الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

دعوة الإسلام في اليابان


الكاتب: محمد رشيد رضا
_________

الأخبار والآراء



كان لما كتبناه في مسألة دعوة اليابان إلى الإسلام تأثير في جميع الأقطار الإسلامية فقد نقلت ما كتبناه الجرائد الهندية وأضافت إليه ما أضافت.

وكتب إلينا بعض أهل الغيرة من مسلمي الآفاق بالاستحسان والاستعداد لإسعاد الدعوة إن وجدت، ومن ذلك ما كتب إلينا بعض الفضلاء من سنغافورة وهو:
(قد أسرني ما رأيت بالمنار من ذكر الدعوة إلى الله بالجابان وباطلاعنا على ما ذكرتم كتبنا لأحد المسلمين في شنغاي (بالصين) ليفيدنا عن الشيخ حسان , وأحببنا أن نكاتبه ونمن بما نقدر عليه، فوصلنا منه ما ترونه ضمن هذا بعد الاطلاع عليه أرجعوه إلينا إن شئتم، وقد أجبناه عسى أن يؤلف لجنة لجمع إعانة لهذه الغاية فعسى ولعل. ويقال: إن أهل الهند جهزوا عالمًا بخمسة آلاف روبية ليذهب إلى جابان للدعوة. وقد أطربنا ما ذكرتم في المنار بالعدد الأخير (يعني ج22) من دعوتكم العلماء للذهاب والأغنياء للمعاونة بالمال، وقبلنا تلك السطور نيابة عن أنامل سطرتها ولكنا لا نوافقكم في أن (سروات) مصر لا يكتتبون بالمبالغ الكبيرة، ودليلنا أن القوم يكتتبون سنويًّا لعيد الجلوس ونحوه من الأعياد الفارغة بمبالغ غير حقيرة مع أن الأمير لا يقرأ تلك القوائم ولو قرأها لم تعلق بذهنه فضلاً عن أن يثيب على ذلك فمن لا يبخل بالترهات كيف لا يبذل المال في نصرة الدين، وإقراض أحكم الحاكمين؟ ! فلا نزيدكم توصية بالتكرار. وهنا قد أحب بعض قراء المنار المشاركة وسيقدمون ما يجتمع وهو وإن كان زهيدًا فأول الغيث قطر) اهـ. بنصه.

وهذا ما كتب إليه من شنغاي بعبارته، قال الكاتب بعد رسوم الخطاب:
(إحاطة علمكم ما هو محرر بمجلة المنار الإسلامي عن أن رجلاً من الصين اسمه حسان قد قام بكتابة بعض عبارات في مجلة شوكيما الجبانية يدعو القوم إلى الديانة الإسلامية (وتطلبوا) الإفادة عن (أدريسه) فلآخر شرحكم فهمناه كما اطلعنا عليه بالمجلة المذكورة ونشكر غيرتكم الحمية عليه. غير أنه قد تعجبنا من ذلك لعلمنا بعدم وجود (هكذا) شخص بالصين أهلاً لذلك، ونأسف كما يأسف كل مسلم غيور بأن تكون أهالي الصين المسلمين محرومين من هكذا رجل وهو أحوج الناس إليه، ولدى الاستعلام عن الشخص المذكور فهمنا بأنه قد حضر من بضعة أشهر من بلدة (دلهي) بالهند رجل عالم اسمه بالإنكليزي (سفراي حسين) ولعله هذا الشخص الذي يعني عنه المنار (حسان) من طرف جمعية إسلامية بالهند لهذه الغاية إلى الجبان من بعد أن أقام كام يوم هنا طرف أحد الإخوان. وقد فهمنا أنه توجه إلى الجبان إلى أوزاكا ومنها إلى ناكازاكي حيث أقام بتحرير جملة مقالات في بعض جرائد الجبان وإلقاء بعض خطب بهذا المعنى، والآن نجهل محل إقامته كما نجهل (أدريسه) إلا أنه يمكن يحرر له بالاسم المشروح أعلاه بالإنكليزي إلى يوكاهاما أم ناكازاكي، وغدًا إن شاء الله سنحرر إلى أحد الأصحاب بتلك الأطراف للاستعلام عن ذلك وإليكم الحقيقة بعد هذا.


أما حالة الجبان الدينية فهي كما كتب محرر المجلة المذكورة ولم يزالوا تائهين حائرين على دين يعتقدوه (وإن يكن منهم صار الحظ الأوفر مسيحية) ونعرف منهم اثنين قد اعتنقوا الدين الإسلامي ولا قدروا يفهموا منه إلا أسماءهم حيث قد صاروا بأسماء جديدة أحدهم إبراهيم والثاني إسماعيل. ونعهد أن منهم جملة قدصاروا يهودًا. والحقيقة الآن فرصة ثمينة جدًّا وثواب عظيم. ولكن يحتاج هذا لرجل عظيم فيلسوف غيور مستعد ليس بعلم الفقه فقط.. على مذهب الشافعي..
وحضرتكم أعلم.


أما حالة الصين فلا ننكر وجود جملة إسلام يعد بالملايين ومنهم العلماء الأعلام، ويوجد عندهم المدارس العالية الداخلية حيث يوجد بهم ألوف من طلبة العلم أخصه في البلاد الداخلية حيث أعلم الإسلام بهم نظير كيانسو شانسي.
وهونان ولكن من الصعب وجود شخص بالاستعداد الكافي والغيرة لما ذكر.
ربنا اهدنا ووفق وألِّف بين قلوبنا إنك سميع مجيب.. اهـ. بحروفه ونقطه


إلا اسم العالم الهندي فقد رسمناه بحروف عربية وظاهر أنه يريد بالجبان اليابان وبالأدريس (العنوان) . 
وكنا قبل هذا قرأنا في جريدة (وكيل) الهندية الغراء ما ترجمته:
(حضر من أعيان الهند وعلمائها الأعلام (سرفواز حسين) إلى مدينة نجاساكي اليابانية في 11 ديسمبر 1905 وفي 18 منه دخل إلى أحد معابدها المسمى (جوسوجي) وألقى خطبة شائقة باللغة الإنكليزية موضوعها (التوحيد الإسلامي ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم) ، وكان عدد الحاضرين يبلغ زهاء أربع مائة من يابانيين وأوربيين، ودام في خطبته ساعتين، وكان من الحاضرين اللادي مس ريندلف كود الأمريكانية، وكانوا يسمعون بكل انتباه وإصغاء. وفي اليوم ليوم إلقاء الخطبة كتبت عنها الجرائد الإنكليزية واليابانية مقرظة إياها أحسن تقريظ وقد جاء كثيرون ليسألوا العالم الهندي بارتياح ومسرة عن التوحيد والنبوة وبعد عشرة أيام برحها إلى مدينة كوبي ومنها إلى طوكيو) اهـ.



(المنار)

نقول: إن مصدر خبر الشيخ حسان الصيني هو الجرائد العثمانية ولا ندري من أين أخذته. 
ولا فرق عندنا بين أن يكون الداعي للإسلام هنالك صينيًّا أو هنديًّا لأن الملة واحدة، ولكن نرجو أن يكون هنديًّا لأن أهل الهند أعلم بها من أهل الصين ومَن لنا بمَن يترجم لنا خطبة أخينا سرفواز حسين لعلنا نجد فيها ما يطمئن له القلب من ناحية هذا الداعي الأول للإسلام في تلك البلاد. ولا يشك عاقل في أن هذا العمل الجليل لا يكفي للقيام به عالم واحد مهما اتسعت دائرة علمه، ونفذت أشعة عقله وفهمه، فلا بد للمسلمين من جمعية للدعاة يكون لها مدرسة لتربيتهم وتعليمهم وصندوق غني للنفقة عليهم. ولكن هل بلغ استعداد المسلمين الديني والاجتماعي في جميع الممالك إلى أن ينهضوا بجمعية واحدة كأصغر جمعية من جمعيات المبشرين عند النصارى؟ ! .


يظن صاحبنا الذي كتب إلينا من سنغافورة أن المصريين وحدهم يضطلعون بهذا العمل وهو قليل على كرمهم، ولكنه أيد ظنه بقياس الجد على الهزل ولا أزيد على هذا شيئًا في الكلام على قياسه وأقول له: إن لي في المصريين لأملاً ما، ولكني أعتقد أن هذا العمل لا يتم إلا إذا تضافر المسلمون في كل الأقطار عليه.

ويرجى بعد أن تبدو ثمراته بسعي أصحاب الهمم العالية والغيرة الصادقة أن تصير الثقة به عامة وأن توقف عليه الأوقاف العظيمة فإن حب الخير وبذل المال في سبيل الله لم يُمْحَ من نفوس المسلمين، ولكن الأغنياء منهم صاروا طبقات فمنهم مَن عبد المال من دون الله لا يسمح بقليل منه ولا كثير وهؤلاء قد فسدت فطرتهم فلا رجاء فيهم! ، ومنهم من لا هَم له إلا الإسراف والتبذير في سبل الشهوات واللذات والفخفخة والزهو والخيلاء وأكثر هؤلاء من عبيد الشهوات الذين لم يبقَ للدين بصيص من النور في قلوبهم. وقد يوجد فيهم من تُرجى أوبته، وتحسن خاتمته، ومنهم من يحب عمل الخير ولكن يضعه في غير موضعه لجهله بما يُرضي الله وينفع الناس فيبني مسجدًا حيث تكثر المساجد فيزيد المسلمين تفريقًا أو يوقف وقفًا على ضريح بعض المشهورين بالصلاح، ومنهم من يميز بين الضار والنافع ولكنه ضعيف لا يقدر على العمل بنفسه ولا يثق بالعاملين وإن كانوا قادرين، وإنما الرجاء بمثل هذا بعد ظهور ثمرة العمل. وأما الغني السخي العاقل الشجاع الذي يرجى للشروع في الأعمال العظيمة فقليل، وهو المرجو لهذا المشروع الجليل.

_______________________________________

مجلة المنار المجلد التاسع (ص:75)

الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2016

مسلمو الصين والإسلام في اليابان



الكاتب: محمد رشيد رضا



في الصين عشرات من الملايين المسلمين هم أكثر أهل تلك المملكة الكبرى مالاً وأعز نفرًا، هم أكثر مالاً؛ لأنهم أبرع في التجارة، وأكثر اشتغالاً بالصرف والدين بالربا الفاحش ويستحلون الربا على تشددهم بما يعرفون من دينهم لأن كتب الفقه الحنفي (كتب مذهبهم) تبيحه في دار الحرب. 
وهم أعز نفرًا لشجاعتهم وإتقانهم للفنون العسكرية، فهم أقوى جيش الدولة وأمنع حماة الأمة، وقد أنشأوا يهاجرون إلى اليابان بأموالهم وسلعهم لأجل الصرف والدين والتجارة بعد ما كانوا محجمين عنها لأنهم علموا أن اليابان تغيرت حالها بعد الحرب فصارت تحترم الغرباء وكانت تحتقرهم. 
وإننا نتوقع أن يستفيد المسلمون من معاشرة اليابانيين، الميل إلى الأعمال الاجتماعية والعلوم العصرية فإننا نعرف عنهم أنهم لا يتعلمون إلا قدر الحاجة من القراءة والكتابة والأحكام الفقهية ثم ينصرفون إلى الأعمال المالية إن لم يدخلوا في أعمال الدولة العسكرية والإدارية.

ومن الغريب أن تظهر الدعوة إلى الإسلام في اليابان من بعض مسلمي الصين دون مسلمي الهند أو الآستانة أو مصر. 
ولو كان مسلمو الصين على علم واسع بالإسلام لكانوا أحق بهذه الدعوة لأنهم أول من يستفيد منها، وفائدة اليابان من الاتحاد معهم أعظم فإنها بهم تستعمر مملكة ابن السماء (الصين) كلها وناهيك بمملكة تضم بين جوانحها أكثر من ربع البشر وما أرى أن مسلمي الصين يلاحظون هذه الفائدة إذ بلغني أنهم لا يحفلون بالسياسة بل لا يفكرون فيها وما أظن أن دعوة الشيخ حسان لهم إلى الإسلام إلا بباعث ديني وذلك - إن صح - خير من أن يكون بباعث سياسي فإن من يدعو إلى الدين لأجل السياسة لا يكون جديرًا بالنجاح كمن يخلص في دعوته لله رب العالمين.


المعروف عن الأمة اليابانية أن العلم قد هدى فضلاءها وزعماءها إلى بطلان الوثنية التي درجوا عليها وأنهم يطلبون باستعدادهم الجديد دينًا معقولاً يتفق مع المدنية والعلم والعمران فهم يطلبون الإسلام ولا يجدون من يمثله لهم ونخشى أن يعجز الشيخ حسان الصيني عن إقناعهم فيظنون أن مبلغ علمه بالإسلام هو الإسلام فينصرفوا إلى غيره.

فهل نجد في مسلمي هذه الديار رجلين أو ثلاثة قد استعدوا للدعوة إلى الإسلام بفهم الكتاب والسنة وحكم التشريع ومواضع الشبهات على الدين ومسالك كشفها والقدرة على تمثيل الإسلام جامعًا بين مصالح الدنيا والآخرة موافقًا لحال الناس في عصر العلم والحضارة والصناعة عصر الكهرباء والبخار، يتركون وطنهم المحبوب ويسافرون إلى اليابان لمساعدة أخيهم الشيح حسان الصيني على الدعوة؟ 
وهل نجد في أغنيائنا من يتبرع بشيء من فضل ماله لمساعدة هؤلاء الدعاة إن وجدوا أو لأجل إيجاد دعاة للإسلام يعلمون تعليمًا خاصًّا يساعدهم على ذلك؟

يوجد في المسلمين من يثق بدينه ولا يرتاب فيه أكثر ما يوجد في اليهود والنصارى، ولكن الشاك في دينه من اليهود والنصارى يبذل في نشره ونصره ما لا يبذل المسلم الموقن؛ لأن المسلمين قد ضعفت فيهم الحياة الاجتماعية، وغلبت عليهم الأثرة بعد ذلك الإيثار الذي مدح الله سلفهم عليه بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَة} (الحشر: 9) وإننا لا نطمع بأن نرى من مساعدة جميع أغنيائنا على نشر دعوة الإسلام مثل ما تبذله جمعية غسالات ليون للمبشرين بالنصرانية وهي جمعية ألفتها غسالة في تلك البلدة الفرنسية من بنات حرفتها ورأس مالها الآن يبلغ ألوف الألوف.

نعم، إن كثرة تعرض دعاة النصرانية في مصر للطعن في الإسلام قد وجه قلوب كثير من أهل الغيرة إلى مسألة الدعوة فهم قد نفعوا المسلمين ولم يضروهم وإن لم تفهم هذا جرائدنا التي طفقت تدعو الحكومة إلى منعهم من الدعوة ونشر الكتب، ولو كانت هذه الجرائد تحسن الإسلام لردت عليهم بما يدفع الشبه ويقوي استعداد المسلمين لمثل عملهم، وأَنَّى لها بذلك؟ وإنَّا لنرجو من المسلمين نهضة جديدة لدعوة دينهم الحق بالاستعداد والإمداد، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.

___________________________________________________

مجلة المنار المجلد الثامن (ص: 879)

الأحد، 23 أكتوبر، 2016

دعوة اليابان إلى الإسلام (مجلة المنار)


الكاتب: محمد رشيد رضا

__________

(دعوة اليابان إلى الإسلام)

خواطر وآراء



كان أُشِيعَ منذ سنين أن أولي الأمر في اليابان قد عرفوا بارتقائهم في العلم والسياسة أن دينهم الوثني باطل، وأنهم يبحثون في غيره من الأديان؛ ليختاروا لهم منها ما يظهر لهم أنه أهداها سبيلاً وأقومها قيلاً وأقواها دليلاً، وأقربها من صداقة المدنية وأبعدها عن عداوة العلوم الكونية، وأنهم لاحت لهم بوارق، فراجعت حكومتهم في ذلك سلطان العثمانيين، لأنه أكبر سلاطين المسلمين، شاع ذلك أيام أرسل السلطان عبد الحميد تلك السفينة الحربية (أرطغول) إلى بلاد اليابان لتزور حكومتها وأرسل معها وفدًا دينيًّا ليبين لها حقيقة الإسلام كما قيل، ولكن السفينة غرقت قبل أن تصل إلى حيث تقصد، ثم سكت الناس عن الكلام في إسلام تلك الأمة ونسوه، ولم يكن قد ظهر لهم حقيقة أمرها في القوة والمدنية.

ولما ظهر من أمرها في الحرب الأخيرة في هاتين السنتين ما ظهر، وغلب نور فضلها - وهي دولة الشمس - على نور القمر، عاد المسلمون إلى حديثهم الأول في إسلامها فتحدث به المصري، والسوري، والهندي، والروسي والجزائري، والتونسي، والأفغاني، والصيني، من غير مواطأة بين مسلمي هذه الأقطار، ولا تقليد أحد منهم للآخر في الأفكار، وإنما هو شعور بعثه في نفوس هذه الشعوب القصية ما يعلمونه من الخطر على بقايا السلطة الإسلامية بما جلب عليهم حكامهم من الجهل والاستبداد مع وقوف دول أوروبا لهم بالمرصاد، وبما اعتادوا عليه - أعني المسلمين - من الاتكال على الحكام في الأعمال، والاستعاذة بهم من خواطر التكافل والاستقلال والنهوض بجلائل الأعمال.


إسلام هذه الأمة العزيزة ذات الدولة القوية قد صار من الأماني التي يتخيلها كثير من المسلمين المتفكرين الذين يألمون من سلطة المخالف لهم في الدين، فمنهم من يلهو بتخيلها في خلوته، ويتمثل بما قال ذلك الشاعر في معشوقته:
أماني من سُعدى عذاب كأنما ... سقتنا بها سُعدى على ظمأ بردا
مُنى إن تكن حقًّا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدا

ومنهم من يتحدث بها في الأندية والسمار، ويشرح ما يكون لها من الفوائد والآثار، ويقول: إن أسلم (الميكادو) فأنا أول المبايعين، وأضمن له ذلك في جميع شعوب المسلمين، ومنهم من ارتقى عن الأماني ووهم أحلام المستيقظين، وعن لغو الحديث وهو فاكهة الكسالى والعاجزين إلى حث من يظن فيهم كمال العلم بحقيقة الإسلام على تأليف رسالة أو كتاب لدعوة أولئك الأقوام، ومنهم من يقترح أن يجمع شيء من المال يجهز به دعاة من فضلاء الرجال ليأتوا البيوت من الأبواب وينشر الدعوة بالقول والكتاب ومنهم من ارتقى إلى الاستعداد للدعوة بالفعل ويقال: إنه قد انتدب إلى ذلك أفراد من الشيعة في الهند.


رأينا بعض أولئك المتمنين، وتحدثنا مع بعض المقترحين فرأينا أن السياسة هي ولدت في نفوسهم هذه الرغبة، وقلما تجد فيهم من يود إسلام تلك الأمة لباعث ديني خالص من شوائب السياسة، وإني ليحزنني أن لا أرى في قومي كثيرًا ممن بهتم بنشر الإسلام لذاته رغبة في سعادة من يدخل فيه وفوزه برضوان الله تعالى ويعزيني عن حزني أن أرى الاهتمام بحفظ السلطة الإسلامية عظيمًا في نفوس كثير من المسلمين، فإن للإسلام ركنين أحدهما للآخرة، وثانيها للدنيا وإن ضعف أحدهما أهون من ضعفها كليهما وإن كان القوي لا يغني عن الضعيف إلا أن يستند إليه المصلحون في إقامة الآخر وإرجاعه إلى أصله.

قلت لبعض المتكلمين معي في هذه الأمنية: إن اليابانيين مستعدون لقبول دين يتفق مع العلم، والمدنية، والقوة، وإنا نحن وإياكم لعلى اعتقاد بأن الإسلام الذي عليه المسلمون ليس كذلك وإلا لما حرموا من العلم والمدنية والقوة ما اعتز به غيرهم، وأن الإسلام الذي جاء به القرآن الكريم وبينته السنة السنية، وكان عليه أهل الصدر الأول هو كذلك، ثم إن ما تطلبونه بدعوة هذه الأمة إلى الإسلام هو الاعتزاز السياسي بهم والتمتع العاجل بحمايتهم، وإنما يرجى هذا إذا وجهت الدعوة أولاً إلى ملكهم ورجال حكومته، هؤلاء قوم سياسيون يوشك أن لا يعتدُّوا بقول أمثالنا في بيان دين له ملوك وأمراء بدون استفتائهم فيه، فإذا نحن كتبنا رسالة الدعوة وبينا فيها أصول العقائد والأحكام في الإسلام وأهمها عند هؤلاء شكل الحكومة وهو كونها وسطًا بين الديمقراطية والدسقراطية المتطرفتين، مشروطًا فيها مشاورة أولي الأمر في الشؤون السياسية واستنباط الأحكام، وهم أهل الحل والعقد وأصحاب المكانة والرأي. 

فما يشعركم أنهم يراجعون في ذلك السلطان الذي يرون المسلمين يلقبونه بخليفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعترفون له بالرياسة الدينية، وإذا هم فعلوا فماذا تتوقعون من جواب السلطان، ومن مفتي الدولة الأكبر الملقب بشيخ الإسلام؟
قيل: ننتظر أن يكون الجواب تكذيب الرسالة، ولكننا نقول: إن هؤلاء العقلاء لا يستفتون حكومة شخصية مطلقة في شأن حكومة شورية مقيدة، بل يعتمدون على الدليل والبرهان، والاستشهاد على ما يدعون إليه بما مضت به السنة ونطق به القرآن، قلت: المسألة فيها نظر، تجب فيه إجالة الفكر.


وهنا خاطر آخر، إذا قلنا لهؤلاء القوم: إن هذا الدين هو الدين الوحيد الذي حفظ أصله، وضبط تاريخه؛ فكتابه المنزل نقل بالتواتر الصحيح فهو يقرأ في مشارق الأرض ومغاربها كما كان يقرأه النبي وأصحابه، ويكتب في بلاد العرب والعجم كما كتبه حفظة الوحي وكتَّابه، وأن ما فسره وبينه من السنة العملية قد تواتر كذلك تواترًا حقيقيًّا لم تنقطع سلسلته في يوم من الأيام، وما يؤثر عن النبي وأصحابه من الأقوال، قد ضبط ضبطًا لم يعهد مثله في جيل من الأجيال، ومع هذا كله نفرض عليكم ما رضيه جماهيرنا لأنفسهم وهو أن تتبعوا في الدين رأي عالم من المجتهدين الذين أفتوا وعلموا بعد النبي وأصحابه بعشرات أو مئات السنين، ولا نبيح لكم أن تأخذوا الدين من كتابه المنزل وسنة نبيه المرسل، وتردوا الشريعة من ينبوعها الأول، فإن رضيتم بذلك عددناكم من المسلمين، وإلا كنتم في نظرنا من الضالين المضلين، إذا فصلنا لهم هذا القول أفتراهم يرضون بأن نكون لهم هداة مرشدين على رضانا بحرمان أنفسنا من الاستقلال بفهم الدين؟ 
أتراهم يتركون لنا ونحن دونهم في العلم ما نجحوا به من الاجتهاد والاستقلال، والاعتماد في قبول أي شيء أو رفضه على قواعد الاستدلال؟ 
أتراهم يرون من الخير لدولتهم وأمتهم، ولمسابقة الأوروبيين في ثروتهم وقوتهم، أن يتعبدوا في أعمالهم السياسية والمالية والمدنية، بأقوال التتارخانية والشرنبلالية والولوالجية، أو أمثالهم من كتب المالكية والشافعية، كلا إن البداهة لتقضي بأن أمثال هؤلاء المستقلين في كل شيء لا يقبلون إلا دينًا معقولاً مساعدًا على مسابقتهم للأمم الراقية في كل شيء فيستحيل أن يقيدوا أنفسهم بفهم رجال غير معصومين وجدوا في زمان كانت سياسته وحروبه ومدنيته ومعاملاته التجارية وغيرها مباينة لما عليه أهل هذا العصر مباينة تقضي باختلاف الأحكام، أو أن يدينوا باعتقاد العصمة لأئمة آل البيت عليهم السلام، ويأخذون ما يرويه عنهم الشيعة بالاستسلام؟


نحن نجزم بأن الإسلام دين الارتقاء الذي يناسب كل عصر فليس في كتابه العزيز ولا في سنته الثابتة التي لا خلاف فيها بين المسلمين ما يبطئ، بسير أمة مستقلة ومسابقتها لسائر الأمم ولكن في الأحكام الخلافية التي هي محل الاجتهاد بين الفقهاء ما لا يوافق مصالح الناس في كل عصر فالتزام أقوال بعض المجتهدين وأتباعهم في أحكام المعاملات والسياسات والأخذ بكتب أي طائفة من الفقهاء هو عائق لأمة تلتزمه عن مجاراة أمم لا تلتزم إلا ما ترى فيه في مصلحتها التي تختلف باختلاف ما يستحدث الناس آنًا بعد آن من ضروب التفنن في الكسب واستعمار الأرض. 


فمن يدعو اليابانيين إلى الإسلام يجب أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة وما في هذا العصر من طرق مدنية الأمم والدول، وأن لا يلتزم الدعوة إلى مذهب معين وإلا كان من الخائبين، والويل لهذه الدعوة إذا جاءت من قبل شيوخ الرسوم المقلدين، وأين نجد هؤلاء الدعاة الهداة المهديين؟

ومن المسائل التي يجب إجالة الفكر فيها عند البحث في هذه الدعوة (مسألة الوطنية) التي يدعو إليها بعض الأحداث المتسممين بغواية أوروبا، أو إغوائها للمسلمين، ومن مقتضاها على ما يعرف القراء أن المسلم الياباني إذا جاء بلادًا إسلامية غير بلاده، وأراد الإقامة فيها يجب أن يُعَدَّ دخيلاً، وأن يسعى الوطنيون في مقاومته وعرقلة أعماله؛ لئلا يربح من بلادهم ما هم أحق به في شريعة الوطنية، وإن كانت أعماله خدمة لهم حتى في دينهم أو ترقية بلادهم، وإن كان لا يوجد في البلاد من يغني عنه فيها.

إذا سرى سم هذا الضرب من الوطنية في كل قطر من الأقطار الإسلامية ألا يكون مانعًا من استفادة بعضهم بما يفضلهم به الآخرون من علم وعمل؟ إذا كان اليابانيون أنفسهم على هذه الطريقة فهل يهمهم من أمر المصري والسوري والمغربي ما يحملهم على إفادة إخوانهم في هذه البلاد بما أُوتوه من عزة وقوة وعلم وصناعة؟
ماذا ينتظر أهل مذهب الوطنية الكاذبة من دخول اليابانيين في الإسلام، ومن أصول مذهبهم أن الرابطة الجامعة بين الناس هي عصبية البقعة لا الدين ولا اللغة!! بل ولا السياسة فإن أحداث الوطنية في مصر لا يعدون العثماني السوري شريكًا لهم في وطنيتهم، ولكن الشعور بميل المسلمين في مصر إلى إسلام اليابانيين وباستفادتهم منه يدلنا على أن الرابطة الإسلامية لا تزال أقوى من الرابطة الوطنية التي يدعو إليها الأحداث الجاهلون.

ولا ينسين المتمني لو يسلم اليابانيون، والباحث في دعوتهم ليعتز بإسلامهم في بلاده، وإن بعدت عنهم أنهم إذا قصدوا إلى الدخول في سياسة بلاد غير بلادهم فإن حكومتها إذا كانت إسلامية تناهضهم باسم الدين وعلماء الرسوم المقلدون يؤيدون حكوماتهم في أمثال هذه الأمور، بل هم عضد الحكام وأنصارهم في كل شيء فهم يفتون لهم بكفر اليابانيين لا سيما إذا كانوا لا يلتزمون في إسلامهم إتباع مذهب من المذاهب الأربعة في الأحكام واتباع الأشاعرة أو الماتريدية في تقرير العقائد، هذا إذا كانت الحكومة التي تقاومهم تنتسب إلى أهل السنة كالدولة العثمانية أو إتباع مذهب الشيعة إذا أرادوا الدخول في سياسة الدولة الإيرانية. 
وبذلك يكون دخولهم في الإسلام لأجل السياسة فتنة للمسلمين لا يستهان بها، ولا يسهل الحكم بنتيجتها.


وقد يقال: لو لم تستفد البلاد الإسلامية البعيدة عن اليابان من إسلامهم إلا الاستفادة المعنوية لكفى وأدنى هذه الفائدة أن تخفف أوروبا وطأتها عن المسلمين في مستعمراتها بل وفي الممالك الإسلامية المستقلة التي يعبث الدول باستقلالها كل يوم حتى صار مهددًا بالزوال والعياذ بالله تعالى، ولا يبعد أن يلهم الله ملوك المسلمين رشدهم فيخالفون هذه الدولة العزيزة إذا قضت حكمته بأن لا تنازعها على لقب (الخلافة) الذي كان بركان كل بلاء وعلة كل شقاء أصاب هؤلاء المسلمين ماضيهم وحاضرهم. 
أقول: وإن أمام هذه المخالفات ووراءها من مقاومة أوربا ما لا ينكره بصير، ولا فائدة لنا في الخوض فيه وإنما نودع هذا المبحث الجديد (تمني إسلام اليابانيين) من المسائل والخواطر ما يذكر الناسي وينبه الغافل إلى المسائل التي يفيد تذكرها والفكر فيها.

لتجدن أجدر المسلمين بالاستفادة من إسلام اليابانيين- لو حصل - مسلمي الصين وأن استفادة الدولة اليابانية منهم لأكبر من استفادتهم منها، ذلك أن مسلمي الصين لا يقل عددهم عن عدد اليابانيين، وهم أشد أهل الصين بأسًا وأعز نفرًا، وأبرع في الجندية، وأحسن أثرًا، فيسهل على الدولة اليابانية على قربها منهم، ومعرفة كثير من رجالها بلغتهم أن تستعين بهم على ما تريد مملكة الصين فتسود في الشرق الأقصى سيادة يمتد شعاعها إلى الشرق الأدنى، فيحييه حياة جديدة تكون مبدأ لدخول العالم كله في المدنية الفضلى، واستقامته على الطريقة المثلى، بالجمع بين الدنيا والدين بين مطالب الجسد والروح بين سعادة العاجلة والآخرة، وذلك هو الفوز المبين.


تلك الخواطر التي عارضت الفكر وهو يجول في رياض هذه الأمنية هي من أهم مسائل الإصلاح التي تذكرنا بمواضع ضعفنا، وناهيك بمسألة فقد العلماء المستعدين للدعوة الصحيحة إلى الإسلام التي يقدر أصحابها على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في مخاطبتهم الناس على قدر عقولهم، وبما يناسب استعدادهم. 
إنك لتدخل بيوت بعض علمائنا فتجد فيها ألواحًا معلقة على الجدر مكتوبًا عليها بخط يلفت جماله النظر (العلماء ورثة الأنبياء) وألواحًا أخرى مثلها في الجمال والبهاء كتب عليها (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) [*] علقت لتوهم الزائر أن صاحب الدار من هؤلاء الورثة، لكن الخبير الذي لا تخدعه الأزياء ولا تغره الرسوم يعلم أن واحدًا من هؤلاء العلماء الرسميين لا يقدر على إقناع أحد من أهل هذا العصر بدعوة الإسلام بل يخشى أن يكون حديث الواحد منهم في الدين مع أهل العلوم الاجتماعية والسياسية حجابًا كثيفًا دونه بل شبهات قوية تصد عنه. 

وإذا كانوا يعجزون عن كشف شبهة تعرض لتلميذ يتلقى العلوم العصرية وهو مؤمن بالله ورسوله وكتابه ولكنه جرى في التعلم بالدليل فأَنَّى يقدرون على تمثيل الدين لفلاسفة العصر وساسته معقول العقائد سامي الآداب منطبق الأحكام على منافع الأمم في ثروتها ومدنيتها ومصالح الدول في إدارتها وسياستها ويقنعونهم بأن الإسلام لا يعيد العقل إلى وثاقه ولا يكبل الفكر بأوهاقه فيقيد العلم بعد إطلاقه ثم يدحضون بالآيات البينات ما يوردونه عليه من الشبهات؟
أين يوجد هؤلاء العلماء في المسلمين؟ 
وإذا عطس الصبح فظهر واحد منهم أيعترف له الرسميون بالعلم والدين؟ 
وهل الحكام والعوام إلا تبع لهؤلاء الرسميين الضخام وهم مجموع المسلمين؟ 
ودين الناس مما يقرره علماؤهم الرسميون لحكامهم وعامتهم. 

ناظر مُناظر بعض العلماء الغربيين في كثير من مسائل الإسلام التي يشتبهون فيها فنهض بالحاجة فقال له مرة إن ما تقوله صحيح ومعقول ولكنه فلسفة وعقل لا دين وإنما دين الناس ما هم عليه. 

وقال مرة أخرى أرأيت إذا سألت علماء الأزهر ما عدا الشيخ محمد عبده عن هذه المسائل أيجيبونني بمثل هذه الأجوبة؟ 
قال: لا أدري بماذا يجيبون وحسبك أن تعلم هذا هو الإسلام من إسنادي إياه إلى القرآن والسنة.

الدعوة إلى الدين لا يقوم بها في هذا العصر كل من قرأ السنوسية والعقائد النسفية، ولو وقف مع ذلك على المواقف العضدية، وكل ما يقرأ في الأزهر من الكتب الفقهية.
للدعوة معارف أخرى، منها فهم الكتاب العزيز والاطلاع على السنة ومعرفة ما فيها من حكم التشريع، ومنها معرفة السيرة النبوية وتاريخ الإسلام، والبصيرة في علم الاجتماع والتاريخ العام، والإلمام بسائر العلوم العصرية، والاطلاع على ضروب الأساليب المدنية، ومنها غير ذلك مما يتعلق بالدعاة ومن تراد دعوتهم، وقد فصلنا القول فيها من قبل فليراجعه في المجلد الرابع من شاء. 

وقد كان الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - يحاول إعداد فريق من طلاب العلم في الأزهر للدعوة، ولكن السياسة ما زالت تعارضه في عمله وتغري بذلك أهل الجمود من الشيوخ حتى جاءه الأجل قبل أن يتحقق له الأمل.

الاستعداد للدعوة يسير على أهل الأزهر إذا سلكوا سبيل الإصلاح التي كان يريدها الأستاذ الإمام، ولكن أنَّى لهم بمثل الزعيم الذي فقدوا. 
وإن في فضلاء المسلمين من غير أهل هذا المكان من هم أقدر على هذا العمل إذا حاولوه وإنما يحتاجون فيه مع الهمة والعزيمة إلى المال وأغنياء المسلمين لا يزال أكثرهم حليف الجهل وأسير البخل. 
وقد يتوهم الكثيرون منهم أن دعاة النصرانية المنتشرين كالجراد في جميع البلاد تنفق عليهم دولهم من خزائنها والصواب أن جميع نفقات جمعياتهم ومدارسهم مما يتبرع به أولو الطول منهم وهي نفقات تبلغ الملايين من الجنيهات. 
فأين هذا السخاء الذي يؤيد به هؤلاء الناس دينهم من شح قومنا وقبض أيديهم عن كل ما يؤيد الدين وينفع جمهور المسلمين، وأعجب منهم أننا نفتخر عليهم بأننا أشد غيرة على ديننا منهم على دينهم، فما أجهلنا بحالنا وحالهم.

__________

(*) العباراتان ترويان في الأحاديث المرفوعة، فأما الأول فحديث له أصل وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان وصححه عن أبي الدرداء ولكن إسناده مضطرب، وأما الثاني فموضوع، قال ابن بحر والزركشي: لا أصل له.

_______________________________________________

مجلة المنارالمجلد الثامن (ص:705)

السبت، 15 أكتوبر، 2016

هل تنصرت زائدة الأندلسية ؟



بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد

شغلت زائدة الأندلسية المؤرخين والمسلمين بوجه خاص، كيف لمسلمة زوجة لأمير مسلم أن ترتد وتتزوج رأس الكفر في زمانه ألفونسو السادس.

العجيب أن الرواية النصرانية تذكر أن زائدة هي ابنة للمعتمد بن عباد أهداها إليه نظير أن يساعده ضد أعدائه !! وقد أثبت خطأ هذة الرواية الكاذبة العلامة محمد عبدالله عنان رحمه الله تعالى وأثبت أنها غير صحيحة، وقد أزال الكثير من الإشكالات جعلها المولى في ميزان حسناته(1).

وأتعجب أيعقل أن يرضى الملك المعتمد ابن عباد أن يزوج ابنته لكافر نصراني، وجدة أشهر ملوك العرب في الجاهلية النعمان ابن المنذر اللخمي(2) آخر ملوك المناذرة رفض أن يزوج بناته لأعظم ملوك الدنيا في زمانه كسرى، وكان رفضه سبب هلاكه في القصة المشهورة، والتي حدثت بعدها معركة ذي قار الشهيرة.

هل يرضى المعتمد المسلم !!
ويرفض النعمان الذي عاش في عصر الجاهلية !!
أنفة العربي معروفة في هذا الجانب.
والأهم من ذلك أن المجتمع المسلم لن يرضى عن هذة المصاهرة.
وكذلك مهما كان خطأ المعتمد السياسي من تحالفه مع النصارى إلا أنه لا يطعن في عرضه، ويتساهل في خبر هذا الزواج.

وزواج المسلمة من كافر لا يخفى على المعتمد نفسه، ولا على أبنائه ويذكر المؤرخون أن أحد أبنائه كان فقيه وهو الرشيد عبيدالله.
ويذكر أن أباه المعتمد ولاه عهده وأنه قدمه أيضا إلى خطة القضاء بإشبيلية - محافظة على رسم سلفه في ذلك - فكان يجالس للأحكام جلوسا عاما يوم الخميس ويحضر عنده أعيان الفقهاء وأهل العلم وثقات الشهداء وتتجاذب عنده النوازل فيحكم فيها ويستفتي الفقهاء ويمضي في ذلك ما يجب على مذهب مالك وأصحابه وتنعقد عليه السجلات بالأحكام(3).
وكذلك ابنه الراضي يزيد كان من أهل العلم والأدب كلفا بالمطالعة والدراسة قرأ كتب القاضي أبي بكر بن الطيب وأشرف على مذهب أبي محمد بن حزم الظاهري فمهر في الأصول وذهب إلى النظر والاختيار(4).
وأمهم اعتماد، وكذلك من أبنائها عباد والفتح (المأمون).



أما صاحبة القصة زائدة هي زوجة المأمون بن المعتمد وأم أولاده، في سنة 484هـ حدثت فتنة محزنة بين المرابطين وأهل الأندلس كان من ضحاياها المأمون، وقبل أن يقتل أرسل زوجته وأبنائه إلى حصن المدور، وعندها وقعت بيد النصارى وأرسلت إلى ألفونسو السادس، واشتهر أنها تنصرت وتزوجت منه وتسمت باسم إيزابيل وأنجبت ابنه الوحيد سانشو، وماتت عندما أنجبته!! وذلك في سنة (1097، أو 1098 م).
وسانشو قتلة أسود المرابطون سنة 501هـ / 1108م.
ومات بعده والده ألفونسو حزن على مقتله(5).


المؤرخ الأندلسي الدكتور عبدالرحمن الحجي حفظه الله تعالى له رأي في شأن تنصر زائدة، يقول أن:
تنصّر زائدة زوجة المأمون ابن المعتمد محرفة اذ انها لجأت الى حصن حين حاصرهم المرابطون فوقعت في أسر ألفونسو ٦ فالاعتقاد انها أكرهت وتزوج منها(5).

وهذا الرأي هو الرأي الصحيح، لأنه لا يوجد خبر من ثقه عن تنصر زائدة، وأقصد بالثقة مسلم، والذي وصل إلينا من مؤرخي النصارى لا نأخذ به، لأنه أمر عظيم أن نحكم على مسلم او مسلمة بالردة ويكون مصدر الخبر كافر.
وكما هو معروف لا تأخذ شهادة الكافر على المسلم(6).


وهناك سؤال مهم:

هل عندما ولدت زائدة ابنها مات؟ أم قتلت؟
لا شك أن ما يزيد غموض قصتها هو موتها عند ولادة سانشو!
أما ما قيل أنها دفنت بدير ساهاجون، فهناك زوجة لألفونسو السادس اسمها يطابق اسمها وهي صاحبة القبر(6).


يقول العلامة عنان في ختام تحقيقه عن حقيقة زائدة الأندلسية:

" وقد زاد من غموضها صمت الرواية الإسلامية المعاصرة واللاحقة. والظاهر أن المؤرخين المسلمين قد شعروا بما يكتنف هذه القصة من دقة وإيلام للنفوس الكريمة، فآثروا الإغضاء عنها، باعتبارها حادثاً لا أهمية له من الناحية التاريخية "(9).

ربما سبب عدم ذكر المؤرخين المسلمين لهذه القصة هو عدم وجود رواية يعتمد عليها، وإنما أتت الأخبار من النصارى، والأصل عدم أخذ شهادة الكافر على المسلم كما ذكرت آنفاً.


أمرها إلى ربنا الحكيم العادل هل ثبتت على إسلامها وقتلت بعد أن أنجبت؟
أو أنها أردت وتنصرت؟
ولكن الأصل عندنا أنها مسلمة حتى يأتينا الدليل على تنصرها...



______________________________________________



(1)"أسطورة زائدة الأندلسية "
http://alhmdani897.blogspot.com/2013/10/blog-post_7475.html

(2) هذا ما ذكر ابن الأبار في الحلة السيراء (2/35) / دار المعارف / ط2.
وللمأمون بن المعتمد يفتخر بنسبة إلى قبلية لخم ، يقول:
قومي لخم وهم ما هم ... أهل الندى والبأس يوم لكفاح
كم كحلوه من عيون القنا ... وورّدوه من خدود الصفاح
(المرقصات و المطربات لابن سعيد الأندلسي / شعراء المائة الخامسة)

(3) الحلة السيراء 2/ 68.


(4) الحلة السيراء 2/ 69.

(5) دولة الإسلام في الأندلس 2/ 347

(6) سمعت هذة المقولة (شهادة الكافر على المسلم مردودة) من الدكتور جمال عبدالهادي حفظه الله تعالى في دفاعة عن السلطان سليم الثاني بن سليمان القانوني :
https://www.youtube.com/watch?v=3pzF-YDTDKE&list=PL-lSryY5i0TjBZDHPYj07lGlMeobhnoop&index=21

(7) https://twitter.com/aaelhajji/status/532224939882196994

(8) https://goo.gl/czICMe

(9) دولة الإسلام في الأندلس 2/ 348

السبت، 8 أكتوبر، 2016

الإمبراطور تاي تسونغ من أعظم أباطرة الصين على مر التاريخ



ولد (23 يناير 599م) وهو ثاني إمبراطور من أسرة تانج في الصين، وقد حكم من عام 626م إلى عام 649م.


يعتبر أحد أفضل الأباطرة في التاريخ الصيني. 
وعلى مدار باقي التاريخ الصيني، كان حكم الإمبراطور تايتسونغ يُعتبر النموذج المُحتذى وفي مقابله يُقاس كافة الأباطرة الآخرين، كما كان ينظر إلى فترة "حكمه زهينجوان" باعتبارها أحد العصور الذهبية في التاريخ الصيني الذي يتعين على أولياء العهد دراسته للاقتداء به. 


وقد ورد عن المؤرخ الصيني الحديث بو يانج أن الإمبراطور تايتسونغ قد وصل إلى العظمة من خلال تحمله للانتقادات التي كان الآخرون يرون صعوبة في قبولها كما كان يحاول جاهدًا عدم الإساءة إلى سلطته المطلقة.
بالإضافة إلى استغلاله لقدرات المستشارين مثل فانج إكوانلينج، ودو روحيو ووي زهينج. 
وقد ثبت أيضًا أن زوجة الإمبراطور تايتسونغ الإمبراطورة زهانجسن كانت مساعدة تمتلك قدرات وإمكانات هائلة.


ومما يؤثر عن إمبراطور الصين تاي تسونغ أنه لم يكن يأمر بإعدام أحد إلا بعد صيام ثلاثة أيام يحرم على نفسه فيها أن يسمع موسيقى أو يلهو بشيء من الملهيات، كذلك يؤثر عنه أنه وسع الفنون الحربية كثيرا˝.

وأنه هو الذي قال: ( لا مُلك إلا بأمة، ولا أمة إلا ولها ملك، فإذا استخدم الملك الأمة لقضاء أغراضه وملاذه فقد أصبح كالذي يقطع من لحمه ليشبع بطنه).
وأنه قال لمربي ولي عهده، وقد أخبره بأنه كسول: ( لا تعلمه أنك أنبأتني وإلا كرهك ولم يعد يستفد شيئا).


ولما مات (10 يوليو 649م) حزنت الأمة عليه حزناً شديداً حتى ليقال بأن منها من أثخن وجهه بالإبر، ومن قطع شعره، ومن ضرب آذانه بجانب النعش إلى أن خرج الدم.


_______________________________________

أتربي أبو العز (ت:1374هـ): نبذة عن الصين (ص 17/ 18)
ويكيبيديا

الأحد، 2 أكتوبر، 2016

من يعرف منكم في الخلفاء أو ملوك الطوائف من قتل عمه !!


وكان لأبي محمد (الإمام ابن حزم) ولد نبيه سريٌّ فاضل يقال له أبو رافع الفضل ابن أبي محمد علي، وكان في خدمة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية وغيرها من بلاد الأندلس.

وكان المعتمد قد غضب على عمه أبي طالب عبد الجبار بن محمد بن إسماعيل بن عباد وهمَّ بقتله لأمرٍ رابه منه، فاستحضر وزراءه وقال لهم: من يعرف منكم في الخلفاء أو ملوك الطوائف من قتل عمه عندما هم بالقيام عليه فتقدم. 
أبو رافع المذكور، وقال: ما نعرف أيدك الله إلا من عفا عن عمه بعد قيامه عليه، وهو إبراهيم بن المهدي عم المأمون من بني العباس، فقبله المعتمد بين عينيه وشكره، ثم أحضر عمه وبسطه وأحسن إليه.
وقتل أبو رافع المذكور في وقعة الزلاقة مع مخدومه المعتمد في يوم الجمعة منتصف رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
___________________________________________________

ابن خلكان (المتوفى: 681هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 3/ 329

" فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى " المعتمد بن عباد



عندما قتل المعتمد بن عباد اليهودي رسول الأذفونش (ألفونسو السادس)، غضب ألفونسو وتوجه إلى أشبيلية حاضرة المعتمد وأراد أن يحاصرها.

كتب إلى ابن عباد زارياً عليه: كثر بطول مقامي في مجلسي الذبان، واشتد علي الحر، فأتحفني من قصرك بمروحة أروح بها على نفسي، وأطرد بها الذباب عن وجهي.

فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة: قرأت كتابك، وفهمت خيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروح منك لا تروح عليك، إن شاء الله تعالى.
فلما وصلت الأذفونش رسالة بن عباد، وقرئت عليه، وعلم مقتضاها، أطرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال.


وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال.

وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه، ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد.
فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. 


وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين:
حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما.
أما حالة الشك فإني إن استندت لإلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك.
وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله ، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه.
_____________________________________________________

المقري (المتوفى: 1041هـ): نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 4/ 358-359