلام.

11 - وفي عهد الملك السعدي السادس (المنصور الذهبي) وصلت مراكش إلى أقصى قوتها، وشملت مملكة نيجرية واسعة.

12 - وفي نهاية القرن الخامس عشر قامت في مصر العليا وغرب السودان أسرة مسلمة زنجية. وتولى أحد هؤلاء الزنوج الحكم، واتخذ تمبكتو حاضرة لملكه. ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه المدينة مركزاً علمياً وتجارياً لغرب ووسط أفريقية. ولقد أثرى حفيد هذا الملك (إسحاق بن سوكيا) وزادت قوته وبدأ النزاع بينه وبين الإمبراطور الموري أبي العباس المنصور. وتمكن الجيش الموري بقيادة جودر باشا من هزيمة إسحاق والاستيلاء على تمبكتو. وأتى بعد جودر قائد آخر أكثر شجاعة وإقداماً منه وهو (محمود باشا) فأتم الفتح الموري للسودان حتى وصل إلى بورنو وسنيغميبيا. ولم تتضاءل قوة الموريين إلا في القرن الثامن عشر بعد قيام الغولا وهجوم الطوارق.

ويقول جونستون: (ولربما كانت مراكش تستطيع أن تغزو شمال أفريقية وتحكمه في القرن السادس عشر - لولا أن وصلها الترك. . .) - ونحن لا نستطيع أن نقر جونستون على هذا القول. . . إلا إذا كانت الحكومة القائمة في مراكش حينذاك قوية تستطيع أن ترد اعتداء الغرب عنها. . . ولكن الحقيقة أن الحكومة في كل بلاد الغرب في ذلك الوقت كانت ضعيفة أمام نشاط ممالك غرب أوربا وخاصة أسبانيا - فإنها بعد أن قضت على دولة الإسلام فيها سعت وراءه تطارده في شمال أفريقية وغربها. . . وجونستون نفسه يقول: (ولما استنجد أهل الجزائر وتونس بقراصنة الترك ضد اعتداءات مسيحي أسبانيا في القرن السادس عشر - انتهز سلطان الترك وأنشأ مناطق تركية في الجزائر سنة 1517 وفي تونس سنة 1573 وفي طرابلس سنة 1551. . .).

في هذا القول نرى أن ثورة الغضب المسيحي في أسبانيا على المسلمين لم تكن قد هدأت؛ بل إننا لنحسها بين ثنايا كلمات جونستون قوية ملتهبة دفعت أهل المغرب للاستنجاد بالترك ورضوا نجدة القراصنة منهم. وحقيقة أن الترك الذين نزلوا بشمال أفريقية كانوا قراصنة لم يتعدوا الشاطئ إلى الداخل، ولم يمضوا إليهم أراضي وملكاً جديداً بل اكتفوا بمهنتهم القرصنة وسلب سفن المسيحيين. ولو أنهم حاولوا ملكاً في الجنوب لاستطاعوه، ولغدت أفريقية الشمالية كلها مسلمة إسلاماً حقاً متصلاً بالعالم الخارجي الآن؛ ولكنهم على كل حال حموا شمال أفريقية من الغرب الساحق الماحق هذه المدة الطويلة. وها نحن أولاء نسمع كل يوم اضطهاد الطليان والفرنسيين والأسبان للمسلمين في طرابلس وتونس والجزائر، ومع هذا فإن الإسلام في ذلك الحين لم تقف موجة انتشاره، بل كان مجرد الجوار أو الاتصال بين المسلمين والوثنيين في جميع قبائل السودان حتى حدود الكمرون - كان مجرد الاتصال كافياً لنشر الإسلام في تلك الجهات كما سنرى بعد.

لم تخضع مراكش كجاراتها للحكم التركي ولكنها تأثرت بنواح تركية مختلفة، فقد أخذت عن الترك نظام الملبس ونظام تعبئة الجيوش ولقب الباشا وغير ذلك من الأمور، ولكن مراكش بقيت مستقلة، بل لقد أعلن حاكمها المنصور نفسه خليفة سنة 1538بعد انتصاره على البرتغال وبعد أن رأى الخلافة العباسية تنقرض من مصر، وتنتقل إلى تركية.

غير أننا سنرى أن نوع الحكم لم يكن له من التأثير قدر ما كان للثقافة الإسلامية العربية، فمهما أنتقل الحكم إلى أيدي الترك أو الإغريق او السلاف أو الزنوج المستعربين فإن الأثر الإسلامي والثقافة الإسلامية امتدت حتى شملت كل شمال أفريقية والسومال وسناو، ونوبيا وكردفان ودارفور وواداي وبورنو وأراضي الحوصا والصحراء ومعظم سينغمبيا وآفاقاً متسعة داخل حدود النيجر وعلى طول شواطئ الفلتا الأعلى كما أعتنق أهالي كل تلك الجهات الدين الجديد: دين الإسلام.


جهات نجهلها
ولقد كنت أحس عند قراءتي عن هذه المناطق لذة غريبة فلقد كنت أكشف لنفسي الأستار عن آفاق واسعة شاسعة من العالم الإسلامي يجهلها معظم المصريين وتجهلها برامج تعليم التاريخ في مدارسنا المصرية، ولكننا بعد هذا التمهيد نستطيع أن نصور الحالة التي كان عليها كل شمال أفريقية في هذه الكلمات:

كانت موجة التأثير الإسلامي تتسع طوال العصور الوسطى فتشمل كل يوم آفاقا جديدة من شمال أفريقية، وامتدت الموجة فشملت بعض الصور الحديثة؛ ولكن أوسع حلقة من حلقات هذه الموجة وآخرها تلاشت بانتهاء القرن التاسع عشر، وبتلاشيها تركت البربر المستعربين يحكمون شمال وشمال غرب أفريقية، والترك المسلمين يحكمون شمال شرق أفريقية، والزنوج المستعربين يحكمون النيجر والسودان الأوسط، وبعض العرب يحكمون النيل الأعلى وساحل نوبيا وعرب عمان واليمن وحضرموت يحكمون ساحل أفريقية الشرقي. وامتد نفوذهم إلى الداخل حتى وصل إلى إقليم البحيرات والكنغو الأعلى.

ولنتحدث الآن عن أثر الإسلام في بعض هذه الولايات كمثل للولايات الأخرى، وليكن حديثنا عن نيجريا والسودان الأوسط.



حضارة جديدة
كان لدخول الإسلام في أفريقية تأثير هام على سكانها وخاصة في السودان الغربي. ولم يقتصر تأثير الإسلام على التغيير الواضح الذي أحدثه في الأهلين من الناحية البشرية، بل لقد حمل معه إلى هؤلاء الأقوام حضارة جديدة منحت الأجناس الزنجية أخلاقاً وثقافة لا زالت تميزهم في حياتهم السياسية ونظمهم الاجتماعية. ولقد رأينا كيف أن كثيراً من الهجرات القبلية العديدة خلال ألف سنة الأخيرة حدثت تحت ضغط الإسلام ضغطاً مباشراً أو غير مباشر؛ بل إننا لنرى أن ثورة الفولاني السياسية في القرن التاسع عشر ودخول الكانمبو إلى بورنو كان تحت تأثير الإسلام. ولقد كان للإسلام كذلك تأثير عميق في لغات نيجريا الرئيسية، فمعظمها تحوي كثيراً من الألفاظ العربية التي لا تزال تستعمل حتى اليوم.

والإسلام الآن دين السواد الأعظم من سكان أرض وبورنو بل لقد نفذ الإسلام إلى كثير من القبائل الوثنية التي لم يصلها التبشير المسيحي بعد، وكما أن الإسلام دخل في هذه الجهات من الشمال فإن الشمال أشدها وأكملها إسلاماً - وإن كان الإسلام في نوبيلاند ويوروبالاند له نصيب كبير من القوة والانتشار ومع هذا فهناك مساحات شاسعة لم يدخلها الإسلام بعد.

ونحن لا نعرف إلا قليلاًٍ عن حالة المسلمين خلال القرون السابقة لجهاد الفولاني. ولو أننا وثقنا بأقوال ليو الأفريقي فإن أهالي كاتسينا وكانو كانوا برابرة نصف عراة في منتصف القرن السادس عشر. وعلى الجملة فالحوصا قد يكونون أيسر قيادة وأسرع تأثراً بالدعوات الدينية من غيرهم. وفي سنة 1804وضع الشيهو عثمان (قد تكون شاه أو شيخ ثم حرفت) لبلاط جوبير نظاماً هو خير قليلاً من النظام الوثني، وقد بقي الأهلون يصلون للموتى ويمجدون الأولياء الراحلين ويسمحون لنسائهم بالخروج سافرات. ولقد لاحظ (أولدفيلد في رابا أن ابنة عثمان زايكي حاكم نوبيلاند الفولاني تحمل في يدها زجاجات برتغالية مملوءة بالمشروبات الروحية، فشرب الخمر وعقيدة الخلود لازالا سائدين.

ولا زالت بعض الطقوس الوثنية تقام عند تولية الأمير العرش؛ ورؤساء (اكوين المسلمون في هارداوا عند انتخابهم يقدمون فروض الطاعة للشجرة المقدسة.

والقرآن لديهم هو الكتاب المقدس؛ بل إنهم ليستشفون بشرب الحبر الذي كتبت به آيات القرآن. وهم ما زالوا يعتقدون في السحر والتعاويذ، ولكنهم يتقون شر السحر بالآيات القرآنية والاحجبة يحيطون بها رقابهم وأذ رعتهم وأوساطهم والمسلمون في تلك الأقاليم عند بناء منازلهم يدخنون الطلاسم لتقيهم شر الأرواح الخبيثة من هذا كله نرى أن الإسلام من الناحية الروحية لم يستطع تماماً استئصال شأفة الوثنية أو إزالة خرافاتها لانقطاع الصلة وبعد الشقة بينه في تلك الجهات وبين ديار الإسلام القوي الحق. ولكن الإسلام من الناحيتين السياسية والاقتصادية بادئ الأثر في هؤلاء الأقوام. لقد حمل الحضارة إلى هذه القبائل المتبربرة، ودعا جماعات الوثنين المبعثرة إلى وحدات مرتبطة، وسهل التجارة بين هذه المناطق وبين العالم الخارجي، وبذلك استيقظت الغرائز التجارية الكامنة في نفوس الحوصا والنوبي والياروبا والبري بري وحملهم على الظهور بمظهر لائق، ورفع مستوى معيشتهم بأن خلق لهم جواً اجتماعياً راقياً؛ وبث في نفوس المسلمين الشعور بالعزة واحترام النفس والغير. فتفوق المسلمين في تلك الجهات على غيرهم من الناحيتين الثقافية والسياسية يرجع إلى تعاليم دينهم؛ فنحن لا ننسى أن الإسلام حمل إليهم فن القراءة والكتابة. . .

والآن أصبح زنجي السودان بعد أن حرم عليه الإسلام شرب الخمر وأكل لحوم البشر وسفك الدماء رفيقاً لسكان العالم المتحضر.






ولقد حمل إليهم الإسلام أيضاً نظام الحكم الديموقراطي. ذلك أن نظام الإدارة في الإسلام نظام ديموقراطي - لا فارق بين رجال الدين وعامة الشعب - فرئيس المقاطعة هناك هو الليمان (ويبدو لي أنها محرفة عن لفظة الإمام بالعربية) ويختار من بين أفراد الشعب، وكل الصفات التي يراعيها الناس أثناء انتخابه هي أن يكون على خلق طيب وأن يكون ملماً بالقرآن إلماما ًَلا بأس به. ومن وظيفته أن يؤم الناس في الصلاة. وليس هناك نظام مركزي يوحد بين هؤلاء الليمانز فكل منهم مستقل في إدارته. ويزود الليمان هو والمالم (وأرجح أن أصلها معلم، فوظيفته تعليم الناس ولابد أن يكون على علم ولو قليلاً بالقرآن) بما يقدمه الناس لهم من عطايا عن طيبة خاطر. ومهمة هؤلاء المعلمين تعليم الصغار؛ غير أن أكثر اعتمادهم في الكسب على التمائم التي يقدمونها للناس. والمعلمون كذلك أطباء يستخرجون الأدوية من جذوع الشجر وأوراقه. ومعظمهم طفيليون على المجتمع، بل إن بعضهم يستخدم تلامذته لسؤال الناس. وكثير منهم ممن ذهبوا إلى مكة وحجوا البيت الحرام يشاع تقديسهم؛ وهم يستغلون هذه الإشاعات الخيالية طول المدة الباقية من حياتهم. ولكننا برغم هذا لا نعدم أن نجد بين هؤلاء المعلمين من يحيا حياة كلها تقوى وورع وسعي لنشر العلم. وفي معظم الولايات الإسلامية تقام الصلاة كل يوم كما يحتفل المسلون بعيدي الفطر والأضحى إذ يسمونهما & أي العيد الأصغر والعيد الأكبر.



المذاهب الدينية


ويعتبر سلطان سكوتو الرئيس الروحي لجميع مسلمي السودان الأوسط حيث يسمونه ولقد امتد نفوذه في أوائل هذا القرن حتى شمل تمبكتو غرباً وأجادز شمالاً (ولكن هذا النفوذ لم يشمل بورنو حيث يتمتع الشيهو بمركز ديني يضاهي مركز سلطان سكوتو)

وهناك مذاهب دينية مختلفة تعمل على تقدم الإسلام ونشره، أهمها مذاهب القادرية والتيجانية والسنوسية. وللمذهبين الأولين أتباع كثيرون في مختلف أنحاء نيجيريا، وخاصة مذهب التيجانية الذي أسسه أحد أساتذة بلاد المغرب واسمه (سيدي أحمد التيجاني) وكثير من ثورات السودان المحلية يرجع لتأثير هذا المذهب في السودانيين. أما مذهب السنوسية فلم يتعمق إلى الجنوب كثيراً؛ لقد بلغت دعوته شمال نيجيريا وله بعض الأتباع في سكوتو وبورنو. وليس هناك ما يميز أتباع هذه المذاهب عن بقية المسلمين سوى رغبتهم وسعيهم للتطهر، وسوى حلقات الذكر التي يقيمونها في الحين بعد الحين (وإن كانوا لا يفهمون معنى ما يقولون أثناء الذكر كما يقول
والمساجد منتشرة في كل مدن الإسلام، أما في القرى فالمسجد قطعة من الأرض مسورة بحاجز من الخشب.



الإسلام ينتشر وإن كان المسلمون لا يبشرون به


لا يوجد بين المسلمين الآن إرساليات تبشيرية تعمل لنشر الإسلام، ولكن الإسلام ينتشر عفواً بين تلك الجماعات دون بذل مجهود. والجهاد عند المسلمين واجب لنشر دينهم بين الوثنيين ولكننا لو عرفنا أن الجانب الأعظم من دخل الفولاني يعتمد على تجارة الرقيق بدا لنا السبب في عدم اهتمام هؤلاء كثيراً بالتبشير لدينهم بين الوثنيين

ومع هذا فقد كانت هناك إرساليات تبشيرية هامة في أوائل حكم الفولاني. فإن لاندر يحدثنا أنه قابل في معلمين من الفولاني أرسلهم أمير نوبي لينشروا تعاليم الإسلام بين السكان الوثنيين.
غير إن الإسلام لم ينتشر في تلك الجهات نتيجة سعي الإرساليات قدر ما انتشر نتيجة جذب ثقافة المسلم العالية لجيرانه الوثنيين. والآن بعد سهولة المواصلات أصبح المسلمون أكثر اتصالاً بالوثنيين، وكانت نتيجة هذا أن الوثني الذي يتعدى منطقة إقامته يرى أن من الصالح أن يعتنق الإسلام، وأن يتبع المسلمين في أسلوب حياتهم، لأنه سريعاً ما يدرك ضيق دينه إذا قارنه بعالمية الإسلام؛ وهو إلى هذا كله لا يجد صعوبة في انتقاله من الوثنية إلى الإسلام، فهو بالمعاشرة يستطيع بسرعة أن يستسيغ نظم الدين الجديد. والوثني كذلك يرى أن المسلم متسامح وأنه يعيش في منزل أنظف من منزله ويرتدي ملابس خيراً من ملابسه، وله بالعالم معرفة أوسع من معرفته. فلا غرو بعد هذا إن فضل الوثني الإسلام فاعتنقه. والوثني عندما يسلم يغسل جسمه كله ثم يعلن إسلامه في المسجد.


نظم التعليم في تلك الجهات


وهناك مدرسة في كل بلدة من بلاد الإسلام يديرها معلم من الأهلين، ويرسل إليها الأطفال في سن مبكرة غالباً بين الثالثة والرابعة، يرسلهم آباؤهم إلى هذه المدرسة فراراً من الجهد الذي يبذلونه لرعايتهم. ومن هؤلاء المعلمين من يمارس التجارة إلى جانب مهنة التعليم. أما الأطفال فهم يستمعون إلى دروسهم في العادة ساعة في الصباح وساعة في المساء، وهؤلاء الأقوام لا يهملون تعليم بناتهم. ويتلقى التلاميذ دروسهم عادة قبل شروق الشمس وبعد غروبها حتى يستطيع الصبية منهم خدمة الحقول أثناء النهار

وأول ما يتعلم الأطفال الصلاة، ثم يعلمون كيف يقرأون القرآن، ثم يتلقون بعض الواجبات الدينية كشروط الوضوء وطرق الاغتسال وغيرها. والأطفال يقرأون العربية جميعاً وراء معلمهم بصوت مرتفع منغم. وإذا تقدم الأطفال في السن وكبروا علموا شيئاً من تفسير القرآن؛ غير أن نظم التعليم العامة عندهم تسير على نهج آلي. فمعظم الأولاد يحفظون القرآن كله أو بعضه، وهم لا يفقهون له معنى. بل أن أكثر المعلمين هناك ثقافة لا يعرف شيئاً عن التطور الفكري الذي يسود العالم الإسلامي اليوم. وإن كان هناك نفر من النيجيريين على درجة كبيرة من العلم والثقافة فمنهم شيهو دان فوديو وقد ألف كتاباً في اللاهوت وابنه بلو وهو نحوي ومؤرخ مشهور وغيرهم كثيرون. ولا يتقاضى المعلمون مرتبات غير الهدايا التي تقدم إليهم. وعندما يتم الولد دراسته يأخذ المعلم من أهله حملاً أو عنزة ومع هذا فإن 3 % من المسلمين فقط هم الذين يقرءون ويكتبون.



فضل الإسلام في توحيد هذه القبائل المبعثرة


يبدو لنا بعد هذا بوضوح كيف أن نظم الإسلام الاجتماعية والسياسية توافق الزنوج كل الموافقة خصوصاً وإن الزنوج السودان يسود بينهم الدم الحامي أو دم البحر الأبيض المتوسط. فالإسلام إذ يفرض على هؤلاء الناس الختان ويبيح لهم تعدد الزوجات ويمنعهم عن أطعمة خاصة ويحرضهم على أن يكونوا أحراراً، لا يطلب منهم المستحيل، بل إن يقول (إن الإسلام إذ يفرض على الزنوج عبادة الله لا يفرض عليهم جديداً فإن في نيجيريا يعتبرون إله السماء هو المسيطر والمنظم للعالم)
وبعد هذا فإنا لا ننسى كيف حمل الإنسان إلى هؤلاء الأقوام الشعور بضرورة الوحدة، فلقد جمعهم بعد تفرقة. والفضل كل الفضل للإسلام إذ كون من تلك القبائل المبعثرة وحدات متحدة قوية؛ بل إن ميك يعترف بالفضل للإسلام إذ وحد هؤلاء الناس حتى استطاع الإنكليز أن يحكموهم هذا الحكم غير المباشر. وإن كان المسلمون في تلك الجهات هم الذين يتولون أمورها ولهم قيادة الرأي العام فيها
لقد رأينا كيف اتسعت موجة الإسلام واتسعت حتى تلاشت في القرن التاسع عشر وابتدأت حركة الاستعمار ووجد المستعمرون أن مصدر الصعاب التي قامت في طريقهم هو الإسلام والخلاف الديني بينهم وبين أهالي الجهات المستعمرة. ولذلك فهم يبذلون الآن جهدهم لنشر المسيحية حيثما حلوا. وهم يجذبون الناس إليهم بمختلف الوسائل التي تحمل طابع الإنسانية، فهم ينشئون المستشفيات والمدارس ودور اللهو والكنائس وغيرها. ثم هم يجتهدون أخيراً أن يحولوا بين مسلمي السودان وزنوجهم لينشروا بينهم المسيحية. ولكن واجب المسلمين الآن أن يلقوا بالدعوة من جديد حتى تبتدئ الموجة ثانية وتتسع. . وتتسع حتى تصل إلى هؤلاء الأقوام فتحسن من تعليمهم وتعمل على تقوية إيمانهم. ولا أحسب أن هناك قطراً يصلح لهذه المهمة غير مصر؛ ولا أحسب أن معهداً في مصر يصلح لهذه المهمة غير الأزهر، ورجال الأزهر. فهل يفكر القوم في هذا؟!




المراجع:

1 - ابن عذارى المراكشي: البيان المغرب في أخبار المغرب. طبعة لايدن سنة 1848
2 - ابن خلدون: المغرب في تاريخ الدول الإسلامية بالمغرب طبعة لايدن 1847
3 - المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب طبعة لايدن سنة 1847
4 - ابن بطوطة: رحلته المسماة (تحفة النظار. . . الخ)
___________________________________________________

مجلة الرسالة الأعداد 223 / 224 / 225

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق