الأحد، 29 مايو، 2016

نقولات مختارة من كتاب: أليس الصبح بقريب للشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور



((نبذة عن المؤلف)):


هو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، ولد في ضاحية المرسى في تونس سنة 1296هـ بقصر جده للأم الصدر الوزير محمد العزيز بو عتور.

وقد شب في أحضان أسرة علمية، ونشأ بين أحضان والد يأمل أن يكون على مثال جده في العلم والنبوغ والعبقرية، وفي رعاية جده لأمه الوزير الذي يحرص على أن يكون خليفة في العلم والسلطان والجاه.

تلقى العلم كأبناء جيله؛ حيث حفظ القرآن، واتجه إلى حفظ المتون السائدة في وقته، ولما بلغ الرابعة عشرة التحق بجامع الزيتونة سنة 1310، وشرع ينهل من معينه في تعطش وحب للمعرفة، ثم برز ونبغ في شتى العلوم سواء في علوم الشريعة، أو اللغة، أو الآداب أو غيرها.

وله مؤلفات عديدة في شتى الفنون، منها تفسيره المسمى بالتحرير والتنوير، ومقاصد الشريعة، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وكشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ، ورد على كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وأصول التقدم في الإسلام، وأصول الإنشاء والخطابة، وغيرها كثير.

توفي رحمه الله تعالى يوم الأحد 13 رجب 1393هـ.

وإذا أردت التوسع في ترجمته فارجع إلى كتاب شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر بن عاشور حياته وآثاره، تأليف د. بلقاسم الغالي.


((تعريف بالكتاب)):


هذا الكتاب الذي بين أيدينا سماه مؤلفه: ((أليس الصبح بقريب))

وقد كتبه رحمه الله عام 1321هـ وعمره أربع وعشرون سنة.

وقد قصد من كتابه إصلاح التعليم العربي والإسلامي، وتكلم من خلاله على أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض والانحطاط العارضين لها.

ويمكن إجمال ما تكلم عليه في ذلك الكتاب الماتع بما يلي:

1ـ أطوار التعليم في الأمة العربية قبل الإسلام، وفي أشهر الأمم المعاصرة للعرب.

2_ أطوار التعليم العربي عند ظهور الإسلام وبعد ظهوره.

3_ نقل العلوم الفارسية والهندية واليونانية.

4_ وصف التعليم الإسلامي وأساليبه، ومناهجه.

5_ الطريقة في معرفة أهلية المتصدي للعلم.

6_ صفة الدروس، ومواضع التعليم.

7_ الكتاتيب، وأوليتها في الإسلام.

8_ معاهد تعليم المرأة.

9_ تعليم المرأة.

10_ انبثات العلوم الإسلامية في الأقطار: في مصر وأفريقية، والأندلس، وبلاد الفرس، والمغرب الأقصى.

11_ مواضع التعليم فيها، وأسلوب التعليم.

12_ طور التفكيرالعلمي، والمشاركة في العلوم.

13_ الكتب التي كانت تزاول.

14_ تفصيل لمواضع التعليم في تونس، وأسماء علماء تونس.

15_ حديث التآليف، وتاريخ أطوارها ووجوه إصلاحها.

16_ حديث عن العلوم، وتفصيل في تقسيمها.

17_ تفصيل عن علوم الشريعة وعلوم اللغة، والمنطق والتاريخ، والفلسفة والرياضيات.

18_ حديث عن المعلمين ومراتبهم.

19_ حديث عن الامتحانات.

20_ تطرقُ الانتقاد للنظام التدريسي.

إلى غير ذلك من المباحث الرصينة، والتحريرات العالية، والتحقيقات الرائعة الماتعة التي قل أن توجد في غير هذا الكتاب.

ولقد أودع المؤلف  هذا الكتاب نظراته الفاحصة، وانتقاداته الموفقة، وآراءه السديدة، ومقترحاته الدقيقة، وملاحظاته القيمة التي كانت سبباً للنهوض بالتعليم في بلاده وغيرها.

كل ذلك بأسلوب أخَّاذ، ولغة عالية، ونَفَس مستريض.

وما أجدر دعاة إصلاح التعليم أن يدرسوا هذا الكتاب، ويفيدوا مما فيه من العلم، والتجارب.

والكتاب يقع في 276 صفحة، توزيع الشركة التونسية للتوزيع.

((نقول من كتاب أليس الصبح بقريب)):

1_ قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملَى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكر في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الذي أشعرتني مدة مزاولته متعلِّماً ومعلِّماً بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق؛ فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه، ولم أنشَبْ أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير فإذا هو يسابقني كأنه من مطايا أبى العلاء القائل:

ولو أن المطي لها عقول ... وجَدِّك لم نَشُدَ لها رحالا

ص5

2_ وصادفتُ أيام عطلة التدريس الصيفية في ذلك العام، فقضيتُ هواجِرَها الطويلة، وبُكَرها الجميلة، في هذا العمل، مشتغلاً به عن محادثة الأحباب، وعن دَعة التنعم بمغتَسَلٍ بارد وشراب، حتى وقف بي القلم عند انتهاء الاستراحة في مدة شهرين إلى تحرير جملة كانت مشجّعتي على مراجعة عملي هذا في ثلاثة أصياف وعنونته ((أليس الصبح بقريب)).

وكان من العزم تهذيبه وإصداره، فحالت دون ذلك موانع جمة، لم تزل تطفو وتركد، وتغفو وتسهد، غير أني لم أدع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها بما ينطبق على كثير بحسب ما سمحت به الظروف، وما تيسر من مقاومة صانع منكر ومانع معروف، ما حرك سواكني إلى إبراز هاته الآراء التي كنت أمليتها، ونشر الأوراق التي خشيت عليها عواصف الأهواء؛ فطويتها. ص5

3_ وهاأنذا متقدم إلى خوض بحر أرى هول أمواجه قد حاد بعقول كثير من ذوي الألباب، فولوا عنه مدبرين، وتكلموا في إصلاحات نافعة من مصالح المسلمين، لكنها كلها كانت متوقفة على هذا المقصد الجليل المغفول عنه =مبدأ إصلاح التعليم+.

ولطالما كنت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، وأعلم أن نور عقلي هو دون إضاءة هاته المجاهل التي صفدت عليها منافذ الأنوار والأهوية الخالصة، فامتلأت بالحوامض الرديئة منذ أزمان.

وإذ قد كان من المعلومات المسلمة أن الله _ تعالى _ استخلفنا في الأرض ومنَّ علينا بنور العقول ونبهنا باختلاف النظام في الدنيا إلى أحوال الرقي والانحطاط، وقال: { انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } فما طَمَاعِيَتُنا من هذا السكوت الطويل، وما إغراقُنا في هذا السبات العميق؟ ص6

4_ إذاً قد كان واجباً علينا؛ خدمةً للملة، وتهيئة للنشأة العلمية التي تزيِّن مستقبلنا وتمجِّد ماضينا أن ندخل تلك المجاهل نرفع بإحدى يدينا مشاعل النور، ونقطع بالأخرى ما يمانع من حجرات العثور، فإن لم نصل بعدُ إلى غاياتها فعسى أن لا نبعد، وإن سلمنا من أن نشقى باللئام فما ضرنا أن لا نسعد، ولنا في ذلك كله معذرةُ العارفين، وشهادةُ أو تزكيةُ المنصفين. ص6

5_ نحن نشتغل في هذا العالم؛ لنحصل السعادة حيثما توجهنا وذلك بجلب المنافع واتقاء المضار.
فنحن _ إذاً _ في أشد الاحتياج إلى العلم بوجوه استقامة الأشغال وهي المراد من التعليم؛ ليكون المتعلم بذلك راضياً عن نفسه، واثقاً بحصول مبتغاه من عمله، ترى ذلك في كل العلوم؛ فكما ترى الرضا عن نفسك في معاشرتك بما اكتسبته من علم تهذيب الأخلاق ترى الرضا عنها في صنائعك إن كنت تصنع وفي سائر أكوانك التي تدخل تحت سلطان إرادتك؛ فلا يسوء ظنك بشيء ما، ولا تكون مكدوداً من القصور عندما ترى نفوساً يسمو بها الارتقاء في أوج المعالي، بل إما أن تسابق معها بجناح، أو تَعْلَمَ _ بالأقل _ أن للطيران فرصَ استكمالِ قوةٍ أو مساعدة رياح، كما قال الزمخشري:

يا من يحاول بالأماني رتبتي     
 كم بين منخفضٍ وآخرَ راقي

أأبيتُ  ليلي  ساهراً وتضيعه     
نوماً وتأْملُ بعد  ذاك لحاقي



ناهيك بما يجده المتعلم إن بلغ حدَّ أن يكون معلماً من الابتهاج بما يبيِّن للمتعلمين من الحقائق، وما يعالجه من إنشاء أمة مستقلة.

هاته منافع العلوم الحاجية التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية، وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يَقْدر أن يحدد عددها أحد، لكنُ لا شك أن تقدم الحضارة يوفر كثرتها.

لأجل هذا كان من واجب كل داع إلى التعليم أن يوضح لطالبيه الغايات التي يحصلونها من مزاولة ذلك التعليم سواء كانت غاية دنيوية أو أخروية؛ لأن لكلتا الغايتين طُلاباً، فتلك الغاية هي التي يجتني منها المحصل على نهاية ذلك التعليم نفعاً لنفسه دنيوياً وأخروياً، ووراء هاتين غاية هي أسمى وأعظم مما يبدو منها وهي إنتاج قادةٍ للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم مصابيح إرشادها، ومحاصد قتادها، ومهدئوا نفوسِها إذا أقلقها اضطراب مِهاَدها. ص7 _ 8

6_ فالتعليم الصحيح _ إذاً _ يرمي إلى إنشاء أرقى أصناف الناس من كل من تمرس بالأشغال والأعمال، أو رُزِقَ المواهبَ الحسنةَ، ورَغِبَ في سلوك خير السبل، وشغف بالمعرفة، وامتاز بحب الواجب والتعقل. ص9

7_ إني على يقين أنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيراً من مواهبي ولاكتسبت جَمَّاً، من المعرفة ولسلمت من التَّطَوُّح في طرائق تبين لي بَعدَ حينٍ الارتدادُ عنها، مع أني أشكر ما منحت به من إرشاد قيم من الوالد والجد ومن نصحاء الأساتذة، ولا غنى عن الاستزادة من الخير. ص9

8_ نبحث عن تعليم يفيد ترقية المدارك البشرية، وصقل الفِطَر الطيبة؛ لإضاءة الإنسانية، وإظهارها في أجمل مظاهرها فيخرج صاحبها عن وصف الحيوانية البسيط وهو الشعور بحاجة نفسه خاصة، إلى ما يفكر به في جلب مصلحته ومصلحة غيره بالتحرز من الخلل والخطأ بقدر الطاقة، وبحسب منتهى المدنية في وقته. ص12

9_ كان العرب في الجاهلية يلقنون أبناءهم وبناتهم ما هم في احتياج إليه من المعارف يُعِدُّونهم بها إلى الكمال المعروف عندهم. ص17

10_ وسبب اشتهار الشعراء هو أن الشعر ضرب مستحدث من الكلام وأسلوب من المعنى غريب، وهو بجودة وزنه، والتزام قوافيه يتنزل منزلة التوقيعات الموسيقية، فكان يستفز الحليم، ويجرئ الجبان. ص21

11_ حفظ العرب لغتهم من التغيير؛ فعدُّوا الخطأ فيها عيباً يُتعيَّر به، وشهَّروا بأصحاب الفهاهة واللثغة، وأعلنوا بدائع شعرهم وخطبهم في أسواقهم المشهورة أيام مواسم الحج، فكان عِلْمُهُمُ الحقُّ هو أدبَ لُغتِهم، وهو علمهم العقلي الوحيد.

ولهم معارف وتقاليد حافظوا عليها كانوا يعدون العلم بها من صفات الكمال، أهمها معرفة أنسابهم واتصال قبائلهم بعضها ببعض. ص21

12_ وكان لنسائهم عناية بتعليم البنات تدبيرَ البيت، وحسنَ التبعل للأزواج، والشفقةَ في تربية صغار إخوتهن. ص21

13_ وأما علم البلاغة، فلم يدوَّن ويُفْرُد بالتسمية والتأليف إلا في القرن الخامس؛ لأنه كان مندرجاً في جملة علم الأدب.

ويقول بعض الناس إن الجاحظَ أولُ من ألَّف فيه، لكنِّي أرى ما ألفه الجاحظ كان غير مصنف وإنما كانت مسائل البلاغة شعبةً من شعب النحو والأدب. ص32

14_ ولكن الذي خص علم البلاغة بالتدوين هو الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت سنة 471هـ) في كتابيه: كتاب دلائل الإعجاز، وكتاب أسرار البلاغة؛ فهو أعطى ألقاباً للمسائل، وأخرج الكلام في الإعجاز عن الصفة الجزئية إلى قواعد كلية مسهبة مبرهنة.

على أن علم البلاغة لم يصِر فَنَّاً مهذباً إلا منذ صنف فيه الإمام يوسف السَّكَّاكي(ت سنة 626هـ)القسم الثالث من كتابه مفتاح علوم العربية. ص33

15_ وكان معاذ هذا _ يعني الهرَّاء _ يدَّعي أنه يرى الجن، وَوَضَعَ في أخبارهم كتباً أدبية أثبت فيها شعرهم ومُلَحَهم يريد بذلك الطريقة الروائية والمقامات غير أنه يظهره في صورة جد، فقال له الرشيد: (( إن كنت رأيت ما ذكرت لقد رأيت عجباً، وإن كنت ما رأيت لقد وضعت أدباً )). ص33

16_ ومما تقدم إلى هنا: تعلم أن العلوم التي كانت تدرس، وتدون يومئذ تنتهي إلى اثنين وثلاثين علماً هي: التفسير، الحديث، السيرة، اللغة، النحو، الصرف، التصوف، العَروض، الفقه، أصوله، التاريخ، الطب، آداب العرب، البلاغة، الفلك، المنطق، الفلسفة، الهندسة، الحساب، الهيئة، الجغرافيا، الموسيقى، علم الحيوان، الطبيعة، الرواية والقصص، الكلام، الصيدلة، الكيمياء، الفلاحة، المساحة، الجبر، جر الأثقال والتحرك، وتتبعها علوم تتفرع عن بعضها مثل مصطلح الحديث، والجدل، وآداب البحث، ونقد الشعر. ص39

17_ تثبت أهلية القارئ لأن يؤخذ عنه القرآن، والعالم لبث العلوم الإسلامية _ بالاشتهار بين أهل ذلك العلم بأن فلاناً عالم ضابط حافظ. ص52

18_ وكان من الآداب أن تكون بين الحلقة القريبة من الأستاذ وبين أستاذهم مسافة قوس، ويعدون القرب من الأستاذ أكثر من ذلك من سوء التربية. ص54

19_ كان العلم الإسلامي في مصر قد استقر منذ الفتح الإسلامي سنة 16 إذ سكن في مصر كثير من الصحابة مثل عمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو، وقيس بن عبادة، وعبيد الله بن محمد المعافري _ وهو أول من قرأ القرآن بمصر _. ص62

20_ السبب الرابع من أسباب تأخر التعليم: عُرُوُّ التعليمِ عن مادة الآداب وتهذيب الأخلاق، وشرح العوائد النافعة، وغيرها.

وهو السبب الذي قضى على المسلمين بالانحطاط في الأخلاق والعوائد.

وقد اعتنى المسلمون في صدر الإسلام بذلك فتلقوا آداب القرآن، وهدي الرسول، ثم عززوه في عصور نهضتهم بعلوم آداب الشريعة والمواعظ.

أما إهماله بعد ذلك فسببه تأخر المسلمين وقصور أنظارهم واعتقادهم أن العلم منحصر فيما تتضمنه القواعد العلمية كالنحو، والفقه وبعبارة أخرى ميل طائفة العلماء إلى الحفظ والاستكثار من فروع المسائل ومن عدد العلوم.

ومن العار الكبير أن ترى كثيراً ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزَّتُهم، وتعظم صورهم.

ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تُحَاكَّهم وتعاشرهم أو تجادلهم؛ فترى تلك الهياكلَ العظيمةَ فارغةً من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق.

وإذا كانت تلك حالةَ خاصةِ الناس فما ظنك بعامتهم؟ وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد؛ لأن فيما يدخل فيه المحصل على الشهادة أو نحوه من معترك الحياة شغلاً شاغلاً عن ذلك. ص124

21_ والواجب من حيث خطتنا التي نريد أن تسير فيها أبناؤنا وتلامذتنا هو التدريب على ضروب الحكمة، ونقد مقتضيات الزمان، وعلو الهمة، والغيرة للحق، والترفعُ عن سخائف المطامع، وعن ضيق الصدر الذي ينشأ عنه الحسد، والظلم، والخصام، والتلطي من كل ما يخالف المقصد، والإقدام، والحزم وأصالة الرأي، وحب النظام في جميع أحوال الحياة، والعمل، وحب التناسب في المظاهر كلها، وإدراك الأشياء على ما هي عليه، والتباعد عن الخفة والطيش، وعن الجمود والكسل، وسوء الاعتقاد، والأمور الوهمية بحيث يكون العدل في جميع الأشياء صفة ذاتية لهم. ص 125

22_ نعم نحن نرى أن لا يقع النقد إلا في الدروس العالية، أما التلامذة المبتدئون والمتوسطون في أول الرتبة فإنا نلقي إليهم القواعد، وما كان من رأي فيه نظر ننقحه ونلقيه لهم من غير إشعار بما كان فيه من الخلل وكيف وقع تنقيحه، حتى إني كنت أصرفهم عن سرد الشرح مثلاً متى علمت أن في ذلك الموضع ما لا يصلح تَلَقِّيه. ص127

23_ والمشائخ المدرسون _ وإن بلغوا ما بلغوا من الاجتهاد في التعليم _ فإن ثمرة اجتهادهم لا تظهر إلا بمقدار نجابة تلامذتهم. ص141

24_ ونسبة النباهة والتحصيل في التلامذة قليل؛ بسبب إهمال التمرين وترك مراجعة ما يقرؤونه قبل الدرس وبعده، وترك مطالبتهم باستذكار ما تعلموه، وترك تكليفهم بحفظ المتون حفظاً جيداً، وترك تعويدهم على فهم معنى المتن الذي يحفظونه؛ فإنك لتسأل التلميذ عن المسألة فيعجز عن الجواب، ويتذكر عبارة المتن، ولكنه يبقى يلوكها ولا يكاد يبين عن المراد منها. ص158

25_ يؤلِّف في علمٍ مَنْ كان قويَّ الساعد فيه؛ ليمكنه أن يأتي في تأليفه بغرض من أغراض التأليف السبعة التي جمعت في أبيات:

ألا   فاعلمن  أن  التآليف  سبعة            
لكل لبيب في النصيحة خالصِ

فشرحٌ لإغلاقٍ وتصحيحُ مخطئٍ           
 وإبداعُ حَبرٍ  مقْدمٍ غيرِ ناكصِ

وترتيبُ   منثورٍ   وجمعُ مفرقٍ            
وتقصيرُ تطويلٍ وتتميمُ ناقصِ

ص170

26_ التفسير شرح مراد الله _ تعالى _ من القرآن ليفهمه من لم يصل ذوقه وإدراكه إلى فهم دقائق العربية، وليعتاد بممارسة ذلك فهمَ كلام العرب، وأساليبهم من تلقاء نفسه. ص184

27_ يُقْصد من علم الأصول ضبطُ القواعد التي يستطيع العالم بها فهمَ أدلة الشريعة؛ ليأخذ منها الأحكام التفريعية.

أرادوا أن يجمعوا فيه ما تتفق فيه الآراء؛ ليرتفع الخلاف في الفقه بعد أن كانت هاته القواعد متفرقة وموكولة لنباهة المجتهدين. ص203

28_ في طبع الإنسان كراهيةُ الرجوعِ إلى من يجترئ عليه، والخلافُ بين العقلاء نادر لو رامو التقارب. ص210

29_ وللغة المُضرية شَبهٌ بالعبرانية والبابلية وسائر اللغات السامية. ص212

30_ هل نرجو من تلامذتنا اليوم أن يكونوا فصحاء بلغاء وهم لا يقرع سمعهم إلا سقط الكلام، ورعونة التعبير، ولا يعرفون معنى الإنشاء والفصاحة؟ ص215

31_ لا عُدة لنا اليوم في الفصاحة إلا القرآن، وناهيك به عدة، ولكن قراءة الناس إياه في الصغر، وإهمال التذكير بمعانيه في المكاتب، والشغل عن درسه في الكبر _ أرزا الناس فائدة عظيمة يبلغون بها رتبة مكينة من علم اللسان. ص215

32_ فإن كتاب سيبويه اشتمل على مسائل من التقديم، والتأخير، ومعاني الحروف، ومحاسن العطف، ونحوها؛ فكان عمدة علماء البلاغة من بعده وقد قال فيه الزمخشري:


ألا صَلَّى الإله صلاة صدق        على عمروِ بنِ عثمانَ بن قُنْبَرْ
فإن   كتابه  لم  يُغْنَ  عنه        بنو   قلم   ولا  أعوادُ    مِنْبَرْ


33_ علم البلاغة المعاني والبيان والبديع: تكاثرت الأسماء له؛ فمن الناس من سماه علم البديع لأنه مبدع، ومنهم من سماه البيان لأنه يبين عن المراد، والمتأخرون هم الذين قسموه إلى ثلاثة أقسام:

المعاني: وهو ما يبحث فيه عن مطابقة الكلام لمقتضى حال التعبير.

والبيان: وهو كاسمه يعرف به إيرادُ المعنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة من حقيقة أو مجاز.

والبديع: وهو تحسين المعاني أو الألفاظ بما يجعلها مستظرفة للسامع.

ص222 _ 232

34_ يريدون من المنطق علماً يعصم الأفكار عن الخطأ في المطلوب التصوري الذي تتعرف منه حقيقةُ شيء، وفي المطلوب التصديقي الذي يُتَعرف منه العلمُ مع دليل ما، وهو من جملة العلوم التي نقلها العرب من اليونانية في عصر النهضة العلمية، وختْمه بالصناعات الخمس: (( البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والسفسطة)) . ص225

35_ من أخص واجبات الأساتذة أن يكونوا قدوة لتلاميذهم؛ فمن الواجب أن يعرفوهم حب العمل، والسعي لإصلاح أنفسهم وأمتهم، وأن ينشِّؤوهم على خلال المصابرة والشجاعة، والحرية والمروءة، واحترام الحق والعدالة، والعفاف وكرم الأخلاق؛ حتى يكونوا كلهم أعضاءً نافعةً عاملةً سواءٌ منهم من بقي في صناعة العلم، أو من انصرف إلى الأشغال الأخرى وعساهم أن لا يكونوا بعداء عن هذا في مقبل الزمان؛ فإن علماء الأمة زينتها في كل أوان. ص235

36_ ليس العلم رموزاً تُحل، ولا كلماتٍ تُحفظ، ولا انقباضاً وتكلفاً، ولكنه نورُ العقلِ، واعتداله، وصلاحيته لاستعمال الأشياء فيما يحتاج إليه منها؛ فهو استكمال النفس، والتطهر من الغفلة، والتأهل للاستفادة والإفادة.

وما كانت العلوم المتداولة بين الناس إلا خادمةً لهذين الغرضين وهما ارتقاء العقل لإدراك الحقائق، واقتدار صاحبه على إفادة غيره بما أدركه هو. ص239

37_ هذا ما عنَّ إثباته من أحوال العلوم الإسلامية، وطرائق تعليمها، وأسباب النهوض والانحطاط العارضين لها في عديد الأعصر، وقد مضى بعد تقييده زمنٌ غيرُ قصيرٍ تطورت فيه الأحوال إلى أحسنَ تارةً وإلى أسوأَ أخرى، وفي العيان غُنيةٌ عن الإبانة لمن كانت له زكانة.

وقد تحقق العمل بكثير من الملاحظات والمقترحات التي اشتمل عليها هذا الكتاب، فأسفر بها وجه الصبح الذي رجوت له قرباً، ولم أَفْتَىءْ كلما وجدت فجوةً أن أرتقي بالتعليم مرتقىً وإن كان صعباً، حتى قلتُ إن الصبح أعقب بضحاه، ورأيت كثيراً من الناصحين توخى سبيلنا وانتحاه، واللبيب لا يعوزه تنظير الأحوال، وفي الخبر أن ابن آدم لا ينتهي ما له من آمال، ونسأل الله عون المسلمين على إصلاح الأحوال. ص260

_______________________________________________



المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد الحمد حفظه الله تعالى.

الأحد، 22 مايو، 2016

" ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة أمر "



عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما)، قال: ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة أمر.

قلت (الإمام السيوطي): كان عند رأس المائة الأولى من هذه الملة فتنة الحجاج، وما أدراك ما الحجاج؟.

وفي المائة الثانية: فتنة المأمون وحروبه مع أخيه، حتى درست محاسن بغداد وباد أهلها، ثم قتله إياه شر قتلة، ثم امتحانه الناس بخلق القرآن، وهي أعظم الفتن في هذه الأمة وأولها بالنسبة إلى الدعوة إلى البدعة، ولم يدع خليفة قبله إلى شيء من البدع.

وفي المائة الثالثة: خروج القرمطي، وناهيك به، ثم فتنة المقتدر لما خلع وبويع ابن المعتز وأعيد المقتدر ثاني يوم وذبح القاضي وخلقًا من العلماء ولم يقتل قاضٍ قبله في ملة الإسلام، ثم فتنة تفرق الكلمة وتغلب المتغلبين على البلاد، واستمر ذلك إلى الآن، ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية، وناهيك بهم إفسادًا وكفرًا وقتلًا للعلماء والصلحاء.

وفي المائة الرابعة: كانت فتنة الحاكم بأمر إبليس، لا بأمر الله، وناهيك بما فعل.

وفي المائة الخامسة: أخذ الفرنج الشام وبيت المقدس.

وفي المائة السادسة: كان الغلاء الذي لم يسمع بمثله منذ زمن يوسف عليه السلام، وكان ابتداء أمر التتار.

وفي المائة السابعة: كانت فتنة التتار العظمى التي لم يسمع بمثلها، أسالت من دماء أهل الإسلام بحارًا.

وفي المائة الثامنة: كانت فتنة تمرلنك التي استصغرت بالنسبة إليها فتنة التتار على عظمها.

وأسال الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة!! بجاه محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحبه أجمعين، آمين.

ثم الكتاب والحمد لله أولًا وآخرًا.
________________________________________________

الإمام السيوطي (المتوفى: 911هـ): تاريخ الخلفاء 368-369
مكتبة نزار مصطفى الباز
الطبعة: الطبعة الأولى: 1425هـ-2004م

السبت، 21 مايو، 2016

نقولات مختارة من كتاب: هدى ونور للشيخ محمد الخضر حسين


((تعريف مختصر بالكتاب)) :

هذا كتاب للمؤلف رحمه الله أعده وضبطه ابن أخيه الأستاذ علي الرضا الحسيني، والفقرات الآتية مقال كتبه المؤلف بعنوان ((خواطر)) وقد نشرت هذه الخواطر على حلقتين في مجلة ((البدر)) الصادرة باسم ((العرب)) الجزء الرابع من المجلد الثالث في شهر ربيع الثاني عام 1342، والجزء السابع من المجلد الثالث الصادر في شهر رجب 1343هـ.

يقول رحمه الله :

1_ إن كبر عقلك، فأصبح يعلمك ما لم تعلم، واتسع خيالك، فبات يلقي عليك من الصور البديعة ما يلذه ذوقك _ فأنت ما بين أستاذ يمحض نصيحته، ونديم لا تمل صحبته.

2_ يعلمك الأستاذ كيف تغوص في عميق البحار، ويريك نموذجاً من الدر يتميز بينه وبين الأحجار، وهمتك تخلد بك إلى الإملاق، أو تجعلك المجلّي في حلبة السباق.

3_ سميت الاستخفاف بالشرع حرية، فقلت: برع في فن المجاز، وتهكم بمن أصبح عبداً للهوى، وسميت النفاق كياسة، فقلت: خان الفضيلة في اسمها، أو خانه النظر في فهمها.

4_ تنظر النفس في سيرة الرجل العظيم كما تنظر العين في الزجاجة النقية، فتدرك مساويها؛ أفلا تصنع بمآثرك الحميدة مرآة يبصر بها الناشئ بعدك صورته الروحية فيصلحها.

5_ سرت والنورُ أمامك، فانطلق ظلك على أثرك، ثم وليته قفاك، فكان الظل يسعى وأنت على أثره، وهكذا العقل، يتقبل فيتبعه الخيال، فإذا أدبر عنها انقلب الخيال إلى الأمام، وقاده في شُعب الباطل بغير لجام.

6_ تبسط لسانك بالنكير على من يقلد في الدين، ولولا أنك تتلقى قول الفيلسوف على غير هدى، لقلت: باكورة الاجتهاد قد أينعت.

7_ هذه الدنيا كالعدسة الزجاجية في الآلة المصورة، تضع الرأس بموطئ القدم، وترفع القدم إلى مكان الرأس؛ فزنوا الرجل بمآثره لا بما يبدو لكم من مظاهره.

8_ يبسط الشجر ظله للمقيل، ويقف بعد موته بقناديل الكهرباء على سواء السبيل؛ أفانت تجير البؤس وهو أحر من الرمضاء، وتوقد سراج حكمة يهدي بعد موتك إلى المحجة البيضاء.

9_ يصنع الصانع الحلي، وتضع ما تتجمل به النفوس في محافل العلى، فإن ظلت تتهافت على صانع الخواتم والسلاسل فاعلم أنها ما برحت لاهية عن هذه المحافل.

10_ حسبت العلم ضلالاً فناديت إلى الجهل، وآخر يزعم التقوى بلهاً فكان داعية الفجور، ولولا ما تلقيناه في سبيلنا من هذه الأرجاس، لكنا خير أمة أخرجت للناس.

11_ ربما كان صانعُ الأسنّة أرقَّ عاطفةً من الطبيب، والسفيه أحفظ للحكم البالغة من الأديب، ولكني أطلب نفس الرجل حثيثاً، وأناجيها فلا تكتمني حديثاً.

12_ كان هذا الغصن رطيباً، وعيش البلبل به خصيباً ولكنه سحب عليه ذيل الخيلاء، فأصبح يتقلب في ذلك البلاء، ويرتجف كما ترتجف اليد الشّلاء.

13_ كل جوهرة من عقد حياة محمد _عليه السلام_ معجزة؛ فإن أساليب دعوته ومظاهر حكمته لا يربطها بحال الأمية إلا قدرة تتصرف في الكائنات بحكمة أبلغ مما تستدعيه طبائعها.

14_ العفاف نور تستمده النفس من مطلع العقل، فإن ضرب عليها الهوى بخيمته السوداء، خسفت كما يخسف القمر إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس.

15_ ينزوي البحر؛ فتضع السفينة صدرها على التراب، وينبسط؛ فتمر على الماء مرَّ السحاب.

والعقل يظل في موقعه من النفس طريحاً، فإن فاضت عليه الحكمة سار في سبيل النظر عَنَقاً فسيحاً.

16_ إن تخبطك السفه أهانوك، وإن قعد بك البله أعانوك؛ لأنك تستطيع أن تكون تقياً، وليس في يدك أن تكون ألمعياً.

17_ تتجلى فضيلتك؛ فتنسج في هذه النفس عاطفة أرق من النسيم، وتوقد في أخرى حسداً أحر من الجحيم، وكذلك المزن ينسكب على أرض؛ فتبتسم بثغر الأُقحوان، وينزل على أخرى؛ فتقطِّب بجبهة من حَسَكِ السعدان.

18_ جنيتُ وردةً لأُخَلِّصها من الشوك الذي يساورها من كل جانب، فما لبث أن طفئت بهجتها، وسكنت أنفاسُها؛ فعلمت أن النفوس الزاكية لا تتخلص من النوائب إلا يوم تموت.

19_ الشر نار كامنة في قلوب تحملها صدور المستبدين، فإن قَدَحْتَها بنقد سياستهم كنتَ لها قوتاً، إلا أن تكون بإخلاصك وحكمتك البالغة ياقوتاً.

20_ إذا قلت في السياسة ما لا تفعل، أوهِمْتَ في واد لا تعرُج فيه على حقيقة_ فانفض ثوبك من غبارها؛ فإنه ليس من الغبار الذي يصيبك في سبيل الله.

21_ إنما يقطف الفيلسوف من المنافع ما تتفتق عنه أكمام الحقيقة، ولا يعرج السياسي بنظره على الحقائق إلا إذا أطلِّت عليه المنفعة من ورائها.

22_ لا تجادل المعاند قبل أن يأخذ الاستهزاء به في نفسك مكان الغضب عليه؛ فالغضب دخان يتجَّهم به وجهُ الحجةِ المستنيرة، وابتسامُ التهكمِ بَرْقُهُ يخطف البصرَ قبل أن تقع صاعقة البرهان على البصيرة.

23_ لا يمنعك من وضع المقال على محك النظر أن تتلقاه ممن هو أصفى منك ذهناً أو أرجح وزناً؛ فإن الورق لا يقبل ما يرتسم في الزجاجة من الصور إلا بعد إصلاح خطئها، وإعادته الألوان إلى مبدئها.

24_ أرى موقع الليل من هذه البسيطة لا يفوت مقدار نهارها، فرجوت أن لا يكون الباطل أوسع مجالاً من الحقيقة، ولكن الشمس ترمز بكسوفها إلى أن أخطأت في القياس، وبنيت رجائي على غير أساس.

25_ العالم بستان، تجوَّل فيه الفيلسوفُ فقال: كيف نشأت هذه الأزهار والثمار؟ ولماذا اختلفت في النعوت والآثار؟ وطاف فيه السياسي فقال: متى يقطف هذا الثمر؟ وتؤتي تلك الشجرة أكلها؟

26_ سكبت ماءاً حاراً في زجاجة؛ فتأثر أحد شطريها بالحرارة، واستمر الآخر على طبيعة البرودة؛ فتصدع جدارها.

وكذلك النفوس الناشئة على طبائع مختلفة لا يمكن التئامها.

27_ كان لسان الدين بن الخطيب جنة أدب تجري تحتها أنهار المعارف فآتت أُكلها ضعفين، ولكن تنفست عليه السياسة ببخار سام؛ فخنقته، وشب نار الحسد في القلوب القاسية؛ فأحرقته.

28_ تلهج بأن الشيخ لا يسوس المصلحة بحزم، فإن بَلِيَ بَرْدُ شبابك ولم تُلْقِ زمامَها من تلقاء نفسك، فقد فندت رأيك، أو أضمرت العبث في السياسة.

29_ في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا أن تدخل عليه من باب البله، أو تلطخ لسانك بحمأة التملق؛ فاحتفظ بألمعيتك وطهارة منطقك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يعقلون.

30_ بين جناحك قوة تجذب إلى جوارك العمل وهي الإرادة؛ فاستعذ بالله أن تكون كالجاذبية الأرضية تستهوي الصخرة الصماء إلى النفس المطمئنة؛ فتمحقها.

31_ شَدَدْتَ وصلَك إلى سوق العرفان؛ ليقتني ما يَلَذُّ ذوقَك من درر حسان؛ فإذا اغبرت لؤلؤة إيمانك بوسواس المفتون فقد خسرت تجارتك ولو أصبحت تتهكم على آراء أفلاطون، وكشف لك من الكيمياء والزراعة عن كنوز قارون.

32_ لا ترسل فكرك وراء البحث عن حقيقة قبل أن ينفخ فيه روح الاستقلال؛ فإن التقليد موت، وما كان لجثث الموتى أن تغوص الأبحر العميقة.

33_ لا عجب أن يتفجر بين أيديهم ينبوع الآداب صافياً، وتهوى أنفسهم أن تغترف غُرْفَةً من مستنقعها الأقصى؛ فإن من الأبصار المعتلة ما لا يقع نظره إلا على شبح بعيد.

34_ النفس راحلةٌ تحمل أثقالك إلى بلد السعادة؛ فإن لم تسر بها إثْرَ الشريعة القيمة، أولجت بك في مهامِهَ مُغْبَرَّةٍ، وإن بلغت في الفلسفة ما بلغ شاعر المعرة.

35_ سيروا في تهذيب الفتاة على صراط الله المستقيم؛ فإن منزلتها من الفتى منزلةُ عَجُزِ البيت من صدره، ولا يحسن في البيت أن يكون أحدُ شطريه محكماً والآخر متخاذلاً.

36_ لا يدرك أعشى البصيرة من الحدائق المتناسقة غير أشجارِ ذات أفنان، وثمار ذات ألوان، وإنما ينقِّب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقِّظة.

37_ لا تداهنوا المولعَ بقتل حريتكم؛ فأبخس الناس قيمة من تصرعه الخمر، كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم لا يلبث أن يلبسها من تسبيح مدحه حللاً ضافية.

38_ إن من الجهّال من يرمي به الزمن على مقام وجيه؛ فَعَلِّمْه بسير تلك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً وإن وضع بإزائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة.

39_ بذرت أيام الشباب آمالاً لم تقطف ثمرها إلا حين أقبل المشيب، وهل يتمنى الحاصد للثمار يعود إلى أيام الحراثة والزراعة والانتظار؟ !

40_ يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يرقب من ورائها منفعة لنفسه أن يكون في حل من وخزات أقلامها، وإنما يحمد الذي يجاهد لسعادتها، وهو لا يرجو نعماء ينفرد بها في هذه الحياة.

41_ لا تنقل حديث الذي يفضي به إليك عن ثقة بأمانتك، ويمكنك _ متى كان يرمي إلى غاية سيئة _ أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله؛ فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها.

42_ لو فكرت في لسانك حين يتعرض لإطراء نفسك لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنة يلصق بك نقيصه، لا يحتاج في إثباتها إلى بينة.

43_ ألا ترى الماء الذي تقع في مجارية الأقذار، كيف يتهجَّم منظُره، ويخبُثُ طعمُه؛ فاطرد عن قلبك خواطر السوء؛ فإنه المنبع الذي يصدر عنه عملك المشهود.

45_ قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حل وطنك متغلباً طرحك في وهدة الاستبعاد، واتخذ من عنقك الحر موطئاً.

46_ لا يحق للرجل أن يكاثر بمن يتقلد رأيه على غير بينة، إلا إذا وازنه وقارنه بالصحف المطوية على آثارهم في نسخ متعددة.


47_  إن هذا الزجاج يصنع كأساً       ليصير الحليم فينا سفيها
        ويصوغ الدواة تلقاء   هذا       ليرى خامل الشعور نبيها
        مثل الفيلسوف ينفث   غياً       ثم يأتي لما يروق الفقيها

48_ جرس   يصيح   كحاجب        طلق    اللسان     معربد
       حيناً      ينوح    كموجع        من     لطمة      المتعمد
       والآن    زنً       كمزهر        جسته      أنمل      معبد
       زار   الصديق      فهزة         من  بعد   ضغطة   جلمد
      فحدا  كما  يحدو   الهزار        على     الغصون    الميد
      والود   يسكن في  الحشا        لكن     يحس  من    اليد
_________________________________________________________


المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد الحمد حفظه الله تعالى.

الثلاثاء، 17 مايو، 2016

الحضارة الصينية لها سبق في العديد من العلوم والاكتشافات العلمية


الحضارة الصينية لها سبق في العديد من العلوم والاكتشافات العلمية منها :

ما كتبه الصينيون عن الخسوف، وعن مجموعات من النجوم منذ عهد أسرة تشو : ( 1122-256 ق.م )، ومن القرن الرابع قبل الميلاد أوردوا ملاحظات على الضوء، والمرايا المقعرة والمحدبة والمستوية، وكانوا عارفين بمسائل البرونز، وأدركوا النسبة الصحيحة في النحاس والقصدير لصنع خواص معينة منه.

واخترع تساوي لون حوالي (105 م) الورق من قشر الشجر والقنب والخرق، وقد كانوا قبله يكتبون على الخيزران والحرير، والخيزران الثقيل، والحرير غال.

واخترع الصينيون البارود (نترات البوتاسيوم)، واستعملوه في الأسلحة منذ نهاية القرن العاشر الميلادي، ولما اخذه العرب عنهم، قالوا عنه : الثلج الصيني.

واخترعوا البوصلة، والخزف، والطباعة حيث عرفوا الحروف المتحركة منذ عام (1041م)، وتقدمت الكيمياء فعرفوا الحبر الأسود، والحبر الأحمر.

والصينيون من أوائل الأمم التي اتخذت الفحم الحجري من مناجمه في الأرض منذ سنة (1922 ق.م).

وفي مجال الرياضيات حلوا بعض المعادلات المجهولة من الدرجة الاولى، مع تأثير متبادل مع حضارة الهند في هذا المجال، وخلف العالم الرياضي جانغ تسانج ( ت: 152 ق.م ) كتاباً في الجبر والهندسة، فيه إشارة معروفة للكميات السالبة .

واخترع تشانج هنج (132م) آلة لتسجيل الزلازل، وكان في وسع الفلكيين في أيام كنفوشيوس التنبؤ بالخسوف تنبؤاً دقيقاً .

واهتم الصينيون بالأنهار والترع، وبنوا سور الصين العظيم، الذي انتهى بناؤه (214 ق.م)، في عهد الإمبراطور شيه هوانغ تي، الذي رمم في اوقات مختلفة، ارتفاعه م بين 6-10 أمتار، وطوله 1400 ميل.

____________________________________________


الدكتور شوقي أبوخليل: الحضارة العربية الإسلامية وموجز عن الحضارات السابقة (ص:61-61).

الأحد، 15 مايو، 2016

سعد الخير البلنسي الاندلسي الصيني (الإمام الرحالة)



الرحالة الشهير ابن بطوطة (ت: 779 هـ : 1377 م) مشهور أنه من أوائل الرحالة الذين رحلوا إلى الصين.

وكذلك مشهور أن الرحالة الشهير ماركو بولو (ت: 724هـ : 1324م) سبقة إلى صين.

ولكن الغير مشهور هو العالم الرحالة سعد الخير (ت: 541 هـ : 1146 م) والذي سبق الجميع من سنوات طويلة جداً إلى الصين.

ولا يعرف متى ولد رحالتنا ولكن مكان مولده في بلنسة شرق الأندلس من أشهر مدن البحر المتوسط وتسمى في عصرنا فلنسيا في مملكة أسبانيا.

وهذا السبق غير مستغرب من أندلسي، فقد عرف عن أهل الأندلس حبهم للعلم ودراسة شعوب العالم، فعند مراجعتي لمراجع الكتاب وجدت أن مراجع كثيرة هي من الأندلس، وبعض المراجع يتفردون بها كما ذكر البكري عن فتنة بابشو ويبدو أنه نقل من رحلة السيرافي ولكنه زاد عندما قارن وضع الصين بعد هذه الفتنة بما حصل للأندلس في بداية القرن الخامس الهجري من فتنة دول الطوائف وانقسام الأندلس إلى دويلات متناحرة بعد أن كانت دولة قوية متماسكة، ولو تحدثنا عنهم لطال الحديث ولا يكفي كتاب ولا كتابان لذكر مآثر هذا القطر، والذي له الفضل في نقل الحضارة الأوروبية إلى ماهي عليه اليوم وذلك بشهادة المنصفين منهم.

يقول العلامة اللغوي الهندي عبدالعزيز الميمني:
أهل الأندلس يستحقون كل فضل وثناء، وقد مضت مئات السنين ولكن لم يظهر شعب على مسرح العالم يعشق العلم كما يعشقه أهل الأندلس.

وسعد الخير هو الشيخ الامام، المحدث المتقن، الجوال الرحال، أبو الحسن، سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي البلنسي التاجر.
سار من الاندلس إلى إقليم الصين، فتراه يكتب: سعد الخير الاندلسي الصيني.
وركب البحار وقاسى المشاق، وسافر في التجارة إلى الصين، وكان صاحب ثروة ومال طائل، وقد أطال الغيبة.

وأما رحلة من الأندلس إلى الصين فلا نعرف متى كانت ولكنها قبل سنة (522هـ) وهي السنة التي ولدت فيها ابنته فاطمة بالصين.

ولا شك أن المسافة بعيدة جداً بين أقصى دول المغرب الأندلس وأقصى دول المشرق الصين، وهذه الرحلة تدل على مدى العلاقات الطيبة بين دول العالم في ذاك الزمان وسهولة التنقل بين شعوبها.
ورحلة سعد الخير إلى الصين تدل على أن الأوضاع السياسية قد استقرت خاصة بعد الفتنة التي قادها بابشو، وكذلك الأوضاع في الأندلس فقد لستقرت بعد عصر دول الطوائف بتوحيد مدنها في عصر دولة المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين.


وفي الصين عندما رحل إليها سعد الخير كانت في عصر الدولة التاسعة عشر وأول ملوكها تابي تسو، جلس على العرش وأمر بأن تفتح أبواب قصره الأربع كما فتحت أبواب قلبه لرعاياه، ومما ينقل عنه أن جيشه كان يحاصر مدينة نالكين ويضايقها، فمرض فجاءه القواد يعودونه فخاطبهم بقوله: ( ها أنتم تروني مريضا ولكني أعلم بأن دوائى في أيديكم. قالوا جميعاً: ماهو هذا الدواء؟ أجاب: هو أن تحقنوا دماء الأهالي)، فلم تكن إلا ساعات حتى فكوا الحصار فقام الامبراطور معافى سليماً.
وفي عام (1023م) مات فتولى ابنه دجين تسونغ وكان مثل أبيه رحيم القلب محباً للعلوم شفوقاً برعاياه إلا أنه لم يعش كثيراً فخلفه ملوك كثيرون الى ان كانت سنة (1163م) فابتدا أمر المغول بالظهور ثم سنة (1226م) واستولى جنكيزخان على جزء من الصين.

وسعد الخير من الأئمة الأعلام روى عن كثير من علماء عصره، وكان حافظاً، زاهداً، ثقة، فقيهاً متديناً، عالماً، فاضلاً.
سمع ببغداد: أبا عبد الله النعالي، وابن البطر، وطِراد بن محمد.
وسمع بأصبهان: أبا سعد المطرّز.
وسمع بالدون( الدوني: بالضم إلى دُونة قرية بنهاوند أيضاً ودون قرية بدينور) سنن النسائي من الدوني، وحصّل الكثير من الكتب الجيدة.
وحدّث ببغداد، وسكنها مدة بعد انفصاله عن إصبهان.
روى عنه: ابن عساكر، وابن السمعاني، وأبو موسى المديني، وعبد الخالق بن أسد ووصفه بالحفظ، وأبو اليُمن الكندي، وأبو الفرج بن الجوزي، وبنته فاطمة بنت سعد الخير، وعمر بن أبي السعادات بن صرما.
وتفقّه ببغداد على أبي حامد الغزالي، وسمع الحديث.
وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي.
وهو آخر من حدث بالمشرق.
توفي يوم السبت العاشر من محرم سنة إحدى وأربعين وخمسمائة من الهجرة.
وقد أوصى عند وفاته أن يصلي عليه الغزنوي، وأن يدفن عند قبر عبد الله بن الإمام أحمد، وحضر جنازته خلائق من الناس.


وابنته فخر النساء فاطمة هي الشيخة المسندة (المسند: ما اتصل سنده مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.) أم محمد المصري.
ولدت سنة (522هـ) وقد اخلتف في مكان ولادتها على أقوال، القول الأول: بالصين، والقول الآخر: بأصبهان.
وتوفيت بالقاهرة سنة ( 600 هـ) تلقت العلم عن والدها، وعن غيره من المحدثين الكبار ببغداد، ثم قامت بالتدريس فى القاهرة ودمشق، وسمع منها جماعة من الشيوخ- منهم شيوخ المنذرى الحافظ، الذى يقول عنها: سمع منها شيوخنا ورفقاؤنا، ولنا منها إجازة.
تزوجت من الفقيه الواعظ المفسر زين الدين أبي الحسن علي الأنصاري المعروف بابن نجية.

وكان مبعوث نور الدين محمود بن زنكي إلى بغداد، وسمع هناك الحديث من سعد الخير كثيراً.
وصاهره على ابنته فاطمة، ونقلها معه إلى مصر، وانتقلت كتب سعد الخير إليه.
كان ذا رأي صائب. وكان صلاح الدين - يعني ابن يوسف بن أيوب - يسميه عمرو بن العاص، ويعمل برأيه.
وقال أَبُو شامة: كان صلاح الدين يكاتبه، ويحضر مجلسه هو وأولاده: العزيز، وغيره. وكان له جاه عظيم.
وتوفي في السنة التي توفيت فيها زوجته فاطمة، وقيل قبلها بسنة.


_________________________________________

المرجع: الفصل التاسع من كتابي: الحضارة الصينية في التراث العربي (قريب يطبع باذن ربنا المعين).

فيصل بن سويد
faisal.bin.swauid@gmail.com

مصادر الفصل:

1- البغدادي (ت: 463هـ): تاريخ بغداد.
2- البكري الأندلسي (ت: 487هـ): المسالك والممالك.
3- السمعاني (ت: 562هـ): الأنساب.
4- ابن الجوزي (ت: 597هـ): المنتظم في تاريخ الملوك والأمم .
5- ابن نقطة (ت: 629هـ): التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد.
6- ابن الأبار البلنسي (ت: 658هـ):  التكملة لكتاب الصلة.
7- الذهبي (ت:748): سير أعلام النبلاء .
8- تاريخ الإسلام.
9- الصفدي (ت: 764هـ): الوافي بالوفيات.
10- السبكي (ت: 771هـ): طبقات الشافعية الكبرى.
11- ابن كثير (ت: 774هـ): البداية والنهاية.
12- ابن رجب: (ت: 795هـ): ذيل طبقات الحنابلة.
13- الهيثمي (ت:807 هـ): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
14- ابن ناصر الدين (ت: 842هـ):  توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم.
15- السيوطي (المتوفى: 911هـ): لب اللباب في تحرير الأنساب>
16- ابن العماد (ت: 1089هـ):  شذرات الذهب في أخبار من ذهب.
17- بن الغزي (المتوفى: 1167هـ): ديوان الإسلام.
18- محمد فريد وجدي: دائرة المعارف القرن العشرين.
19- الزركلي: الأعلام.
20- عبدالعزيز الميمني: بحوث وتحقيقات.
21- محمد الغزالي: تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع.
22- الطحان: تيسير مصطلح الحديث.
23- محمد  محمدين: المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة.

الخميس، 12 مايو، 2016

المسافات في الماضي وما يعادلها في الحاضر



ذكر الدكتور محمد أبوالعمائم أستاذ الآثار الإسلامية في مقدمته على كتاب (العمارة العربية بمصر) لـ ولفرد جوزف دللي طـ الهيئة المصرية للكتاب ـ سلسلة الألف كتاب الثاني عام 2000 .

ذكر أن الفرسخ ستة كيلو مترات .
و البريد أربعة فراسخ أي أربعة و عشرون كيلو متر .
و ذكر أن الميل العربي 1972.8 متر .

و ذكر عدة وحدات قياسية أخرى أضيفها هنا للفائدة:-
الإصبع : من 2.078 سم إلى 3.125 سم .
الباع : متران .
الذراع : 54.04 سم .
ذراع العمل : 66.5 سم .
الذراع البلدية : 58.26 سم .
ذراع البريد : 49.875 سم .
الذراع الهاشمية : 66.5 سم أو 60.055 سم .
ذراع الملك : 66.5 سم .
الذراع المعمارية : 79.8سم أو 75 سم .
ذراع المساحة : 66.5 سم .
الذراع المرسلة : 49.875 سم .
الذراع القائمة : 49.875 سم .
الذراع الشرعية : 49.875 سم .
الذراع اليوسفية : 49.875 سم .
القبضة : 9 سم .
القصبة : 3.99 متر أو 3.55 متر

المصدر:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=255320

الأحد، 8 مايو، 2016

بين حزم سليمان القانوني وهفوة المنصور الموحدي





المنصور أبويوسف يعقوب الموحدي بطل معركة الأرك الخالدة والتي حدثت في الأندلس (الفردوس المفقود) في 9 من شعبان عام 591هـ الموافق 18 يوليو 1195م.
وسليمان القانوني بن سليم الأول العثماني بطل معركة موهاكس الخالدة والتي حدثت في المجر (الفردوس الآخر المفقود) في 21 من ذي القعدة عام 932هـ الموافق 29 أغسطس 1526م.

ما يجمع القائدين العظيمين أنهما :
خلد التاريخ اسمهما لمعركتين من أعظم معارك الإسلام.
وكلاهما أرغم أنف أهل الصليب في القارة الأوروبية.

ولكن هناك حدث يفرق بينهما خطأ فادح من المنصور الموحدي والذي أعترف بهذا الخطأ وهو يحتضر وأنة ندم على ذلك وهو إطلاق أسرى الصليبيون بعد الإنتصار في معركة الأرك والسبب كما يذكر رحمه الله تعالى : " لا بد لهم أن يطلبوا بثأرهم ".
وصدق تفرس المنصور، بعد سنوات قليلة حدثت المعركة المؤلمة العقاب سنة (609هـ) الموافق (1212م) والتي كان من عماد جيشها الأسرى الذين أطلقوا (كعادت أهل الصليب لا ينفع فيهم معروف) والتي بعدها تداعت مدن الأندلس الكبيرة وسقطت سقوط مدوي.....
وسقط حكم الموحدين في الأندلس وبعده سقط في المغرب الإسلامي....

أما بطلنا الثاني سليمان القانوني فكأنة رحمه الله تعالى تعلم من خطأ أخية المنصور الموحدي.
فكان قرار السلطان سليمان القانوني الذي لن تنساه أوروبا له حتى الآن وللأتراك العثمانيين وتذكره بكل حقد : لا أسرى ! .

وأخذ الجنود العثمانيون يناولون من يريد الأسر من الأوروبيين سلاحه ليقاتل أو يذبح حياً ! وبالفعل قاتلوا قتال الميئًوس واليائس، وانتهت المعركة بمقتل فيلاد، والأساقفة السبعة الذين يمثلون النصرانية، ومبعوث البابا، وسبعون ألف فارس، ورغم هذا تم أسر 25 ألف جريح ، وتم عمل عرض عسكري في العاصمة المجرية من قبل العثمانيين، وقبَّل الجميع يد السلطان سليمان تكريما له، بما فيهم الصدر الأعظم، ونظم شئون الدولة ليومين ورحل ،وانتهت أسطورة أوروبا والمجر، وقد استشهد من العثمانيين 150 جندياً فقط ( مختلف عليه ) ، وجرح 3000 آلاف، والجيش في كامل قوته لم يُستنزَف أبداً !
وأستمر حكم بني عثمان قرون طويلة، وكان الأذان يرفع في المجر وما حولها خمس مرات في اليوم لقرون عديدة، قبل النكسة في العصر الحديث، والأحداث المؤلمة والتي تشابه سقوط المدن الاندلسية بعد معركة العقاب المؤلمة....


رحمه الله تعالى القائدين العظيمين يعقوب الموحدي وسليمان العثماني، ورزق الأمة قادة أمثالهم يرفعون راية الجهاد، ويدافعون عن الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

____________________________

المراجع:
معركة الأرك للدكتور شوقي أبوخليل رحمه الله تعالى


معركة موهاكس: ما لم تنساه أوربا للسلطان سليمان القانوني !

الخميس، 5 مايو، 2016

إفساد التعليم والأخلاق على الطريقة الفرنسية


يقول الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله تعالى:


جاءتني رسالة من رفيق زركلي، الطالب في السوربون، يقون إنه قرأ في الحلقات الأخيرة من ذكرياتي حملة قاسية على رجال الرعيل الأول في سوريا، من أمثال هشام الأتاسي وشكري القوّتلي وفخري البارودي وسعد الله الجابري، ولم يقرأ لي كلمة واحدة على غيرهم مِمّن عدا على العقائد فأفسدها، وعلى الأموال فغصبها، وعلى الأعراض ...

وجوابي أن من ذكر من الزعماء كنت أعمل معهم وأمشي وراءهم وأئتمر -أيام كنت أقود الطلاب من خمس وخمسين سنة (أي سنة 1931) - بأمرهم. ما كنت عدوّهم ولا أنا بالكاره لهم، ولكنّ لهم عيوباً. ما ادّعوا لأنفسهم ولا ادّعى أحدٌ أنهم كانوا مبرَّئين من العيوب معصومين من الذنوب. وأنا أدوّن ذكرياتي، أروي فيها ما رأيت وما سمعت، أذكر عيوبهم كما أذكر محاسنهم، لا بغضاً لهم ولكن نصحاً لغيرهم، وكذلك يصنع من يكتب التاريخ، لا يصوغ قصيدة في المدح.

كان هؤلاء كثوب أبيض به بقع من الزيت والطين والأوضار، فأنا أشير إليها وأدلّ عليها لتُزال فتعود بيضاء نظيفة، أو لئلاّ يصيب صاحب الثوب النظيف بقع مثلها. وربما كان في الناس مَن ثوبُه كله وضر وزيت وطين ما فيه بقعة بيضاء نظيفة، فلا يفيد معه الإشارة إلى وسخ ثوبه ولا إلى بيان عيبه، لأن الثوب كله أوساخ وهو كله عيوب.

أعود إلى حديثي. قلت إن الفرنسيين كانوا أشدّ عناية بلغتنا وأحرص عليها ممّن جاء بعدهم. وهذا حقّ، ولكن ليس الفضل لهم فيه وإنما لأولئك الغُيُر (جمع غيور) على العربية الذين كانوا يدفعون الفرنسيين إلى العناية بها ويخوّفونهم عواقب إهمالها، وكانوا يصنعون ذلك حباً بها ودفاعاً عنها وحفاظاً على القرآن الذي أُنزِل بها. من أمثال سليم الجندي وعبد القادر المبارك ومحمد البِزم وعبد الغني الباجِقْني، وطبقة بعدهم من أمثال ياسين طربوش وعبدالرزاق الباجقني، وإخوان لهم وأقران لا أُحصيهم الآن.

ورفيقنا سعيد الأفغاني الذي تسلّم أمر العربية في جامعة دمشق أكثر من ربع قرن، فكان له ولمن معه عمل ظاهر في الدفاع عنها. حتى إنه ألزم الطلاّب (وفيهم غير المسلم) دراسة القرآن باعتبار أنه كتاب العربية وهم يدرسون العربية، وأنه النص الأوّل الذي يُعتمَد فيها عليه ويُرجَع إليه.

ثم جاءت طبقة جديدة من تلاميذه كان منها راتب النفّاخ الذي بلغ بالعلم بالعربية مرتبة ما نالها إلاّ قليل، ومازن المبارك، وعاصم البيطار، ومن قبلهم عبد الرحمن الباني، ومعهم أو من بعدهم عبد الرحمن الباشا. هؤلاء على اختلاف أزمانهم وتفاوت أسنانهم، وأمثال هؤلاء من إخوانهم، هم الذين حفظ الله بهم العربية في الشام.

وقد نسيت عاملاً آخر هو الأستاذ كرد علي، والمجمع العلمي الذي أسّسه سنة 1920 فكان أبا المجامع العربية كلها، ومَن كان معه مِن رجال المجمع: الشيخ عبد القادر المغربي والأستاذ عزّالدين التنوخي والأستاذ عارف النكدي، وأمثال هؤلاء. ثم مَن جاء بعدهم من المَجْمعيّين: شكري فيصل وشاكر الفحّام وعبدالكريم اليافي وعدنان الخطيب.

والعامل الثالث أساتذة المعهد الطبّي (أي كلّية الطبّ) الذين قاموا بما قعدَت عنه الجامعات والمجامع، فعرّبوا على مدى نصف قرن جميع مصطلحات العلوم الطبّية: الأساتذة الأطباء حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية الآن، وحمدي الخياط وجميل الخاني وصلاح الدين الكواكبي ومرشد خاطر وشوكة الشطي، وأمثال هؤلاء المجاهدين الأفاضل.

وتمشي اليوم على الألسنة كلمات صارت ملكاً للناس جميعاً وعُدَّت من اللغة العامّة، وأنا أعرف تاريخ الكثير منها وشهدت مولده. فكلمة «عبقرية» من وضع الشيخ عبد القادر المغربي ترجمة لكلمة «جيني» الفرنسية، وكلمة «فيزياء» وكلمة «برمائية» من وضع التنوخي، وكلمة «عفوي» ترجمة للفظ الفرنسي «سبونتانيه» من وضع سليم الجندي (وفي مصر يقولون «تلقائي» بدلاً من عفوي). وكلمة «هاتف» للتلفون و «سيارة» و «درّاجة» وُضعت في أوائل النهضة العربية. وكان أسبق البلاد إلى هذا التعريب الشام أي سوريا، ثم العراق، ثم حمل العبء الأكبر مجمعُ اللغة العربية في القاهرة.

وكان في مجمع دمشق أوائل العهد بالانتداب الفرنسي لجنة دائمة لتعريب المصطلحات والأسماء، وأذكر أن شيخنا المبارك مرّت معه في الدرس إحدى هذه الكلمات فلم نتنبّه لها، فقال: إن هذه الكلمة كلّفت الدولة مئة ليرة ... يوم كانت مئة الليرة راتب وكيل وزارة.

يا سقى الله تلك الأيام ويا ما أطيب ذكراها، يوم كنّا نراجع في لسان العرب ونحن في السنة الأولى من المرحلة المتوسطة، ونقرأ مقالات الكبار كالرافعي والعقّاد والمازني وطه حسين، فنأخذ عليهم كلمة وضعوها في غير موضعها أو خالفوا فيها عن طريقها. سمعنا في شعر شوقي كلمة «حنايا» ففتّشنا المعاجم فلم نجد إلاّ «أحناء» فأنكرناها عليه. وأنكرنا على خير الدين الزركلي سنة 1925 قوله «سوريا الشهيدة» لأن الفصيح أن يُقال سوريا الشهيد لا الشهيدة، فعلنا ذلك بإرشاد مشايخنا وأساتذتنا الذين قوّموا ألسنتنا وألزمونا حفظ الشعر الجاهلي والإسلامي (الذي لا يُحتَجّ باللغة إلاّ به) والرجوعَ إلى الكتب الكبار.

ألا تعجبون إن قلت لكم إني كنت أخطب ساعة ارتجالاً وأنا شابّ فلا يزلق لساني ولا يزلّ بكلمة ولا آتي بلحن، فصرت الآن بعد هذا العمر كله يسبق لساني أحياناً إلى الخطأ، فإذا سمعته عند إذاعته تحسّرت على نفسي وواريت خجلاً وجهي.

كان الفضل في حفظ العربية لهؤلاء وأمثالهم، لا إلى الفرنسيين.

* * *

أما الجانب الآخَر من المصيبة (الذي وقفت في آخر الحلقة الماضية عنده) فهو نزع حجاب البنات، والسعي الدائب لاختلاط الشبّان بالشابّات، حتى كُشفت العورات وصار بعض المدارس كالمراقص والملهيات، وصار الرقص (لا الرقص الرياضي، بل الرقص العادي) مادّة من الموادّ المقرّرات تُجبَر على تعلّمه الطالبات!

إي والله العظيم، ما أقول إلاّ ما وقع، لا أسير وراء خيالي ولا أفتري على الناس الكذب. ولم نصل إلى هذا في يوم واحد، بل كانت خُطّة مرسومة؛ كانت فصلاً من كتاب محاربة الإسلام.

لقد حاقت بالإسلام مصائب وحلّت به نكبات: الردّة التي كانت بعد انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، حيث رجع أكثر العرب عن الاتّباع الكامل للإسلام، فمنهم من تبع متنبّئاً كذّاباً وترك الدين الحقّ، ومنهم من أراد أن يهدم ركناً من الأركان التي يقوم عليها بنيان الإسلام فيمنع الزكاة. وظنّ بعض خصوم الإسلام أنه انتهى، ولكن الإسلام عاد بحمد الله أقوى ممّا كان.

ثم جاءت سلسلة طويلة من المصائب التي تعرفونها، وما أنشأت هذا الفصل لبيانها ولكن أشير إليها لأذكّركم بها: الفتن الداخلية التي أثارها ابن سبأ، اليهودي المتنكّر بلباس الإسلام. ثم الحروب الصليبية، وهجمات المغول والتتر، وما تعرفون من أمثال ذلك، وأمثالُه كثير. ولكن الإسلام كان ينتفض فيُلقي عنه ما علق، ويشفى ممّا أصابه، ويعود قوياً محفوظاً بحفظ الله.

أمّا الحرب التي تواجه الإسلام الآن فهي أشدّ وأنكى من كل ما كان؛ إنها عقول كبيرة جداً، شريرة جداً، تمدّها قُوى قوية جداً وأموال كثيرة جداً، كلّ ذلك مسخَّر لحرب الإسلام على خُطَط مُحكَمة، والمسلمون أكثرهم غافلون.

يجدّ أعداؤهم ويهزلون، ويسهر خصومهم وينامون. أولئك يحاربونهم صفاً واحداً، والمسلمون قد فرّقت بينهم خلافات في الرأي ومطامع في الدنيا.

يدخلون علينا من بابَين كبيرَين حولهما أبواب صغار لا يُحصى عددها، أمّا البابان الكبيران فهما باب الشبهات وباب الشهوات. أمّا الشبهات فهي كالمرض الذي يقتل مَن يصيبه، ولكنّ سريانه بطيء وعدواه ضعيفة. فما كلّ شابّ ولا شابّة إذا أُلقيَت عليه الشُّبَه في عقيدته يقبلها رأساً ويعتنقها.

أمّا الشهوات فهي داء يُمرِض وقد لا يقتل، ولكنه أسرع سرَياناً وأقوى عدوى؛ إذ يصادف من نفس الشابّ والشابّة غريزة غرزها الله وغرسها لتُنتج طاقة تُستعمل في الخير، فتنشئ أسرة وتُنتج نسلاً وتقوّي الأمّة وتزيد عدد أبنائها، فيأتي هؤلاء فيوجّهونها في الشرّ، للّذّة العاجلة التي لا تُثمِر. طاقة نعطلها ونهملها ودافع أُوجد ليوجَّه إلى عدوّنا لندافع بها عن بلدنا، فنحن نطلقها في الهواء فنضيعها هباء، أو يوجّهها بعضنا إلى بعض. هذا هو باب الشهوات، وهو أخطر الأبواب. عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلّوه، وأول هذا الطريق هو الاختلاط.

بدأ الاختلاط من رياض الأطفال، ولمّا جاءت الإذاعة انتقل منها إلى برامج الأطفال فصاروا يجمعون الصغار من الصبيان والصغيرات من البنات. ونحن لا نقول إن لبنت خمس سنين عورة يحرم النظر إليها كعورة الكبيرة البالغة، ولكن نقول إن من يرى هذه تذكّره بتلك فتدفعه إلى محاولة رؤيتها. ثم إنه قد فسد الزمان حتى صار التعدّي على عفاف الأطفال مُنكَراً فاشياً ومرضاً سارياً، لا عندنا، بل في البلاد التي نَعُدّ أهلها هم أهل المدنية والحضارة في أوربّا وأميركا.

كان أعداء الحجاب يقولون إن اللواط والسحاق وتلك الانحرافات الجنسية سببها حَجب النساء، ولو مزّقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها ورجعتم إلى الطريق القويم. وكنّا -من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا- نصدّقهم، ثم لمّا عرفناهم وخبرنا خبرهم ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة.

إنْ كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ فخبروني: هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجّبات الحجاب الشرعي؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سنّوا له قانوناً يجعله من المباحات؟

ثم إن أصول العقائد وبذور العادات ومبادئ الخير والشرّ إنما تُغرَس في العقل الباطن للإنسان، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الستّ الأولى من عمره. فإذا عوّدنا الصبيّ والبنت الاختلاط فيها، ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان، ثم تصير أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى وتشبّ الفتاة، فيكبران وهما عليه؟ وهل تنتقل البنت في يوم معيّن من شهر معيّن، من الطفولة إلى الصِّبا في ساعات معدودات، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب؟ أم هي تكبر شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه ثابتاً فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه؟ فهو إذن يمشي وإن لم ترَ مشيه. فإذا عوّدنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم؟

ثم سلَّموا التعليم في المدارس الأوّلية لمعلّمات بدلاً من المعلّمين. ونحن لا نقول إن تعليم المرأة أولاداً صغاراً أعمارهم دون العاشرة محرّم في ذاته. لا، ليس محرّماً في ذاته، ولكنه ذريعة إلى الحرام وطريق إلى الوقوع فيه في مقبل الأيام، وسدّ الذرائع من قواعد الإسلام.

والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير ولا يحسّ إن نظر إليها بمثل ما يحسّ به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيُخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة. أنا أذكر نساء عرفتهنّ وأنا ابن ستّ سنين قبل أكثر من سبعين سنة، وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن وتكوين أجسادهن!

ثم إن من تُشرِف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياتَه كلّها، يظهر في عاطفته وفي سلوكه وفي أدبه إذا كان أديباً. ولا تبعد في ضرب الأمثال، فهاكم الإمام ابن حزم يحدّثكم في كتابه العظيم الذي ألّفه في الحب «طوق الحمامة» حديثاً مستفيضاً في الموضوع.

خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب. فمَن طلب الرحمة والمودّة واللذّة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج. ومن تسوّر الجدار أو نقب السقف أو أراد سرقة متعة ليست له بحقّ، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس وتأنيب الضمير، وكان له في الآخرة عذاب السعير.

فما الذي صنعناه؟ إن للأعراض لصوصاً كما أن للأموال لصوصاً، ولصوص المال أخفّ شراً وأقلّ ضراً من لصوص الأعراض. وهم يحومون دائماً حول بناتنا، ولكنهم لا يستطيعون أن يقتحموا علينا بيوتنا إلاّ إذا صار الأمر فوضى، وصار «حاميها حراميها»، وعاد الناس كوحش الغاب.

ففكَّروا وقدَّروا واستوحوا شياطينهم، فوصلوا إلى الرأي: وهو أن يدخلوا علينا من طريق المدارس. فكيف دخلوا من طريق المدارس؟

إن لذلك قصّة طويلة الذيول عريضة الحواشي، أعرفها كلها ولكن لا أستطيع الآن أن أرويها كلها، لذلك أسرد اليوم العناوين وأعود يوماً إلى المضامين.

بدؤوا بإدخال المدرسين من الرجال على البنات بحُجّة فقد المدرّسات القادرات. وكان المدرّسون أولاً من أمثال الشيخ محيي الدين الخاني والأستاذ أديب التقي البغدادي والأستاذ محمد علي السراج، وممّن درّس فيها حيناً شيخنا الشيخ بهجة البيطار وأنا. ثم فُتح الباب للشباب، ومن الشباب قِلّة هم أصلح وأتقى لله من الشيوخ الكبار، وأكثر الشباب من المَستورين الذين لا يُعرَف عنهم إقبال على المعصية ولا تمسّك قوي في الدين. ومنهم من هو فاسق يُخفي فسوقه، ومنهم من يجاهر به ويُعلِنه ويجد من الناس من يعجب بهذه المجاهرة ويصفّق لهذا الإعلان.

ثم احتجّوا بالرياضة، فكشفوا من أجلها العورات واستباحوا المحرّمات.

ثم اتخذوا الحفلات السنوية طريقاً إلى ما يريدون، يصنعون فيها ما لا يجرؤون عليه في غيرها. ولمّا كنت أُدرّس في ثانوية البنات سنة 1949 دُعيت إلى هذه الحفلة السنوية فلم أذهب. وكانت الطالبات (وكلهن بالغات كبيرات) يأتين المدرسة بالثوب الرسمي الساتر، وكُنّ يحتجبن في درسي ودرس الشيخ بهجة. فلما كان يوم الحفلة -وقد جئت المدرسة لبعض المعاملات- رأيت الطالبات في الثياب العادية، أي التي يُذهَب بها إلى الأعراس؛ أي أنني رأيتهن متكشّفات بأبهى زينة! فنصحت من سلّمَت عليّ وانصرفت عائداً.

فلما انقضت الحفلة ومرّت عليها أيام أهدت إليّ إحدى الطالبات ظرفاً كبيراً فيه أكثر من ثمانين صورة ملوّنة للبنات أُخذت في الحفلة. والذي صوّرها رجل أجنبي عنهن، ليس أباهن ولا أخاهن. ثم رأيت هذه الصورة في محلّ هذا المصوّر (ومحلّه على طريقي الذي أجتازه كلّ يوم) معروضة في واجهة المحل!

ثم اخترعوا نظام المرشدات (وهو مثل نظام الكشفية للأولاد) وصرن يذهبن في رحلات قصيرة في قُرى دمشق. ثم جاءت المصيبة التي أنست ما قبلها من المصائب، وهي نظام «الفُتُوّة»، أي إلباس الطالبات لباس الجند وتدريبهن على حمل السلاح.

لماذا؟ وهل انقرض الرجال حتى نقاتل بربّات الحِجال؟ ولمَن تُترك إدارة البيوت وتربية الأطفال؟ لماذا والشباب يتسكّعون في الطرقات ويزدحمون على أبواب السينمات، فندع الشباب لهذا ونقاتل أعداءنا بالبنات؟

قالوا: أنتم رجعيون متأخّرون جامدون. ألا ترون اليهود كذلك يصنعون؟ أتكون الفتاة اليهودية أشجع من العربية؟

ولو أنهم قرؤوا ما نقله الدكتور محمد علي البار (جزاه الله خيراً) في كتابه عن النساء المجنّدات في الجيش والشرطة في أميركا وأوربّا لعضّوا الأنامل ندماً، وبكوا بدل الدموع دماء على أنهم جعلوا أئمّتهم اليهود.

تقول العوامّ (وفي بعض ما يقولون حكمة بالغة وحق بيّن)، يقولون: «المال الداشر يعلّم الناس السرقة». ذلك لأن كلّ نفس تميل إلى المال، وأكثر وأقوى من الميل إلى المال الميل إلى الجمال. وهؤلاء الذين سلّمناهم بناتنا (ومنهم من لا تعصمه زوجة ولا يردعه دين ولا يمسكه خوف من الله والدار الآخرة)، هؤلاء تدفعهم غرائزهم إلى هذا الذي فعلوا، ولا يزالون دائبين ليصلوا لأكثر ممّا نالوا. فأين حُرّاس هذا الجمال المعروض؟ أين الآباء والأولياء لهؤلاء البنات؟ لو جاؤوا يسرقون منهم أموالهم لغضبوا لأموالهم وهبّوا يدافعون عنها يستميتون في سبيلها، فما لهم لايغضبون لأعراضهم ولا يعملون على حمايتها؟

* * *

لم يبقَ في الميدان إلاّ المشايخ. والمشايخ لم يكونوا صفاً واحداً إلاّ أياماً قليلة، ولا يزالون مختلفين. وهذه حقيقة يقطع ذكرُها القلبَ أسفاً وحزناً. ليس المشايخ على قلب رجل واحد، منهم الصوفي والسلفي وأتباع المذاهب والآخذون رأساً من الكتاب والسنّة والإخوان المسلمون وخصوم الإخوان المسلمين، وأتباع كل شيخ يتنكّرون للشيخ الآخر.

هؤلاء هم الإسلاميون العاملون، هذه حالهم، أمّا المشايخ الذين يَنظرون: كلّ حاكم ماذا يريد، فيفتّشون له في الكتب عمّا يؤيّد ما أراده ويجعلون ذلك ديناً، وأما المشايخ الموظفون الذين أهَمّتهم وظائفهم (أي رواتبهم) فلا يحرصون إلاّ عليها ولا يبالون إلاّ بها، هؤلاء وأمثالهم لا أتكلّم عنهم ولا أمل لي فيهم.

كان المشايخ الباقون في الميدان يجتمعون فيتشاكَون ويتباكون ثم لا يجدون (وأنا واحد منهم، يُقال عني كلّ ما أقوله عنهم) لا يجدون إلاّ أن يجمعوا صفوفهم فيراجعوا الرئيس أو الوزير، فلا تنفعهم المراجعة شيئاً. ويعلنون النصح للناس، ويجهرون بكلمة الحقّ من فوق المنابر، فيخرج الناس من صلاة الجمعة فيتحدّثون بما سمعوه ويُثنُون على الخطيب ويدعون له، ثم ينغمسون في حمأة الحياة فينسون ما قاله وما سمعوا.
_________________________________

ذكريات 5/ 345-356

الأحد، 1 مايو، 2016

من آداب الحديث للعلامة عبدالرحمن السعدي


قال العلامة ابن سعدي - رحمه الله تعالى - :
" ومن الآداب الطيبة إذا حدثك المحدث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لا يعرفه ولم يمر عليه، وتريه أنك استفدت منه، كما كان ألباء الرجال يفعلونه، وفيه من الفوائد تنشيط المحدث، وإدخال السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك، وسلامتك من سوء الأدب،. فإن منازعة المحدث في حديثه من سوء الأدب ". ( الرياض الناضرة ص548).

والعلامة السعدي رحمه الله تعالى كان يعامل الناس بمثل ما ذكرة.
وينقل ابنه تعامل العلامة مع الناس يقول:
" في زمن الحرب العالمية كان الناس من أهل عنيزة يحرصون على الاجتماع بالشيخ والمشي معه، وذلك في حال ذهابه للمسجد أو خروجه منه، وكان الناس يتوددون للوالد رحمه الله ويبادلهم هو نفس الشعور.
وكان الناس ينقلون للوالد أخبار الحرب وما سمعوه من المذياع، فيأتي الواحد ولديه خبر أو قصة سمعها من شخص أو من المذياع وينقلها للوالد، والوالد يصغي له وينصت ولا يقاطعه، ثم يشكره على ذلك ويبدي إعجابه رحمه الله، ثم يأتي شخص آخر، ويقص على الوالد نفس القصة، أو ينقل له نفس الخبر الذي نقله الأول، والوالد يسمع له ولا يتكلم ولا يقاطعه ويظهر له التعجب والسرور، فيظن الرجل أنه هو أول من نقل الخبر للشيخ وهو السابق إلى هذا الحديث فيشتد فرحه، والوالد يظهر إعجابه واستغرابه من القصة كأنه يسمعها لأول مرة، وهذا ما يقصده الوالد من حسن الاستماع لغرض جبر خواطر الناقلين للخبر، ثم يأتي شخص ثالث وينقل للشيخ قريبًا مما حدّث به الأول والثاني والشيخ لا يقاطعه ولا يشعره بأنه قد سمع أو علم تلك الأخبار والقصص.
وهذا دأبه مع الناس، وقد شاهدت ذلك بعيني وسمعته بأذني، والشيخ الوالد رحمه الله يفعل هذا مرارًا لحكمة يراها رحمه الله، وفعلاً كسب قلوب الناس العامة منهم والخاصة بهذه الأخلاق الحميدة."
(مواقف من حياة الشيخ الوالد عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص58-59)