الخميس، 11 فبراير، 2016

لغتكم يا أيها العرب للشيخ الأديب علي الطنطاوي



أذيعت سنة 1957


كنت أقلب أمس أوراقاً لي قديمة وأنا قاعد أفكر في موضوع أتحدث فيه اليوم إليكم فوجدت عدداً قديماً مصفراً من جريدة (فتى العرب) من يوم كنت أعمل فيها مع الأستاذ معروف، رحمه الله، من قبل سبع وعشرين سنة، فيه مقالة لي من سلسلة (أحاديث ومشاهدات) التي كنت أنشرها في تلك الأيام، ففرحت به وعدت إليه أقرؤه، لأني فقدت مع الأسف أكثر ما كتبته وضاع مني، وكانت المقالة موجهة إلى مجلس المعارف الكبير وقد استهلت بخلاصة قصة (الدرس الأخير) لـ (الفونس دوده). يقص فيها على لسان صبي من الألزاس، كيف هرب من المدرسة، وأخذ طريق الحقول، ليقطع النهار في اللهو واللعب، ثم بدا له، فعدل عن هذا وذهب إلى المدرسة، فإذا هو يرى الناس يسرعون السير في الشوارع، مصفرة ألوانهم، تبدو عليهم أمارات الذعر والألم، وإذا هو يرى الأستاذ يذهب ويجيء في باحة المدرسة، قلقاً مضطرباً، وقد قعد بعض أهل القرية على مقاعد الصغار، واجمين شاخصين، فانسل إلى مكانه متحيراً لا يدري ما الخبر، وإذا بالأستاذ يعلو المنبر ويقول بصوت مرتجف ورنة حزينة كأنها رنة بكاء مكتوم:

أولادي. هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان (وكان ذلك في حرب السبعين) وصارت دروسكم باللغة الألمانية فلا فَرَنسية بعد اليوم.

وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فعاد يقول:

والآن: أصغوا لي لألقي عليكم (الدرس الأخير) باللغة الفرنسية وقم أنت يا فلان.

قال الصبي: فما سمعت اسمي حتى ارتجفت ووقفت ساكتاً، ولم أكن قد حفظت درسي، فقال لي الأستاذ:

اقعد، أنا لا أعنفك ولا أعاقبك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم وسلمتموها إلى عدوكم بإهمالكم لغتكم (من مقالتي في فتى العرب سنة 1930.).

...

وتركت الجريدة القديمة، ووقفت عند هذه الجملة، وقفت لأذكر ما تبذل أمم الأرض في العناية بلغاتها وما نصنع نحن العرب بلغتنا، وقفت لأذكُرَ كَمْ أسمع كل يوم من العبث باللغة والنحو والصرف، ورفع المنصوب، ونصب المرفوع، لا من التلاميذ الصغار وحدهم، ولا من الناشئة التي قد تعذر إن لحنت على لحنها. بل من السياسيين والمحامين والمدرسين، في البرلمان وفي المحكمة وفي المدرسة، بل إني لأسمع اللحن من أفواه الأدباء وأقرؤه في كتبهم، المجلات مملوءة باللحن، والقصص المطبوعة مملوءة باللحن، والكتب الجديدة مملوءة باللحن، وفي كل مكان لحن ظاهر، يتأدب به الصغير، وينشأ عليه الناشئ. وممن سمَّاهم الناس أدباء وشعراء من لا ستطيع أن يكتب صفحة واحدة صحيحة، ولا يقدر أن يقيم لسانه في صفحة واحدة. لقد فشا اللحن، وانتشر الجهل، وعم الضعف، وفقدت العربية المدافع والمحامي.

ولقد قلت لكم إن اللغة الإنكليزية (مثلًا) فيها حروف تكتب ولا تقرأ، وحروف تقرأ وهي غير مكتوبة، وحروف تقرأ مرة شيئاً، ومرة شيئاً آخر، ولا بد لكل طالب لهذه اللغة من أن يتعلم كيف يكتب كل كلمة فيها ثم يتعلم كيف تلفظ، وهي بعدُ لغةٌ سماعية، لايطَّرد فيها قياس، ولا تعرف لها قاعدة، ومخارج حروفها عجيبة، وألسنة أهلها ملتوية، ثم إنها لغة ليس لها نسب ثابت، ولا أصل معروف، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلام الإنكليز في عصر المعري والشريف الرضي، فضلاً عن عصر امراء القيس وزهير. وألفاظها لُمامَة من الطرق، من كل لغة كلمة، ففيها كلمات ألمانية وكلمات فَرنسية وكلمات من العربية.

وهي على هذا الضعف، وعلى هذا العجز، وهذه المعايب كلها، قد سمت بها هِمَم أهلها، حتى فرضوها على ربع أهل الأرض، وأنطقوهم بها. ولغتنا العربية، وهي أكمل لغات البشر، وأجودها مخارج، وأضبطها قواعد، ذات القياس المطرد، والأوزان المعروفة، قد أضاعها أهلوها وأهملوها، لم يكفهم أن قعدوا عن نشرها وتعليمها الناس كما فعل أجدادهم من قبل، بل هم قد تنكروا لها، وأعرضوا عنها، وجهلها حتى كثير ممن يدرسها، وجهلها حتى كثير ممن يدعون الأدب فيها، وأين اليوم من أدباء العربية كلهم من يروي من الشعر مثل رواية الشنقيطي؟ أو يعرف من علوم العربية مثل معرفة حمزة فتح الله؟ أو يتذوقها ويكتب فيها مثل كتابة الرافعي؟ أويحفظ من نوادر نصوصها مثل حفظ النشاشيبي؟ وإذا ولَّى غداً (بعد عمر طويل) هؤلاء النفر من أدباء مصر وكتابها، فمن يبقى المرجع في اللغة وعلومها؟.

العربية في خطر يا أيها العرب، العربية في خطر يا من يعتز بالقومية، إن اللغة هي ركن القومية الركين ولقد عملت في بناء حضارتنا عوامل مختلفات منذ عهد العباسيين، ودخلت فيها (في الفكر وفي العادات)، عناصر أجنبية يونانية وفارسية وهندية، ولكن بقي الدين إسلامياً خالصاً، وبقيت اللغة عربية خالصة، فملكنا نحن هذا كلَّه ولم يملكنا وكان من أبناء هذه الشعوب غير العربية، علماء في ديننا، وأئمة في لغتنا وأدباء: شعراء وكتاب، في لساننا، ولم يخل عصر من العصور، من أئمة في اللغة وحفظة لها من عصور الانحطاط، التي توالت علينا منذ القرن الثامن الهجري إلى أن أشرق فجر النهضة الجديدة. وفي هذه العصور ألفت أكبر المعاجم اللغوية، (لسان العرب) و (شرح القاموس) وهذه أول مرة تتعرض فيها العربية إلى هذا الخطر، وهو أن تفقد الإمام اللغوي. ومن ظن أني أتشاءم أو أبالغ، فإني أعود فأساله أن يدلني على إمام في العربية ضليع فيها، يخلف هؤلاء النفر الباقين من شيوخ الأدب في مصر؟

لقد كدنا نجهل لغتنا ومن شك فليمتحن نفسه، فليفتح لسان العرب وليقرأ فيه عشرة أبيات متتابعة من شواهده، من أي صفحة شاء، فإن فهمها كلها، واستطاع أن يشرحها، أو فهم نصفها أو ربعها واستطاع أن يشرحه، فأنا المخطئ ومن يرد علي هو المصيب.

أنا لا أطلب أن يكون فينا من يؤلف مثل الكامل وأدب الكاتب والأمالي، بل أطلب أن يكون فينا من يقرؤها بلا لحن، ويفهم ما فيها بلا شرح.

إن اللغة العربية معجزة الذهن البشري، وأعجوبة التاريخ في عصوره كلها، وإذا كان التاريخ يذكر ولادة كل لغة، ويعرف مراحل نموها، ومدارج اكتمالها، فإن العربية أقدم قدماً من التاريخ نفسه فلا يعرفها إلا كاملة النمو، بالغة النضج. فمتى ولدت؟ ومتى كانت طفولتها؟ ومتى تدرجت في طريق الكمال حتى وصلت إلينا كاملة مكملة لم تحتج إلى تبديل أو تعديل؟ بل لقد أمدت بما زاد عنها من ألفاظها أكثر لغات الأرض. ففي كل لغة منها أثر.

هل في الدنيا لغة يستطيع أهلها اليوم أن يقرؤوا شعرها الذي قيل من أربعة عشر قرناً فيفهموه ويلذّوه كأنه قيل اليوم؟ هل في الدنيا لغة يستطيع أستاذ الطب في الجامعة وأستاذ الطبيعة، وأستاذ الفلسفة، أن يجد في ألفاظها التي كانت مستعملة قبل أربعة عشر قرناً ما يفي بحاجته اليوم، في قرن العشرين؟ أفليس حراماً أن نضيع هذه اللغة الأصيلة العظيمة، ويفرض الإنكليز لغتهم التي لا أصل لها على ربع العالم؟ أليس حراماً أن نهملها حتى يجهلها منا المتعلمون وأهل اللَّسَن والبيان ويلحنوا فيها؟ أليس حراماً أن يكون فينا من الخوارج على لغتنا من ينصر العامية المسيخة أو يكتب بها؟ أليس حراما أن تسير على ألسنتنا مئات الألفاظ الأعجمية الفرنسية والإنكليزية ننطق بها تظرفاً أو تحذلقاً وعندنا عشرات الألفاظ التي ترادفها وتقوم مقامها؟

فيا أيها العرب لغتَكم. لغتَكم يا أيها العرب، تعلموها وحافظوا عليها وانشروها.

إن أمامكم اليوم فرصة لنشر العربية إذا أضعتموها لم تلقوا مثلها خلال ألف سنة. فرصة تستطيعون أن تكسبوا بها ثمانين مليوناً آخر يتكلمون العربية ويتخذونها لسانهم.


تقولون: أين هذه الفرصة؟

في باكستان يا سادة، في باكستان والهند.

إن نصف الباكستانيين في باكستان الغربية، ونصفهم في باكستان الشرقية، واللغة هنا الأوردية، وهناك البنغالية. والأوردية أكثر ألفاظها عربية وفارسية وتكتب بالحروف العربية، والبنغالية أكثر ألفاظها هندية وتكتب بالحروف السنسكريتية، ولا يمكن اتخاذ واحدة منهما لغة رسمية. ولا بد من اتخاذ إحدى اللغتين لغة رسمية: العربية أو الإنكليزية.

ولقد كنت هناك عند وضع الدستور. وكنت أرى هذا الجدال على اختيار إحدى اللغتين وكنت أخشى أن تضيع الفرصة، ولقد كتبت إلى الحكومات العربية وإلى الهيئات العربية، وأخجل أن أقول إني لم أجد مجيباً.

وقد أجلت المسألة ولم تضع الفرصة. فهل نعود فنستفيد منها؟.

إن إقبال الباكستانيين على العربية لا يمكن أن يصوره لساني، لأنهم يرون فيها لغة القرآن، ولأنهم يتعلمونها ديانة وتقرباً إلى الله. ولقد درت على المدارس التي افتتحتها المفوضية السورية في كراتشي فرأيت فيها العجب، عشرون مدرسة يا سادة، في كل واحدة نحو مئة طالب، منهم الصبي ابن العشر، والشيخ ابن السبعين، إي والله وهم يتعلمون العربية نطقاً وقراءة، العربية الفصحى، خلال شهور. خلال شهور معدودات وكل هذا يقوم به أربعة مدرسين أوفدتهم وزارة المعارف، وقد افتتح قبل سفري من كراتشي، معهد لتخريج معلمين ومعلمات للعربية وقد خطبت في حفلة افتتاحه أنا والصديق الجليل عبد الوهاب عزام سفير مصر (رحمه الله) وقلت لهم: إننا نعلمكم العربية اليوم، ولكنا سنعود فنتعلمها منكم، كما تعلمناها قبل من الزمخشري ومن سيبويه ومن الصاغاني الهندي، ومن الزبيدي الهندي شارح القاموس.

أربعة مدرسين قاموا بهذا كله، فلو أن كل حكومة عربية أوفدت مئة مدرس، لكسبت العربية ثمانين مليوناً ناطقاً بها. وليس القوم هناك بالغرباء عن العربية، فهم يقرؤون القرآن، وثلث لغتهم كلمات عربية، وهم يقرؤون الكتابة العربية، لأنهم يكتبون في باكستان الغربية بها، وفي الهند علماء في العربية أجلاء، في معهد ديوبند وفي لكنو، والعلماء المسلمون في كل مكان يعرفون العربية.

وهذا سر من أسرار القرآن.

فما لنا نضيع هذه الفرص كلها؟.

ما لنا نهمل لغتنا وهي أكمل اللغات وأشرفها، وهي أوسعها، وهي أبلغها.

فيا أيها العرب ..

عودوا إلى العربية فتعلموها وحافظوا عليها، وانشروها وأخلصوا لها، فإن من العار علينا أن تكون لنا هذه اللغة ونضيعها، من العار علينا أن يصل هذا الكنز إلى أيدينا وأن نفرط فيه.

يا أيها العرب لغتَكم، لغتَكم يا أيها العرب.

_______________________________________________

فكر ومباحث 7 إلى 12

هنا الكتب مصور:-

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق