الأربعاء، 17 فبراير، 2016

قصة باكستان




للشيخ الأديب علي الطنطاوي
ذكريات 5/ 261 إلى 274









وصلنا باكستان واستقلالُها وليد جديد لم يبلغ عمره سبع سنين، وُلد لأمه على كبر بعدما عاشت في الاستعمار عمراً يشيخ في مثله الأطفال.

ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم إنني لم أسمع بكلمة الاستقلال، ولم يسمع بها أحد من أهل بلدي، قبل دخول الشريف فيصل بن الحسين دمشق سنة 1918، وكنت في آخر الدراسة الابتدائية. ذلك أن الاستقلال لا يكون إلاّ بعد الاستعمار، والاستعمار لا يكون إلاّ باستيلاء الأجنبي الكافر على البلد المسلم. وقد نشأنا في ظلّ الراية العثمانية، والدولة العثمانية قامت بالإسلام وعملت للإسلام، وكان ملوكها الأوّلون من خيار الحاكمين في تاريخ الإسلام، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، وتركوا دعوة الإسلام لدعوات ما أنزل الله بها من سلطان، فضاعوا وأضاعوا بلادهم وأضاعونا معهم.

ولكن كيف تمكّن الاستعمار الإنكليزي من الهند؟ والهند قارة كبيرة والإنكليز -إذا قيسوا بأهلها- قِلّة قليلة؟ كيف تمكّنوا منها حتى جعلوها جوهرة تاج مُلكهم وأغلى ممتلكاتهم، وبنوا فيها بناءَ من يعيش فيها أبداً لا من يظنّ أنه سيخرج منها غداً؟ ما كنّا نظنّ ولا يظنّ أحد (مهما حسن به الظنّ واتسع له أفق التفاؤل وزاد به الأمل) أنه سيرى الإنكليز خارجين من الهند. لقد حسبوا -كما يحسب خنازير البشر الإسرائيليون الآن- أنهم باقون فيها إلى الأبد وأنهم مانعتهم حصونهم من الله، ونسوا أنه لا يمتنع على قدَر الله أحد.


الهند وكندا وأخواتهما، التي سرقَتها إنكلترا من أصحابها وضمّتها إلى أملاكها، هي التي جعلَت منها بريطانيا العظمى. وإلا فما بريطانيا؟ إن سكوتلندا تتبرّأ منها وأيرلندا كانت ولا تزال حرباً عليها، حتى ويلز ليست منها ولا شعبها شعبها ولا لسانها لسانها. فهل بقي إلاّ لندن وبقعة من الأرض صغيرة من حولها؟


حتى هذه، حتى الإنكلو والسكسون، التي دُعيَت نسبة لها إنكلترا (أي أرض الإنكل) هما قبيلتان جرمانيّتان استولتا على هذه الأرض بلا حقّ مشروع ولا نصر مؤزّر، بل بأسلوب هو أقرب إلى الحيلة والغدر. فما هي إنكلترا؟ وكيف ملكَت الهند؟ ضفدعة تلتهم ثوراً! لقد قالوا قديماً: إن للضفادع مثل صوت البقر ولكنها لا تجرّ المحراث.


كيف استعمرَت الهند؟ هل تعرفون كيف ملكت الهند وكيف سيطرَت عليها؟ لقد كان ذلك كما يسيطر المرض على الجسم، المرض الذي يصرع البطل القوي حتى يلقيه جسداً بلا حراك. بل الذي يصرع الفيل والأسد إن استطاعت جرثومته (جرثومة الشيء:أصله) الدخول إلى جسم الأسد والفيل. وما جرثومته؟ إنها حيوان أصغر من أن يُلمَس باليد وأدقّ من أن يُرى بالعين، لو اجتمع منه مئة مليون، أو ألف مليون، بعدد سُكّان الصين، لقضت عليها كلّها نقطة واحدة من الغَوْل (الإسبيرتو) أو من أي سائل مطهّر.


بدأ الاستعمار الإنكليزي بمخزن صغير، بدُكّان جاؤوا صاغرين يستأذنون إمبراطور الهند المسلم بافتتاحها! فما زالت هذه الدكان تتّسع، وتتّسع، وتتّسع، حتى وصلَت جدرانها إلى حدود الهند فإذا البلاد كلها قد دخلت فيها.



إن الراية الإسلامية انطوت بعدما ظلّلَت الهندَ أكثر من ثمانمئة سنة. إن للإسلام في الهند أندلساً كبرى يقف المسلم في آثارها، في دهلي ولكنَوْ وعليغار وهاتيك الديار ... على المساجد التي لم يعُد يسيطر عليها أهلوها، على القلاع التي خلت من جنودها، على العروش التي غاب عنها أصحابها، على الآثار الإسلامية الضخمة، على مسجد قبّة الإسلام (الذي يدعونه مسجد قوّة الإسلام)، على منارة قطب، على القلعة الحمراء، على المسجد الجامع ... وكل ذلك في دهلي، على تاج محلّ القريبة من دهلي، يقف المسلم على ذلك فيحسّ أنه يعصر قلبه دموعاً ويزلزل جوانحه أسىً.


لن أطيل عليكم الكلام ولن أنقل لكم نصوصاً ولا أروي تاريخاً، بل أعرض عليكم خلاصة لما بقي في ذهني بعد أن زرت الهند وقرأت تاريخها.


هذه القارة التي يعيش فيها خُمس سكان الأرض والتي تحوي من الأديان واللغات ضعف ما في أوربّا كلها وأميركا، قارة الهند، بلد الماضي البعيد الحافل بالأحداث، بلد الحضارات والمجد التالد، بلد العجائب والغرائب ... لقد فتحناها ثلاث مرات: مرة على يد القائد العربي الشابّ محمد بن القاسم، ومرة على يد الملك الأفغاني السلطان محمود الغَزْنَوَي، والثالثة على يد الفاتح المغولي المسلم بابر حفيد تيمورلنك (أي تيمور الأعرج).


دخلها ابن القاسم من موضع كراتشي، ودخل مَن بعده من ممرّ خيبر، بالقرب من بيشاور في الشمال. وقد عرفتم (إن كنتم لا تزالون تذكرون) ما تحدّثت به عن أورانك زيب وما كتبته عنه في كتابي «رجال من التاريخ»، هذا الملك الصالح المصلح التقيّ المجاهد، الذي حكم الهند كلها إلاّ قليلاً، وكان سيدها الأكبر، لا أمر فوق أمره ولا إرادة مع إرادته، إلاّ إرادة الله التي يخضع لها كلّ شيء. في عهد هذا الملك العظيم تبدأ الحكاية:
في عهد هذا الملك سنة 1606 للميلاد استأذن عليه سفير الإنكليز، هوكنز. فلما أذن له دخل خاضعاً خاشعاً وانحنى وحيّا وطلب من مكارم الملك وأفضاله الإذن لشركة إنكليزية اسمها «الشركة الشرقية» بأن تفتح مركزاً تجارياً (أي دُكّاناً) في ميناء سورت في مقاطعة كُجُرات. ولم يجد الملك مانعاً من إجابة الطلب فأذن له بافتتاحه.



ولم يدرِ، وأنّى له أن يدري، أنه لم يأذن بفتح دُكّان للتجارة ولكنْ أَذِنَ بفتح الباب للاستعمار وللفساد وللخسارة. وكيف كان يعرف ما عرفناه نحن اليوم من أن الاستعمار في آسيا وإفريقيا إنما بدأ كلّه بدُكّان، بمركز تجاري يُفتَح، ثم يحشد فيه الرجال، ثم تكون له الفروع، ثم تتحوّل هذه الفروع إلى لجان إحصاء واستطلاع (أو هي بالاسم الصريح جمعيات تجسّس ومواطن إفساد)، ثم تصير قلاع حرب علينا، ثم تكون قصور حكم فينا.


وهذا الذي كان.

فتح الإنكليز هذا المركز، وسكتوا. سكتوا سبع سنين ينسجون القيود لنا من وراء الستار، لا يجرؤون أن يُظهِروها لأن الحكم بيد من حديد، هي يد السلطان المسلم السلطان أورانك زيب. حتى إذا مضت السنون السبع وذهب الملك القوي، أقبلوا مرة أخرى يسألون ويستأذنون صاغرين بفتح مراكز جديدة في بلاد اختاروها، فأُذِن لهم. وما زالت هذه المراكز تزداد وتمتدّ، كما يمتدّ المرض الذي ينتشر في الجسم ولا يدلّ عليه ألم ولا ينبّه إليه هُزال، فلم تمضِ مئة وخمسون سنة حتى طوّقَت هذه المراكز البلاد، وصارت الشركة حكومة مستترة تقوم من وراء الحكومة الظاهرة.


عفواً، لقد نسيت أن أقول لكم إن هذه الدولة الإسلامية الضخمة قد تصدّعَت بعد موت الملك الصالح العظيم أورانك زيب (كما تصدّع مُلك صلاح الدين الأيوبي بعد موته) وأدركها مرض المسلمين في أكثر عصور تاريخهم، وهو الانقسام؛ فصارت الدولة الواحدة القوية دولاً صغاراً.


ذهب البطل العملاق وحلّ محلّه نفر من الغلمان المَهازيل. لذلك لم تأتِ سنة 1832 حتى أيقنَت الشركة أن هذه الحكومات الصغيرة لا يمكن أن تتّحد عليها ولا تستطيع واحدة منها أن تصمد لها وحدها، عندئذ رفعَت النقاب وسفرت عن وجهها القبيح، وبدأت ببعض المقاطعات الهندية فحكمتها حكماً مباشراً ظاهراً مدّة ربع قرن.



وهنا استيقظ المسلمون وتنبّهوا إلى الخطر الداهم، إلى النار الآكلة التي شبّت في ديارهم، وهي تمشي إليهم تريد أن تأتي على بنيانهم من القواعد، فاجتمعوا وتداولوا ثم قرّروا الجهاد. وفي صباح يوم الأحد 10 آذار (مارس) سنة 1857 بدأت الحرب قرب دهلي. الحرب التي يظلمها المؤرّخون الإنكليز ومَن ينقل عنهم بلا فهم من مؤلّفين فيسمّيها حركة عصيان، وما هي بالعصيان ولكنها الحرب الدفاعية المقدسة.


وكان يقودها ميرزا مغول ابن بهادر شاه، آخر إمبراطور مسلم في الهند، ولم يكن بقي له من الملك إلاّ اسمه! انضوى تحت رايته المسلمون جميعاً وقليل من الهنادك (الهندوس)، وأبدى المجاهدون من ألوان البطولات ما أدهش المؤرّخين. ولكنهم قوم يظلمون وتدفعهم مصلحة بلادهم إلى استحلال الكذب وتزوير التاريخ.


لم تنفع بطولات المجاهدين مع أسلحة الإنكليز الحديثة ومع دسائسهم المعروفة وتفريقهم بين المتّحدين، فقضوا على هذه النار بعد خمسة أشهر من اشتعالها. فلما هدأت وانطفأت أسرعوا بالانتقام، الانتقام الوحشي المروّع الذي لم يُسمَع بمثله عن جنكيز وهولاكو. هذا الانتقام قام به الإنكليز الذين يزعمون

أنهم أُمّة الحضارة وأهل الديمقراطية وأصحاب الدستور!


دمّروا دهلي المسلمة وقتلوا أهلها قتلاً عاماً، حتى غدت خرائب وأطلالاً وقد كانت أعظم بلاد الهند. وتتبّعوا المسلمين إلى القرى والدساكر يقتلونهم، وكانت تكفي إشارة من هندوسي إلى المسلم حتى يُعلَّق بغصن شجرة مشنوقاً أو يُذبَح بسكّين كما تُذبَح النعاج، وكان شيء لا يوصف.


ثم قبضوا على الإمبراطور فحبسوه، وعلى أمرائه ووُلاته وعلّقوا لهم المشانق في الطرق والساحات. أمّا الإمبراطور فتُرك بلا طعام وهو صابر، حتى إذا عضّه الجوع طلب ما يأكل ... أمسكوا يا أيها القُرّاء بقلوبكم، فإن ما سأعرضه عليكم من تاريخ الإنكليز المتحضّرين وما صنعوا مع الإمبراطور المسلم يصدع قلوب البشر ولو كانت من جلمد الصخر: جاؤوه بصحن كبير مُغطّى، فلما كشفه وجد رؤوس أبنائه الثلاثة قد قُطعت وهي تقطر دماً! وجاؤوه بها فوراً عندما طلب الطعام لتُقدَّم إليه حارّة. هذا الذي صنع الإنكليز المتحضرون! ثمّ شكّلوا خمس محاكم لمحاكمة من بقي من زعماء المسلمين والقضاء عليهم، محاكم سبقت في وحشيتها محاكم التفتيش في إسبانيا.



وعاد المسلمون بعد ذلك كلّه إلى الثورات وإلى الجهاد، سنة 1863 وسنة 1868، ولكن الله لم يكتب لهم النصر. وتفانى الزعماء والقادة ومضوا شهداء واحداً بعد الواحد، وأصاب عامّة المسلمين من هذه الصدمات مثلُ اليأس، فاستسلموا للأقدار وانزووا وتواروا، وانطووا على أنفسهم وابتعدوا عن الحكم بعد أن كانوا هم الحاكمين، وأخلوا المكان للهندوس الذين قرّبهم الإنكليز وأعطوهم الوظائف والولايات التي كانت للمسلمين وشجّعوهم على العلم والدرس والاطلاع على الثقافة الغربية. واستمرّ ذلك نحواً من أربعين سنة، كل سنة منها تزيد المسلمين ذبولاً وانطواء على أنفسهم وعزوفاً عن الحياة العامّة وبعداً عن غمار السياسة.


حتى قام أحمد خان ينبّه المسلمين ويذكّرهم بما كان لهم من سلطان. ولم يكن أحمد خان ماشياً على الطريق الإسلامي الصحيح، ولكن في نفسه غيرة وهِمّة، وكان يريد أن يعمل عملاً يرفع من شأن المسلمين، ولم يكن يريد طفرة ولا يدعو إلى ثورة، بل كان يدعو المسلمين أن يُقبِلوا -مثلما أقبل الهنادك- على الثقافة الغربية ويُتقِنوها ويدخلوا في غمار السياسة وفي وظائف الدولة.

وهو الذي وضع أساس جامعة عليكرة. ولست أريد أن أتقصّى حديث أحمد خان، فمَن شاء وجد خبره عند الأستاذ أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح»، ولا أن أُلِمّ بتاريخ المسلمين في الهند، فإنه تاريخ طويل لا يمكن أن تتّسع له هذه الذكريات وليس من صلب موضوعها، فمَن أراد أن يعرفه رجع إلى ما كُتب فيه، ومِن أقرب المراجع ما كتبه الأستاذ مسعود الندوي رحمة الله عليه، وما كتبه أخونا الحبيب الأستاذ أبو الحسن الندوي أحسن الله إليه وأطال عمره. ولكني أعرض عليكم حادثة تبيّن لكم الأخلاق العملية عند أحمد خان:
لمّا كان يطوف أرجاء الهند ليجمع المال لإنشاء الجامعة وفد على ولاية نَوّابها (أي واليها) مسلم، ولكنه معارض لمشروع الجامعة وكاره لأحمد خان، فسأله أن يشارك في هذا التبرع فوعده بأن يرسل إليه ما يقدر عليه. فلما عاد أحمد خان إلى بلده ومضت أيام جاءه في البريد صندوق صغير من هذا النَّوّاب، فحسب أن فيه هدية ثمينة أو مبلغاً من المال، فلما فتحه وجد فيه حذاء قديماً! أفتدرون ما الذي فعله أحمد خان؟ لم يُعلِن غضبه عليه ولم يردّ الحذاء إليه ولم يشهّر به بين الناس، ولكنه باع هذا الحذاء بقروش قليلة معدودة وبعث إليه سند إيصال بهذا المبلغ ومع الإيصال كلمة شكر. فاستحيا النَّوّاب وتبرع بخمسة وعشرين ألف ربّية للجامعة.


وكان أحمد خان يرى اتحاد المسلمين والهندوس في المطالبة بحقوق البلاد، وكان متحمّساً لذلك حتى أنشأ الهندوس «حزب المؤتمَر» سنة 1885، أي قبل قرن كامل، واتضح له ممّا بدا من سياسة الحزب وأعماله أنّ مصالح الفريقَين مختلفة لا يمكن أن تأتلف. وكيف يجتمع اثنان أحدهما يذبح البقرة ليأكلها، والثاني يقدّسها ويتبرّك بها ويتضمّخ بروثها ويتطيب ببولها؟! ورأى أنه لا يمكن الاتحاد إلاّ بفناء القِلّة المسلمة في الكثرة الهندوسية، فنبذ فكرة الاتحاد.


وتوالت الأحداث واتّسعَت شقّة الخلاف بين المسلمين الذين تنبّهوا قليلاً وبين الهندوس، وعاد إليهم بعض الثقة بأنفسهم، وجاءت سنة 1905 ميلادية وظهر الخلاف على أشدّه في البنغال التي يَعمُر شرقيّها (أي منطقة بنغلاديش اليوم) المسلمون ويسكن غربيّها الهندوس، واستجاب الإنكليز للواقع فقسموها إدارياً بين الطرفين.


وكانت تجرِبة موفّقة، حفظت للمسلمين بعض حقوقهم فيها وصانتها بعض الصيانة من الضياع. ويَعُدّ المؤرّخون سنة 1906 بداية اليقظة الحقيقية لمسلمي الهند بعدما ظلّوا مئة وخمسين سنة في حالة إغماء، أو شبه إغماء، من تلك الضربة التي انصبّت غدراً على رؤوسهم من الإنكليز.



في هذه السنة، 1906، تأسّسَت الرابطة الإسلامية لعموم مسلمي الهند، وألّفَت وفداً من ستّة وثلاثين زعيماً من زعماء المسلمين في أقطار الهند كلها للمطالبة بحقوقهم، وأوّلها الاحتفاظ بتقسيم البنغال الذي كان الهندوس يعملون على إلغائه، ووصلوا إلى ما كانوا يسعون إليه سنة 1911 فأُلغِي تقسيم البنغال.

والدنيا يا إخوان يومان: يوم لك ويوم عليك. وقد بدأ في تلك السنة (1911) اليوم الذي كان علينا، وكان يوماً طويلاً وكان صعباً أليماً، مال فيه الميزان واشتدّ علينا الزمان، ففي الهند كانت هذه النكسة، وطرابلس (ليبيا) هجم عليهم الطليان بلا حُجّة ولا برهان، بل كما تهجم الذئاب الجائعة على القرية الآمنة في الليل البهيم. وكان الاتحاديون (وأكثرهم مفسدون ملحدون) قد عزلوا السلطان عبد الحميد بعدما شوّهوا سيرته، فكذبوا عليه ونسبوا كل منقصة إليه، واستولوا على الدولة العثمانية فأضاعوا -بجهلهم وقلة حنكتهم وفساد نيّاتهم- بلاد البلقان التي كان يحكمها السلاطين من آل عثمان.


وهُتك الستار الذي كانت تختبئ وراءه أوربّا، وظهر للعيان أن الحروب الصليبية لم تنتهِ حملاتها ولم تَزُلْ من نفوس القوم الدوافع إليها، فإذا هي تتّحد علينا جميعاً في حرب البلقان، حتى إن إنكلترا نسيَت ما صنعت في الهند بالأمس القريب وبكت في اليونان بدموع التماسيح (إن صحّ أن التماسيح تبكي بالدموع)! وتحمّس أبناؤها للدفاع عن الحُرّية وعن العدالة. وما يريدون حُرّية ولا عدالة، وإنما هي عداوتهم للإسلام الذي كان يتمثّل في أنظارهم بدولة آل عثمان. وتطوّعوا للحرب مع اليونان، حتى وصلَت الحماسة إلى الشاعر الفاسق الذي عشق أخته. هل سمعتم بإنسان يهبط في درك البهيمية حتى يعشق أخته؟ ذلكم هو اللورد بيرون!

وقلب الإنكليز في الهند للمسلمين ظهر المِجَنّ، فسُجن الزعيمان المسلمان شوكت علي ومحمد علي وصودرَت صحف المسلمين، عندئذ أعلنت الرابطة الإسلامية غضبها على بريطانيا. وكانت هدنة عُقدت بينها وبين حزب المؤتمَر لمّا أعلنت الحرب سنة 1914، فلما انقضَت الحرب وقام غاندي بحركة العصيان السلميّ ... وقد مرّ علينا دهر كنّا نظنّ فيه غاندي من أبعد الناس عن التعصّب ومن أقربهم للمسلمين، فلما ذهبت إلى الهند ورأيت الحقائق من قرب علمت أنه أعدى علينا مِمّن يُظهِر منهم العداوة لنا، ولكنه يطعن بخنجر حادّ يمسكه بيد ناعمة تلبس قفّازاً من حرير. وسيأتي خبر ذلك.


لمّا قامت حرب 1914، وهي أفظع حرب شهدها تاريخ الإنسان إلى ذلك الزمان، أدخل الاتحاديون دولتهم فيها وما للدولة مصلحة في دخولها، وزادهم الله عَمَى في البصيرة وقِصَراً وضعفاً في البصر فضلّوا الطريق، فكانوا مع الجانب الذي كان عليهم -لو عقلوا- أن يجانبوه، كانوا مع الألمان. فلما انهزموا
وضاعوا ضاعوا معهم.


ثم جاء رجل منهم فأعلن الحرب على الإسلام جهاراً، الإسلام الذي جعل من قومه ملوكاً وسادة للقارّات الثلاث بعد أن كانوا بدواً رعاة بقر وشَاء، لا شأن لهم في الدنيا إلاّ أنهم يقاتلون فيحسنون القتال. وألقى بيده عن رأس قومه تاجَ الخلافة، فتلقّفه محمد علي وصحبُه في الهند وجعلوا الخلافة وإعادتها شعاراً لهم، فانضوى المسلمون إليهم. ولا يربط المسلمين دائماً شيء مثل الدين، وكل رابطة سواه مصيرها إلى التقطّع والانحلال.





وانتهت الزعامة الإسلامية إلى الذي يدعونه «القائد الأعظم»، وهو محمد علي جنّة (جناح)، واقترب تحقيق الحلم الذي كان اسمه باكستان. وهي كلمة جُمعت حروفها من أسماء الأقاليم الإسلامية هنا: البنجاب (ومعناها الأنهار الخمسة) وكشمير والسند. أما المعنى الحرفي لكلمة باكستان فهو «أرض الأطهار».

والأطهار حقاً هم المتمسّكون بالإسلام اعتقاداً وسلوكاً، قولاً وعملاً، يخلصون لله رجاء ثوابه ومخافة عقابه، لا يكون لهم فيما قضى الله فيه رأي ولا اختيار، فلا يفكرون في ترك واجب أوجبه الله ولا استحلال أمر حرّمه الله أو مخالفة ما في كتاب الله وما جاء به رسول الله. فهل كان القائد الأعظم وكان صحبه كذلك؟



أنا لا أقول شيئاً ولكن أسأل سؤالاً. هل كانوا مع الله يتبعون شرعه، ويسلكون طريقه، ولا يحيدون عنه، في خلواتهم وفي جلواتهم، في أنفسهم وفي أُسَرِهم وفيمن ولاّهم الله أمرهم من قومهم؟


أكثر القُرّاء يعرفون كيف قُسِّمت القارة الهندية بين المسلمين والهندوس: حيدر أباد التي كان يحكمها حاكم مسلم كان في أيامه أغنى رجل في الدنيا أُعطِيَت للهنادك، لأن العبرة -كما قالوا- ليست بدين الحاكم بل برغبة الشعب المحكوم. فلما جئنا إلى كشمير التي يسكنها شعب مسلم لا يريد إلا الإسلام، قالوا: لا، بل العبرة بدين الحاكم لا برأي الشعب! لأن كشمير كان حاكمها غير مسلم.


وقامت باكستان جسماً مقطَّع الأوصال، نصفٌ في الشرق ونصفٌ في الغرب، ودخلَت أيدي الأشرار بين القسمَين فلم تجمعهما ولكن ثبّتت تفريقهما.

ولو أن الدولة أُسِّست على التقوى من أول يوم، ولو أنها اتّبعَت شرع الله وطلبت النصر من الله، ولو لم يدركها الداء الذي أصابنا جميعاً، داء الثقة بغير الله واتباع أعداء الله واقتفاء خطواتهم والسير على أثرهم ... لو أن المسلمين جميعاً، لا باكستان وحدها، كانوا مع الله لكان الله معهم، ومن كان الله معه لم يضرّه عدو مهما كان كبيراً، لأن «الله أكبر».


ودعوني أقُل لكم كلمة أنا أعلم أنها ليست من صميم الذكريات، وأعلم أنها موعظة، والمواعظ شديدة على النفس تنفر منها وتأباها، ولكنني أردت أن أختم هذه الحلقة بها:

لقد عرفت كثيراً من الزعماء المسلمين الذين قاموا يحاربون الاستعمار والمستعمرين، ولكنهم يسلكون طريقهم ويفكّرون تفكيرهم ويعتادون عاداتهم، ولا يكاد جلّهم يتمسّك بما يدعو إليه الإسلام. فخبّروني: كيف يحارب الاستعمارَ مَن الاستعمارُ في رأسه فأفكارُه أفكار المستعمرين، والاستعمارُ في قلبه فهواه تَبَعٌ لهوى المستعمرين، والاستعمار في بيته وفي أسرته فسلوكه في البيت سلوك المستعمرين؟ إذا كنت لا أستطيع أن أتحرّر أنا منهم فكيف أحرّر بلادي من الاستعمار؟


والكلام لم يكمل، والحديث متصل إن شاء الله.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق