الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016

مسلمو الصين والإسلام في اليابان



الكاتب: محمد رشيد رضا



في الصين عشرات من الملايين المسلمين هم أكثر أهل تلك المملكة الكبرى مالاً وأعز نفرًا، هم أكثر مالاً؛ لأنهم أبرع في التجارة، وأكثر اشتغالاً بالصرف والدين بالربا الفاحش ويستحلون الربا على تشددهم بما يعرفون من دينهم لأن كتب الفقه الحنفي (كتب مذهبهم) تبيحه في دار الحرب. 
وهم أعز نفرًا لشجاعتهم وإتقانهم للفنون العسكرية، فهم أقوى جيش الدولة وأمنع حماة الأمة، وقد أنشأوا يهاجرون إلى اليابان بأموالهم وسلعهم لأجل الصرف والدين والتجارة بعد ما كانوا محجمين عنها لأنهم علموا أن اليابان تغيرت حالها بعد الحرب فصارت تحترم الغرباء وكانت تحتقرهم. 
وإننا نتوقع أن يستفيد المسلمون من معاشرة اليابانيين، الميل إلى الأعمال الاجتماعية والعلوم العصرية فإننا نعرف عنهم أنهم لا يتعلمون إلا قدر الحاجة من القراءة والكتابة والأحكام الفقهية ثم ينصرفون إلى الأعمال المالية إن لم يدخلوا في أعمال الدولة العسكرية والإدارية.

ومن الغريب أن تظهر الدعوة إلى الإسلام في اليابان من بعض مسلمي الصين دون مسلمي الهند أو الآستانة أو مصر. 
ولو كان مسلمو الصين على علم واسع بالإسلام لكانوا أحق بهذه الدعوة لأنهم أول من يستفيد منها، وفائدة اليابان من الاتحاد معهم أعظم فإنها بهم تستعمر مملكة ابن السماء (الصين) كلها وناهيك بمملكة تضم بين جوانحها أكثر من ربع البشر وما أرى أن مسلمي الصين يلاحظون هذه الفائدة إذ بلغني أنهم لا يحفلون بالسياسة بل لا يفكرون فيها وما أظن أن دعوة الشيخ حسان لهم إلى الإسلام إلا بباعث ديني وذلك - إن صح - خير من أن يكون بباعث سياسي فإن من يدعو إلى الدين لأجل السياسة لا يكون جديرًا بالنجاح كمن يخلص في دعوته لله رب العالمين.


المعروف عن الأمة اليابانية أن العلم قد هدى فضلاءها وزعماءها إلى بطلان الوثنية التي درجوا عليها وأنهم يطلبون باستعدادهم الجديد دينًا معقولاً يتفق مع المدنية والعلم والعمران فهم يطلبون الإسلام ولا يجدون من يمثله لهم ونخشى أن يعجز الشيخ حسان الصيني عن إقناعهم فيظنون أن مبلغ علمه بالإسلام هو الإسلام فينصرفوا إلى غيره.

فهل نجد في مسلمي هذه الديار رجلين أو ثلاثة قد استعدوا للدعوة إلى الإسلام بفهم الكتاب والسنة وحكم التشريع ومواضع الشبهات على الدين ومسالك كشفها والقدرة على تمثيل الإسلام جامعًا بين مصالح الدنيا والآخرة موافقًا لحال الناس في عصر العلم والحضارة والصناعة عصر الكهرباء والبخار، يتركون وطنهم المحبوب ويسافرون إلى اليابان لمساعدة أخيهم الشيح حسان الصيني على الدعوة؟ 
وهل نجد في أغنيائنا من يتبرع بشيء من فضل ماله لمساعدة هؤلاء الدعاة إن وجدوا أو لأجل إيجاد دعاة للإسلام يعلمون تعليمًا خاصًّا يساعدهم على ذلك؟

يوجد في المسلمين من يثق بدينه ولا يرتاب فيه أكثر ما يوجد في اليهود والنصارى، ولكن الشاك في دينه من اليهود والنصارى يبذل في نشره ونصره ما لا يبذل المسلم الموقن؛ لأن المسلمين قد ضعفت فيهم الحياة الاجتماعية، وغلبت عليهم الأثرة بعد ذلك الإيثار الذي مدح الله سلفهم عليه بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} (الحشر: 9) وإننا لا نطمع بأن نرى من مساعدة جميع أغنيائنا على نشر دعوة الإسلام مثل ما تبذله جمعية غسالات ليون للمبشرين بالنصرانية وهي جمعية ألفتها غسالة في تلك البلدة الفرنسية من بنات حرفتها ورأس مالها الآن يبلغ ألوف الألوف.

نعم، إن كثرة تعرض دعاة النصرانية في مصر للطعن في الإسلام قد وجه قلوب كثير من أهل الغيرة إلى مسألة الدعوة فهم قد نفعوا المسلمين ولم يضروهم وإن لم تفهم هذا جرائدنا التي طفقت تدعو الحكومة إلى منعهم من الدعوة ونشر الكتب، ولو كانت هذه الجرائد تحسن الإسلام لردت عليهم بما يدفع الشبه ويقوي استعداد المسلمين لمثل عملهم، وأَنَّى لها بذلك؟ وإنَّا لنرجو من المسلمين نهضة جديدة لدعوة دينهم الحق بالاستعداد والإمداد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

___________________________________________________

مجلة المنار المجلد الثامن (ص: 879)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق