الخميس، 3 مارس، 2016

تطور حقوق المرأة عبر التاريخ


يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى:

لا بد لي قبل أن أبداً حديثي عن "المرأة بين الفقه والقانون" من استعراض تاريخي لأوضاع المرأة الاجتماعية والقانونية في المجتمعات القديمة حتى ظهور الاسلام ثم فيما بعد ذلك في أوروبا في القرون الوسطى والعصور الحديثة، ومن الواضح لكل دارس منصف لهذه الأوضاع أن المرأة برغم التباين في موقف الأمم والشرائع من القسوة عليها أو الرحمة بها أنها قبل الاسلام لم تنل مكانتها الاجتماعية وحقوقها القانونية التي تستحقها بما يتفق مع رسالتها العظيمة التي خصصتها لها الحياة الطبيعية فيها، ولا مع مكانتها التي ينبغي أن نعترف بها، واليكم بعض الحديث عن ذلك.


عند اليونان
كانت المرأة في المجتمع اليوناني أول عهده بالحضارة محصنة وعفيفة لا تغادر البيت، وتقوم فيه بكل ما يحتاج اليه من رعاية، وكانت محرومة من الثقافة لا تسهم في الحياة العامة بقليل ولا كثير، وكانت محتقرة حتى سموها رجساً من عمل الشيطان، وكان الحجاب شائعاً في البيوتات العالية، أما من الوجهة القانونية فقد كانت المرأة عندهم كسقط المتاع تباع وتشرى في الأسواق وهي مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع الى حقوقها المدنية، ولم يعطوها حقاً في الميراث، وأبقوها طيلة حياتها خاضعة لسلطة رجل وكلوا اليه أمر زواجها فهو يستطيع أن يفرض عليها من يشاء زوجاً، وعهدوا اليه بالاشراف عليها في ادارة أموالها، فهي لا تستطيع أن تبرم تصرفاً دون موافقته، وجعلوا للرجل الحق المطلق في فصم عرى الزوجية بينما لم يمنحوا المرأة حق طلب الطلاق إلا في حالات استثنائية، بل وضعوا العراقيل في سبيل الوصول الى هذا الحق، ومن ذلك أن المرأة اذا أرادت أن تذهب الى المحكمة لطلب الطلاق تربص بها الرجل في الطريق فأسرها وأعادها قسراً الى البيت.

أما في اسبارطة فقد توسعوا في اعطائها شيئاً من الحقوق المدنية فأعطوها شيئاً من الحق في الارث والبائنة (الدوطة) وأهلية التعامل، وما كان ذلك عن سماحة منهم واعتراف بأهلية المرأة، وإنما كان لوضع المدينة الحربي حيث كان أهلها في حرب وقتال، فكان الرجال يشتغلون بالحرب دائماً ويتركون التصرف في حال غيبتهم للنساء، ومن هنا كانت المرأة في اسبارطة أكثر خروجاً الى الشارع وأوسع حرفة من أختها في اثينا وسائر مدن اليونان، ومع هذا فقد كان أرسطو يعيب على أهل اسبارطة هذه الحرية والحقوق التي أعطوها للمرأة ويعزو سقوط اسبارطة وانحلالها الى هذه الحرية والحقوق.

وفي أوج حضارة اليونان تبدلت المرأة واختلطت بالرجال في الأندية والمجتمعات، فشاعت الفاحشة حتى أصبح الزنى أمراً غير منكر، وحتى غدت دور البغايا مراكز للسياسة والأدب، ثم اتخذوا التماثيل العارية باسم الأدب والفن، ثم اعترفت ديانتهم بالعلاقة الآثمة بين الرجل والمرأة، ثمن آلهتهم "افروديت" التي خانت ثلاثة آلهة وهي زوجة إله واحد وكان من أخدانها رجل من عامة البشر فولدت "كيوبيد" إله الحب عندهم! ثم لم يشبع غرائزهم ذلك حتى انتشر عندهم الاتصال الشاذ بين الرجل والرجل، وأقاموا لذلك تمثال "هرموديس وارستوجتين" وهما في علاقة آثمة، وكان ذلك خاتمة المطاف في حضارتهم فانهارت وزالوا.




عند الرومان
أما عند الرومان فقد كان الأمر عندهم في العصر القديم أن الأب ليس ملزماً بقبول ضم ولده منه الى أسرته ذكراً كان أو أنثى، بل كان يوضع الطفل بعد ولادته عند قدميه، فاذا رفعه وأخذه بين يديه كان دليلاً على أنه قبل ضمه الى أسرته، وإلا فإنه يعني رفضه لذلك، فيؤخذ الوليد الى الساحات العامة أو باحات هياكل العبادة فيطرح هناك، فمن شاء أخذه اذا كان ذكراً، وإلا فان الوليد يموت جوعاً وعطشاً وتأثراً من حرارة الشمس أو برودة الشتاء.

وكان لرب الأسرة أن يدخل في أسرته من الأجانب من يشاء، ويخرج منها من أبنائه من يشاء عن طريق البيع، ثم قيد قانون الانثي عشر لوحاً حق البيع بثلاث مرات، فاذا باع الأب ابنه ثلاث مرات متوالية كان له الحق في التحرر من سلطة رئيس الأسرة، أما البنت فكانت تظل خاضعة لرب الأسرة ما دام حياً.

وكانت سلطة رب الأسرة على أبنائه وبناته تمتد حتى وفاته مهما بلغ سن الأبناء والبنات، كما كانت له سلطة على زوجته وزوجات أبنائه وأبناء أبنائه، وكانت هذه السلطة تشمل البيع والنفي والتعذيب والقتل، فكانت سلطته سلطة ملك لا حماية، ولم يلغ ذلك إلا في قانون جوستنيان (المتوفي 565 م) فان سلطة الأب فيه لم تعد تتجاوز التأديب.

وكان رب الأسرة هو مالك كل أموالها فليس لفرد فيها حق التملك، وإنما هم أدوات يستخدمها رب الأسرة في زيادة أموالها، وكان رب الأسرة هو الذي يقوم بتزويج الأبناء والبنات دون ارادتهم.

أما الأهلية المالية فلم يكن للبنت حق التملك، وإذا اكتسبت مالاً أضيف الى أموال رب الأسرة ولا يؤثر في ذلك بلوغها ولا زواجها وفي العصور المتأخرة في عصر قسطنطين تقرر أن الأموال التي تحوزها البنت عن طريق ميراث أمها تتميز عن أموال أبيها. ولكن له الحق في استعمالها واستغلالها، وعند تحرير البنت من سلطة رب الأسرة يحتفظ الأب بثلث أموالها كملك له ويعطيها الثلثين.

وفي عهد جوستنيان قرر أن كل ما تكتسبه البنت بسبب عملها أو عن طريق شخص آخر غير رب أسرتها يعتبر ملكاً لها، أما الأموال التي يعطيها رب الأسرة فتظل ملكاً له، على أنها وإن أعطيت حق تملك تلك الأموال فإنها لم تكن تستطيع التصرف فيها دون موافقة رب الأسرة.

واذا مات رب الأسرة يتحرر الابن اذا كان بالغاً، أما الفتاة فتنقل الولاية عليها الى الوصي ما دامت على قيد الحياة، ثم عدل ذلك أخيراً بحيلة للتخلص من ولاية الوصي الشرعي بأن تبيع المرأة نفسها لولي تختاره. ويكون متفقاً فيما بينهما أن هذا البيع لتحرزها من قيود الولاية فلا يعارضها الولي الذي اشتراها في أي تصرف تقوم به.

وإذا تزوجت الفتاة أبرمت مع زوجها عقداً يسمى "اتفاق السيادة" أي بسيادة الزوج عليها، وذلك باحدى ثلاث طرق:

1 - في حفلة دينية على يد الكاهن.

2 - بالشراء الرمزي أي يشتري الزوج زوجته.

3 - بالمعاشرة الممتدة بعد الزواج الى سنة كاملة.

وبذلك يفقد رب الأسرة سلطته الأبوية على ابنته وتنتقل هذه السلطة الى الزوج. وعلى الجملة فقد تحولت السلطة على المرأة - في عهد الازدهار العلمي للقانون الروماني - من سلطة ملك الى سلطة حماية ولكنها مع ذلك ظلت قاصرة الأهلية.

فبينما كانت قوانين الألواح الاثني عشر تعتبر الأسباب الثلاثة الآتية أسباباً لعدم ممارسة الأهلية وهي: السن، والحالة العقلية، والجنس أي الأنوثة وكان فقهاء الرومان القدامي يعللون فرض الحجر على النساء بقولهم: لطيش عقولهن، جاء قانون جوستنيان ينص على أنه يشترط لصحة التعاقد أهلية حقوقية وأهلية فعلية واقعية.

أما الأهلية الحقوقية فيعتبر فاقداً لها:

1 - الرقيق.

2 - الأجانب في العقود الوطنية كالعقود الشفهية بالوعد كالعهود الكتابية الخاضعة لسلطة رئيس أسرة وهن البنات والزوجات.

وأما الأهلية الفعلية الواقعية فيعتبر فاقداً لها:

1 - الأولاد (الصغار) والمعتوهون.

2 - السفهاء في الحالة التي يصبحون فيها مدينين.

3 - البنات والسيدات البالغات الخاضعات لسلطة رئيس أسرة (أب وزوج) وذلك في الحالات التي يصبحن فيها مدينات دون اذن من سيدهن.

4 - النساء البالغات المستقلات، وذلك في الحالة التي يصبحن فيها مدينات دون إذن من الوصي عليهن.

غير أن هذه الحالة الأخيرة من فقدان الأهلية قد زالت مع زوال الوصاية على النساء في الامبراطورية السفلى، لكن هؤلاء النساء البالغات المستقلات ظللن فاقدات الأهلية عند تحمل دين الغير دون نفع لهن، فلسن أهلاً لأن يتحملن ديناً عن أزواجهن ولا أي واحد من الناس (1).


في شريعة حمورابي
كانت المرأة في شريعة حمورابي تحسب في عداد الماشية المملوكة، حتى أن من قتل بنتاً لرجل كان عليه أن يسلم بنته ليقتلها أو يتملكها.


عند الهنود
وكان علماء الهنود الأقدمون يرون أن الانسان لا يستطيع تحصيل العلوم والمعارف ما لم يتخل عن جميع الروابط العائلية.

ولم يكن للمرأة في شريعة منو حق في الاستقلال عن أبيها أو زوجها أو ولدها، فاذا مات هؤلاء جميعاً وجب أن تنتمي الى رجل من أقارب زوجها، وهي قاصرة طيلة حياتها، ولم يكن لها حق في الحياة بعد وفاة زوجها بل يجب أن تموت يوم موت زوجها وأن تحرق معه وهي حية على موقد واحد، واستمرت هذه العادة حتى القرن السابع عشر حيث أبطلت على كرهٍ من رجال الدين الهنود.

وكانت تقدم قرباناً للآلهة لترضى، أو تأمر بالمطر أو الرزق.

وفي بعض مناطق الهند القديمة شجرة يجب أن يقدم لها أهل المنطقة فتاة تأكلها كل سنة.

وجاء في شرائع الهندوس: ليس الصبر المقدر، والريح، والموت، والجحيم، والسم، والأفاعي، والنار، أسوأ من المرأة.


في أمثال الأمم القديمة
يقول المثل الصيني: أنصت لزوجتك ولا تصدقها.

ويقول المثل الروسي: لا تجد في كل عشرة نسوة غير روح واحدة.

ويقول المثل الاسباني: احذر المرأة الفاسدة. ولا تركن الى المرأة الفاضلة.

ويقول المثل الايطالي: المهماز للفرس الجواد والفرس الجموح، والعصا للمرأة الصالحة والمرأة الصالحة.


عند اليهود
كانت بعض طوائف اليهود تعتبر البنت في مرتبة الخادم، وكان لأبيها الحق في أن يبيعها قاصرة، وما كانت ترث الا اذا لم يكن لأبيها ذرية من البنين وإلا ما كان يتبرع به لها أبوها في حياته.

ففي الاصحاح الثاني والأربعين من سفر أيوب: "ولم توجد نساء جميلات كنساء أيوب في كل الأرض، وأعطاهن أبوهن ميراثاً بين اخوتهن".

وحين تحرم البنت من الميراث لوجود أخ لها ذكر يثبت لها على أخيها النفقة والمهر عند الزواج، إذا كان الأب قد ترك عقاراً فيعطيها من العقار، أما اذا ترك مالا منقولا فلا شيء لها من النفقة والمهر ولو ترك القناطير المقنطرة.

وإذا آل الميراث الى البنت لعدم وجود أخ لها ذكر لم يجز لها أن تتزوج من سبط آخر، ولا يحق لها أن تنقل ميراثها الى غير سبطها.

واليهود يعتبرون المرأة لعنة لأنها أغوت آدم، وقد جاء في التوراة: "المرأة أمرُّ من الموت، وإن الصالح امام الله ينجو منها، رجلاً واحداً بين الف وجدت، أما المرأة فبين كل أولئك لم أجد".


عند المسيحيين
لقد هال رجال المسيحية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات، وما آل اليه المجتمع من إنحلال أخلاق شنيع، فاعتبروا المرأة مسؤولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج الى المجتمعات، وتتمتع بما تشاء من اللهو، وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء، فقرروا أن الزواج دنس يجب الابتعاد عنه، وأن العزب عند الله اكرم من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأنها يجب أن تستحيي من جمالها لأنه سلاح ابليس للفتنة والاغراء.

قال القديس "ترتوليان": إنها مدخل الشيطان الى نفس الانسان. ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله أي الرجل.

وقال القديس سوستام: إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة.

وفي القرن الخامس اجتمع مجمع "ماكون" للبحث في المسألة التالية:

هل المرأة مجرد جسم لا روح فيها؟ أم لها روح؟

وأخيراً قرروا أنها خلو من الروح الناجية (من عذاب جهنم) ما عدا أم المسيح.

ولما دخلت أمم الغرب في المسيحية كانت آراء رجال الدين قد أثرت في نظرتهم الى المرأة، فعقد الفرنسيون في عام 586 للميلاد (أي في أيام شباب النبي عليه الصلاة والسلام) مؤتمراً للبحث: هل تعد المرأة انساناً أم غير إنسان؟ وأخيراً قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب.

واستمر احتقار الغربيين للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى حتى ان عهد الفروسية الذي كان يظن فيه أن المرأة احتلت شيئاً من المكانة الاجتماعية حيث كان الفرسان يتغزلون بها ويرفعون من شأنها، لم يكن عهد خير لها بالنسبة لوضعها القانوني والاجتماعي، فقد ظلت تعتبر قاصرة لا حق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها.

ومن الطريف أن نذكر أن القانون الانجليزي حتى عام 1805 كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن - ربع ليرة سورية) فقد حدث أن باع انجليزي زوجته عام 1931 بخمسمائة جنيه، وقال محاميه في الدفاع عنه: إن القانون الانجليزي قبل مائة عام كان يبيح للزوج أن يبيع زوجته، وكان القانون الانجليزي عام 1801 يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام 1805 بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر.

وقد حدث في العام الماضي أن باع ايطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع (مجلة حضارة الاسلام: السنة الثانية ص 1078).

ولما قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثاني عشر) وأعلنت تحرير الانسان من العبودية والمهانة، لم تشمل بجنوها المرأة، فنص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلاً للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص فيه على أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة، واستمر ذلك حتى عام 1938 حيث عدلت هذه النصوص لمصلحة المرأة، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة، سنتكلم عنها قريباً.




عند العرب قبل الاسلام
وإذا عدنا الى البيئة العربية قبل الاسلام، وجدنا المرأة العربية مهضومة في كثير من حقوقها، فليس لها حق الارث، وليس لها على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، ولا لتعدد الزوجات حد معين، ولم يكن عندهم نظام يمنع تمكين الزوج من النكاية بها، كما لم يكن لها حق في اختيار زوجها، ولقد كان رؤساء العرب وأشرافهم فحسب يستشيرون بناتهم في أمر الزوج، كما نستنتج ذلك من بعض القصص التاريخية.

وكان الرجال إذا مات وله زوجة وأولاد من غيرها، كان الولد الاكبر أحق بزوجة أبيه من غيره، ويعتبرها إرثاً كبقية أموال أبيه، فان أراد أن يعلن عن رغبته في الزواج منها طرح عليها ثوباً، وإلا كان لها أن تتزوج بمن تشاء.

وكانوا يتشاءمون من ولادة الأنثى، وكانت بعض قبائلهم تئدها خشية العار، وبعضهم كان يئدها ويئد أولاده عامة خشية الفقر، ولم تكن هذه عادة فاشية في العرب، وإنما كانت في بعض قبائلهم، ولم تكن قريش منها.

وكل ما كانت تعتز به المرأة العربية في تلك العصور على أخواتها في العالم كله، حماية الرجل لها، والدفاع عن شرفها، والثار لامتهان كرامتها.




موقف الإسلام

موقف الإسلام - مبادئ الإسلام في المرأة
في أواخر القرن السادس الميلادي، ووسط هذا الظلام المخيم من قضية المرأة في جميع أنحاء العالم المتمدن وغير المتمدن يومئذ، انطلق من جزيرة العرب، من فوق رمالها الدكناء، وسهولها الجرداء، وجبالها الحمراء، من مكة: انطلق صوت السماء على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يضع الميزان الحق لكرامة المرأة، ويعطيها حقوقها كاملة غير منقوصة، ويرفع عن كاهلها وزر الاهانات التي لحقت بها عبر التاريخ، والتي صنعتها أهواء الأمم، يعلن انسانيتها الكاملة، وأهليتها الحقوقية التامة، ويصونها عن عبث الشهوات وفتنة الاستمتاع بها استمتاعاً جنسياً حيوانياً، ويجعلها عنصراً فعالاً في نهوض المجتمعات وتماسكها وسلامتها.




مبادئ الإسلام في المرأة:
وتتلخص المبادئ الاصلاحية التي أعلنها الاسلام على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالمرأة في المبادئ التالية:

أولاً: إن المرأة كالرجل في الانسانية سواء بسواء، يقول الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 01] ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنما النساء شقائق الرجال" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.

ثانياً: دفع عنها اللعنة التي كان يصقلها بها رجال الديانات السابقة، فلم يجعل عقوبة آدم بالخروج من الجنة ناشئاً منها وحدها، بل منهما معاً.
يقول تعالى في قصة آدم: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه} [البقرة: 36].
ويقول عن آدم وحواء: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وُري عنهما من سوآتهما} [الأعراف: 20]
ويقول عن توبتهما {قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23].
بل إن القرآن في بعض آياته قد نسب الذنب إلى آدم وحده فقال {وعصى آدم ربه فغوى} [الأحزاب: 35].
ثم قرر مبدأ آخر يعفي المرأة من مسؤولية أمها حواء وهو يشمل الرجل والمرأة على السواء: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} [البقرة: 36].


ثالثاً: إنها أهل للتدين والعبادة ودخول الجنة إن أحسنت، ومعاقبتها إن أساءت، كالرجل سواء بسواء، يقول الله تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
ويقول تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران: 195].
وانظر كيف يؤكد القرآن هذا المبدأ في الآية الكريمة التالية: {إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات، أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} [الأحزاب: 35].

رابعاً: حارب التشاؤم بها والحزن لولادتها كما كان شأن العرب ولا يزال شأن كثير من الأمم ومنهم بعض الغربيين كما تحققت ذلك بنفسي، فقال تعالى منكراً هذه العادة السيئة: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟ ألا ساء ما يحكمون} [النحل: 59].


خامساً: حرم وأدها وشنع على ذلك أشد تشنيع فقال: {وإذا الموءودة سئلت: بأي ذنب قتلت} [التكوير: 09].

وقال: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} [الأنعام: 100].

سادساً: أمر بإكرامها: بنتاً، وزوجة، وأماً.
أما إكرامها كبنت فقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة:
منها قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمّها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها الخ ... ".

وأما إكرامها كزوجة ففي ذلك آيات وأحاديث كثيرة: منها:
قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21].

وقوله صلى الله عليه وسلم: "خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة، إن نظرت اليها سرتك، وإن غبت عنها حفظتك"
(رواه بألفاظ قريبة منه مسلم وابن ماجه).

وأما إكرامها كأم ففي آيات وأحاديث كثيرة:
قال الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً، حملته أمه كرهاً ووضعته كرها} [الأحقاف: 15].
وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من أحق الناس بصحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك! " (رواه البخاري ومسلم).
وجاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أريد الجهاد في سبيل الله، فقال له الرسول: هل أمك حية؟ قال: نعم، قال: الزم رجلها فثم الجنة" (رواه الطبراني).

سابعاً: رغب في تعليمها كالرجل، فقد مر معنا قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها الخ ... ".
وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم". (رواه البيهقي).
وقد اشتهر هذا الحديث على ألسنة الناس بزيادة لفظ "ومسلمة" وهذه الزيادة لم تصح رواية، ولكن معناها صحيح، فقد اتفق العلماء على أن كل ما يطلب من الرجل تعلمه يطلب من المرأة كذلك.
قال الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص 277: قد ألحق بعض المصنفين بآخر هذا الحديث "مسلمة" وليس لها ذكر في شيء من طرقه، وإن كان معناها صحيحاً.

ثامناً: أعطاها حق الارث: أماً، وزوجة، وبنتاً: كبيرة كانت أو صغيرة أو حملاً في بطن أمها.

تاسعاً: نظم حقوق الزوجين، وجعل لها حقوقاً كحقوق الرجل، مع رئاسة الرجل لشؤون البيت، وهي رئاسة غير مستبدة ولا ظالمة. قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228].

عاشراً: نظم قضية الطلاق بما يمنع من تعسف الرجل فيه واستبداده في أمره فجعل له حداً لا يتجاوزه، وهو الثلاث، وقد كان عند العرب ليس له حد يقف عنده، وجعل لايقاع الطلاق وقتاً، ولأثره عدة تتيح للزوجين العودة الى الصفاء والوئام. وهذا مما سنتعرض له بعض الشيء في بحثنا هذا.

الحادي عشر: حد من تعدد الزوجات فجعله أربعاً وقد كان عند العرب وعند غيرهم من الأمم التي تبيح التعدد غير مقيد بعدد معين.

الثاني عشر: جلعها قبل البلوغ تحت وصاية أوليائها، وجعل ولايتهم عليها ولاية رعاية وتأديب وعناية بشؤونها وتنمية لأموالها، لا ولاية تملك واستبداد.

وجعلها بعد البلوغ كاملة الأهلية للالتزامات المالية كالرجل سواء بسواء.

ومن تتبع أحكام الفقه الاسلامي لم يجد فرقاً بين أهلية الرجل والمرأة في شتى أنواع التصرفات المالية كالبيع، والاقالة، والخيارات، والسلم، والصرف، والشفعة، والاجارة، والرهن، والقسمة، والبينات، والاقرار والوكالة، والكفالة، والحوالة، والصلح، والشركة، والمضاربة، والوديعة، والهبة، والوقف، والعتق، وغيرها.




النتيجة:
من هذه المبادئ الاثنى عشر نعلم أن الاسلام أحل المرأة المكانة اللائقة بها في ثلاث مجالات رئيسية:

1- المجال الانساني: فاعترف بانسانيتها كاملة كالرجل وهذا ما كان محل شك أو انكار عند أكثر الأمم المتمدنة سابقاً.

2 - المجال الاجتماعي: فقد فتح أمامها مجال التعلم "وأسبغ عليها مكاناً اجتماعياً كريماً في مختلف مراحل حياتها منذ طفولتها حتى نهاية حياتها، بل إن هذه الكرامة تنمو كلما تقدمت في العمر: من طفلة الى زوجة، الى أم، حيث تكون في سن الشيخوخة التي تحتاج معها الى مزيد من الحب والحنو والاكرام.

3 - المجال الحقوقي: فقد أعطاها الأهلية المالية الكاملة في جميع التصرفات حين تبلغ سن الرشد، ولم يجعل لأحد عليها ولاية من أب أو زوج أو رب أسرة.






موقف الإسلام - بعض الفوارق (في الشهادة - في الميراث - دية المرأة - رئاسة الدولة)

ومع هذا فإننا نجد الاسلام قد فرق بين الرجل والمرأة في بعض المجالات، ومن المؤكد أن هذا التفريق لا علاقة له بالمساواة بينهما في الانسانية والكرامة والأهلية - بعد أن قررها الاسلام لها على قدم المساواة مع الرجل - بل لضرورات اجتماعية واقتصادية ونفسية اقتضت ذلك، وإليك البيان:



1 - في الشهادة:

جعل الاسلام الشهادة التي تثبت الحقوق شهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين، وذلك في قوله تعالى في آية المداينة: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى} [البقرة: 282].

ومن الواضح أن هذا التفاوت لا علاقة له بالانسانية ولا بالكرامة ولا بالأهلية، فما دامت المرأة انسانا كالرجل، كريمة كالرجل، ذات أهلية كاملة لتحمل الالتزمات المالية كالرجل، لم يكن اشتراطه اثنتين مع رجل واحد إلا لأمر خارج عن كرامة المرأة واعتبارها واحترامها، وإذا لاحظنا أن الاسلام - مع إباحته للمرأة التصرفات المالية - يعتبر رسالتها الاجتماعية هي التوفر على شؤون الأسرة، وهذا ما يقتضيها لزوم بيتها في غالب الأوقات - وخاصة أوقات البيع والشراء - أدركنا أن شهادة المرأة في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادراً، وما كان كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين مشاهدته، فانها تمر به عابرة لا تلقي له بالاً، فاذا جاءت تشهد به كان أمام القاضي احتمال نسيانها أو خطأها ووهمها، فاذا شهدت امرأة أخرى بمثل ما تشهد به زال احتمال النسيان والخطأ، والحقوق لا بد من التثبت فيها، وعلى القاضي أن يبذل غاية جهده لإحقاق الحق وإبطال الباطل ....
هذا هو كل ما في الأمر، وقد جاء النص عليه صراحة في الآية ذاتها حيث قال تعالى في تعليل اشتراط المرأتين بدلاً من الرجل الواحد: {أن تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى} أي خشية أن تنسى أو تخطئ إحداهما فتذكرها الأخرى بالحق كما وقع.
ولهذا المعنى نفسه ذهب كثير من الفقهاء إلى أن شهادة النساء لا تقبل في الجنايات، وليس ذلك إلا لما ذكرناه من أنها غالباً ما تكون قائمة بشؤون بيتها، ولا يتيسر لها أن تحضر مجالس الخصومات التي تنتهي بجرائم القتل وما أشبهها، وإذا حضرتها فقل أن تستطيع البقاء إلى أن تشهد جريمة القتل بعينيها، وتظل رابطة الجأش، بل الغالب أنها اذا لم تستطع الفرار تلك الساعة كان منها أن تغمض عينيها وتولول وتصرخ، وقد يغمى عليها، فكيف يمكن بعد ذلك أن تتمكن من أداء الشهادة فتصف الجريمة والمجرمين وأداة الجريمة وكيفية وقوعها؟ ومن المسلّم به أن الحدود تدرأ بالشبهات، وشهادتها في القتل وأشباهه تحيط بها الشبهة: شبهة عدم إمكان تثبتها من وصف الجريمة لحالتها النفسية عند وقوعها.
ويؤكد مراعاة هذا المعنى في الاحتياط لشهادتها فيما ليس من شأنها أن تحضره غالباً، أن الشريعة قبلت شهادتها وحدها فيما لا يطلع عليه غيرها، أو ما تطلع عليه دون الرجال غالباً، فقد قرروا أن شهادتها وحدها تقبل في إثبات الولادة، وفي الثيوبة والبكارة، وفي العيوب الجنسية لدى المرأة وهذا حين كان لا يتولى توليد النساء وتطبيبهن والاطلاع على عيوبهن الجنسية إلا النساء في العصور الماضية.
فليست المسألة إذاً مسألة إكرام وإهانة، وأهلية وعدمها، وإنما هي مسألة تثبت في الأحكام، واحتياط في القضاء بها. وهذا ما يحرص عليه كل تشريع عادل.
وبهذا نعلم أنه لا معنى للشغب والتشنيع على الاسلام في هذه القضية، واتخاذها سلاحاً للادعاء بأنه انتقص المرأة، وعاملها دون الرجل كرامة ومكانة. مع أنه أعلن إكرامها ومساواتها بالرجل في ذلك بنصوص صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقد ذكرنا بعضها فيما مضى.


2 - في الميراث:

أثبت الاسلام تقديره للمرأة، ورعايته لحقوقها، باعطائها حق الميراث، خلافاً لما كان عليه عرب الجاهلية وكثير من الشعوب القديمة وبعض الشعوب في العصر الحاضر بالنسبة للزوجة مثلاً.

وهذا النصيب يختلف في أحكام الارث بين حالات:

1 - بين أن يكون نصيبها مثل نصيب الذكر، كما في الأخوات لأم، فان الواحدة منهن إذا انفردت تأخذ السدس كما يأخذ الأخ لأم إذا انفرد، وإذا كانوا ذكوراً وإناثاً، اثنين فأكثر: فإنهم يشتركون جميعاً في الثلث، للذكر مثل حظ الانثى.
2 - وبين أن يكون نصيبها مثله أو أقل منه، كما في الأم مع الأب إذا كان للميت أولاد "فإن ترك معهما ذكوراً فقط أو ذكوراً وإناثاً، كان لكل من الأب والأم السدس من التركة، وإن ترك معهما إناثاً فقط، كان لكل من الأب والأم السدس، ويأخذ الأب بعد ذلك مازاد من التركة عن السهام، فمن مات عن بنت وزوجة وأم وأب، كان للبنت النصف، وهو اثنا عشر من أربعة وعشرين، وللزوجة الثمن، وهو ثلاثة، وللأم السدس وهو أربعة، وللأب السدس والباقي فيكون له خمسة.
3 - وبين أن تأخذ نصف ما يأخذه الذكر، وهذا هو الأعم الأغلب، بل هو القاعدة العامة إلا ما ذكرناه، فهل هذا لنقصٍ من انسانيتها في نظر الإسلام؟ أم لنقصٍ في مكانتها وكرامتها؟.
ليس في الأمر شيء من هذا، فمن المستحيل أن ينقض الاسلام في ناحية ما يبينه من ناحية أخرى، وأن يضع مبدءً ثم يضع أحكاماً تخالفه، ولكن الأمر يتعلق بالعدالة في توزيع الأعباء والواجبات على قاعدة: "الغْرُم بالغُنْم".
ففي نظام الاسلام يلزم الرجل بأعباء وواجبات مالية لا تلزم بمثلها المرأة، فهو الذي يدفع المهر، وينفق على أثاث بيت الزوجية، وعلى الزوجة والأولاد.
أما المرأة فهي تأخذ المهر ولا تسهم بشيء من نفقات البيت على نفسها وعلى أولادها ولو كانت غنية، ومن هنا كان من العدالة أن يكون نصيبها في الميراث أقل من نصيب الرجل، وقد كان الاسلام معها كريماً متسامحاً حين طرح عنها كل تلك الأعباء، وألقاها على عبء الرجل ثم أعطاها نصف ما يأخذ!
لنفرض رجلاً مات عن ابن وبنت وترك لهما مالاً، فماذا يكون مصير هذا المال غالباً بعد أمدٍ قليل؟
إنه بالنسبة الى البنت سيزيد ولا ينقص! يزيد المهر الذي تأخذه من زوجها حين تتزوج، ويزيد ربح المال حين تنميه بالتجارة أو بأية وسيلة من وسائل الاستثمار ...
أما بالنسبة إلى أخيها الشاب فإنه ينقص منه المهر الذي سيدفعه لعروسه، ونفقات العرس، وأثاث البيت، وقد يذهب ذلك بكل ما ورثه ثم عليه دائماً أن ينفق على نفسه وعلى زوجته وعلى أولاده.
أفلا ترون معي أن ما تأخذه البنت من تركة أبيها يبقى مدخراً لها لأيام النكبات وفقد المعيل من زوج أو أب أو أخ أو قريب! .. بينما يكون ما يأخذه الابن معرضاً للاستهلاك لمواجهة أعبائه المالية التي لا بد له من القيام بها!.
لقد وجهت مرة هذا السؤال على طلابي في الحقوق - وفيهم فتيان وفتيات - وأردفته بسؤال آخر: هل ترون مع ذلك أن الاسلام ظلم المرأة في الميراث أو انتقصها حقها أو نقص من كرامتها؟
أما الطلاب فقد أجابوا بلسان واحد: لقد حابى الاسلام المرأة على حسابنا نحن الرجال! .. وأما الفتيات فقد سكتن، ومنهن من اعترفن بأن الاسلام كان منصفاً كل الانصاف حين أعطى الانثى نصف نصيب الذكر! ...
إن الشرائع التي تعطي المرأة في الميراث مثل نصيب الرجل، ألزمتها بأعباء مثل أعبائه، وواجبات مالية مثل واجباته، لا جرم أن كان أعطاؤها مثل نصيبه في الميراث في هذه الحالة أمراً منطقياً ومعقولاً، أما أن نعفي المرأة من كل عبء مالي، ومن كل سعي للانفاق على نفسها وعلى أولادها، ونلزم الرجل وحده بذلك، ثم نعطيها مثل نصيبه في الميراث فهذا ليس أمراً منطقياً مقبولاً في شريعة العدالة!.
وقد يقال: لِم لَم يلزم الاسلام المرأة بالعمل ويكلفها من الأعباء بمثل ما كلف الرجل؟ وجوابنا على هذا سنسمعه في آخر هذه الأبحاث حين نناقش هذا الموضوع: هل من مصلحة الاسرة والمجتمع أن تكلف المرأة بالعمل لتنفق على نفسها، أو تسهم في الانفاق على نفسها، وعلى أولادها؟ أم أن تتفرغ لشؤون بيتها وأولادها؟
وحسبنا أن نقول الآن: أنه لا مجال للمطالبة بمساواة المرأة مع الرجل في الميراث إلا بعد مطالبتها بمساواتها في الأعباء والواجبات .. إنها فلسفة متكاملة، فلا بد من الأخذ بها كلها أو تركها كلها .. أما نحن كمسلمين فنرى أن فلسفة الاسلام في ذلك أصح، وأكثر منطقية، وأحرص على مصلحة الأسرة والمجتمع والمرأة ذاتها .. وفي تجارب الحضارة الحديثة التي سنذكر طرفاً منها ما يؤيد وجهة نظر الاسلام لمن أراد الحق خالصاً من الأهواء والرغبات العاطفية ..


وقبل أن أنتقل من بحث هذا الموضوع أرى من المفيد أن أتعرض لفائدتين تاريخيتين:

الأولى: ان نصارى جبل لبنان في عهد الحكم العثماني كان من أسباب نقمتهم عليه أنه أراد أن يطبق عليهم أحكام الشريعة الاسلامية فيما يتعلق بالميراث فقد غضبوا لأن الشريعة تعطي البنت نصيباً من الميراث يعادل نصف نصيب أخيها، وليس من عادتهم توريثها لأن ما تأخذه من المال يذهب الى زوجها، وقد ذكر هذا الأب بولس سعد في مقدمة كتابه "مختصر الشريعة" للمطران عبد الله قراعلي واليكم نص عبارته: "جاء في الرسالة التي أنفذها البطريرك يوسف حبيش الى رئيس مجمع نشر الايمان المقدس في 29 أيلول 1840 ما يلي: وأما الآن فمن حيث أن القضاة أخذوا يمشوا كلشي (كل شيء) في الجبل على موجب الشرائع الاسلامية فصار عمال يقع السجن والاضطهاد من هذا التغيير وبالأخص من جهة توريث البنات، لأن الشرائع الاسلامية تحدد أن كل بنتين ترثا بقدر ما يرث صبي واحد، ومن هنا واقع خصومات ومنازعات وشرور متفاقمة واضطرابات، من حيث أن العادة السابقة كانت سالكة في هذا الجبل عند الجمهور أغنياء وفقراء بأن الابنة ليس لها إلا جهاز معلوم بقيمة المثل من والديها، إلا اذا هم أوصوا بشيء خصوصي.
ومن سلوك القضاة الآن بخلاف ذلك صار الوالدين في اختباط حال جسيمة مضر بالأنفس والأجساد، من حيث أن الآباء لا يرتضوا بتوريث بناتهم حسب وضع الشريعة الاسلامية حذراً من تبذير أرزاقهم وخراب بيوتهم، ولذلك فيحتالون بأيام حياتهم أن يعطوا أرزاقهم لأولادهم الذكور بضروب الهبة والتمليك ليمنعوا عنهم دعوى البنات بعد موتهم".
ثم يقول البطريرك المذكور بعد أن شرح مالحق الآباء من الضرر في هبة أموالهم لأولادهم الذكور: "ومن حيث أن الشرور الناتجة من هذا النوع هي أثقل من باقي الأنواع كما لخصناه أعلاه، فمستبين لنا ضروريا أن نسعى بترجيع توريث البنات والنساء للعادة السالفة، نعني أنهن لا يرثن على الذكور بل لهن الجهاز بقيمة المثل كما ذكرنا أعلاه، ليحصل الهدوء بذلك، وتنقطع أسباب الشرور الخ. 1 هـ. ص 25.

الثانية: إن البلاد السكندنافية لا تزال بعضها حتى الآن تميز الذكرعلى الأنثى في الميراث فتعطيه أكثر منها، برغم تساويهما في الواجبات والأعباء المالية (2).



3 - دية المرأة:

جعلت الشريعة دية المرأة التي قتلت خطأ أو التي لم يستوجب قاتلها عقوبة القصاص لعدم استيفاء شروطه، بما يعادل نصف دية الرجل.

وقد يبدو هذا غريباً بعد أن قرر الإسلام مساواتها بالرجل في الانسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية.
غير أن الأمر لا علاقة له بهذه المبادئ وإنما هو ذو علاقة وثيقة بالضرر الذي ينشأ للأسرة عن مقتل كل من الرجل والمرأة.
إن القتل العمد يوجب القصاص من القاتل، سواء كان المقتول رجلاً أو امرأة، وسواء كان القاتل رجلاً أو امرأة.
وهذا لأننا في القصاص نريد أن نقتص من انسان لانسان، والرجل والمرأة متساويان في الانسانية.
أما في القتل الخطأ وما أشبهه، فليس أمامنا إلا التعويض المالي والعقوبة بالسجن أو نحوه، والتعويض المالي يجب أن تراعى فيه - كما هو من مبادئه المقررة - الخسارة المالية قلة وكثرة. فهل خسارة الأسرة بالرجل كخسارتها بالمرأة؟
إن الأولاد الذين قتل أبوهم خطأ. والزوجة التي قتل زوجها خطأ، قد فقدوا معيلهم الذي كان يقوم بالانفاق عليهم والسعي في سبيل اعاشتهم.
أما الأولاد الذين قتلت أمهم خطأ، والزوج الذي قتلت زوجته خطأ، فهم لم يفقدوا فيها إلا ناحية معنوية لا يمكن أن يكون المال تعويضاً عنها.
إن الدية ليست تقديراً لقيمة الانسانية في القتيل، وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده، وهذا هو الأساس الذي لا يماري فيه أحد.
ومما يؤكد هذا المعنى أن قوانينا الحاضرة جعلت للدية حداً أعلى وحداً أدنى، وتركت للقاضي تقدير الدية بما لا يقل عن الأدنى ولا يزيد عن الأعلى، وما ذلك إلا لتفسح المجال لتقدير الاضرار التي لحقت بالأسرة من خسارتها بالقتيل، وهي تتفاوت بين كثير من الناس ممن يعملون ويكدحون، فكيف لا تتفاوت بين من يعمل وينفق على أسرته، وبين من لا يعمل ولا يكلف بالانفاق على أحد، بل كان ممن ينفق عليه؟
وأعود فأقول ان ذلك مرتبط أيضاً بفلسفة الاسلام في عدم تكليف المرأة بالكسب للانفاق على نفسها وعلى أولادها، رعاية لمصلحة الأسرة والمجتمع اما في المجتمعات التي تقوم فلسفتها على عدم اعفاء المرأة من العمل لتعيل نفسها وتسهم في الانفاق على بيتها واطفالها، فان من العدالة حينئذ أن تكون ديتها اذا قتلت معادلة على العموم لدية الرجل القتيل.


4 - رئاسة الدولة:

يحتم الاسلام أن تكون رئاسة الدولة العليا للرجل، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا النص يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا، لأنه ورد حين أبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفرس ولوا للرئاسة عليهم احدى بنات كسرى بعد موته، ولأن الولاية باطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالاجماع، بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم وأن تكون شاهدة، والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك، ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات، والقضاء ولاية.

فنص الحديث كما نفهمه صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا، ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسؤولية.
أما توليها غير ذلك من الوظائف فهذا ما سنعرض له في آخر هذه الأبحاث.
وهذا أيضاً مما لا علاقة له بموقف الاسلام من انسانية المرأة وكرامتها وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبحالة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية.
إن رئيس الدولة في الاسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هو قائد المجتمع ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج.
فهو الذي يعلن الحرب على الاعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة، إن كانت المصلحة فيهما، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة، عملا بقوله تعالى {وشاورهم في الأمر} ولكنه هو الذي يعلن قرارهم، ويرجح ما اختلفوا فيه، عملاً بقوله تعالى بعد ذلك: {فإذا عزمت فتوكل على الله}.
ورئيس الدولة في الاسلام يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، اذا اتسع وقته لذلك.
ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، وبخاصة ما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فان ذلك يقتضي من قوة الاعصاب، وتغليب العقل على العاطفة، والشجاعة في خوض المعارك، ورؤية الدماء، ما نحمد الله على أن المرأة ليست كذلك وإلا فقدت الحياة أجمل ما فيها من رحمة ووداعة وحنان.
وكل ما يقال غير هذا لا يخلو من مكابرة بالأمر المحسوس، واذا وجدت في التاريخ نساء قدن الجيوش، وخضن المعارك، فانهن من الندرة والقلة بجانب الرجال مالا يصح أن يتناسى معه طبيعة الجمهرة الغالبة من النساء في جميع عصور التاريخ وفي جميع الشعوب، ونحن حتى الآن لم نر في أكثر الدول تطرفاً في دفع المرأة الى كل ميادين الحياة من رضيت أن تتولى امرأة من نسائها وزارة الدفاع، أو رئاسة الأركان العامة لجيوشها، أو قيادة فيلق من فيالقها، أو قطع حربية من قطعاتها.
وليس ذلك مما يضر المرأة في شيء، فالحياة لا تقوم كلها على نمط واحد من العبوس والقوة والقسوة والغلظة، ولو كانت كذلك لكانت جحيما لا يطاق، ومن رحمة الله أن الله مزج قوة الرجل بحنان المرأة، وقسوته برحمتها، وشدته بلينها، وفي حنانها ورحمتها وانوثتها سر بقائها وسر سعادتها وسعادتنا.
أما خطبة الجمعة والامامة في الصلاة فلا ينكر أن العبادة في الديانات - وبخاصة في الاسلام - تقوم على الخشوع وخلو الذهن من كل ما يشغله، وليس مما يتفق مع ذلك أن تعظ الرجال امرأة أو تؤمهم في الصلاة.
على أن السبب الحقيقي في رأينا ليس هو الخطبة والامامة ولا حل المشكلات، وإنما هو ما تقتضيه رئاسة الدولة من رباطة الجأس، وتغليب المصلحة على العاطفة، والتفرغ التام لمعالجة قضايا الدولة، وهذا مما تنأى طبيعة المرأة ورسالتها عنه.



الخلاصة:

والخلاصة أن الاسلام بعد أن أعلن موقفه الصريح من انسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر الى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة، أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا. كما أسقط عنها - لذات الغرض - بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة "ووجوب الاحرام في الحج، والجهاد في غير أوقات النفير العام، وغير ذلك، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتها بالرجل في الانسانية والأهلية والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كل عصر، وفي كل أمة تخص بعض الناس ببعض الأحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الأهلية والكرامة.





حقائق يحسن أن نذكرها:

من هذا الاستعراض السريع الشامل لموقف الاسلام من المرأة، ومبادئه العامة التي أعلنها في كل ما يتعلق بحقوقها وكرامتها، نستطيع أن نستخلص الحقائق التالية:


أولاً: إن موقف الاسلام من المرأة كان ثورة على المعتقدات والآراء السائدة في عصره وقبل عصره من حيث الشك بانسانيتها.
ثانياً: إنه كان ثورة على المعتقدات السائدة قديماً ولا تزال سائدة عند اتباع بعض الديانات والطوائف الشرقية من أنها غير جديرة بتلقي الدين ودخول الجنة مع زمرة المؤمنين الصالحين.
ثالثاً: إنه كان ثورة على المعتقدات والتقاليد السائدة من عدم احترامها الاحترام الحقيقي اللائق بكرامتها الانسانية.
رابعاً: إنه كان تقدما فكريا انسانياً قبل الحضارة الغربية الحديثة باثني عشر قرنا على الأقل في الاعتراف بأهلية المرأة كاملة غير منقوصة.
وحسبنا أن نعلم أن أسباب الحجر في التشريع الاسلامي هي: الصغر، والجنون، بينما هي في القانون الروماني، وفي القانون الفرنسي حتى عام 1938 ثلاثة: الصغر، والجنون، والأنوثة.
ولما عدل القانون الفرنسي في عام 1938 لرفع القيود عن أهلية المرأة بقيت أهليتها مقيدة بقيود قانونية وقيود ناشئة عن نظام الأموال المشتركة بين الزوجين.
فمن القيود القانونية عدم جواز ممارسة المرأة الفرنسية احدى المهن بدون إجازة من زوجها.
ومن القيود المنبثقة عن نظام الاشتراك بالأموال أن المرأة الفرنسية المتزوجة لا يمكنها أن تتصرف بأموالها الخاصة، ويجب عليها أن تحتفظ بحق الانتفاع للزوج، ولا يمكنها أن تتصرف بالرقبة إلا بإجازة الزوج، وإذن المحكمة وحده لا يكفي (3).



وإذا قورنت هذه القيود على أهلية المرأة الفرنسية، بالأهلية الكاملة التي تتمتع بها المرأة المسلمة منذ أربعة عشر قرنا، والتي لا تعرف مثيلاً لقيود المرأة الفرنسية المعاصرة أدركنا أي سبق حققه الاسلام في ميدان التشريع الانساني بالنسبة لحقوق المرأة وأهليتها، وأدركنا بذلك مغزى ما يشعر به المتشرعون الفرنسيون من ألم بسبب نقصان أهلية المرأة الفرنسية حتى الآن، حتى قال وزير العدلية الفرنسية السابق "ره نولد" ان حلم المرأة الفرنسية وأملها لم يتحققا الى الآن (4).
خامساً: إن التشريع الاسلامي كان انساني النزعة والعدالة، حين قرر للمرأة حقوقها دون ثورة النساء ومؤامراتهن، بينما لم تحصل المرأة الفرنسية على حقوقها إلا بعد ثورات ومؤامرات واضطرابات، وكانت تنتزع حقوقها بالتدريج شيئاً بعد شيء، بينما سلم الاسلام لها بحقوقها دفعة واحدة طائعاً مختاراً.
سادساً: كان التشريع الاسلامي نبيل الغاية والهدف حين أعطى المرأة حقوقها من غير تملق لها أو استغلال لأنوثتها، ففي الحضارتين اليونانية والرومانية وفي الحضارة الغربية الحديثة، سمح لها بالخروج وغشيان المجتمعات للاستمتاع بأنوثتها، لا اعترافاً بحقوقها وكرامتها بدليل موقف هذه الحضارات من أهليتها الحقوقية.
بينما كان الاسلام على العكس من ذلك، فقد قرر لها كل ما تتم به كرامتها الحقيقية من حيث الأهلية القانونية والمالية، وحد من نطاق اختلاطها بالرجال وغشيانها المجتمعات، لمصلحة الأسرة والمجتمع، ولصيانة كرامتها من الابتذال وأنوثتها من الاستغلال.
سابعاً: إن التشريع الاسلامي بعد أن أعطاها حقوقها، وأعلن كرامتها راعى في كل ما رغب اليها من عمل، وما وجهها اليه من سلوك. ان يكون ذلك منسجما مع فطرتها وطبيعتها، وأن لا يرهقها من أمرها عسراً.
ولنضرب لذلك مثلاً، فهو قد أجاز لها البيع والشراء وشتى أنواع المعاملات وصحح ذلك منها، واعتبرها كاملة الأهلية في كل هذه التصرفات، لكنه رغب اليها أن لا تباشر ذلك إلا عند الضرورة، وأفهمها أن الخير لها ولأسرتها ولمجتمعها أن تتفرغ لأداء رسالتها التي لا تقل ارهاقاً عن ارهاق العمل الحر وهي في الواقع تفوقه قدسية وشرفاً، وهو أدل على انسانيتها وكرامتها من مزاولتها العمل خارج البيت لتأكل وتعيش، إن الاسلام كان في هذا الموقف جد حكيم ومعتدل، فلا هو منعها أهلية العمل خارج بيتها كما كان شأن الشرائع قبله، وشأن الأمم كلها حتى العصر القريب، ولا هو حرضها على هجر البيت وزين لها مزاحمة الرجل وترك شؤون الأسرة كما هو شأن الحضارة الحديثة. ولا ريب أن هذا صنع الهِ حكيم وتشريع عليم خبير.
ثامناً: ونتيجة لهذا كله يحق للمرأة المسلمة بوجه عام، والمرأة العربية بوجه خاص أن تفاخر جميع نساء العالم بسبق تشريعاتها وحضارتها جميع شرائع العالم وحضاراته الى تقرير حقوقها، والاعتراف بكرامتها، اعترافاً انسانياً نبيلاً لا يشوبه غرض ولا هوى، ولا يدفع اليه قسر ولا ضرورة.




وضع المرأة المسلمة عبر التاريخ

في عصور الازدهار:

على ضوء هذه المبادئ الاصلاحية الجذرية التي أعلنها الاسلام، قام في الدنيا لأول مرة مجتمع تحترم فيه المرأة كانسان كامل الأهلية وتلاقي من المجتمع الاحترام اللائق بها كزوجة وأم صانعة للأبطال والعظماء، وتصان سمعتها عن اللغط وأقاويل السوء، بعدم اختلاطها المشبوه مع الرجال إلا في أماكن العبادة، ومجالس العلم، ومعارك التحرير، وفي هذه الأماكن كانت لها مجالسها الخاصة بها، ولباسها المحتشم، ووقارها المتدين، فما كانت تتعلق بها الأعين، ولا تتطلع اليها النفوس، بل اذا كانت مرت تُغضُ الأبصار حياء، واذا جلست تنصرف الوجوه عنها احتراما، وإذا حاربت تخفق لها القلوب إبكاراً وتقديراً.
وتقررت مبادئ الاسلام نحوها في الفقه الاسلامي على اختلاف مذاهبه وأصبحت مبادئ مسلّماً بها في جميع العصور، لأنها مبادئ صريحة واضحة في كتاب الله، وسنة رسوله، وعمل الرسول وصحابته والتابعين من بعده.


في عصور الانحطاط:

ثم أتى على المرأة عصور متباينة من حيث الرعاية او الاهمال، نتيجة لتطور الحضارة الاسلامية، وعادات البلاد الاسلامية المتباينة، حتى انتهى الأمر بالمرأة في عصور الانحطاط إلى اهمالها اهمالاً تاماً، والتجاوز الواقعي على كثير من حقوقها، مما جعلها معطلة عن أداء رسالتها الاجتماعية التي حملها إياها الاسلام.

وينبغي أن نلاحظ أنه في هذه العصور المظلمة بقيت حقيقتان قائمتان:


أولاهما: أن حقوقها التي قررها الاسلام ظلت مقررة في كتب الفقهاء، برغم أن المجتمع لم يكن ينفذ منها كثيراً، وهذا عائد الى أن الحقوق التي اكتسبتها، المرأة المسلمة في الاسلام لم تكن حقوقاً أوحت بها ظروف اجتماعية طارئة ثم زالت، وإنما كانت حقوقاً ثابتة جاء بها تشريع إلهي خالد لا يستطيع أحد مهما علا شأنه في المجتمع أن يناله بالتغيير والتبديل.

ثانيهما: إن عفتها وسمعتها العطرة وقيامها بواجبها الاسروي ظلت مستمرة خلال هذه العصور تقريباً، برغم جميع الاضطرابات والانحرافات التي أصابت المجتمع الاسلامي في عصور الانحطاط. وهذا ما جعل المرأة المسلمة محل غبطة شديدة، وتنويه كبير من الكتاب الغربيين الذين أخذوا منذ مطلع الاستعمار الغربي يتصلون بالمسلمين ويتحرون الحقائق عنهم.

ومن الحق أن نشهد بأن الأوساط غير الاسلامية في بلاد المسلمين استفادت من تقاليد المجتمع الاسلامي في صيانة عفة المرأة والابتعاد عن العبث بها سمعة مشرفة أيضاً، بالنسبة الى المرأة الغربية وإن كانتا تتبعان ديناً واحداً، وهذا ما نشاهده في الأسر المسيحية العريقة برغم ما أصابنا وأصابهم من عدوى التقاليد والأخلاق والعادات الغربية.




المرأة بين الفقه والقانون (ص13 إلى 40)
من أراد تنزيل الكتاب:
http://waqfeya.com/book.php?bid=6943


____________________________________________________

(1) انظر في: المدخل الى تاريخ الحقوق الرومانية للدكتور معروف الدوالبي والمرأة عند اليونان، والمرأة عند الرومان للدكتور محمود سلام زناتي.
(2) الزواج: لزهدي يكن: 93.
(3) الزواج لزهدي يكن: 224.
(4) المصدر السابق: 226.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق