الأحد، 29 مايو، 2016

نقولات مختارة من كتاب: أليس الصبح بقريب للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور



((نبذة عن المؤلف)):


هو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، ولد في ضاحية المرسى في تونس سنة 1296هـ بقصر جده للأم الصدر الوزير محمد العزيز بو عتور.

وقد شب في أحضان أسرة علمية، ونشأ بين أحضان والد يأمل أن يكون على مثال جده في العلم والنبوغ والعبقرية، وفي رعاية جده لأمه الوزير الذي يحرص على أن يكون خليفة في العلم والسلطان والجاه.

تلقى العلم كأبناء جيله؛ حيث حفظ القرآن، واتجه إلى حفظ المتون السائدة في وقته، ولما بلغ الرابعة عشرة التحق بجامع الزيتونة سنة 1310، وشرع ينهل من معينه في تعطش وحب للمعرفة، ثم برز ونبغ في شتى العلوم سواء في علوم الشريعة، أو اللغة، أو الآداب أو غيرها.

وله مؤلفات عديدة في شتى الفنون، منها تفسيره المسمى بالتحرير والتنوير، ومقاصد الشريعة، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وكشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، ورد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وأصول التقدم في الإسلام، وأصول الإنشاء والخطابة، وغيرها كثير.

توفي رحمه الله تعالى يوم الأحد 13 رجب 1393هـ.

وإذا أردت التوسع في ترجمته فارجع إلى كتاب شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور حياته وآثاره، تأليف د. بلقاسم الغالي.


((تعريف بالكتاب)):


هذا الكتاب الذي بين أيدينا سماه مؤلفه: ((أليس الصبح بقريب))

وقد كتبه رحمه الله عام 1321هـ وعمره أربع وعشرون سنة.

وقد قصد من كتابه إصلاح التعليم العربي والإسلامي، وتكلم من خلاله على أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض والانحطاط العارضين لها.

ويمكن إجمال ما تكلم عليه في ذلك الكتاب الماتع بما يلي:

1ـ أطوار التعليم في الأمة العربية قبل الإسلام، وفي أشهر الأمم المعاصرة للعرب.

2_ أطوار التعليم العربي عند ظهور الإسلام وبعد ظهوره.

3_ نقل العلوم الفارسية والهندية واليونانية.

4_ وصف التعليم الإسلامي وأساليبه، ومناهجه.

5_ الطريقة في معرفة أهلية المتصدي للعلم.

6_ صفة الدروس، ومواضع التعليم.

7_ الكتاتيب، وأوليتها في الإسلام.

8_ معاهد تعليم المرأة.

9_ تعليم المرأة.

10_ انبثات العلوم الإسلامية في الأقطار: في مصر وأفريقية، والأندلس، وبلاد الفرس، والمغرب الأقصى.

11_ مواضع التعليم فيها، وأسلوب التعليم.

12_ طور التفكيرالعلمي، والمشاركة في العلوم.

13_ الكتب التي كانت تزاول.

14_ تفصيل لمواضع التعليم في تونس، وأسماء علماء تونس.

15_ حديث التآليف، وتاريخ أطوارها ووجوه إصلاحها.

16_ حديث عن العلوم، وتفصيل في تقسيمها.

17_ تفصيل عن علوم الشريعة وعلوم اللغة، والمنطق والتاريخ، والفلسفة والرياضيات.

18_ حديث عن المعلمين ومراتبهم.

19_ حديث عن الامتحانات.

20_ تطرقُ الانتقاد للنظام التدريسي.

إلى غير ذلك من المباحث الرصينة، والتحريرات العالية، والتحقيقات الرائعة الماتعة التي قل أن توجد في غير هذا الكتاب.

ولقد أودع المؤلف  هذا الكتاب نظراته الفاحصة، وانتقاداته الموفقة، وآراءه السديدة، ومقترحاته الدقيقة، وملاحظاته القيمة التي كانت سبباً للنهوض بالتعليم في بلاده وغيرها.

كل ذلك بأسلوب أخَّاذ، ولغة عالية، ونَفَس مستريض.

وما أجدر دعاة إصلاح التعليم أن يدرسوا هذا الكتاب، ويفيدوا مما فيه من العلم، والتجارب.

والكتاب يقع في 276 صفحة، توزيع الشركة التونسية للتوزيع.

((نقول من كتاب أليس الصبح بقريب)):

1_ قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملَى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكر في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مدة مزاولته متعلِّماً ومعلِّماً بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق؛ فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه، ولم أنشَبْ أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير فإذا هو يسابقني كأنه من مطايا أبى العلاء القائل:

ولو أن المطي لها عقول ... وجَدِّك لم نَشُدَ لها رحالا

ص5

2_ وصادفتُ أيام عطلة التدريس الصيفية في ذلك العام، فقضيتُ هواجِرَها الطويلة، وبُكَرها الجميلة، في هذا العمل، مشتغلاً به عن محادثة الأحباب، وعن دَعة التنعم بمغتَسَلٍ بارد وشراب، حتى وقف بي القلم عند انتهاء الاستراحة في مدة شهرين إلى تحرير جملة كانت مشجّعتي على مراجعة عملي هذا في ثلاثة أصياف وعنونته ((أليس الصبح بقريب)).

وكان من العزم تهذيبه وإصداره، فحالت دون ذلك موانع جمة، لم تزل تطفو وتركد، وتغفو وتسهد، غير أني لم أدع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها بما ينطبق على كثير بحسب ما سمحت به الظروف، وما تيسر من مقاومة صانع منكر ومانع معروف، ما حرك سواكني إلى إبراز هاته الآراء التي كنت أمليتها، ونشر الأوراق التي خشيت عليها عواصف الأهواء؛ فطويتها. ص5

3_ وهاأنذا متقدم إلى خوض بحر أرى هول أمواجه قد حاد بعقول كثير من ذوي الألباب، فولوا عنه مدبرين، وتكلموا في إصلاحات نافعة من مصالح المسلمين، لكنها كلها كانت متوقفة على هذا المقصد الجليل المغفول عنه =مبدأ إصلاح التعليم+.

ولطالما كنت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وأعلم أن نور عقلي هو دون إضاءة هاته المجاهل التي صفدت عليها منافذ الأنوار والأهوية الخالصة، فامتلأت بالحوامض الرديئة منذ أزمان.

وإذ قد كان من المعلومات المسلمة أن الله _ تعالى _ استخلفنا في الأرض ومنَّ علينا بنور العقول ونبهنا باختلاف النظام في الدنيا إلى أحوال الرقي والانحطاط، وقال: { انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } فما طَمَاعِيَتُنا من هذا السكوت الطويل، وما إغراقُنا في هذا السبات العميق؟ ص6

4_ إذاً قد كان واجباً علينا؛ خدمةً للملة، وتهيئة للنشأة العلمية التي تزيِّن مستقبلنا وتمجِّد ماضينا أن ندخل تلك المجاهل نرفع بإحدى يدينا مشاعل النور، ونقطع بالأخرى ما يمانع من حجرات العثور، فإن لم نصل بعدُ إلى غاياتها فعسى أن لا نبعد، وإن سلمنا من أن نشقى باللئام فما ضرنا أن لا نسعد، ولنا في ذلك كله معذرةُ العارفين، وشهادةُ أو تزكيةُ المنصفين. ص6

5_ نحن نشتغل في هذا العالم؛ لنحصل السعادة حيثما توجهنا وذلك بجلب المنافع واتقاء المضار.
فنحن _ إذاً _ في أشد الاحتياج إلى العلم بوجوه استقامة الأشغال وهي المراد من التعليم؛ ليكون المتعلم بذلك راضياً عن نفسه، واثقاً بحصول مبتغاه من عمله، ترى ذلك في كل العلوم؛ فكما ترى الرضا عن نفسك في معاشرتك بما اكتسبته من علم تهذيب الأخلاق ترى الرضا عنها في صنائعك إن كنت تصنع وفي سائر أكوانك التي تدخل تحت سلطان إرادتك؛ فلا يسوء ظنك بشيء ما، ولا تكون مكدوداً من القصور عندما ترى نفوساً يسمو بها الارتقاء في أوج المعالي، بل إما أن تسابق معها بجناح، أو تَعْلَمَ _ بالأقل _ أن للطيران فرصَ استكمالِ قوةٍ أو مساعدة رياح، كما قال الزمخشري:

يا من يحاول بالأماني رتبتي     
 كم بين منخفضٍ وآخرَ راقي

أأبيتُ  ليلي  ساهراً وتضيعه     
نوماً وتأْملُ بعد  ذاك لحاقي



ناهيك بما يجده المتعلم إن بلغ حدَّ أن يكون معلماً من الابتهاج بما يبيِّن للمتعلمين من الحقائق، وما يعالجه من إنشاء أمة مستقلة.

هاته منافع العلوم الحاجية التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية، وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يَقْدر أن يحدد عددها أحد، لكنُ لا شك أن تقدم الحضارة يوفر كثرتها.

لأجل هذا كان من واجب كل داع إلى التعليم أن يوضح لطالبيه الغايات التي يحصلونها من مزاولة ذلك التعليم سواء كانت غاية دنيوية أو أخروية؛ لأن لكلتا الغايتين طُلاباً، فتلك الغاية هي التي يجتني منها المحصل على نهاية ذلك التعليم نفعاً لنفسه دنيوياً وأخروياً، ووراء هاتين غاية هي أسمى وأعظم مما يبدو منها وهي إنتاج قادةٍ للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح إرشادها، ومحاصد قتادها، ومهدئوا نفوسِها إذا أقلقها اضطراب مِهاَدها. ص7 _ 8

6_ فالتعليم الصحيح _ إذاً _ يرمي إلى إنشاء أرقى أصناف الناس من كل من تمرس بالأشغال والأعمال، أو رُزِقَ المواهبَ الحسنةَ، ورَغِبَ في سلوك خير السبل، وشغف بالمعرفة، وامتاز بحب الواجب والتعقل. ص9

7_ إني على يقين أنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيراً من مواهبي ولاكتسبت جَمَّاً، من المعرفة ولسلمت من التَّطَوُّح في طرائق تبين لي بَعدَ حينٍ الارتدادُ عنها، مع أني أشكر ما منحت به من إرشاد قيم من الوالد والجد ومن نصحاء الأساتذة، ولا غنى عن الاستزادة من الخير. ص9

8_ نبحث عن تعليم يفيد ترقية المدارك البشرية، وصقل الفِطَر الطيبة؛ لإضاءة الإنسانية، وإظهارها في أجمل مظاهرها فيخرج صاحبها عن وصف الحيوانية البسيط وهو الشعور بحاجة نفسه خاصة، إلى ما يفكر به في جلب مصلحته ومصلحة غيره بالتحرز من الخلل والخطأ بقدر الطاقة، وبحسب منتهى المدنية في وقته. ص12

9_ كان العرب في الجاهلية يلقنون أبناءهم وبناتهم ما هم في احتياج إليه من المعارف يُعِدُّونهم بها إلى الكمال المعروف عندهم. ص17

10_ وسبب اشتهار الشعراء هو أن الشعر ضرب مستحدث من الكلام وأسلوب من المعنى غريب، وهو بجودة وزنه، والتزام قوافيه يتنزل منزلة التوقيعات الموسيقية، فكان يستفز الحليم، ويجرئ الجبان. ص21

11_ حفظ العرب لغتهم من التغيير؛ فعدُّوا الخطأ فيها عيباً يُتعيَّر به، وشهَّروا بأصحاب الفهاهة واللثغة، وأعلنوا بدائع شعرهم وخطبهم في أسواقهم المشهورة أيام مواسم الحج، فكان عِلْمُهُمُ الحقُّ هو أدبَ لُغتِهم، وهو علمهم العقلي الوحيد.

ولهم معارف وتقاليد حافظوا عليها كانوا يعدون العلم بها من صفات الكمال، أهمها معرفة أنسابهم واتصال قبائلهم بعضها ببعض. ص21

12_ وكان لنسائهم عناية بتعليم البنات تدبيرَ البيت، وحسنَ التبعل للأزواج، والشفقةَ في تربية صغار إخوتهن. ص21

13_ وأما علم البلاغة، فلم يدوَّن ويُفْرُد بالتسمية والتأليف إلا في القرن الخامس؛ لأنه كان مندرجاً في جملة علم الأدب.

ويقول بعض الناس إن الجاحظَ أولُ من ألَّف فيه، لكنِّي أرى ما ألفه الجاحظ كان غير مصنف وإنما كانت مسائل البلاغة شعبةً من شعب النحو والأدب. ص32

14_ ولكن الذي خص علم البلاغة بالتدوين هو الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت سنة 471هـ) في كتابيه: كتاب دلائل الإعجاز، وكتاب أسرار البلاغة؛ فهو أعطى ألقاباً للمسائل، وأخرج الكلام في الإعجاز عن الصفة الجزئية إلى قواعد كلية مسهبة مبرهنة.

على أن علم البلاغة لم يصِر فَنَّاً مهذباً إلا منذ صنف فيه الإمام يوسف السَّكَّاكي(ت سنة 626هـ)القسم الثالث من كتابه مفتاح علوم العربية. ص33

15_ وكان معاذ هذا _ يعني الهرَّاء _ يدَّعي أنه يرى الجن، وَوَضَعَ في أخبارهم كتباً أدبية أثبت فيها شعرهم ومُلَحَهم يريد بذلك الطريقة الروائية والمقامات غير أنه يظهره في صورة جد، فقال له الرشيد: (( إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عجباً، وإن كنت ما رأيت لقد وضعت أدباً )). ص33

16_ ومما تقدم إلى هنا: تعلم أن العلوم التي كانت تدرس، وتدون يومئذ تنتهي إلى اثنين وثلاثين علماً هي: التفسير، الحديث، السيرة، اللغة، النحو، الصرف، التصوف، العَروض، الفقه، أصوله، التاريخ، الطب، آداب العرب، البلاغة، الفلك، المنطق، الفلسفة، الهندسة، الحساب، الهيئة، الجغرافيا، الموسيقى، علم الحيوان، الطبيعة، الرواية والقصص، الكلام، الصيدلة، الكيمياء، الفلاحة، المساحة، الجبر، جر الأثقال والتحرك، وتتبعها علوم تتفرع عن بعضها مثل مصطلح الحديث، والجدل، وآداب البحث، ونقد الشعر. ص39

17_ تثبت أهلية القارئ لأن يؤخذ عنه القرآن، والعالم لبث العلوم الإسلامية _ بالاشتهار بين أهل ذلك العلم بأن فلاناً عالم ضابط حافظ. ص52

18_ وكان من الآداب أن تكون بين الحلقة القريبة من الأستاذ وبين أستاذهم مسافة قوس، ويعدون القرب من الأستاذ أكثر من ذلك من سوء التربية. ص54

19_ كان العلم الإسلامي في مصر قد استقر منذ الفتح الإسلامي سنة 16 إذ سكن في مصر كثير من الصحابة مثل عمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وقيس بن عبادة، وعبيد الله بن محمد المعافري _ وهو أول من قرأ القرآن بمصر _. ص62

20_ السبب الرابع من أسباب تأخر التعليم: عُرُوُّ التعليمِ عن مادة الآداب وتهذيب الأخلاق، وشرح العوائد النافعة، وغيرها.

وهو السبب الذي قضى على المسلمين بالانحطاط في الأخلاق والعوائد.

وقد اعتنى المسلمون في صدر الإسلام بذلك فتلقوا آداب القرآن، وهدي الرسول، ثم عززوه في عصور نهضتهم بعلوم آداب الشريعة والمواعظ.

أما إهماله بعد ذلك فسببه تأخر المسلمين وقصور أنظارهم واعتقادهم أن العلم منحصر فيما تتضمنه القواعد العلمية كالنحو، والفقه وبعبارة أخرى ميل طائفة العلماء إلى الحفظ والاستكثار من فروع المسائل ومن عدد العلوم.

ومن العار الكبير أن ترى كثيراً ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزَّتُهم، وتعظم صورهم.

ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تُحَاكَّهم وتعاشرهم أو تجادلهم؛ فترى تلك الهياكلَ العظيمةَ فارغةً من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق.

وإذا كانت تلك حالةَ خاصةِ الناس فما ظنك بعامتهم؟ وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد؛ لأن فيما يدخل فيه المحصل على الشهادة أو نحوه من معترك الحياة شغلاً شاغلاً عن ذلك. ص124

21_ والواجب من حيث خطتنا التي نريد أن تسير فيها أبناؤنا وتلامذتنا هو التدريب على ضروب الحكمة، ونقد مقتضيات الزمان، وعلو الهمة، والغيرة للحق، والترفعُ عن سخائف المطامع، وعن ضيق الصدر الذي ينشأ عنه الحسد، والظلم، والخصام، والتلطي من كل ما يخالف المقصد، والإقدام، والحزم وأصالة الرأي، وحب النظام في جميع أحوال الحياة، والعمل، وحب التناسب في المظاهر كلها، وإدراك الأشياء على ما هي عليه، والتباعد عن الخفة والطيش، وعن الجمود والكسل، وسوء الاعتقاد، والأمور الوهمية بحيث يكون العدل في جميع الأشياء صفة ذاتية لهم. ص 125

22_ نعم نحن نرى أن لا يقع النقد إلا في الدروس العالية، أما التلامذة المبتدئون والمتوسطون في أول الرتبة فإنا نلقي إليهم القواعد، وما كان من رأي فيه نظر ننقحه ونلقيه لهم من غير إشعار بما كان فيه من الخلل وكيف وقع تنقيحه، حتى إني كنت أصرفهم عن سرد الشرح مثلاً متى علمت أن في ذلك الموضع ما لا يصلح تَلَقِّيه. ص127

23_ والمشائخ المدرسون _ وإن بلغوا ما بلغوا من الاجتهاد في التعليم _ فإن ثمرة اجتهادهم لا تظهر إلا بمقدار نجابة تلامذتهم. ص141

24_ ونسبة النباهة والتحصيل في التلامذة قليل؛ بسبب إهمال التمرين وترك مراجعة ما يقرؤونه قبل الدرس وبعده، وترك مطالبتهم باستذكار ما تعلموه، وترك تكليفهم بحفظ المتون حفظاً جيداً، وترك تعويدهم على فهم معنى المتن الذي يحفظونه؛ فإنك لتسأل التلميذ عن المسألة فيعجز عن الجواب، ويتذكر عبارة المتن، ولكنه يبقى يلوكها ولا يكاد يبين عن المراد منها. ص158

25_ يؤلِّف في علمٍ مَنْ كان قويَّ الساعد فيه؛ ليمكنه أن يأتي في تأليفه بغرض من أغراض التأليف السبعة التي جمعت في أبيات:

ألا   فاعلمن  أن  التآليف  سبعة            
لكل لبيب في النصيحة خالصِ

فشرحٌ لإغلاقٍ وتصحيحُ مخطئٍ           
 وإبداعُ حَبرٍ  مقْدمٍ غيرِ ناكصِ

وترتيبُ   منثورٍ   وجمعُ مفرقٍ            
وتقصيرُ تطويلٍ وتتميمُ ناقصِ

ص170

26_ التفسير شرح مراد الله _ تعالى _ من القرآن ليفهمه من لم يصل ذوقه وإدراكه إلى فهم دقائق العربية، وليعتاد بممارسة ذلك فهمَ كلام العرب، وأساليبهم من تلقاء نفسه. ص184

27_ يُقْصد من علم الأصول ضبطُ القواعد التي يستطيع العالم بها فهمَ أدلة الشريعة؛ ليأخذ منها الأحكام التفريعية.

أرادوا أن يجمعوا فيه ما تتفق فيه الآراء؛ ليرتفع الخلاف في الفقه بعد أن كانت هاته القواعد متفرقة وموكولة لنباهة المجتهدين. ص203

28_ في طبع الإنسان كراهيةُ الرجوعِ إلى من يجترئ عليه، والخلافُ بين العقلاء نادر لو رامو التقارب. ص210

29_ وللغة المُضرية شَبهٌ بالعبرانية والبابلية وسائر اللغات السامية. ص212

30_ هل نرجو من تلامذتنا اليوم أن يكونوا فصحاء بلغاء وهم لا يقرع سمعهم إلا سقط الكلام، ورعونة التعبير، ولا يعرفون معنى الإنشاء والفصاحة؟ ص215

31_ لا عُدة لنا اليوم في الفصاحة إلا القرآن، وناهيك به عدة، ولكن قراءة الناس إياه في الصغر، وإهمال التذكير بمعانيه في المكاتب، والشغل عن درسه في الكبر _ أرزا الناس فائدة عظيمة يبلغون بها رتبة مكينة من علم اللسان. ص215

32_ فإن كتاب سيبويه اشتمل على مسائل من التقديم، والتأخير، ومعاني الحروف، ومحاسن العطف، ونحوها؛ فكان عمدة علماء البلاغة من بعده وقد قال فيه الزمخشري:


ألا صَلَّى الإله صلاة صدق        على عمروِ بنِ عثمانَ بن قُنْبَرْ
فإن   كتابه  لم  يُغْنَ  عنه        بنو   قلم   ولا  أعوادُ    مِنْبَرْ


33_ علم البلاغة المعاني والبيان والبديع: تكاثرت الأسماء له؛ فمن الناس من سماه علم البديع لأنه مبدع، ومنهم من سماه البيان لأنه يبين عن المراد، والمتأخرون هم الذين قسموه إلى ثلاثة أقسام:

المعاني: وهو ما يبحث فيه عن مطابقة الكلام لمقتضى حال التعبير.

والبيان: وهو كاسمه يعرف به إيرادُ المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة من حقيقة أو مجاز.

والبديع: وهو تحسين المعاني أو الألفاظ بما يجعلها مستظرفة للسامع.

ص222 _ 232

34_ يريدون من المنطق علماً يعصم الأفكار عن الخطأ في المطلوب التصوري الذي تتعرف منه حقيقةُ شيء، وفي المطلوب التصديقي الذي يُتَعرف منه العلمُ مع دليل ما، وهو من جملة العلوم التي نقلها العرب من اليونانية في عصر النهضة العلمية، وختْمه بالصناعات الخمس: (( البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والسفسطة)) . ص225

35_ من أخص واجبات الأساتذة أن يكونوا قدوة لتلاميذهم؛ فمن الواجب أن يعرفوهم حب العمل، والسعي لإصلاح أنفسهم وأمتهم، وأن ينشِّؤوهم على خلال المصابرة والشجاعة، والحرية والمروءة، واحترام الحق والعدالة، والعفاف وكرم الأخلاق؛ حتى يكونوا كلهم أعضاءً نافعةً عاملةً سواءٌ منهم من بقي في صناعة العلم، أو من انصرف إلى الأشغال الأخرى وعساهم أن لا يكونوا بعداء عن هذا في مقبل الزمان؛ فإن علماء الأمة زينتها في كل أوان. ص235

36_ ليس العلم رموزاً تُحل، ولا كلماتٍ تُحفظ، ولا انقباضاً وتكلفاً، ولكنه نورُ العقلِ، واعتداله، وصلاحيته لاستعمال الأشياء فيما يحتاج إليه منها؛ فهو استكمال النفس، والتطهر من الغفلة، والتأهل للاستفادة والإفادة.

وما كانت العلوم المتداولة بين الناس إلا خادمةً لهذين الغرضين وهما ارتقاء العقل لإدراك الحقائق، واقتدار صاحبه على إفادة غيره بما أدركه هو. ص239

37_ هذا ما عنَّ إثباته من أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض والانحطاط العارضين لها في عديد الأعصر، وقد مضى بعد تقييده زمنٌ غيرُ قصيرٍ تطورت فيه الأحوال إلى أحسنَ تارةً وإلى أسوأَ أخرى، وفي العيان غُنيةٌ عن الإبانة لمن كانت له زكانة.

وقد تحقق العمل بكثير من الملاحظات والمقترحات التي اشتمل عليها هذا الكتاب، فأسفر بها وجه الصبح الذي رجوت له قرباً، ولم أَفْتَىءْ كلما وجدت فجوةً أن أرتقي بالتعليم مرتقىً وإن كان صعباً، حتى قلتُ إن الصبح أعقب بضحاه، ورأيت كثيراً من الناصحين توخى سبيلنا وانتحاه، واللبيب لا يعوزه تنظير الأحوال، وفي الخبر أن ابن آدم لا ينتهي ما له من آمال، ونسأل الله عون المسلمين على إصلاح الأحوال. ص260

_______________________________________________



المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد الحمد حفظه الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق