الأحد، 20 مارس، 2016

الخلافة الإسلامية للأستاذ أنور الجندي



عندما أسقطت الخلافة الإسلامية عام 1924 م، كان مخططاً خطيراً قوامه النفوذ الأجنبي والصهيونية والشيوعية الذي كان قد بدأ في إعداد هذا العمل سراً منذ أكثر من مائة عام، من خلال جماعة الدونمة. (اليهود الذين هاجروا من الأندلس عام 1492 م وأقاموا في سالونيك ودخلوا في الإسلام تقية) التي عملت بالاشتراك مع جماعة الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والمحافل الماسونية، على تنفيذ هذا المخطط تحت شعار "القضاء على دولة الرجل المريض"، خاصة بعد أن حمل (السلطان عبد الحميد) لواء الدعوة إلى "الجامعة الإسلامية" بمعنى أن ينضوي تحت لواء الخلافة الإسلامية جميع المسلمين في العالم - وليس فقط العرب والترك.

ومن هنا كانت خطواته إلى القضاء على الفرقة التي عمقها الاستعمار بين الترك والفرس، وكانت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية في ظل الخلافة العثمانية الإسلامية، أمر بالغ الخطورة، جوبه في الغرب من القوى الثلاث بمؤامرات ضخمة، امتدت قرناً كاملاً: على النحو الذي صوره بها وزير إيطالي منصف: تحت عنوان "مائة مؤامرة على الدولة العثمانية).

ومن هنا يتبين أن (الخلافة الإسلامية) لم تسقط بجرة قلم عام 1924 م عندما ألغاها مصطفى كمال أتاتورك، وإنما يمكن أن يقال أن هذه كانت آخر خطوة في مؤامرة ضخمة واسعة النطاق امتدت سنوات طويلة وشاركت فيها قوى كثيرة ذات مصلحة في تمزيق العالم الإسلامي، مثل إنجلترا وفرنسا، ومنها ما كان يهدف إلى الوصول إلى فلسطين وقلب القدس كالصهيونية العالمية، وليس أدل على ذلك من مساعدة الشيوعية الروسية في تلك المعونة الضخمة التي قدمتها لحكام تركيا بعد إسقاط الخلافة.

ولنعلم أن المحاولات التي جرت عام 1908 م لإسقاط السلطان عبد الحميد كانت هي المقدمات الحقيقية لإلغاء الخلافة، فقد كانت فكرة عبد الحميد كما ذكرنا أن يمتد نفوذ الخلافة فيشمل عالم الإسلام كله ولا يتوقف عند حدود الدولة العثمانية، وقد أخذ عبد الحميد بهذه الفكرة كخطة حاسمة لمواجهة محاولات الغرب.


قوة تواجه زحف الطامعين:


ومنذ أن تولى عبد الحميد، ورأى انتفاض البلقان على الدولة، ركز على دولة إسلامية جامعة تحمل لواء الوحدة الإسلامية، وتضم مختلف المسلمين، الذين هم خارج الزحف الغربي الطامع إلى تمزيق أديم عالم الإسلام والسيطرة عليه. ولما نجحت الخطة وكادت تؤتي أكلها، والتقى شيعة إيران مع سنة تركيا لأول مرة، بعد أن حفر الاستعمار بينهما خندقاً عميقاً منذ ثلاثة قرون أو تزيد، عجل الاستعمار والصهيونية بالقضاء على عبد الحميد خاصة، لموقفه الحاسم في الحيلولة دون وصول اليهود إلى فلسطين.


والمعروف أنه لما ظهرت حركة الاتحاد والترقي داعية لتغريب تركيا. احتضنتها المحافل المساونية، وحولتها من خطة إصلاح عثمانية داخل الدولة الإسلامية الكبرى إلى خطة تغريبية عنصرية، تحمل لواء (الطورانية) وتدعو إلى تتريك العرب ودفعهم إلى التماس مفهوم الماسونية في الثورة الفرنسية والاستجابة له.

وبذلك كانوا جمعاً غريبي الفكر، وكانت مفاهيم القوميات والإقليميات والطورانية والعنصرية، قد سيطرت على فكرهم واستهدفت الانفصال عن المفهوم الإسلامي والكيان الإسلامي. وقد ظلت الفكرة في حضانة الدونمة والماسونية منذ بدأت، حتى استطاعت أن تصرع الوحدة الإسلامية الجامعة بانتزاع عبد الحميد من مكان القيادة - باعتباره صاحب مبدأ الوحدة الإسلامية.

ثم جاء الاتحاديون فأقاموا عهداً أسود في تركيا منذ 1908 م حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم لبسوا ثوباً جديداً أسموه (الكمالية) وهو امتداد لهم أشد خطراً وأعمق أثراً، جاء بعد أن كسبوا من نصر باسم الإسلام، ثثم استداروا عليه استدارة كاملة بعد أن كان هو الورقة التي حققوا بها النصر.


وجه كالح صريح:

وقد وردت في المواثيق التي كشف أمرها أخيراً موافقتهم على خلع الإسلام واللغة العربية والمحاكم الشرغية وملابس الإسلام وشريعته ثمناً لتخليصهم من الاحتلال البريطاني واليوناني، وكان إعلان ترميا دولة علمانية كفيلاً بأن يحقق لها رضاء الغرب وتسليمه وتحريره.

فقد انفصلت تركيا عن الأمة الإسلامية واندمجت كلياً في الغرب العلماني، وسرعان ما حققت الأمل الذي طالما طاف بأحلام العرب - روسية وإنجليزية وفرنسية ويهودية - وهو أن يقضي مسلم بيده على خلافة الإسلام.

ولكن أتاتورك لم يكن مسلماً في حقيقته وإنما كان من الدونمة - التي تخفت تحت صورة الإسلام لتحقيق كل ما استطاعت أن تحققه في تركيا، وكان همه الأكبر "إسقاط الخلافة" وفي سنوات قليلة من 1918-1924 م تحولت دولة غربية علمانية تحكم بقانون نابليون، وتزيح بكلتا يديها ذلك التراث العظيم - تراث الإسلام - وتقاوم ودعاته ومؤسساته.

وهكذا سقطت الخلافة بمؤامرة مشتركة بين اليهود الدونمة والاتحاديين الكماليين، والقوى الاستعمارية الغربية وروسيا.


استبداد دموي:

وما أسقطت الخلافة بأسلوب الإقناع والتغيير النفسي والفكري، ولكن بأسلوب من العنف والقتل والاستبداد والظلم، الذي قامت به (ثلة) أعدت لها وخططت لذلك في مرحلتين طويلتين منذ 1909 م إلى 1918 م باسم الاتحاديين، ومن بعدها إلى عام 1924 م باسم الكماليين، وهما - في الحقيقة - شيء واحد استطاع في أول الأمر أن يفتح الباب للصهيونية العالمية إلى فلسطين، بعد أن استعصى ذلك عليها طويلاً أيام السلطان عبد الحميد، وأسلمت طرابلس الغرب للإيطاليين، ودفعت الدولة العثمانية إلى أن تكون وقوداً في الحرب العظمى دون داع، حتى تنفصل عنها الشام والعراق وحتى تسلم فلسطين لليهود.

وحاولت الصحف الموالية للتغريب تصوير المسألة بصورة كاذبة مضللة وأن تجعل الاتجاه عنواناً على التقدم، حتى خشي شيخ الإسلام - الذي أخرجوه وأقام في منصر آنذاك - من هذا التحول المحاط بهالة كاذبة من التكريم حين قال سماحة الشيخ مصطفى صبري: إنني أخاف أن تسعد بلاد تركيا وترقى بهذه الإدارة الحديثة اللادينية رفيهاً دنيوياً - وإن كان ذلك في غاية البعد والاستحالة - فيفتتن بها المسلمون الذين قلما سلموا من أن يعجبوا بها وهي توغل في سبيل الإفلاس والإندراس.

وإنما نقول للشيخ من وراء القبر: إطمئن فإن تركيا لم تسعد وأن التجربة لم تحقق أي نجاح، ولم تتقدم تركيا عن الدول الأخرى بل لعلها ما زالت تقاسي من جرائرها وأن جيلاً جديداً نشأ على الإسلام ويجاهد في سبيله.


حملة ظالمة:

إن أكبر ما غذيت به حملة إسقاط الخلافة كانت تلك التصورات الباطلة التي نسب إلى السلطان عبد الحميد الظلم والاستبداد، بينما كان كل ما يحاول عبد الحميد قمعه والحيلولة دونه هو سقوط الدولة العثمانية في براثن القوى الصهيونية والاستعمارية، التي كانت تريد التهامها وتقسيمها، وتسليم فلسطين لليهود ومن أجل ذلك استحق الخلع واستحقت الخلافة الإزالة، بأيدي من تسموا بأسماء المسلمين، وفي مقدمتهم مصطفى كمال الذي كان يدعي أنه مسلم، ويدعو المسلمين إلى الدعاء له بالنصر، حتى إذا ما وجد فرصته ضرب ضربته وسط دهشة العالم الإسلامي كله وعجبه.

وفي الحقيقة أن الخلافة لم تكن مصدر إنحطاط تركيا ولا العالم الإسلامي، ولم يكن أسلوب تعديلها هو إزالتها أو فصل السلطة عن الخلافة كما فعلوا أولاً ليخدعوا الناس يومئذ، إن كان ذلك مقدمة للقضاء النهائي عليها.

وقد كانت هناك مشروعات كثيرة للإصلاح لو خلصت النيات وحسن الاتجاه إلى الإبقاء على وحدة العالم الإسلامي وقيام خلافته.

وإذا كانت هناك قياسات لما وصف بع عبد الحميد من تسلط واستبداد فأين منه ما قام به الاتحاديون والكماليون.. الذين باعوا آخرتهم بدنياهم..؟؟. وهو ما لم يفعله الخلفاء قط، وبينما وقف الأعزل عبد الحميد أمام قوى الصهيونية العالمية، وهي تغريه بالملايين وهي تعرف مؤامراتها وتقودها، وقد وقف صامداً لا يلين.


تمزيق الوحدة الإسلامية:

ولقد كان من وراء إسقاط الخلافة الإسلامية أهداف كثيرة، كان أكبرها هذا الشمل الذي جمعته الوحدة الإسلامية بين مسلمي العالم، وتفريق هذا الجمع الذي ربطته الدولة العثمانية ليسهل توزيعه واحتواؤه، وتقديم فلسطين والقدس لقمة سائغة للصهيونية التي كانت وراء الربا العالمي منذ عصور بعيدة، عاملة على تقريب المسافات إلى تحقيق الغاية، من وراء الاستعمار الغربي.

ومن أهدافنا محاولة حجب حقيقة الإسلام الجامعة بين الدين والدولة والقائمة على أساس أن الإسلام "دين ونظام مجتمع" وإثارة الشبهة حوله بتصويره ديناً لاهوتياً - على النحو الذي صوره به الكماليون في تركيا وعلي عبد الرازق وجماعة اللادينيين في البلاد العربية.


خيبة الأمل في تمزيق المسلمين:

وإذا كان الهدف الأول قد تحقق لأنه داخل في نطاق مرحلة الضعف التي أرخت قبضة المسلمين عن حقوقهم ووممتلكاتهم وسلطاتهم، فإن الهدف الثاني لم يتحقق بعد. لأن المسلمين سرعان ما تنادوا إلى الوحدة في محاولة لإحتواء الخطر، وذلك بالرغم مما طرحه التغريبيون من مفهوم غير أصيل عن أن الإسلام دين عبادي، وأن الخلافة والحكم لم تكن من أسس الإسلام.

بل إن عدداً كبيراً من المستشرقين الغربيين اعترف بأن الإسلام ليس ديناً فحسب بل هو نظام سياسي واجتماعي أيضاً.

يقول فيتزجرالد في كتابه قانون المحمديين (1): على الرغم من أنه قد ظهر في العهد الاخير، بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم أنهم عصريون، يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح الفكر الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

وشهد بذلك (تلينو) الذي قال أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - أسس في وقت ما ديناً ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته.

وذلك ما عبر عنه (شاخت) حين قال: على أن الإسلام يعني أكثر من دين، أنه يمثل أبداً نظريات قانونية سياسية وجملة القول أنه نظام كامل يشمل الدين والدولة معاً.

وهو ما أشار إليه (جب) حين قال: لقد صار واضحاً أن الإسلام، لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل. له أسلوبه المعين في الحكم، وله قوانينه ونظمه الخاصة به.

هذا من ناحية (الفكرة) أما من ناحية التطبيق فإن (الفرد كانتول سميث) في كتابه عن "الإسلام في العصر الحديث" كتب تحت عنوان "الإسلام والدنيوية التركية" ما يفهم منه أن سقوط الخلافة وإلغاء نظام الإسلام في تركيا، ليس إلا عملاً قامت به جماعة حاكمة، ولكنه لا يمثل شعور الأمة، ولا يطابق سلوكها.

يقول: إن القول بأن الأتراك بإيثارهم الدنيوية قد تدخلوا عن الإسلام لا يحظى بتأييد من الباحثين في الشرق أو الغرب وإنما هو مجرد إحساس شائع بين الأوروبيين والمسلمين في الأقطار الأخرى والمسألة في حقيقتها لا تعدو الهيئة الحاكمة.


كما يردد الببغاء:

ولذلك فإنه من المؤسف أن يجري بعض الكتاب العرب والمسلمين وراء مفاهيم كلماتهم ويلوكون عباراتهم ويعادون منطق الأشياء الحقيقي، فيخرجون بذلك عن دينهم وأصالتهم دون أن يقدروا النتائج التي تجيء من بعد، والتي هي أكبر من تقديرهم وإدراكهم، فنجد مثلاً الدكتور الخربوطلي الذي يقول في كتابه عن "الخلافة الغسلامية" هذه العبارة المريرة: "فأفلت شمس الخلافة الإسلامية إلى الأبد" وكيف يمكن لباحث أو مؤرخ أن يتنبأ بأن الخلافة قد أفلت شمسها إلى الأبد، وهل يملك من الأدلة على ذلك دليلاً واحداً أو نصف دليل وهو قول لم يقله أكثر الغربيين تعصباًَ ضد الإسلام.

واليوم يرى هؤلاء أنهم كانوا من قصر النظر، بحيث جهلوا أن الحديث عن الخلافة الإسلامية لم يتوقف يوماً واحداً منذ ذلك اليوم، جرى في مناهج الدعوات والحركات والجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي كله، كغاية كبرى لابد من ملاحقتها، وجرت حركات التجمع لتذكر دوماً بهذا الحق، الذي لا تطويه الأيام ولا تخفيه الأحداث، مهما تغلف الحديث عنه بالضباب.

وما زلنا نسمع صيحات الدعوة إلى إعادة الخلافة عالية وقوية من مسئولين ومفكرين متعددين ولا يزال المؤتمر الإسلامي الذي يضم أكثر من أربعين دولة إسلامية يضع هذه الحقيقة أمامه.


الوحدة الوجدانية ثم وحدة الفكر:

نعم إن المسلمين بعد إسقاط الخلافة عن طريق المؤامرة لم يستكينوا إلى الهزيمة التي فرضت عليهم، ودبرت من وراء إرادتهم الحرة، ولكنهم فكروا وقدروا، وعملوا لمواجهة هذا الفراغ، فأقاموا روابط كثيرة ومؤتمرات متعددة، وإذا كانت القوى الاستعمارية قد حالت دون تحقيق الوحدة السياسية فإنهم حققوا وحدة اجتماعية ووجدانية لا تزال تنمو قوية وقادرة على أن تحقق في مطالع القرن الخامس عشر (وحدة الفكر التي هي الأساس المكين بعودة الخلافة الإسلامي ولقد كانت الأزمات دائماً قادرة على تجميع المسلمين ووحدتهم إزاء الأحداث والأخطاء.

ولم يكن عمل عبد الحميد في سبيل هذا التجمع إلا قمة الإيمان بالخطر وبالمسئولية إزاء هذا الخطر، وإذا كانت حركته إلى الوحدة الجامعة قد أجهضت فليس لأنها فشلت، بل لأنها نجحت نجاحاً مذهلاً مما دفع القوى الاستعمارية والصهيونية إلى القضاء عليها بإسقاطه قبل أن يتمكن من وضع القواعد التي يمكن أن تسير عليها موضع التنفيذ، ثم جرى العمل على الإجهاز على القاعدة نفسها. وإذا كان العرب بعد سقوط الوحدة الإسلامية قد تجمعوا حول وحدتهم، فإنهم لم يكونوا في ذلك عاملين على إعلاء شأن العناصر والدماء، ولكنهم كانوا يرون في الوحدة العربية حلقة وخطوة إلى عودة الوحدة الإسلامية الكبرى، ولم يكونوا يفهمون من العروبة ما فهمه الغرب من القومية، ذلك لأن العروبة إنما نشأت في أحضان الإسلام سمحة مؤمنة بالإخاء الإسلامي الأكبر، بعيدة عن العنصرية والتعصب والصراع، وقائمة على وحدة قرآنية بالشريعة والإيمان، ولكن القوى الخصيمة هي التي أفسدت مفهوم العروبة وقطعته عن صلته بالوحدة الإسلامية.


عزل العروبة بين الإسلام:

لقد ضربت القوى الغاضبة هذا الاتجاه وعزلته عن جذوره، كما ضربت من قبل الخيوط التي تجمعت في يد السلطان عبد الحميد، وهكذا فإن إسقاط الخلافة لم يكن وفق سنة طبيعية أو قانون اجتماعي صحيح، ولكنها كانت عملية إجهاض زيفت لها مبررات خادعة استطاعت أن تضلل البعض ولذلك فإن الخلافة الشرعية ستظل في فقه المسلمين وشريعة الإسلام وقلوب المؤمنين وعلى أقلام كتاب الإسلام عاموداً أساسياً. فهي جزء لا يتجزأ من الإسلام، ولعلها سقطت لتسقط معها خلافة عجزت عن تطبيق الإسلام تطبيقاً حقيقياً، ليعود من بعد على مفهومها الأصيل وهو ما تتطلع إليه قلوب المسلمين وتهفوا وتعده من آمال القرن الخامس عشر.


حقيقة مؤكدة:

والحقيقة التي يؤكدها الباحثون المنصفون: أن المسلمين لم يناموا على الضيم منذ أسقطت الخلافة الإسلامية وهم لا يستنيمون أو يفرطون أو يغيب عليهم مدى خطرها وجلال شأنها والآثار التي ترتبت على حجبها.

ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم فإن الخلافة الإسلامية مبثوثة في كل أعمال التضامن الإسلامي والرابطة الإسلامية والأخوة الإسلامية الجامعة.

وقد أحس المسلمون اليوم بأن محاولات التجمع الوطني والقومي لم تنجح لأنها ليست هي الوجهة الحقة الصادرة من أعماق الفطرة، وإن المنهج الصحيح هو اجتماع كلمة المسلمين وقيام ذلك الرباط القوي بينهم مرة أخرى، بعد أن تراخى في السنوات الماضية تحت تأثير الدعوات الإقليمية والقومية، غير أن هذه السنوات قد شهدت عشراتا المؤتمرات والأبحاث والمشروعات والدعوات التي تفتح الطريق إلة وحدة المسلمين وتحقيق الغاية الكبرى.


ومن هذا العرض التاريخي فإننا نصل إلى حقيقتين:

الأولى: أن الخلافة هي بؤرة الجامعة الإسلامية وأن الجامعة الإسلامية يمكن أن تقوم أولاً ثم تنبثق منها الخلافة، وأن حركات التحرر والوحدة والتقارب التي تجرى اليوم في عالم الإسلام يمكن أن تحقق ترابطاً ثقافياً واجتماعياً قبل أن يصبح سياسياً وعسكرياً.

الثانية: أن المسلمين بعد إلغاء الخلافة لم يتفرقوا أيدي سبأ، وأن الهدف الذي كان يطنع فيه النفوذ الاستعماري قد فشل تماماً. وأن العالم الإسلامي قد تلاقى على مستويات كبيرة ومتعددة: اجتماعية وثقافية واقتصادية وأن الفكر الإسلامي ما زال هو المصدر الأول للثقافات العربية والفارسية والتركية والهندية الإسلامية.


وإذا كانت الخلافة قد سقطت بعمل سياسي استعماري دفين أخفى أمره طويلاً وبدقة، وراء غلالات، فإن المسلمين قد بدت أمامهم الحقائق سافرة اليوم، وتنبهوا لما براد بهم فسارعوا إلى اتخاذ وسائل أخرى، تمهد للوحدة فاندغمت رابطتهم في مؤتمر الحج السنوي، وفي الاتجاه إلى الجامعات الإسلامية العلمية، التي لاشك ستوجد الفكر والثقافة والتعليم، وزاد من قوة هذه الروابط تحرر دولتين كبيرتين بعد الحرب العالمية الثانية هما الباكستان وإندونيسيا وعشرات الدول ذات الأغلبية المسلمة في جنوب شرق آسيا وأفريقيا، وبدأت لقاءات واسعة بين العناصر المختلفة من العرب والبربر والسنة والشيعة والأكراد، وتوثقت الصلات وزادت عمقاً وخفت حدة الخصومات والخلافات، التي أججها الاستعمار والنفوذ الغربي حرصاً على استبقاء التمزق والخلاف، كما كشفت الوقائع حقائق كثيرة كانت مطمورة عن الصهيونية والماركسية وعلاقتهما وفشلت دعوات الإقليمية والقومية جمعاً كما فشلت النظم السياسية الواحدة سواء الليبرالية منها لم أم الاشتراكية ولم يعد أمام المسلمين في مطالع القرن الخامس عشر بد من أن يقيموا مجتمعهم على أساس الشريعة الإسلامية، ونظامهم السياسي على أساسا الوحدة الإسلامية، وسوف تنقشع السحب التي تحجب الضوء ويجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى الالتقاء إزاء الخطر الزاحف وهذا هو المنطلق الحقيقي لعودة الخلافة الإسلامية خلال هذا القرن الجديد.


__________________________________
 كتب ومقالات أنور الجندي
الموسوعة الشاملة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق