الأحد، 24 أبريل، 2016

وصية لويس التاسع أخطر وثيقة !!



لقد وضعت الخطة منذ وقت مبكر وإن لم تستكشف إلا بعد سنوات طويلة وكانت أولى علاماتها المستكشفة في وصية لويس التاسع بعد هزيمته في المنصورة بما يمكننا من القول بأن نهاية الحروب الصليبية كانت بداية المخطط الجديد للغزو الثقافي والفكري ودحر الإسلام كفكر بعد العجز عن دحر أمته.

وتعد وصية لويس التاسع أخطر وثيقة في هذا الاتجاه فهي التي فتحت الباب واسعاً أمام عملية التبشير والاستشراق.

وعلى أثرها مباشرة بدأت حركة أوربا المعروفة إلى ترجمة القرآن والتعرف على الإسلام، وبدأت نواة التبشير والاستشراق في المعاهد الأوربية: دراسة للغة العربية والإسلام والقرآن بمفهوم الرد عليه وإنقاصه وإثارة الشبهات حوله.

وقد ظاهر هذه الحركة عملية "سرقة" التراث العربي الإسلامي من البلاد العربية والإسلامية بواسطة القناصل والتجار وأستميحكم العذر في أن أقول "سرقة" لأن عملية الاستيلاء على الفكر الإسلامي في الأندلس أيضاً كانت "سرقة" بالرغم من أن المسلمين كانوا يؤمنون بأن العلم للجميع حتى العلم التجريبي الذي هو الآن من أسرار الأمم الحديثة والتي عجز المسلمون والعرب خلال قرن ونصف قرن في الحصول عن أصوله ومعادلاته.

أما المسلمون فكانوا يعملونه في جامعات الأندلس وجزيرة صقلية في حرية تامة، غير أن الغرب في تناهي حقده لم يقف عند هذا الحد، بل إنه عزل الموقع الإسلامي كله وصادره بما في وأخرج من المسلمين إخراجاً، وكذلك فعل في الأندلس حيث أحرزت أوربا كل ثمرات النتاج الإسلامي العلمي والفكري بأرضه ومعامله ومعاهده وحوائطه، ولم تبق للمسلمين حتى مجرد القدرة على استئناف تجاربهم وهم في أرض أخرى هاجروا إليها.

لقد عكف لويس التاسع بعد هزيمته في المنصورة خلال محبسه في دار ابن لقمان يفكر ويستعرض هذه الحملات الصليبية المتوالية على بيت المقدس ودمشق ومصر وكيف هزمت هزيمة منكرة وكيف هزمت حملته في قلب دلتا النيل، وسبق إلى الاعتقال، وكيف كان المصريون والعرب المسلمون يقاتلون ببسالة عجيبة في الدفاع عن بلادهم خلال سبع حملات متوالية ووصل إلى نتيجة حاسمة: هي أن المسلمين لا يهزمون ما دام فكرهم باقياً وما دامت عقيدتهم قائمة، ذلك لأنهم تدفعهم في قوة إلى الاستشهاد في سبيل حماية الزمار ومقاومة الغاصب وتطهير الأرض من دنس الغزاة، والإسلام يجعل القتال في سبيل تحرير الأرض من دنس الغزاة، والإسلام يجعل القتال في سبيل تحرير الأرض ديناً وعقيدة ولذلك فإن سبيل الغرب إلى الانتصار على المسلمين والسيطرة على أرضهم يجب أن تبدأ أولاً من حرب الكلمة ولابد من أن تقوم في الغرب قوى من الباحثين والدارسين يترجمون القرآن ويدرسون العربية ويعملون على القضاء على تلك المفاهيم القوية التي تتصل بالجهاد في سبيل الله، فإذا استطاع الغرب أن يفعل ذلك فقد استطاع أن يقضي على القوة الروحية والنفسية القائمة وراء تلك المقاومة الجبارة وعندئذٍ يمكن للغرب السيطرة على العالم الإسلامي ومن هذه النقطة بدأت حرب الكلمة بالتبشير والاستشراق والتغريب والغزو الثقافي والسيطرة على التعليم والتربية والثقافة والفكر والصحافة، وقد استطاعت هذه الخطة أن تحقق للغرب انتصاراته التي يمكن أن يطلق عليها الاستعمار الغربي الحديث، ولا ريب أن وثيقة لويس التاسع تنصح بهذا الاتجاه الخطير وتدعو إليه.

ولقد بلغ لويس درجة القداسة في نظر الغرب؛ لأنه حمل الصليب وحارب به في مصر، ثم كانت حملته التاسعة المشهورة على تونس.

وإذا كانت الحملات الصليبية ثم توقفت منذ استعاد المسلمون عكا بقيادة الأشرف خليل عام 690 هجرية/ 1291 ميلادية، وعلى أثر ذلك قامت الدولة الإسلامية العثمانية الكبرى بعد تسع سنوات لا غير من سقوط الحروب الصليبية وهزيمة أوربا، هذه الدولة التي استمرت حتى عام 1337 هجرية الموازية لعام 1918 الميلادي أي أنها استمرت تحمل لواء الإسلام خمسة قرون ونصف القرن.

نقول إذا كانت الحملات الصليبية قد توقفت منذ عام 690 هجرية فإن أوربا لم تتوقف فقد استأنفت حركتها مرة أخرى بعد وقت قصير حين تدافعت بعد سقوط الأندلس على الطريق الأفريقي من ناحية الغرب دون توقف: الأسبان والبرتغال ومن ورائهم الإنجليز والفرنسيين والهولنديين.

أما في أفق البلاد العربية فإن عام 830 كان علامة الخطر حين بدأت فرنسا في غزو الجزائر وامتدت المعركة إلى تونس فمصر والسودان. منذ ذل كاليوم بدأت طلائع التبشير تعمل وأخذت حركة الاستشراق تزدهر وكانت بؤرة العمل هي ساحل البحر الأبيض الشرقي: في مواجهة الشام من الشرق وإستانبول من الشمال ومصر من الجنوب.

وانتقلت المطابع وبدأت المدارس وتصارعت قوى البروتستانتية الأمريكية والكاثوليكية الفرنسية على تقديم مناهجها.

ثم جاءت حكومات الاستعمار في كل البلاد العربية فأخذت مناهج مدارس الإرساليات ونفذتها تواً.

وفي عديد من مصادر تاريخ اللقاء بين الشرق والغرب نجد إشارة إلى وصية لويس التاسع الذي كان أول من أشار إلى تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره ثم القضاء عليه معنوياً واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعركة جنوداً للغرب.

وإذا كانت الحروب الصليبية منذ بدأت 1299م وانتهت 1499 فإن انسحاب المسلمين من الأندلس انتهى 1493 وكان ذلك بعد انم استولى محمد الفاتح على القسطنطينية عام 1354 (857 هجرية) في ظل ذلك كله بدأ العمل تواً على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي يتخذها نقطة ارتكاز له ومعقلاً لمعركته العقائدية الفكرية التي تستهدف حصار الإسلام والوثوب عليه.

وقد اختيرت هذه الأراضي على شاطئ البحر الأبيض الشرقي مسرحاً لهذا العمل منذ ذل كالوقت وتحرك العمل بين بيروت والقاهرة والقسطنطينية. وفي نفس الوقت الذي كان عمل مماثل يتحرك في تونس والجزائر ومراكش، وأعمال أخرى في المناطق الإسلامية في الهند وفي جاوة وأندونيسيا والفيليبين.


_______________________________________
المصدر:

الخنجر المسموم الذي طُعِن به المسلمون - للاستاذ أنور الجندي
http://alhmdani897.blogspot.com/2016/03/blog-post_23.html



الصورة من أطلس التاريخ العربي الإسلامي لـ دكتور شوقي أبوخليل رحمه الله تعالى:

السبت، 16 أبريل، 2016

استقبال الوفود أيام العصور الذهبية


يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى:

وهذا يوم واحد من أيام بغداد العظيمة.
ولست مستطيعاً أن أصوّر لكم كلّ ما كان في ذلك اليوم، فهل رأيتم في السينما مشاهد تتويج الملكة في إنكلترا مثلاً؟ إني أؤكّد لكم القول إن حفلات التتويج تكون حادثاً صغيراً إذا قيست بحفلات استقبال وفد قيصر القسطنطينية في بغداد أيام المقتدر.
لقد وقف مئة وستون ألف جندي بأكمل عدّة وأفخر ثياب من خارج المدينة إلى باب قصر التاج، جنود من كلّ البلاد وكلّ الأجناس، وأقيمت الأقواس والأعلام وسُلْسِلَت المصابيح، ومُدّت النمارق والسجّادات والبُسُط العجيبة على طول الطريق، فبلغ عددها اثنين وعشرين ألف قطعة سجّاد.

وخرج أهل بغداد جميعاً (وقد زادوا يومئذ عن ثلاثة ملايين) إلى الطرقات التي سيجتاز بها موكب الوفد، فبلغَت أجرة مجلس الرجل الواحد في الدكّان أو على السطح عشرين درهماً، أي أكثر من دينار!
ولبس قصر التاج حُلّة لا يمكن لقلم كاتب أن يصفها، وحسبكم أن تعلموا أن عدد ما عُلّق فيها من ستور الديباج المذهَّبة المطرّزة المصوّرة بأبدع ما أخرجَته أيدي النُّقّاش والمصوّرين والمطرّزين في أرجاء الأرض كان ثمانية وثلاثين ألف ستار.

ولا تحسبوا قصر التاج كما تعرفون من القصور. لا، ولا تظنّوه كالحمراء في غرناطة ولا فرساي في باريس. كان فيه ثلاثة وعشرون قصراً كل واحد منها أكبر (كما وصفوا) من قصر عابدين في مصر.
وكان في إسطبل الخيل ألف فرس، خمسمئة على اليمين عليها السُّرُج المُحلاّة بالذهب والفضّة، وخمسمئة على اليسار بجلال الديباج والبراقع الطوال، وكل فرس أمام بيته بِيَد سائس بأجمل بزّة وثياب.
ومرّوا بالوفد على حَيْر الوحوش المستأنَسة (أي حديقة الحيوان) وكان فيه مئة من السباع، خمسون عن يمين وخمسون عن يسار، وفيه دار الفِيَلة.

ثم مروا بالوفد على قصر الفردوس، وكان فيه بهو طوله ثلاثمئة ذراع قد صُفَّت فيه أنواع الأسلحة التي لم يرَ الراؤون مثلها.
ثم دخلوا بالوفد دار نصر الحاجب، فلما رأى وفد الروم عظمة المكان وأُبّهة نصر حسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: لا، هذا هو الحاجب.
ثم أدخلوهم على الوزير ابن الفرات، وكان في مجلس في حديقة في القصر بين دجلة والبستان قد عُلّقت فيه الستور ومُدَّت الفُرُش، وكان شيء عجيب، فحسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: هذا هو الوزير.
ثم وصلوا إلى الخليفة، واستقبلهم في دار الشجرة. وهي شجرة من الفضّة وزنها خمسمئة ألف مثقال (نصف مليون)، وبعضها من الذهب والجوهر، لها غصون وأوراق تميس مَيَسان أغصان الشجر، وعليها أطيار من الفضّة تصفّر وتتحرك بحركات قد رُتّبت لها.
وكان عدد خدم القصر المنبَثّين في الممرّات والدهاليز وعلى السطوح بألبسة عجيبة وزينة بالغة سبعة آلاف خادم، وكان الحُجّاب أكثر من خمسمئة، وكان يوماً من أيام التاريخ.


______________________________
المصدر:
http://alhmdani897.blogspot.com/2016/04/blog-post_8.html

الجمعة، 8 أبريل، 2016

فلم بغداد ...



 نُشرت سنة (1375هـ) 1956م

إني لأنظر الآن من خلال السنين، أقف على درب القرون أراها وهي تمرّ بي قرناً بعد قرن، وأشاهد مواكب الأيام وهي تجوز بي موكباً إثر موكب، كفِلْم في سينما تعرض فصولُه قصّةَ بغداد. لو كنت أستطيع أن أعرض الفِلم كلّه لأحسستم أنكم تعيشون معي في قلب التاريخ وتحلّون معي «أشخاصاً» في هذه القصّة العبقرية التأليف والإخراج. ولكن الفِلم طويل، فاكتفوا بهذه اللمحات الخاطفة من هذا الفِلم العظيم

* * *


نحن في مطلع الفِلْم قبل نحو 1450 سنة، وبغداد قرية صغيرة، عندها سوق للغنم والجِمال ومن حولها السواد فيه النخيل، ومن وراء السواد هذه الصحراء التي تتلظّى فيها الرمال وتتوقّد الشمس، ويبدو من كل جهة فيها وجه الموت يتربص لكل قادم عليها من غير أهلها. أمّا أهلوها فقد أنِسوا بالموت حتى رأوا فيه الحياة، يعيشون عيش الآساد في آجامها، يُدْلون بمثل ظفر الأسد ونابه ويطوون صدورهم على مثل جرأته ووثابه، لذلك كانوا يحتربون ويقتتلون إذا لم يجدوا من يحاربون ويقتلون، لا شريعة لهم إلاّ شريعة القوّة ولا حُكم إلاّ حُكم السيف.


وفي جوار هذه القرية الخاملة كانت تقوم «المدائن»، قرارة كسرى شاهنشاه (1) فيها عرشه وإيوانه، العجمُ يسجدون بين يديه ويكفّرون له (أي ينحنون)، والعرب يُكبِرون مكانه ويخافون سلطانه ويسمّون عاملاً من عُمّاله (هو مدير ناحية الحيرة، النعمان ابن المنذر)، يُسمّونه ملك العرب.

ويدور الفِلم ويبدأ فيه فصل جديد.

انظروا، لقد ماج هذا البحر من القبائل التي كانت تسكن الصحراء وتحرّك واضطرب، ثم جرى فيه تيّار قوي يجرف في طريقه كل شيء. لقد اتحد القوم المتفرقون، ونبذوا راياتهم وهي شتّى ليحملوا راية واحدة جديدة هي راية القرآن، يقودهم تحتها المثنى بن حارثة نحو بغداد. وها هم أولاء يتقدّمون، ويتقدّمون، ويتقدّمون. لقد كان العجب العاجب؛ هؤلاء البدو الجاهلون ملكوا مُلك كسرى، فلا كسرى بعد اليوم، وشادوا في مكانه مُلكاً أنفع منه وأبقى.


ويدور الفِلم، وتظهر صورة ثانية لبغداد.

نحن في سنة 145 للهجرة، وقد اندثرَت القرية وذهب بها ريب الزمان وعادت الأرض مراتع وبساتين، وكان صباح يوم صائف من أيام الخريف، فوقف في هذه الساحة رَكْب من الناس ونزل رجال يذرعون الأرض، يقيسون طولها والعرض. فسألت من هؤلاء؟ وماذا يصنعون؟
قالوا: ألا تعرف من هؤلاء؟ يا عجباً! هذا هو الرجل الذي عاش ثُلثَي حياته عالِماً مغموراً لا يدري به أحد، وعاش ثلثها الثالث وهو الحاكم المطلَق في نصف المعمور من الأرض من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق. هذا هو الرجل الفولاذي الصلب الذي بنى دولة عاشت راياتها وشاراتها واستمرّ ذكرها على المنابر أكثر من ثمانمئة سنة، هذا أبو جعفر المنصور جاء يقيم ها هنا مدينة!
ولم يغتصب الرجل الحديدي ذراعاً واحداً من الأرض، وما كان الغصب يوماً من صفات الخلفاء المسلمين حقاً، بل اشترى الأرض من أصحابها بأكثر من أثمانها وأقام مدينته عليها.

ومر على هذا المشهد سنتان، ودار الفِلْم دورة جديدة وإذا المدينة عامرة.

أترونها على الشطّ الغربي لدجلة؟ إنها مدوّرة على هندسة مبتكَرة ما في المدن التي أعرفها شبيه لها إلاّ دهلي الجديدة (نيودلهي) اليوم. لقد احتُفل بافتتاحها سنة 149هـ وبلغت نفقات بنائها 18 مليون دينار من الذهب. أتعرفون كم تعدل من نقود هذه الأيام؟ لقد ذكر المؤرّخون أن الدينار كان يُشترى به يومئذ تسعة عشر خروفاً، وألف ومئتا رطل من التمر، وكانت أجرة العامل على مدى ستة أشهر ديناراً واحداً. فانظروا كم يساوي مبلغ ثمانية عشر مليون دينار من نقود هذه الأيام التي يساوي فيها الخروف فيما أعلم أكثر من خمسين ديناراً.
وجعلها مدوّرة لئلاّ يكون بعض أنحائها أقرب إليه من بعض، وجعل فيها مجلسه، وأقام عليه إيواناً عليه قبّة خضراء علوّها ثمانون ذراعاً، وجعل من المجلس إلى الأرض الفضاء نفقاً (سرداباً) طوله فرسخان. وبقيَت هذه القبّة وهي (كما يقول الخطيب البغدادي) تاج بغداد وعلَم البلد تُرى من أطرافها جميعاً، حتى هوت في ليلة عاصفة من سنة 329هـ، أي بعد مئة وثمانين سنة.

ودار الفِلم، وظهرت صورة ثالثة لبغداد.


لقد بلغَت من عمرها عشر سنين فقط، ولكنها شبّت كما يشبّ الجنّي في القصّة، واستطاعت أن تقفز من فوق دجلة إلى الضفة الأخرى. فهل سمعتم ببنت عشر سنين تقفز نهراً عرضه خمسمئة ذراع؟

لقد أقام المهدي الرُّصافة فصارت بغداد بلدَين: الكرخ من هنا (من جهة الشام) وفيها مدينة أبي جعفر المدوّرة والقبّة الخضراء، والرصافة من هناك.
وتكاملت بغداد، واتصل الشاطئان، وامتدّت الدور وتناثرت القصور، وسكرت بغداد بخمرة المجد والجاه والعلم والفنّ والغناء والسرور، وجاء العصر الذهبي، عصر هارون الرشيد الذي قال للسحابة لمّا رآها: "أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك"، والذي كانت كلمته تمضي في الأرض حتى تصل إلى أبواب الصين وشواطئ الأطلنطي لا يردّها شيء، والذي ملك ما لم يَملك قبله مَلِك قطّ. وقام ليلة يصبّ الماء على يد العالِم أبي معاوية الضرير بعد أن عشّاه معه على مائدته، فقال للعالِم الضرير: أتدري من يصبّ الماء على يديك؟ قال: لا. قال الخليفة العظيم هارون الرشيد: أنا.
فهل ترونه اضطرب العالِم أو اهتزّ؟ لا والله، وبقي يغسل يديه وهو يقول: إنما كرّمت العلم يا أمير المؤمنين.

هكذا كان ملوكنا وهكذا كان العلماء.

لقد صارت بغداد أمَّ المدن وحاضرة الحواضر، وبلغَت ما لم تبلغه روما في سلطانها ولا القسطنطينية ولا المدائن ذات الإيوان. لقد غدت سيدة العالم والبلادُ لها خَوَل، ما يظهر في بلدة طريف ولا ظريف من ثمرات الأيدي ولا من نتاج الطبيعة ولا من حصاد الأدمغة إلاّ حُمل إلى بغداد، وما ينبغ نابغ في مشرق من الأرض ولا مغرب إلاّ أمَّ بغداد؛ فالقوافل أبداً تتّجه إلى بغداد بكل ثمين وجميل، تحمله إليها لتلقيه بين يديها كما تحمل ماءها الأنهارُ من كل مكان لتصبّه في البحر. لقد تمّت ولكن:
إذا تمّ أمرٌ بَدا نقصُهُ ... ترقّبْ زَوالاً إذا قِيلَ: تَمْ
لقد أصابتها عين الحسود، لقد حلّت النكبة ببغداد ونزلَت ساحتها الحرب بوجهها الكالح ومنجلها الذي يحصد الأخضر واليابس. إنها الحرب الداخلية؛ الحرب بين الأخوين: بين الأمين والمأمون. ولكن الغادة الشابّة القوية لا تموت من المَرْضة العارضة مهما اشتدّت، ولقد برئَت بغداد وعادت إلى أبهى ممّا كانت عليه وأزهى.

ومضى الفِلم، 
وبدت صورة لبغداد وهي على كرسيّ الولادة في المستشفى. لقد وَلَدَت بغداد، وكان الطبيب المولِّد هو الخليفة الذي كان آية في قوّة جسمه ورجولته وآية في جهله وعامّيته، والذي أدخل جراثيم المرض الفتّاك في جسد هذه الدولة القوية، المعتصم الذي جاء بغلمان الأتراك فجعلهم سادة الدولة، فجرّ علينا مصائب ثمانية قرون.

* * *



تركنا بغداد على كرسي الولادة فولدَت بنتاً، ولكنها جاءت جِنّية بنت جِنّية، أعجوبة ولدت أعجوبة. وهل أعجب من مولودة تخرج من يدي القابلة وهي ترقص وتغنّي وتتكلّم بسبع لغات؟ ولكن لم تكد تنتهي أفراح الولادة حتى كانت أيام المأتم.
لقد ماتت الوليدة طفلة، ماتت وهي في مثل عمر الياسمين، ولكنها تركت في تاريخ الأمجاد عبقاً أطيب من أريج الياسمين، تلك هي «سُرّ مَن رأى» (سامرّاء) التي لم تعِش إلاّ ثمانياً وأربعين سنة، والتي بلغ سُكّانها مليونين على حين كان في بغداد أيضاً نحو مليونَين. وسأحدّثكم حديثها، ولكني أستحلفكم من الآن إن زرتم بغداد أن تجوزوا بسامرّاء، فليس في آثار المجد الإسلامي ما هو أروع منها ولا في قصص الآثار العربية ما هو أحلى وأشجى من قصّتها، اللهمّ إلاّ تاج محلّ (تاج محل في أغرا، وأغرا عند دهلي).

ومضى الفِلم، وبدت صورة بغداد وقد بلغت قمّة مجدها وجلالها وحازت ما لم تَحُزه قبلها مدينة من مدن الأرض.

وهذا يوم واحد من أيام بغداد العظيمة. ولست مستطيعاً أن أصوّر لكم كلّ ما كان في ذلك اليوم، فهل رأيتم في السينما مشاهد تتويج الملكة في إنكلترا مثلاً؟ إني أؤكّد لكم القول إن حفلات التتويج تكون حادثاً صغيراً إذا قيست بحفلات استقبال وفد قيصر القسطنطينية في بغداد أيام المقتدر.
لقد وقف مئة وستون ألف جندي بأكمل عدّة وأفخر ثياب من خارج المدينة إلى باب قصر التاج، جنود من كلّ البلاد وكلّ الأجناس، وأقيمت الأقواس والأعلام وسُلْسِلَت المصابيح، ومُدّت النمارق والسجّادات والبُسُط العجيبة على طول الطريق، فبلغ عددها اثنين وعشرين ألف قطعة سجّاد.

وخرج أهل بغداد جميعاً (وقد زادوا يومئذ عن ثلاثة ملايين) إلى الطرقات التي سيجتاز بها موكب الوفد، فبلغَت أجرة مجلس الرجل الواحد في الدكّان أو على السطح عشرين درهماً، أي أكثر من دينار!
ولبس قصر التاج حُلّة لا يمكن لقلم كاتب أن يصفها، وحسبكم أن تعلموا أن عدد ما عُلّق فيها من ستور الديباج المذهَّبة المطرّزة المصوّرة بأبدع ما أخرجَته أيدي النُّقّاش والمصوّرين والمطرّزين في أرجاء الأرض كان ثمانية وثلاثين ألف ستار.

ولا تحسبوا قصر التاج كما تعرفون من القصور. لا، ولا تظنّوه كالحمراء في غرناطة ولا فرساي في باريس. كان فيه ثلاثة وعشرون قصراً كل واحد منها أكبر (كما وصفوا) من قصر عابدين في مصر.
وكان في إسطبل الخيل ألف فرس، خمسمئة على اليمين عليها السُّرُج المُحلاّة بالذهب والفضّة، وخمسمئة على اليسار بجلال الديباج والبراقع الطوال، وكل فرس أمام بيته بِيَد سائس بأجمل بزّة وثياب.
ومرّوا بالوفد على حَيْر الوحوش المستأنَسة (أي حديقة الحيوان) وكان فيه مئة من السباع، خمسون عن يمين وخمسون عن يسار، وفيه دار الفِيَلة.

ثم مروا بالوفد على قصر الفردوس، وكان فيه بهو طوله ثلاثمئة ذراع قد صُفَّت فيه أنواع الأسلحة التي لم يرَ الراؤون مثلها.
ثم دخلوا بالوفد دار نصر الحاجب، فلما رأى وفد الروم عظمة المكان وأُبّهة نصر حسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: لا، هذا هو الحاجب.
ثم أدخلوهم على الوزير ابن الفرات، وكان في مجلس في حديقة في القصر بين دجلة والبستان قد عُلّقت فيه الستور ومُدَّت الفُرُش، وكان شيء عجيب، فحسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: هذا هو الوزير.
ثم وصلوا إلى الخليفة، واستقبلهم في دار الشجرة. وهي شجرة من الفضّة وزنها خمسمئة ألف مثقال (نصف مليون)، وبعضها من الذهب والجوهر، لها غصون وأوراق تميس مَيَسان أغصان الشجر، وعليها أطيار من الفضّة تصفّر وتتحرك بحركات قد رُتّبت لها.
وكان عدد خدم القصر المنبَثّين في الممرّات والدهاليز وعلى السطوح بألبسة عجيبة وزينة بالغة سبعة آلاف خادم، وكان الحُجّاب أكثر من خمسمئة، وكان يوماً من أيام التاريخ.

ومضى الفِلْم، وبدت صورة بغداد وقد اتّشَحَت بالسواد ولبسَت ثياب الحداد.

لقد ماتت بغداد بني العباس وذهب شبابها وامّحَت محاسنها، وخربتها أيدي الوحوش البشرية من جند هولاكو جاءت بهم خيانة الوزير ابن العلقمي، فذلّ الأعزّة من أهلها وانتُهك المصون من أعراضها، وذُبح علماؤها وكبراؤها وأمراؤها، وأُعمِلَ السيف في أهلها أربعين يوماً فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف (مليون)، وأُلقيت كتبها في دجلة فاسودّت منها مياهها حيال الضفتين أياماً، وذهب نتاج العقول وحصاد العبقريات وثمرات الأيدي الصَّنَاع، وكانت مصيبة المصائب على الإسلام وأهله، وغدت بغداد خرائب وأطلالاً:
لِسائلِ الدّمعِ عَن بَغدادَ أخبارُ ... فما وقوفُكَ والأحبابُ قد ساروا
يا زائرينَ إلى الزَّوْراءِ لا تَفِدوا ... فما بِذاكَ الحِمى والدّارِ دَيّارُ
تاجُ الخِلافةِ والرَّبعُ الذي شَرُفَتْ ... بهِ المَعالمُ قد عَفّاهُ إقفارُ


بل فِدُوا (2) إليها وأعرضوا عمّا قال الشاعر. فِدُوا إليها وأقبلوا عليها، فقد قامت الدار وعاد الديّار.
ما ماتت بغداد؛ إن بغداد لا تموت. السنديانة الضخمة قد تُقطَع وتُنشَر بالمنشار ولكن جذورها في الأرض، فلا تلبث أن يخرج من جذعها اليابس فرع طريّ يصير غصناً لدناً، ثم يغدو جذعاً قوياً كالجذع الذي انقطع تقوم عليه دوحة باسقة كالتي كانت من قبل.

* * *

إنني لا أزال في الكلام على بغداد الماضي، ما تكلمت عن بغداد الحاضر.

ولكن هل بغداد التي ذهبتُ إليها وجئت الآن أكتب عنها هي بغداد الحاضر؟
لقد مرّ على ذهابي إلى بغداد نحوٌ من نصف قرن. إن بغداد التي عرفتها صارت أيضاً من التاريخ، ولكن تلك من التاريخ البعيد وهذه من التاريخ القريب. إن مدننا ومجتمعاتنا تعدو عدواً في طريق هذه الحضارة المادّية، فما يكون اليوم جديداً يكون غداً قديماً.
إن بغداد التي عرفتها ما كان فيها إلاّ شارع واحد تمشي فيه السيارات والعربات صفاً متصلاً، لا تستطيع أن تقف فيه لأنه ضيّق وإذا وقفَت فيه سدّته، ولا تستطيع أن تخرج منه لأنها إن خرجت منه لم تقدر أن ترجع إليه.
شارع واحد هو شارع الرشيد، وعلى طرَفَيه عمارات أعلاها من ثلاث طبقات، يحدّه من هنا النهر ومن هناك أزقّة ضيّقة لا تتّسع لأصغر سيارة لتمشي فيها هي «الدربونات». بغداد التي عرفتها كانت تنام على الشطّين، رأسها في باب المعظّم ورِجْلاها في الباب الشرقي، أو بالعكس، فما أبالي أين الرأس وأين القدمان ما دام الفراش ممدوداً ومداه محدوداً. وما بعد باب المعظم شيء يُذكر في البنيان.

كان طريق الأعظمية خالياً ما فيه إلاّ البلاط الملكي. ولا تحسبوه مثل قصر يلدز أو «ضولْمَه باغْجِه» (3) ولا مثل فرساي. ما هو إلاّ بناء دون بناء بعض بيوت الموسرين. ثم أقامت الأوقاف (على ما أذكر) أمامه دُوَيرات (فيلات صغيرة) جعلوها ذات ألوان، أو أذنوا للناس بإقامتها على أن يسكنوها مدّة معلومة ثم تؤول إلى إدارة الأوقاف، لأن تلك الأرض كانت وقفاً. وليس بعد البلاط ولا قبله منازل ولا بنيان حتى نصل إلى دور الأعظمية، فينادي سائق الحافلة (الباص): "رأس الأحواش"، أي أوائل البيوت ... بيوت الأعظمية، لينزل من شاء من الركّاب.

أما الحافلات (الباصات) فهي صناديق كبيرة من الحديد فيها كراسي ضيّقة متراصّة، وقد خُبِّرت أن الحافلات التي تحمل الناس الآن في بغداد هي التي يحملهم مثلها في لندن لا تختلف عنها، وأن منها ما هو بطبقتين، وعلمت أن عند أمانة العاصمة متحفاً أو معرضاً يعرضون فيه تطور سيارات النقل العامّ من تلك الصناديق التي أعرفها (والتي كنت أزاحم الناس لأتخذ لي كرسياً فيها) إلى ما انتهت إليه اليوم. وقالوا إن بغداد اليوم أكبر مساحة وأكثر امتداداً من بغداد الرشيد والمأمون. قالوا: إن طولها زاد على خمسين كيلاً، وقالوا: إن الجسر صار مثل الجسور التي تقوم على دعائم راسيات في الأرض، وقد كان الجسر على عهدي ببغداد يقوم على عوّامات، فإذا فاض النهر وزاد الماء صار الجسر كالتلّ يُصعَد إليه صعوداً، وإذا قلّ الماء صار كالوادي نهبط إليه نازلين! فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدُّعابات؟

وقالوا إن بغداد ذات الشارع الواحد صار فيها عشرات وعشرات من الشوارع التي تمشي فيها السيارات وتقوم على جانبَيها ضِخام العمارات، فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدعايات؟

إنني لأشتهي أن أرى بغداد بعد طول الغياب، ولكن ما الذي أجده اليوم من بغداد التي عرفتها؟ مَن الذي سألقاه ممّن كنت ألقى يومئذ فأسعد بلقياه؟ هل أجد الشيخ رضا الشبيبي الذي بسط عليّ جناحَيه فدفع عني الأذى يوم تحالف عليّ إخوة كرام إثر ما كان بيني وبين المفتّش؟ هل أجد العالِم الأديب الذي كان يعمل معه الأستاذ طه الراوي؟ هل أجد العالِم الكبير الشيخ المعمَّر الشيخ إبراهيم الرّاوي؟ ألا يزال في جامع سيد سلطان علي، يستقبل كل من دخل عليه ويُلزِمه أن يأكل من طعامه ولو لم يكن الوقت وقت طعام؟
هل أزور الأخ الذي كان لي أكثر من الأخ الشقيق، الأخ الأكبر وإن كان لا يزيد عني في العمر إلا خمس سنين، الذي كان سبب سفري إلى العراق، والذي كان مكتبه في وزارة المعارف مَغداي أو مَراحي كل يوم؟ الذي كنت آوي إليه كلّما ضربَتني أمواج الحياة فأجد الجبل المنيع الذي لا تصل هذه الأمواج لمن يأوي إليه؟ الذي عرفته في دمشق وفي لبنان وفي العراق، فما عرفت فيه إلاّ الأخ الوفي والصديق الصفي، الشاعر الراوي الكاتب البليغ الذي يكفيه أنه ساجل إمام البلاغة الزيات في قصّته «وضّاح اليمن»، فما كان أسلوبه دون أسلوب الزيات ولا بيانه أقلّ من بيانه؟ رحمه الله وجزاه عني خيراً. أما عرفتموه؟ هو الشيخ بهجة الأثري الذي سلّمني مكانه في الثانوية المركزية لمّا تبوأ كرسي كبير مفتّشي اللغة العربية في العراق، فكان لي خير سلف ولكن هل كنت له خير خلف؟ رحمه الله فما أنسى -والله- فضله عليّ.
هل أجد زملائي الذين جاؤوا العراق معي: أنور العطّار وعبد المنعم خلاّف وأحمد مَظهر العَظْمة وصالح عَقيل وكامل عيّاد وحيدر الرّكابي؟ هل أجد من جاء بعدي لمّا فارقت العراق إلى بيروت الأستاذ الدكتور زكي مبارك؟ إن من هؤلاء من بقي كما بقيت، مدّ الله في عمره وأحسن خاتمتي، ولكن أكثرهم لحق بركب الماضين (ما بقي منهم إلاّ خلاّف وعياد وأنا).
هل أجد الشيوخ الأجلّة الذين جمعني بهم التدريس في دار العلوم الشرعية الملحَقة بجامع الإمام الأعظم الذي سُمّيت باسمه ونُسبت إليه مدينة الأعظمية: العالِم الغني الزاهد الشيخ أمجد الزهاوي، والعالِم الحقوقي صاحب خزانة الكتب الكبيرة الحاجّ حمدي الأعظمي، والمفتي الصالح الشيخ قاسم القيسي، ومدير الدار الأستاذ الكبير الشيخ المعمَّر فهمي المدرّس؟ لقد كنت وحدي الشابّ بينهم، وكانوا كلّهم أكبر مني سناً، وأكثر علماً وفضلاً وأعلى منزلة.

أين مني تلك الأيام، وماذا أجد إن ذهبت من بقاياها، من أريجها، من عطرها، من أنقاضها، من آثارها؟
وتلاميذي الذين لا أحصيهم عدداً، وإن ظللت أذكرهم أبداً، وأتعلّل بذكراهم على طول المدى وبعد الزمان. لقد كان منهم عبد السلام عارف رحمه الله، لقد صار رئيس الجمهورية، وكلّما قابل أحداً من أهل الشام سأله عني وعن أنور العطّار. ولكن لم ألقَه بعدها. أنا أتهيب أن أطرق باب الرفيق إن لم يتّصل حبلي تماماً بحبله ولم ترتفع الكلفة بيني وبينه، فكيف برئيس الجمهورية؟ حتى إن مَن صار وزيراً من تلاميذي لم أعُد أراه، إذ هو في شغل عن زيارتي وأنا في عزوف عن زيارته.
وقليل من الطلاّب الذين لبثوا -على طول العهد- محافظين على الودّ، منهم ... بل دعوني أسُق لكم خبره قبل أن أقول لكم من هو: كان طالباً في الشهادة الثانوية سنة 1936، فلما نالها دخل الكلّية العسكرية، فتخرّج فيها وتدرّج صاعداً في الرتَب العسكرية حتى صار عقيداً (كولونيل)، فحدثت أحداث في العراق اضطرّته إلى ترك العسكرية، فماذا صنع؟ هل قعد في بيته يبكي ما فقد، يندب ماضيه يائساً من مستقبله؟ إن أصحاب الهِمَم العالية إذا هبطوا الجبل من جانب قاموا يحاولون صعوده من الجانب الآخر، لأنهم لا يطيقون البقاء في الحضيض بل يبتغون المعالي أبداً. فدخل كلّية الحقوق، فدرس فيها ونال شهادتها وصار محامياً ونجح في المحاماة، فحدثت أحداث اضطرّته إلى ترك بغداد كلّها. فهل يئس؟ إنه مؤمن أشهد بإيمانه من يوم كان طالباً يقعد بين يديّ، والمؤمن لا ييأس من رَوح الله، وإذا ضاقت به بلاد العرب فإن «في الأرضِ مَنْأىً للكريمِ عَنِ الأذى»، فسافر إلى النمسا وتعلّم لسانها، ودخل كلّية الطبّ وتخرّج طبيباً من سنتين وقد جاوز عمره الستّين. ولم ينقطع طولَ هذا المدى من مراسلتي والاتصال بي، يرسل إليّ من الأدوية ما يفيد أمثالي في شيخوخته، وإن لم يكن شيء يردّ إلى أمثالي شبابَهم الذي ولّى. لقد رأيتُه في الحجّ في الموسم الماضي، زارني في داري في مكّة. هل عرفتموه؟ هو العقيد المحامي الطبيب جهاد عبد الوهاب.
ومنهم من هو اليوم من الدبلوماسيين العراقيين المرموقين ومن الأدباء والباحثين المعروفين، لزمني مدّة لزوم الولد أباه ثم راسلني مدّة أخرى، ثم قطعَت الأيام ما بيني وبينه فلم أعُد أسمع عنه شيئاً، هو نجدة فتحي صفوة.

ولهما -بحمد الله- أمثال من الذين شرّفني الله يوماً فكنت مدرّساً لهم ثم مضوا صُعُداً فجاوزوني وصاروا أعلى مني منزلة، صار منهم (من تلاميذي) وزراء وقُضاة كبار وأساتذة جامعات، منهم جماعة هنا في جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى وجامعة الملك سعود وجامعة الإمام محمد بن سعود، من السوريين ومن السعوديين، هم أعلم الأساتذة وأفضلهم، صاروا جميعاً أعلم مني وأفضل.


* * *
_____________________________________________________

(1) شاهنشاه أي ملك الملوك، وهي كلمة نهى الشرع عنها، وإنما ذكرتها لأنبّه إلى منعها.
(2) فِدوا: فعل أمر من وَفَد.
(3) باغجه أي حديقة، وأظن أن ضولمه هي ورق العنب.


ذكريات الطنطاوي 3/ 299 إلى 304 ومن 307 إلى 316

الأربعاء، 6 أبريل، 2016

حقد مؤرخوا الغرب على التاريخ العثماني المجيد؟



قبل أن يدخل الأتراك العثمانيون في الإسلام، لم يكونوا موضع اهتمام جاد من المؤرخين لم يكونوا موضع اهتمام جاد من المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، فلم يردْ ذكرهم إلا من خلال إشارات عابرة.
وحين دخل الأتراك العثمانيون في الإسلام انقلبت الصورة وأصبحوا محط أنظار المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، بيد أن المؤرخين من غير المسلمين أبدوا اهتماماً ملحوظاً بدراسة تاريخ الأتراك العثمانيين المسلمين. 


ولأول وهلة يخيل للمرء أن اندفاع المؤرخين من غير المسلمين في دراسة تاريخ العثمانيين المسلمين كان ينطلق من منطلق علمي سليم، هدفه تتبع العثمانيين المسلمين بأمانة علمية منصفة، ولكن ما أن يطلع المرء على ما أفرزته جهود المؤرخين من غير المسلمين من دراسات عن تاريخ العثمانيين المسلمين، حتى يكتشف أن الغالبية العظمى منهم قد تجاهلوا، وتناسوا مقتضيات الأمانة العلمية والإنصاف، بل أطلقوا العنان لأحقادهم الظاهرة والباطنة، لتكون هي المنطلق الذي ينطلقون من خلاله في تشويه تاريخ العثمانيين المسلمين وإلصاق عشرات الافتراءات التي لا تسندها أية بينات تاريخية بالأتراك العثمانيين المسلمين. 

ولئن كنا لا نستغرب أن تصدر مثل تلك الافتراءات عن أقوام فضح الله عز وجل نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين في قوله تعالى جل شأنه: {يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدتِ البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآياتِ إن كنتم تعقلونَ} [آل عمران: 118]. 

ولئن كنا لا نستغرب أن يحمل الحقد الأسود أولئك المؤرخين على تجاهل وتناسي أبسط قواعد مقتضيات الأمانة العلمية في عملية التاريخ للأتراك العثمانيين المسلمين، فإن الذي نستغربه أشد الاستغراب، بل ونستهجنه بشدة أن ينزلق الكثير من المؤرخين المسلمين، في حمأة عملية التزوير والتشويه والبهتان التي ألصقت بتاريخ العثمانيين المسلمين..


بقلم: زياد محمود أبو غنيمة
مقالة : أيها المؤرخون: لا تظلموا العثمانيين المسلمين!


أنصحكم بقراءة المقالة السابقة كامل

روابط أخرى:


المقالة pdf:

الاثنين، 4 أبريل، 2016

فوثب الملك عَلَى البيت فهدمه وعلى الصنم فكسره وعلى السدنة فقتلهم!!!



كان هناك ملك عاقل يحكم بلدا يدعى العسيفان بَيْنَ قشمير والملتان، وكابل.
وكان أهل ذلك البلد يعبدون صنما قَدْ بنى عَلَيْهِ بيت وأبدوه، فمرض ابن الملك فدعى سدنة ذلك البيت.
فقال لهم: أدعوا الصنم أن يبرئ ابني فغابوا عنه ساعة، ثُمَّ أتوه فقالوا قَدْ دعوناه وقد أجابنا إِلَى ما سألناه.
فلم يلبث الغلام أن مات، فوثب الملك عَلَى البيت فهدمه وعلى الصنم فكسره وعلى السدنة فقتلهم.
ثُمَّ دعا قوما من تجار المسلمين فعرضوا عَلَيْهِ التوحيد فوحد وأسلم، وكان ذلك في خلافة أمير الْمُؤْمِنِين المعتصم بالله رحمه اللَّه تعالى.

____________________________

البَلَاذُري (ت: 279هـ): فتوح البلدان

السبت، 2 أبريل، 2016

الْحَسَدُ وَالْمُنَافَسَةُ



الْحَسَدُ وَالْمُنَافَسَةُ الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي الْحَسَدِ وَالْمُنَافَسَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَسَدَ خُلُقٌ ذَمِيمٌ مَعَ إضْرَارِهِ بِالْبَدَنِ وَفَسَادِهِ لِلدَّيْنِ، حَتَّى لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} [الفلق: 5] وَنَاهِيكَ بِحَالِ ذَلِكَ شَرًّا.

وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ((دَبَّ إلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْبَغْضَاءُ وَالْحَسَدُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعْرِ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَمْرٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ اُفْشُوَا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)) .
فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَالِ الْحَسَدِ وَأَنَّ التَّحَابُبَ يَنْفِيهِ وَأَنَّ السَّلَامَ يَبْعَثُ عَلَى التَّحَابُبِ، فَصَارَ السَّلَامُ إذًا نَافِيًا لِلْحَسَدِ.

وَقَدْ جَاءَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ ادْفَعْ بِالسَّلَامِ إسَاءَةَ الْمُسِيءِ.

وَقَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ يَلْبَثُ النَّاسُ حِينًا لَيْسَ بَيْنُهُمْ ... وُدٌّ فَيَزْرَعُهُ التَّسْلِيمُ وَاللُّطْفُ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي حَسَدَ إبْلِيسَ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي حَسَدَ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ حَتَّى قَتَلَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَسْخَطْهُ أَحَدٌ، وَمَنْ قَنَعَ بِعَطَائِهِ لَمْ يَدْخُلْهُ حَسَدٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: النَّاسُ حَاسِدٌ وَمَحْسُودٌ، وَلِكُلِّ نِعْمَةٍ حَسُودٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ الْحَسُودِ نَفَسٌ دَائِمٌ، وَهَمٌّ لَازِمٌ، وَقَلْبٌ هَائِمٌ.
فَأَخَذَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فَقَالَ:
إنَّ الْحَسُودَ الظَّلُومَ فِي كَرْبٍ ... يَخَالُهُ مَنْ يَرَاهُ مَظْلُومَا
ذَا نَفَسٍ دَائِمٍ عَلَى نَفَسٍ ... يُظْهِرُ مِنْهَا مَا كَانَ مَكْتُومَا

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَمِّ الْحَسَدِ إلَّا أَنَّهُ خُلُقٌ دَنِيءٌ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْأَكْفَاءِ وَالْأَقَارِبِ، وَيَخْتَصُّ بِالْمُخَالِطِ وَالْمُصَاحِبِ، لَكَانَتْ النَّزَاهَةُ عَنْهُ كَرَمًا، وَالسَّلَامَةُ مِنْهُ مَغْنَمًا. فَكَيْفَ وَهُوَ بِالنَّفْسِ مُضِرٌّ، وَعَلَى الْهَمِّ مُصِرٌّ، حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِصَاحِبِهِ إلَى التَّلَفِ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي عَدُوٍّ وَلَا إضْرَارٍ بِمَحْسُودِ.

وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: يَكْفِيك مِنْ الْحَاسِدِ أَنَّهُ يَغْتَمُّ فِي وَقْتِ سُرُورِك.
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: عُقُوبَةُ الْحَاسِدِ مِنْ نَفْسِهِ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ: مَا أَطْوَلَ عُمُرَك، قَالَ: تَرَكْتُ الْحَسَدَ فَبَقِيتُ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي: إنِّي لَأَحْسُدُك عَلَى مَا أَرَى مِنْ صَبْرِك عَلَى الْخُصُومِ، وَوُقُوفِك عَلَى غَامِضِ الْحُكْمِ.فَقَالَ: مَا نَفَعَك اللَّهُ بِذَلِكَ وَلَا ضَرَّنِي.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الْحَسْوِ ... دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهُ
فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا ... إنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهُ

وَحَقِيقَةُ الْحَسَدِ شِدَّةُ الْأَسَى عَلَى الْخَيْرَاتِ تَكُونُ لِلنَّاسِ الْأَفَاضِلِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُنَافَسَةِ، وَرُبَّمَا غَلِطَ قَوْمٌ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُنَافَسَةَ فِي الْخَيْرِ هِيَ الْحَسَدُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنُّوا؛ لِأَنَّ الْمُنَافَسَةَ طَلَبُ التَّشَبُّهِ بِالْأَفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ ضَرَرٍ عَلَيْهِمْ.

وَالْحَسَدُ مَصْرُوفٌ إلَى الضَّرَرِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَعْدَمَ الْأَفَاضِلُ فَضْلَهُمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْفَضْلُ لَهُ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُنَافَسَةِ وَالْحَسَدِ. فَالْمُنَافَسَةُ إذًا فَضِيلَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَخْيَارِ الْأَفَاضِلِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ)) .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَافِسْ عَلَى الْخَيْرَاتِ أَهْلَ الْعُلَا ... فَإِنَّمَا الدُّنْيَا أَحَادِيثُ
كُلُّ امْرِئٍ فِي شَأْنِهِ كَادِحٌ ... فَوَارِثٌ مِنْهُمْ وَمَوْرُوثُ

وَاعْلَمْ أَنَّ دَوَاعِيَ الْحَسَدِ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهُمَا: بُغْضُ الْمَحْسُودِ فَيَأْسَى عَلَيْهِ بِفَضِيلَةٍ تَظْهَرُ، أَوْ مَنْقَبَةٍ تُشْكَرُ، فَيُثِيرُ حَسَدًا قَدْ خَامَرَ بُغْضًا. وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَكُونُ عَامًّا وَإِنْ كَانَ أَضَرَّهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُبْغِضُ كُلَّ النَّاسِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْمَحْسُودِ فَضْلٌ يَعْجِزُ عَنْهُ فَيَكْرَهُ تَقَدُّمَهُ فِيهِ وَاخْتِصَاصَهُ بِهِ، فَيُثِيرُ ذَلِكَ حَسَدًا لَوْلَاهُ لَكَفَّ عَنْهُ. وَهَذَا أَوْسَطُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُدُ الْأَكْفَاءُ مَنْ دَنَا، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِحَسَدِ مِنْ عَلَا. وَقَدْ يَمْتَزِجُ بِهَذَا النَّوْعِ ضَرْبٌ مِنْ الْمُنَافَسَةِ وَلَكِنَّهَا مَعَ عَجْزٍ فَلِذَلِكَ صَارَتْ حَسَدًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْحَاسِدِ شُحٌّ بِالْفَضَائِلِ، وَبُخْلٌ بِالنِّعَمِ وَلَيْسَتْ إلَيْهِ فَيَمْنَعُ مِنْهَا، وَلَا بِيَدِهِ فَيَدْفَعُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَوَاهِبُ قَدْ مَنَحَهَا اللَّهُ مَنْ شَاءَ فَيَسْخَطُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَضَائِهِ، وَيَحْسُدُ عَلَى مَا مَنَحَ مِنْ عَطَائِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ أَكْثَرَ، وَمِنَحُهُ عَلَيْهِ أَظْهَرَ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَسَدِ أَعَمَّهَا وَأَخْبَثُهَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ رَاحَةٌ، وَلَا لِرِضَاهُ غَايَةٌ، فَإِنْ اقْتَرَنَ بِشَرٍّ وَقُدْرَةٍ كَانَ بُورًا وَانْتِقَامًا، وَإِنْ صَادَفَ عَجْزًا وَمَهَانَةً كَانَ كَمَدًا وَسَقَامًا.

وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: الْحَسُودُ مِنْ الْهَمِّ كَسَاقِي السُّمِّ، فَإِنْ سَرَى سُمُّهُ زَالَ عَنْهُ غَمُّهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ بِحَسَبِ فَضْلِ الْإِنْسَانِ وَظُهُورِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ حَسَدُ النَّاسِ لَهُ. فَإِنْ كَثُرَ فَضْلُهُ كَثُرَ حُسَّادُهُ، وَإِنْ قَلَّ قَلُّوا؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْفَضْلِ يُثِيرُ الْحَسَدَ، وَحُدُوثَ النِّعْمَةِ يُضَاعِفُ الْكَمَدَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِسَتْرِهَا فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ)) .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا كَانَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إلَّا وَجَدَ لَهَا حَاسِدًا، فَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ أَقْوَمَ مِنْ الْقَدْحِ لَمَا عَدِمَ غَامِزًا.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إنْ يَحْسُدُونِي فَإِنِّي غَيْرُ لَائِمِهِمْ ... قَبْلِي مِنْ النَّاسِ أَهْلُ الْفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا
فَدَامَ لِي وَلَهُمْ مَا بِي وَمَا بِهِمْ ... وَمَاتَ أَكْثَرُنَا غَيْظًا بِمَا يَجِدُ

وَرُبَّمَا كَانَ الْحَسَدُ مُنَبِّهًا عَلَى فَضْلِ الْمَحْسُودِ وَنَقْصِ الْحَسُودِ، كَمَا قَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ ... طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ ... مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ
لَوْلَا التَّخَوُّفُ لِلْعَوَاقِبِ لَمْ يَزَلْ ... لِلْحَاسِدِ النُّعْمَى عَلَى الْمَحْسُودِ

فَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُهُ مَنْ كَانَ غَالِبًا عَلَيْهِ الْحَسَدُ، وَكَانَ طَبْعُهُ إلَيْهِ مَائِلًا لِيَنْفِيَ عَنْهُ وَيُكْفَاهُ وَيَسْلَمُ مِنْ ضَرَرِهِ وَعَدَاوَتِهِ، فَأُمُورٌ هِيَ لَهُ حَسْمٌ إنْ صَادَفَهَا عَزْمٌ:
فَمِنْهَا: اتِّبَاعُ الدِّينِ فِي اجْتِنَابِهِ، وَالرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَابِهِ، فَيَقْهَرُ نَفْسَهُ عَلَى مَذْمُومِ خُلُقِهَا، وَيَنْقُلُهَا عَنْ لَئِيمِ طَبْعِهَا. وَإِنْ كَانَ نَقْلُ الطِّبَاعِ عَسِرًا لَك بِالرِّيَاضَةِ وَالتَّدْرِيجِ يَسْهُلُ مِنْهَا مَا اُسْتُصْعِبَ، وَيُحَبَّبُ مِنْهَا مَا أَتْعَبَ وَإِنْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ رَبُّهُ خَلَقَهُ كَيْفَ يُخَلِّي خَلْقَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا عَانَى تَهْذِيبَ نَفْسِهِ تَظَاهَرَ بِالتَّخَلُّقِ دُونَ الْخُلُقِ، ثُمَّ بِالْعَادَةِ يَصِيرُ كَالْخُلُقِ. قَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:
فَلَمْ أَجِدْ الْأَخْلَاقَ إلَّا تَخَلُّقًا ... وَلَمْ أَجِدْ الْأَفْضَالَ إلَّا تَفَضُّلَا
وَمِنْهَا: الْعَقْلُ الَّذِي يَسْتَقْبِحُ بِهِ مِنْ نَتَائِجِ الْحَسَدِ مَا لَا يُرْضِيهِ، وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ هُجْنَةِ مُسَاوِيهِ، فَيُذَلِّلُ نَفْسَهُ أَنَفَةً، وَيَقْهَرُهَا حَمِيَّةً، فَتُذْعِنُ لِرُشْدِهَا، وَتُجِيبُ إلَى صَلَاحِهَا. وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لِذِي النَّفْسِ الْأَبِيَّةِ، وَالْهِمَّةِ الْعَلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْهِمَّةِ يَجِلُّ عَنْ دَنَاءَةِ الْحَسَدِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبِيٌّ لَهُ نَفْسَانِ نَفْسٌ زَكِيَّةُ ... وَنَفْسٌ إذَا مَا خَافَتْ الظُّلْمَ تُشْمِسُ
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَدْفِعَ ضَرَرَهُ، وَيَتَوَقَّى أَثَرَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَكَانَتَهُ فِي نَفْسِهِ أَبْلُغُ وَمِنْ الْحَسَدِ أَبْعَدُ، فَيَسْتَعْمِلُ الْحَزْمَ فِي دَفْعِ مَا كَدَّهُ وَأَكْمَدَهُ لِيَكُونَ أَطْيَبَ نَفْسًا وَأَهْنَأَ عَيْشًا. وَقَدْ قِيلَ: الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
بَصِيرٌ بِأَعْقَابِ الْأُمُورِ كَأَنَّمَا ... يَرَى بِصَوَابِ الرَّأْيِ مَا هُوَ وَاقِعُ
وَمِنْهَا: مَا يَرَى مِنْ نُفُورِ النَّاسِ عَنْهُ وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ فَيَخَافُهُمْ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةٍ، أَوْ عَلَى عِرْضِهِ مِنْ مَلَامَةٍ، فَيَتَأَلَّفُهُمْ بِمُعَالَجَةِ نَفْسِهِ وَيَرَاهُمْ إنْ صَلَحُوا أَجْدَى نَفْعًا وَأَخْلَصُ وُدًّا. وَقَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
دَاوِي جَوًى بِجَوًى وَلَيْسَ بِحَازِمٍ ... مَنْ يَسْتَكِفُّ النَّارَ بِالْحَلْفَاءِ
وَقَالَ الْمُؤَمَّلُ بْنُ أُمَيْلٍ:
لَا تَحْسَبُونِي غَنِيًّا عَنْ مَوَدَّتِكُمْ ... إنِّي إلَيْكُمْ وَإِنْ أَيَسَرْتُ مُفْتَقِرُ
وَمِنْهَا: أَنْ يُسَاعِدَ الْقَضَاءَ وَيَسْتَسْلِمَ لِلْمَقْدُورِ، وَلَا يَرَى أَنْ يُغَالِبَ قَضَاءَ اللَّهِ فَيَرْجِعُ مَغْلُوبًا، وَلَا أَنْ يُعَارِضَهُ فِي أَمْرِهِ فَيُرَدُّ مَحْرُومًا مَسْلُوبًا. وَقَدْ قَالَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ: إذَا لَمْ يُسَاعِدْنَا الْقَضَاءُ سَاعَدْنَاهُ. وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ:
قَدْرُ اللَّهِ كَائِنٌ ... حِينَ يَقْضِي وُرُودُهُ
قَدْ مَضَى فِيك عِلْمُهُ ... وَانْتَهَى مَا يُرِيدُهُ
فَأَرِدْ مَا يَكُونُ إنْ ... لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُهُ
فَإِنْ أَظْفَرَتْهُ السَّعَادَةُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَهَدَتْهُ الْمَرَاشِدُ إلَى اسْتِعْمَالِ الصَّوَابِ، سَلِمَ مِنْ سَقَامِهِ، وَخَلُصَ مِنْ غَرَامِهِ، وَاسْتَبْدَلَ بِالنَّقْصِ فَضْلًا وَاعْتَاضَ مِنْ الذَّمِّ حَمْدًا. وَلَمَنْ اسْتَنْزَلَ نَفْسَهُ عَنْ مَذَمَّةٍ فَصَرَفَهَا عَنْ لَائِمَةٍ هُوَ أَظْهَرُ حَزْمًا وَأَقْوَى عَزْمًا مِمَّنْ كَفَتْهُ النَّفْسُ جِهَادَهَا، وَأَعْطَتْهُ قِيَادَهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خِيَارُكُمْ كُلُّ مُفَتَّنٍ تَوَّابٍ.

وَإِنْ صَدَّتْهُ الشَّهْوَةُ عَنْ مَرَاشِدِهِ، وَأَضَلَّهُ الْحِرْمَانُ عَنْ مَقَاصِدِهِ، فَانْقَادَ لِلطَّبْعِ اللَّئِيمِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ الْخُلُقُ الذَّمِيمِ، حَتَّى ظَهَرَ حَسَدُهُ وَاشْتَدَّ كَمَدُهُ، فَقَدْ بَاءَ بِأَرْبَعِ مَذَامَّ:
إحْدَاهُنَّ: حَسَرَاتُ الْحَسَدِ وَسَقَامُ الْجَسَدِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ لِحَسْرَتِهِ انْتِهَاءً، وَلَا يُؤَمِّلُ لِسَقَامِهِ شِفَاءً. وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: الْحَسَدُ دَاءُ الْجَسَدِ.
وَالثَّانِيَةُ: انْخِفَاضُ الْمَنْزِلَةِ وَانْحِطَاطُ الْمَرْتَبَةِ لِانْحِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ، وَنُفُورِهِمْ مِنْهُ وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْحَسُودُ لَا يَسُودُ.
وَالثَّالِثَةُ: مَقْتُ النَّاسِ لَهُ حَتَّى لَا يَجِدَ فِيهِمْ مُحِبًّا، وَعَدَاوَتُهُمْ لَهُ حَتَّى لَا يَرَى فِيهِمْ وَلِيًّا، فَيَصِيرُ بِالْعَدَاوَةِ مَأْثُورًا، وَبِالْمَقْتِ مَزْجُورًا. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((شَرُّ النَّاسِ مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُوهُ)) .
وَالرَّابِعَةُ: إسْخَاطُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُعَارَضَتِهِ، وَاجْتِنَاءِ الْأَوْزَارِ فِي مُخَالَفَتِهِ، إذْ لَيْسَ يَرَى قَضَاءَ اللَّهِ عَدْلًا، وَلَا لِنِعَمِهِ مِنْ النَّاسِ أَهْلًا. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ)) .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: الْحَاسِدُ مُغْتَاظٌ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، بَخِيلٌ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ، طَالِبُ مَا لَا يَجِدُهُ. وَإِذَا بُلِيَ الْإِنْسَانُ بِمَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ حُسَّادِ النِّعَمِ وَأَعْدَاءِ الْفَضْلِ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ، وَتَوَقَّى مَصَارِعَ كَيْدِهِ، وَتَحَرَّزَ مِنْ غَوَائِلِ حَسَدِهِ، وَأَبْعَدَ عَنْ مُلَابَسَتِهِ. وَإِدْنَائِهِ لِعَضْلِ دَائِهِ، وَإِعْوَازِ دَوَائِهِ. فَقَدْ قِيلَ: حَاسِدُ النِّعْمَةِ لَا يُرْضِيهِ إلَّا زَوَالُهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ ضَرَّ بِطَبْعِهِ فَلَا تَأْنَسْ بِقُرْبِهِ، فَإِنَّ قَلْبَ الْأَعْيَانِ صَعْبُ الْمَرَامِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: أَسَدٌ تُقَارِبُهُ خَيْرٌ مِنْ حَسُودٍ تُرَاقِبُهُ.
وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ:
أَعْطَيْتُ كُلَّ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرِّضَى ... إلَّا الْحَسُودَ فَإِنَّهُ أَعْيَانِي
مَا إنَّ لِي ذَنْبًا إلَيْهِ عَلِمْتُهُ ... إلَّا تَظَاهَرَ نِعْمَةَ الرَّحْمَنِ
وَأَبَى فَمَا يُرْضِيهِ إلَّا ذِلَّتِي ... وَذَهَابُ أَمْوَالِي وَقَطْعُ لِسَانِي

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْهُنَّ: الطِّيَرَةُ وَسُوءُ الظَّنِّ، وَالْحَسَدُ. فَإِذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِعْ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تَتَحَقَّقْ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ)) .


____________________________________
الماوردي (المتوفى: 450هـ):
أدب الدنيا والدين
دار مكتبة الحياة

الرحالة الأديب أبو دلف مسعر بن المهلهل الخزرجى




أبو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي الينبوعي، شاعر رحالة، كثير الملَح، تجاوز التسعين من عمره متنقلا في البلاد، والإغتراب وركوب الْأَسْفَار الصعاب، فِي خدمَة الْعُلُوم والآداب.
لا يعرف متى ولد ولكنه توفي (نحو 390هـ)، وكان يتردد إلى الصاحب ابن عباد فيرتزق منه ويتزوّد كتبه في أسفاره رآه ابن النديم حوالي سنة (377هـ) وعرَفه بالجوّالة.


وقد حفظ لنا القزويني وياقوت وابن النديم مقتطفات يظن أنها من وصف أبي دلف لرحلته في الصين والهند.
وهو وصف يشهد -على إيجازه-  بأن هذا الأديب الرحالة كان دقيق الملاحظة.
وحسبنا مثلا" أنه فطن إلى أن الخزف الصيني كان يقلد في بعض البلاد الأخرى، ولا سيما ايران وملبار، ولكن الأواني الصينية كانت تفضل في الأسواق على كل ما يصنع تقليدا" لها.
وقد انتشر هذا الوصف سنة (1845م) ومعه ترجمة لاتينية بعناية المستشرق فون شلوزر، ثم ترجمة المستشرق فراند في مجموعة الرحلات والنصوص الجغرافية التي نشرها عن الشرق الأقصى، وخصه ماركارت بدراسة وافية في مجموعة المقالات التي كتبت ذكرى وتكريم المستشرق ساخاو.
وفضلا" عن ذلك فإن المستشرق وستنفلد كان قد كتب في منتصف القرن الماضي مقالا" في مجلة علم تقويم البلدان المقارن، درس فيه ما كتبه أبو دلف عن القبائل التركية.


وله رحلة شهيرة وكان مرافق للسفارة التي أوفدها أشهر ملوك المسلمين في ذاك الزمان نصر بن أحمد الساماني إلى ملك الصين قالين بن الشخير كما يسمية أبو دلف.


وهنا الرسالة الاولى لابى دلف مسعر بن المهلهل الخزرجى
دراسة وتحقيق : د مريزن سعيد ميزن عسيري
http://wadod.net/bookshelf/book/1085


__________________________________________________
المراجع:
الثعالبي (ت: 429هـ):  يتمية الدهر في محاسن أهل العصر
ابن النديم (ت: 438هـ): الفهرست
ياقوت الحموي(ت: 626هـ): معجم البلدان
الزركلي (ت: 1396هـ): الأعلام
زكي محمد (1376هـ): الرحالة المسلمون في العصور الوسطى