السبت، 21 مايو 2016

نقولات مختارة من كتاب: هدى ونور للشيخ محمد الخضر حسين


((تعريف مختصر بالكتاب)) :

هذا كتاب للمؤلف رحمه الله أعده وضبطه ابن أخيه الأستاذ علي الرضا الحسيني، والفقرات الآتية مقال كتبه المؤلف بعنوان ((خواطر)) وقد نشرت هذه الخواطر على حلقتين في مجلة ((البدر)) الصادرة باسم ((العرب)) الجزء الرابع من المجلد الثالث في شهر ربيع الثاني عام 1342، والجزء السابع من المجلد الثالث الصادر في شهر رجب 1343هـ.

يقول رحمه الله :

1_ إن كبر عقلك، فأصبح يعلمك ما لم تعلم، واتسع خيالك، فبات يلقي عليك من الصور البديعة ما يلذه ذوقك _ فأنت ما بين أستاذ يمحض نصيحته، ونديم لا تمل صحبته.

2_ يعلمك الأستاذ كيف تغوص في عميق البحار، ويريك نموذجاً من الدر يتميز بينه وبين الأحجار، وهمتك تخلد بك إلى الإملاق، أو تجعلك المجلّي في حلبة السباق.

3_ سميت الاستخفاف بالشرع حرية، فقلت: برع في فن المجاز، وتهكم بمن أصبح عبداً للهوى، وسميت النفاق كياسة، فقلت: خان الفضيلة في اسمها، أو خانه النظر في فهمها.

4_ تنظر النفس في سيرة الرجل العظيم كما تنظر العين في الزجاجة النقية، فتدرك مساويها؛ أفلا تصنع بمآثرك الحميدة مرآة يبصر بها الناشئ بعدك صورته الروحية فيصلحها.

5_ سرت والنورُ أمامك، فانطلق ظلك على أثرك، ثم وليته قفاك، فكان الظل يسعى وأنت على أثره، وهكذا العقل، يتقبل فيتبعه الخيال، فإذا أدبر عنها انقلب الخيال إلى الأمام، وقاده في شُعب الباطل بغير لجام.

6_ تبسط لسانك بالنكير على من يقلد في الدين، ولولا أنك تتلقى قول الفيلسوف على غير هدى، لقلت: باكورة الاجتهاد قد أينعت.

7_ هذه الدنيا كالعدسة الزجاجية في الآلة المصورة، تضع الرأس بموطئ القدم، وترفع القدم إلى مكان الرأس؛ فزنوا الرجل بمآثره لا بما يبدو لكم من مظاهره.

8_ يبسط الشجر ظله للمقيل، ويقف بعد موته بقناديل الكهرباء على سواء السبيل؛ أفانت تجير البؤس وهو أحر من الرمضاء، وتوقد سراج حكمة يهدي بعد موتك إلى المحجة البيضاء.

9_ يصنع الصانع الحلي، وتضع ما تتجمل به النفوس في محافل العلى، فإن ظلت تتهافت على صانع الخواتم والسلاسل فاعلم أنها ما برحت لاهية عن هذه المحافل.

10_ حسبت العلم ضلالاً فناديت إلى الجهل، وآخر يزعم التقوى بلهاً فكان داعية الفجور، ولولا ما تلقيناه في سبيلنا من هذه الأرجاس، لكنا خير أمة أخرجت للناس.

11_ ربما كان صانعُ الأسنّة أرقَّ عاطفةً من الطبيب، والسفيه أحفظ للحكم البالغة من الأديب، ولكني أطلب نفس الرجل حثيثاً، وأناجيها فلا تكتمني حديثاً.

12_ كان هذا الغصن رطيباً، وعيش البلبل به خصيباً ولكنه سحب عليه ذيل الخيلاء، فأصبح يتقلب في ذلك البلاء، ويرتجف كما ترتجف اليد الشّلاء.

13_ كل جوهرة من عقد حياة محمد _عليه السلام_ معجزة؛ فإن أساليب دعوته ومظاهر حكمته لا يربطها بحال الأمية إلا قدرة تتصرف في الكائنات بحكمة أبلغ مما تستدعيه طبائعها.

14_ العفاف نور تستمده النفس من مطلع العقل، فإن ضرب عليها الهوى بخيمته السوداء، خسفت كما يخسف القمر إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس.

15_ ينزوي البحر؛ فتضع السفينة صدرها على التراب، وينبسط؛ فتمر على الماء مرَّ السحاب.

والعقل يظل في موقعه من النفس طريحاً، فإن فاضت عليه الحكمة سار في سبيل النظر عَنَقاً فسيحاً.

16_ إن تخبطك السفه أهانوك، وإن قعد بك البله أعانوك؛ لأنك تستطيع أن تكون تقياً، وليس في يدك أن تكون ألمعياً.

17_ تتجلى فضيلتك؛ فتنسج في هذه النفس عاطفة أرق من النسيم، وتوقد في أخرى حسداً أحر من الجحيم، وكذلك المزن ينسكب على أرض؛ فتبتسم بثغر الأُقحوان، وينزل على أخرى؛ فتقطِّب بجبهة من حَسَكِ السعدان.

18_ جنيتُ وردةً لأُخَلِّصها من الشوك الذي يساورها من كل جانب، فما لبث أن طفئت بهجتها، وسكنت أنفاسُها؛ فعلمت أن النفوس الزاكية لا تتخلص من النوائب إلا يوم تموت.

19_ الشر نار كامنة في قلوب تحملها صدور المستبدين، فإن قَدَحْتَها بنقد سياستهم كنتَ لها قوتاً، إلا أن تكون بإخلاصك وحكمتك البالغة ياقوتاً.

20_ إذا قلت في السياسة ما لا تفعل، أوهِمْتَ في واد لا تعرُج فيه على حقيقة_ فانفض ثوبك من غبارها؛ فإنه ليس من الغبار الذي يصيبك في سبيل الله.

21_ إنما يقطف الفيلسوف من المنافع ما تتفتق عنه أكمام الحقيقة، ولا يعرج السياسي بنظره على الحقائق إلا إذا أطلِّت عليه المنفعة من ورائها.

22_ لا تجادل المعاند قبل أن يأخذ الاستهزاء به في نفسك مكان الغضب عليه؛ فالغضب دخان يتجَّهم به وجهُ الحجةِ المستنيرة، وابتسامُ التهكمِ بَرْقُهُ يخطف البصرَ قبل أن تقع صاعقة البرهان على البصيرة.

23_ لا يمنعك من وضع المقال على محك النظر أن تتلقاه ممن هو أصفى منك ذهناً أو أرجح وزناً؛ فإن الورق لا يقبل ما يرتسم في الزجاجة من الصور إلا بعد إصلاح خطئها، وإعادته الألوان إلى مبدئها.

24_ أرى موقع الليل من هذه البسيطة لا يفوت مقدار نهارها، فرجوت أن لا يكون الباطل أوسع مجالاً من الحقيقة، ولكن الشمس ترمز بكسوفها إلى أن أخطأت في القياس، وبنيت رجائي على غير أساس.

25_ العالم بستان، تجوَّل فيه الفيلسوفُ فقال: كيف نشأت هذه الأزهار والثمار؟ ولماذا اختلفت في النعوت والآثار؟ وطاف فيه السياسي فقال: متى يقطف هذا الثمر؟ وتؤتي تلك الشجرة أكلها؟

26_ سكبت ماءاً حاراً في زجاجة؛ فتأثر أحد شطريها بالحرارة، واستمر الآخر على طبيعة البرودة؛ فتصدع جدارها.

وكذلك النفوس الناشئة على طبائع مختلفة لا يمكن التئامها.

27_ كان لسان الدين بن الخطيب جنة أدب تجري تحتها أنهار المعارف فآتت أُكلها ضعفين، ولكن تنفست عليه السياسة ببخار سام؛ فخنقته، وشب نار الحسد في القلوب القاسية؛ فأحرقته.

28_ تلهج بأن الشيخ لا يسوس المصلحة بحزم، فإن بَلِيَ بَرْدُ شبابك ولم تُلْقِ زمامَها من تلقاء نفسك، فقد فندت رأيك، أو أضمرت العبث في السياسة.

29_ في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا أن تدخل عليه من باب البله، أو تلطخ لسانك بحمأة التملق؛ فاحتفظ بألمعيتك وطهارة منطقك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يعقلون.

30_ بين جناحك قوة تجذب إلى جوارك العمل وهي الإرادة؛ فاستعذ بالله أن تكون كالجاذبية الأرضية تستهوي الصخرة الصماء إلى النفس المطمئنة؛ فتمحقها.

31_ شَدَدْتَ وصلَك إلى سوق العرفان؛ ليقتني ما يَلَذُّ ذوقَك من درر حسان؛ فإذا اغبرت لؤلؤة إيمانك بوسواس المفتون فقد خسرت تجارتك ولو أصبحت تتهكم على آراء أفلاطون، وكشف لك من الكيمياء والزراعة عن كنوز قارون.

32_ لا ترسل فكرك وراء البحث عن حقيقة قبل أن ينفخ فيه روح الاستقلال؛ فإن التقليد موت، وما كان لجثث الموتى أن تغوص الأبحر العميقة.

33_ لا عجب أن يتفجر بين أيديهم ينبوع الآداب صافياً، وتهوى أنفسهم أن تغترف غُرْفَةً من مستنقعها الأقصى؛ فإن من الأبصار المعتلة ما لا يقع نظره إلا على شبح بعيد.

34_ النفس راحلةٌ تحمل أثقالك إلى بلد السعادة؛ فإن لم تسر بها إثْرَ الشريعة القيمة، أولجت بك في مهامِهَ مُغْبَرَّةٍ، وإن بلغت في الفلسفة ما بلغ شاعر المعرة.

35_ سيروا في تهذيب الفتاة على صراط الله المستقيم؛ فإن منزلتها من الفتى منزلةُ عَجُزِ البيت من صدره، ولا يحسن في البيت أن يكون أحدُ شطريه محكماً والآخر متخاذلاً.

36_ لا يدرك أعشى البصيرة من الحدائق المتناسقة غير أشجارِ ذات أفنان، وثمار ذات ألوان، وإنما ينقِّب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقِّظة.

37_ لا تداهنوا المولعَ بقتل حريتكم؛ فأبخس الناس قيمة من تصرعه الخمر، كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم لا يلبث أن يلبسها من تسبيح مدحه حللاً ضافية.

38_ إن من الجهّال من يرمي به الزمن على مقام وجيه؛ فَعَلِّمْه بسير تلك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً وإن وضع بإزائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة.

39_ بذرت أيام الشباب آمالاً لم تقطف ثمرها إلا حين أقبل المشيب، وهل يتمنى الحاصد للثمار يعود إلى أيام الحراثة والزراعة والانتظار؟ !

40_ يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يرقب من ورائها منفعة لنفسه أن يكون في حل من وخزات أقلامها، وإنما يحمد الذي يجاهد لسعادتها، وهو لا يرجو نعماء ينفرد بها في هذه الحياة.

41_ لا تنقل حديث الذي يفضي به إليك عن ثقة بأمانتك، ويمكنك _ متى كان يرمي إلى غاية سيئة _ أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله؛ فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها.

42_ لو فكرت في لسانك حين يتعرض لإطراء نفسك لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنة يلصق بك نقيصه، لا يحتاج في إثباتها إلى بينة.

43_ ألا ترى الماء الذي تقع في مجارية الأقذار، كيف يتهجَّم منظُره، ويخبُثُ طعمُه؛ فاطرد عن قلبك خواطر السوء؛ فإنه المنبع الذي يصدر عنه عملك المشهود.

45_ قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حل وطنك متغلباً طرحك في وهدة الاستبعاد، واتخذ من عنقك الحر موطئاً.

46_ لا يحق للرجل أن يكاثر بمن يتقلد رأيه على غير بينة، إلا إذا وازنه وقارنه بالصحف المطوية على آثارهم في نسخ متعددة.


47_  إن هذا الزجاج يصنع كأساً       ليصير الحليم فينا سفيها
        ويصوغ الدواة تلقاء   هذا       ليرى خامل الشعور نبيها
        مثل الفيلسوف ينفث   غياً       ثم يأتي لما يروق الفقيها

48_ جرس   يصيح   كحاجب        طلق    اللسان     معربد
       حيناً      ينوح    كموجع        من     لطمة      المتعمد
       والآن    زنً       كمزهر        جسته      أنمل      معبد
       زار   الصديق      فهزة         من  بعد   ضغطة   جلمد
      فحدا  كما  يحدو   الهزار        على     الغصون    الميد
      والود   يسكن في  الحشا        لكن     يحس  من    اليد
_________________________________________________________


المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد الحمد حفظه الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق