الخميس، 5 مايو، 2016

إفساد التعليم والأخلاق على الطريقة الفرنسية


يقول الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله تعالى:


جاءتني رسالة من رفيق زركلي، الطالب في السوربون، يقون إنه قرأ في الحلقات الأخيرة من ذكرياتي حملة قاسية على رجال الرعيل الأول في سوريا، من أمثال هشام الأتاسي وشكري القوّتلي وفخري البارودي وسعد الله الجابري، ولم يقرأ لي كلمة واحدة على غيرهم مِمّن عدا على العقائد فأفسدها، وعلى الأموال فغصبها، وعلى الأعراض ...

وجوابي أن من ذكر من الزعماء كنت أعمل معهم وأمشي وراءهم وأئتمر -أيام كنت أقود الطلاب من خمس وخمسين سنة (أي سنة 1931) - بأمرهم. ما كنت عدوّهم ولا أنا بالكاره لهم، ولكنّ لهم عيوباً. ما ادّعوا لأنفسهم ولا ادّعى أحدٌ أنهم كانوا مبرَّئين من العيوب معصومين من الذنوب. وأنا أدوّن ذكرياتي، أروي فيها ما رأيت وما سمعت، أذكر عيوبهم كما أذكر محاسنهم، لا بغضاً لهم ولكن نصحاً لغيرهم، وكذلك يصنع من يكتب التاريخ، لا يصوغ قصيدة في المدح.

كان هؤلاء كثوب أبيض به بقع من الزيت والطين والأوضار، فأنا أشير إليها وأدلّ عليها لتُزال فتعود بيضاء نظيفة، أو لئلاّ يصيب صاحب الثوب النظيف بقع مثلها. وربما كان في الناس مَن ثوبُه كله وضر وزيت وطين ما فيه بقعة بيضاء نظيفة، فلا يفيد معه الإشارة إلى وسخ ثوبه ولا إلى بيان عيبه، لأن الثوب كله أوساخ وهو كله عيوب.

أعود إلى حديثي. قلت إن الفرنسيين كانوا أشدّ عناية بلغتنا وأحرص عليها ممّن جاء بعدهم. وهذا حقّ، ولكن ليس الفضل لهم فيه وإنما لأولئك الغُيُر (جمع غيور) على العربية الذين كانوا يدفعون الفرنسيين إلى العناية بها ويخوّفونهم عواقب إهمالها، وكانوا يصنعون ذلك حباً بها ودفاعاً عنها وحفاظاً على القرآن الذي أُنزِل بها. من أمثال سليم الجندي وعبد القادر المبارك ومحمد البِزم وعبد الغني الباجِقْني، وطبقة بعدهم من أمثال ياسين طربوش وعبدالرزاق الباجقني، وإخوان لهم وأقران لا أُحصيهم الآن.

ورفيقنا سعيد الأفغاني الذي تسلّم أمر العربية في جامعة دمشق أكثر من ربع قرن، فكان له ولمن معه عمل ظاهر في الدفاع عنها. حتى إنه ألزم الطلاّب (وفيهم غير المسلم) دراسة القرآن باعتبار أنه كتاب العربية وهم يدرسون العربية، وأنه النص الأوّل الذي يُعتمَد فيها عليه ويُرجَع إليه.

ثم جاءت طبقة جديدة من تلاميذه كان منها راتب النفّاخ الذي بلغ بالعلم بالعربية مرتبة ما نالها إلاّ قليل، ومازن المبارك، وعاصم البيطار، ومن قبلهم عبد الرحمن الباني، ومعهم أو من بعدهم عبد الرحمن الباشا. هؤلاء على اختلاف أزمانهم وتفاوت أسنانهم، وأمثال هؤلاء من إخوانهم، هم الذين حفظ الله بهم العربية في الشام.

وقد نسيت عاملاً آخر هو الأستاذ كرد علي، والمجمع العلمي الذي أسّسه سنة 1920 فكان أبا المجامع العربية كلها، ومَن كان معه مِن رجال المجمع: الشيخ عبد القادر المغربي والأستاذ عزّالدين التنوخي والأستاذ عارف النكدي، وأمثال هؤلاء. ثم مَن جاء بعدهم من المَجْمعيّين: شكري فيصل وشاكر الفحّام وعبدالكريم اليافي وعدنان الخطيب.

والعامل الثالث أساتذة المعهد الطبّي (أي كلّية الطبّ) الذين قاموا بما قعدَت عنه الجامعات والمجامع، فعرّبوا على مدى نصف قرن جميع مصطلحات العلوم الطبّية: الأساتذة الأطباء حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية الآن، وحمدي الخياط وجميل الخاني وصلاح الدين الكواكبي ومرشد خاطر وشوكة الشطي، وأمثال هؤلاء المجاهدين الأفاضل.

وتمشي اليوم على الألسنة كلمات صارت ملكاً للناس جميعاً وعُدَّت من اللغة العامّة، وأنا أعرف تاريخ الكثير منها وشهدت مولده. فكلمة «عبقرية» من وضع الشيخ عبد القادر المغربي ترجمة لكلمة «جيني» الفرنسية، وكلمة «فيزياء» وكلمة «برمائية» من وضع التنوخي، وكلمة «عفوي» ترجمة للفظ الفرنسي «سبونتانيه» من وضع سليم الجندي (وفي مصر يقولون «تلقائي» بدلاً من عفوي). وكلمة «هاتف» للتلفون و «سيارة» و «درّاجة» وُضعت في أوائل النهضة العربية. وكان أسبق البلاد إلى هذا التعريب الشام أي سوريا، ثم العراق، ثم حمل العبء الأكبر مجمعُ اللغة العربية في القاهرة.

وكان في مجمع دمشق أوائل العهد بالانتداب الفرنسي لجنة دائمة لتعريب المصطلحات والأسماء، وأذكر أن شيخنا المبارك مرّت معه في الدرس إحدى هذه الكلمات فلم نتنبّه لها، فقال: إن هذه الكلمة كلّفت الدولة مئة ليرة ... يوم كانت مئة الليرة راتب وكيل وزارة.

يا سقى الله تلك الأيام ويا ما أطيب ذكراها، يوم كنّا نراجع في لسان العرب ونحن في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة، ونقرأ مقالات الكبار كالرافعي والعقّاد والمازني وطه حسين، فنأخذ عليهم كلمة وضعوها في غير موضعها أو خالفوا فيها عن طريقها. سمعنا في شعر شوقي كلمة «حنايا» ففتّشنا المعاجم فلم نجد إلاّ «أحناء» فأنكرناها عليه. وأنكرنا على خير الدين الزركلي سنة 1925 قوله «سوريا الشهيدة» لأن الفصيح أن يُقال سوريا الشهيد لا الشهيدة، فعلنا ذلك بإرشاد مشايخنا وأساتذتنا الذين قوّموا ألسنتنا وألزمونا حفظ الشعر الجاهلي والإسلامي (الذي لا يُحتَجّ باللغة إلاّ به) والرجوعَ إلى الكتب الكبار.

ألا تعجبون إن قلت لكم إني كنت أخطب ساعة ارتجالاً وأنا شابّ فلا يزلق لساني ولا يزلّ بكلمة ولا آتي بلحن، فصرت الآن بعد هذا العمر كله يسبق لساني أحياناً إلى الخطأ، فإذا سمعته عند إذاعته تحسّرت على نفسي وواريت خجلاً وجهي.

كان الفضل في حفظ العربية لهؤلاء وأمثالهم، لا إلى الفرنسيين.

* * *

أما الجانب الآخَر من المصيبة (الذي وقفت في آخر الحلقة الماضية عنده) فهو نزع حجاب البنات، والسعي الدائب لاختلاط الشبّان بالشابّات، حتى كُشفت العورات وصار بعض المدارس كالمراقص والملهيات، وصار الرقص (لا الرقص الرياضي، بل الرقص العادي) مادّة من الموادّ المقرّرات تُجبَر على تعلّمه الطالبات!

إي والله العظيم، ما أقول إلاّ ما وقع، لا أسير وراء خيالي ولا أفتري على الناس الكذب. ولم نصل إلى هذا في يوم واحد، بل كانت خُطّة مرسومة؛ كانت فصلاً من كتاب محاربة الإسلام.

لقد حاقت بالإسلام مصائب وحلّت به نكبات: الردّة التي كانت بعد انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، حيث رجع أكثر العرب عن الاتّباع الكامل للإسلام، فمنهم من تبع متنبّئاً كذّاباً وترك الدين الحقّ، ومنهم من أراد أن يهدم ركناً من الأركان التي يقوم عليها بنيان الإسلام فيمنع الزكاة. وظنّ بعض خصوم الإسلام أنه انتهى، ولكن الإسلام عاد بحمد الله أقوى ممّا كان.

ثم جاءت سلسلة طويلة من المصائب التي تعرفونها، وما أنشأت هذا الفصل لبيانها ولكن أشير إليها لأذكّركم بها: الفتن الداخلية التي أثارها ابن سبأ، اليهودي المتنكّر بلباس الإسلام. ثم الحروب الصليبية، وهجمات المغول والتتر، وما تعرفون من أمثال ذلك، وأمثالُه كثير. ولكن الإسلام كان ينتفض فيُلقي عنه ما علق، ويشفى ممّا أصابه، ويعود قوياً محفوظاً بحفظ الله.

أمّا الحرب التي تواجه الإسلام الآن فهي أشدّ وأنكى من كل ما كان؛ إنها عقول كبيرة جداً، شريرة جداً، تمدّها قُوى قوية جداً وأموال كثيرة جداً، كلّ ذلك مسخَّر لحرب الإسلام على خُطَط مُحكَمة، والمسلمون أكثرهم غافلون.

يجدّ أعداؤهم ويهزلون، ويسهر خصومهم وينامون. أولئك يحاربونهم صفاً واحداً، والمسلمون قد فرّقت بينهم خلافات في الرأي ومطامع في الدنيا.

يدخلون علينا من بابَين كبيرَين حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها، أمّا البابان الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات. أمّا الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل مَن يصيبه، ولكنّ سريانه بطيء وعدواه ضعيفة. فما كلّ شابّ ولا شابّة إذا أُلقيَت عليه الشُّبَه في عقيدته يقبلها رأساً ويعتنقها.

أمّا الشهوات فهي داء يُمرِض وقد لا يقتل، ولكنه أسرع سرَياناً وأقوى عدوى؛ إذ يصادف من نفس الشابّ والشابّة غريزة غرزها الله وغرسها لتُنتج طاقة تُستعمل في الخير، فتنشئ أسرة وتُنتج نسلاً وتقوّي الأمّة وتزيد عدد أبنائها، فيأتي هؤلاء فيوجّهونها في الشرّ، للّذّة العاجلة التي لا تُثمِر. طاقة نعطلها ونهملها ودافع أُوجد ليوجَّه إلى عدوّنا لندافع بها عن بلدنا، فنحن نطلقها في الهواء فنضيعها هباء، أو يوجّهها بعضنا إلى بعض. هذا هو باب الشهوات، وهو أخطر الأبواب. عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلّوه، وأول هذا الطريق هو الاختلاط.

بدأ الاختلاط من رياض الأطفال، ولمّا جاءت الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات. ونحن لا نقول إن لبنت خمس سنين عورة يحرم النظر إليها كعورة الكبيرة البالغة، ولكن نقول إن من يرى هذه تذكّره بتلك فتدفعه إلى محاولة رؤيتها. ثم إنه قد فسد الزمان حتى صار التعدّي على عفاف الأطفال مُنكَراً فاشياً ومرضاً سارياً، لا عندنا، بل في البلاد التي نَعُدّ أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربّا وأميركا.

كان أعداء الحجاب يقولون إن اللواط والسحاق وتلك الانحرافات الجنسية سببها حَجب النساء، ولو مزّقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ورجعتم إلى الطريق القويم. وكنّا -من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا- نصدّقهم، ثم لمّا عرفناهم وخبرنا خبرهم ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة.

إنْ كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ فخبروني: هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجّبات الحجاب الشرعي؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سنّوا له قانوناً يجعله من المباحات؟

ثم إن أصول العقائد وبذور العادات ومبادئ الخير والشرّ إنما تُغرَس في العقل الباطن للإنسان، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الستّ الأولى من عمره. فإذا عوّدنا الصبيّ والبنت الاختلاط فيها، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان، ثم تصير أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى وتشبّ الفتاة، فيكبران وهما عليه؟ وهل تنتقل البنت في يوم معيّن من شهر معيّن، من الطفولة إلى الصِّبا في ساعات معدودات، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب؟ أم هي تكبر شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه ثابتاً فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه؟ فهو إذن يمشي وإن لم ترَ مشيه. فإذا عوّدنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم؟

ثم سلَّموا التعليم في المدارس الأوّلية لمعلّمات بدلاً من المعلّمين. ونحن لا نقول إن تعليم المرأة أولاداً صغاراً أعمارهم دون العاشرة محرّم في ذاته. لا، ليس محرّماً في ذاته، ولكنه ذريعة إلى الحرام وطريق إلى الوقوع فيه في مقبل الأيام، وسدّ الذرائع من قواعد الإسلام.

والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ولا يحسّ إن نظر إليها بمثل ما يحسّ به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيُخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة. أنا أذكر نساء عرفتهنّ وأنا ابن ستّ سنين قبل أكثر من سبعين سنة، وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن وتكوين أجسادهن!

ثم إن من تُشرِف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياتَه كلّها، يظهر في عاطفته وفي سلوكه وفي أدبه إذا كان أديباً. ولا تبعد في ضرب الأمثال، فهاكم الإمام ابن حزم يحدّثكم في كتابه العظيم الذي ألّفه في الحب «طوق الحمامة» حديثاً مستفيضاً في الموضوع.

خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب. فمَن طلب الرحمة والمودّة واللذّة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج. ومن تسوّر الجدار أو نقب السقف أو أراد سرقة متعة ليست له بحقّ، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس وتأنيب الضمير، وكان له في الآخرة عذاب السعير.

فما الذي صنعناه؟ إن للأعراض لصوصاً كما أن للأموال لصوصاً، ولصوص المال أخفّ شراً وأقلّ ضراً من لصوص الأعراض. وهم يحومون دائماً حول بناتنا، ولكنهم لا يستطيعون أن يقتحموا علينا بيوتنا إلاّ إذا صار الأمر فوضى، وصار «حاميها حراميها»، وعاد الناس كوحش الغاب.

ففكَّروا وقدَّروا واستوحوا شياطينهم، فوصلوا إلى الرأي: وهو أن يدخلوا علينا من طريق المدارس. فكيف دخلوا من طريق المدارس؟

إن لذلك قصّة طويلة الذيول عريضة الحواشي، أعرفها كلها ولكن لا أستطيع الآن أن أرويها كلها، لذلك أسرد اليوم العناوين وأعود يوماً إلى المضامين.

بدؤوا بإدخال المدرسين من الرجال على البنات بحُجّة فقد المدرّسات القادرات. وكان المدرّسون أولاً من أمثال الشيخ محيي الدين الخاني والأستاذ أديب التقي البغدادي والأستاذ محمد علي السراج، وممّن درّس فيها حيناً شيخنا الشيخ بهجة البيطار وأنا. ثم فُتح الباب للشباب، ومن الشباب قِلّة هم أصلح وأتقى لله من الشيوخ الكبار، وأكثر الشباب من المَستورين الذين لا يُعرَف عنهم إقبال على المعصية ولا تمسّك قوي في الدين. ومنهم من هو فاسق يُخفي فسوقه، ومنهم من يجاهر به ويُعلِنه ويجد من الناس من يعجب بهذه المجاهرة ويصفّق لهذا الإعلان.

ثم احتجّوا بالرياضة، فكشفوا من أجلها العورات واستباحوا المحرّمات.

ثم اتخذوا الحفلات السنوية طريقاً إلى ما يريدون، يصنعون فيها ما لا يجرؤون عليه في غيرها. ولمّا كنت أُدرّس في ثانوية البنات سنة 1949 دُعيت إلى هذه الحفلة السنوية فلم أذهب. وكانت الطالبات (وكلهن بالغات كبيرات) يأتين المدرسة بالثوب الرسمي الساتر، وكُنّ يحتجبن في درسي ودرس الشيخ بهجة. فلما كان يوم الحفلة -وقد جئت المدرسة لبعض المعاملات- رأيت الطالبات في الثياب العادية، أي التي يُذهَب بها إلى الأعراس؛ أي أنني رأيتهن متكشّفات بأبهى زينة! فنصحت من سلّمَت عليّ وانصرفت عائداً.

فلما انقضت الحفلة ومرّت عليها أيام أهدت إليّ إحدى الطالبات ظرفاً كبيراً فيه أكثر من ثمانين صورة ملوّنة للبنات أُخذت في الحفلة. والذي صوّرها رجل أجنبي عنهن، ليس أباهن ولا أخاهن. ثم رأيت هذه الصورة في محلّ هذا المصوّر (ومحلّه على طريقي الذي أجتازه كلّ يوم) معروضة في واجهة المحل!

ثم اخترعوا نظام المرشدات (وهو مثل نظام الكشفية للأولاد) وصرن يذهبن في رحلات قصيرة في قُرى دمشق. ثم جاءت المصيبة التي أنست ما قبلها من المصائب، وهي نظام «الفُتُوّة»، أي إلباس الطالبات لباس الجند وتدريبهن على حمل السلاح.

لماذا؟ وهل انقرض الرجال حتى نقاتل بربّات الحِجال؟ ولمَن تُترك إدارة البيوت وتربية الأطفال؟ لماذا والشباب يتسكّعون في الطرقات ويزدحمون على أبواب السينمات، فندع الشباب لهذا ونقاتل أعداءنا بالبنات؟

قالوا: أنتم رجعيون متأخّرون جامدون. ألا ترون اليهود كذلك يصنعون؟ أتكون الفتاة اليهودية أشجع من العربية؟

ولو أنهم قرؤوا ما نقله الدكتور محمد علي البار (جزاه الله خيراً) في كتابه عن النساء المجنّدات في الجيش والشرطة في أميركا وأوربّا لعضّوا الأنامل ندماً، وبكوا بدل الدموع دماء على أنهم جعلوا أئمّتهم اليهود.

تقول العوامّ (وفي بعض ما يقولون حكمة بالغة وحق بيّن)، يقولون: «المال الداشر يعلّم الناس السرقة». ذلك لأن كلّ نفس تميل إلى المال، وأكثر وأقوى من الميل إلى المال الميل إلى الجمال. وهؤلاء الذين سلّمناهم بناتنا (ومنهم من لا تعصمه زوجة ولا يردعه دين ولا يمسكه خوف من الله والدار الآخرة)، هؤلاء تدفعهم غرائزهم إلى هذا الذي فعلوا، ولا يزالون دائبين ليصلوا لأكثر ممّا نالوا. فأين حُرّاس هذا الجمال المعروض؟ أين الآباء والأولياء لهؤلاء البنات؟ لو جاؤوا يسرقون منهم أموالهم لغضبوا لأموالهم وهبّوا يدافعون عنها يستميتون في سبيلها، فما لهم لايغضبون لأعراضهم ولا يعملون على حمايتها؟

* * *

لم يبقَ في الميدان إلاّ المشايخ. والمشايخ لم يكونوا صفاً واحداً إلاّ أياماً قليلة، ولا يزالون مختلفين. وهذه حقيقة يقطع ذكرُها القلبَ أسفاً وحزناً. ليس المشايخ على قلب رجل واحد، منهم الصوفي والسلفي وأتباع المذاهب والآخذون رأساً من الكتاب والسنّة والإخوان المسلمون وخصوم الإخوان المسلمين، وأتباع كل شيخ يتنكّرون للشيخ الآخر.

هؤلاء هم الإسلاميون العاملون، هذه حالهم، أمّا المشايخ الذين يَنظرون: كلّ حاكم ماذا يريد، فيفتّشون له في الكتب عمّا يؤيّد ما أراده ويجعلون ذلك ديناً، وأما المشايخ الموظفون الذين أهَمّتهم وظائفهم (أي رواتبهم) فلا يحرصون إلاّ عليها ولا يبالون إلاّ بها، هؤلاء وأمثالهم لا أتكلّم عنهم ولا أمل لي فيهم.

كان المشايخ الباقون في الميدان يجتمعون فيتشاكَون ويتباكون ثم لا يجدون (وأنا واحد منهم، يُقال عني كلّ ما أقوله عنهم) لا يجدون إلاّ أن يجمعوا صفوفهم فيراجعوا الرئيس أو الوزير، فلا تنفعهم المراجعة شيئاً. ويعلنون النصح للناس، ويجهرون بكلمة الحقّ من فوق المنابر، فيخرج الناس من صلاة الجمعة فيتحدّثون بما سمعوه ويُثنُون على الخطيب ويدعون له، ثم ينغمسون في حمأة الحياة فينسون ما قاله وما سمعوا.
_________________________________

ذكريات 5/ 345-356

هناك 3 تعليقات:

  1. مقال ثقيل جدا ولكن عملية التدرج الخبيثة وطريقة الغرب في نشر السلوك والأخلاق الخبيثة وللأسف الغفلة او التغافل من جهتنا هذه المصيبة الأعظم

    ردحذف
  2. التدرج والصبر عندهم عجيب
    خاصة الملاعين الانجليز

    ردحذف
  3. للأسف أصبحنا أداة تدار بعيدآ عن أهوائنا وسلمنا كل شيء لإعدائنا! يا ترى متى سوف نفيق من سباتنا؟
    "رحمكم الله يامن وقفتم في وجه العدوا"

    ردحذف