الأربعاء، 10 فبراير 2016

دهلي (الفردوس الإسلامي المفقود)



يا سيد «ع. س»، ولست أدري أهذه حروف من أوائل اسمك أم حروف أقمتَها تختفي وراءها، ولا أبالي أهذا الذي كان أم ذاك: إنها دهلي كما كتبتُ لا دلهي كما يقول الناس. ولقد زرتها وبقيت فيها أمداً، وجُلتُ في شوارعها وحاراتها، ولقيت من رجالها وعلمائها، وقرأت الكثير عنها. وكان الحديث سيصل إليها، ولكن رسالتك التي أرسلتها واعتراضك الذي أبديته جعلني أستأذن القُرّاء فأبدأ بالحديث عنها.

إنها المدينة التي لبثَت ثمانمئة سنة وهي دارة الإسلام وسدة الملوك المسلمين الذين ملؤوا الهند مصانع وآثاراً، وأترعوها مساجد ومدارس وقباباً، والتي أقاموا فيها صرح مجد أرسوه على جذور الصخر، وساموا به شُمّ الذّرى، وباروا به الزمان في طريق الخلود. المدينة العظيمة التي عاش فيها أبطالنا حاكمين، ثم ثووا في ثراها خالدين.

دهلي التي تجمع الزمان من طرفَيه والأرض من جانبَيها: ففيها القديم والحديث، وفيها الشرق والغرب جميعاً، فهي من هنا المدينة الأوربّية السافرة المتبرّجة. ففي دهلي القديمة سحر الشرق وروحانيته، وفي دهلي الجديدة (نيودلهي) روعة الغرب وحضارته.

في دهلي أروع آثار الملوك المسلمين وفيها أكبر آثار الحُكّام البريطانيين. وإن أردنا الإنصاف لم نستطع أن نحكم أيّ الأثرَين أعظم: أمّا المسلمون فقد عُنُوا بالجمال أولاً ثم بالضخامة والجلال، وأمّا الإنكليز فأرادوا الضخامة والجلال ثم الروعة والجمال. فمَن أراد الهيكل الضخم والعظمة البادية رآه في آثار الإنكليز، ومن طلب الدقّة والفنّ والجمال وجدها في آثار المسلمين.

والآثار الإسلامية أجلّ وأعظم، لأن الإنكليز بنوا ما بنوا في الأيام التي اتسع فيها العلم وكُشفت فيها خفايا الكون وسخّر الإنسان فيها الآلات من الحديد، وأولئك بنوا بنيانهم حين لم يكن في إنكلترا إلاّ شعب لا يَفضُل في العلم والحضارة الشعوبَ البادية المتدنّية اليوم، وبلغوا به -على ذلك- هذا المبلغ. وحسبهم أن «قبراً» بناه الملك المسلم شاه جيهان لا يزال إلى اليوم أجمل من كل قصر شيد في الشرق والغرب، بل لا يزال بالإجماع أجملَ بناء أقيم على ظهر الأرض كلها، هو «تاج محلّ» الذي يجيء السياح من أقصى أميركا ليقفوا عليه مشدوهين مُكبِرين متعجّبين.

ولئن عرف التاريخ رجالاً مَلَك الحبُّ قلوبَهم، بل منهم من ذهب بعقولهم، وعرف عباقرة من الشعراء العشاق خلّدوا عواطفهم بقصائد بقيَت وستبقى على طول الزمان، فإن حبّ شاه جيهان لزوجته ممتاز محل قد خلّده بقصيدة من الرخام كلماتها من المرمر، طوّع له الحجر اليابس حتى لان في يده فكان قصيدة ناطقة، تنافس بجمالها خوالد القصائد في آداب الأمم.

ولقد دخلت (كما سيمرّ بكم) إلى دهلي، ولكنني لم أذهب إلى أغرة ولم أرَ فيها تاج محل. وتجدون -على ذلك- وصفاً له في كتابي «رجال من التاريخ»، أحسب أن من زاره ووقف عليه لم يصفه مثل هذا الوصف. وعفوكم إن سلكت طريق الشعراء فمدحت نفسي بدلاً من أن يمدحني الناس!

دهلي في منبسط من الأرض كلّه خضرة، غابات وبساتين وخمائل، وقد أبصرت لمّا حوّمَت بنا الطيارة فوقها مساكن مختبئة وسط الأيك، وقباباً كثيرة بادية، وسعة وعمراناً. وكان في دهلي لمّا زرناها قبل ثلاثين سنة كاملة (أي سنة 1954) مطاران: مطار داخلي للطيّارات القادمة من مدن الهند ومطار دولي لطيارات السياحة العالَمية. وكنّا قادمين من لكنَوْ في داخل الهند فحطّت بنا الطيارة في المطار الداخلي.

وكان أول ما بدا لنا من الآثار الإسلامية مسجدٌ ضخم عليه قِباب شامخة على الطراز المغولي. ثم سرنا في ريف دهلي نقصد المدينة، فلما بلغنا أوائلها رأينا شوارع فِساحاً تظلّلها الأشجار الكبيرة (والعجب أن هذه الأشجار على كبرها مُزهِرة مثل أزهار الروض البهيج) وعلى جانبَيها حدائق وبساتين فيها دارات ومغانٍ (فيلاّت)، بين كل دارة ودارة أكثر من أربعين متراً، فلم تكن بيوتاً لها حدائق بل كانت حدائق فيها بيوت! وهي تُشبِه في هذا جاكرتا.

وعفوكم إن لم أسِرْ بكم من حيث سرت وعرضتُ ذكرياتي مختلطة أنتقل فيها من مدينة إلى مدينة، فسبب ذلك أنها قد اختلطَت في ذهني فصارت كلها صورة واحدة جميلة. ولعلّ جمالها في تنوّعها، وقديماً قالوا: «والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ». ألا تطربون للتناسق الموسيقي (الهارموني) حين يغنّي معاً رجال بأصواتهم الضخمة وصِبْية صغار بحناجرهم الحادّة، فيختلط الصوتان فيجيء منهما صوت واحد مطرب معجِب؟ وإن كانت مساكن جاكرتا (كما سيمرّ عليكم) صغيرة ملوّنة كلعب الأطفال، وكانت حدائقها أكثر وأشجارها أعجب.

ثم رأيت في طريق دهلي بوابة ضخمة جداً من الحجر قائمة في وسط ساحة تتفرع منها شوارع كثيرة، عليها نقوش وكتابات إنكليزية وأمامها تمثال جورج الخامس، الذي حسب أنه سيبقى وتبقى الهند لقومه، فذهب كما يذهب كل حيّ وخرجَت الهند من أيدي أمّته. وكان التمثال وسط بركة هائلة عجيبة الصنع. ورأيت في بومبي (وسيأتي ذكر ذلك) بوّابة أخرى أفخم وأقدم، أرادوا أن تكون باب الهند الرمزي.

ولمّا جزنا البوّابة ظهرَت دهلي الجديدة. وهي مدينة مدوّرة، لا أعرف لها شبيهاً إلاّ بغداد عندما بناها المنصور. في وسطها (في وسط دهلي) ميدان كالدائرة الكاملة حوله العمارات الكبيرة، تنصبّ فيها شوارع مستقيمة ثم تخرج منه كأنها أشعّة النجم، ووراء العمارات دائرة أخرى أوسع منها، وتتوالى الدوائر تقطعها هذه الشوارع المستقيمة.

وإلى جنب دهلي الجديدة (نيو دلهي) دهلي القديمة، يحيط بها سور ضخم له أبواب، لا تزال باقية أبوابه عليها أسماءُ مَن شادها من ملوك المسلمين. وبين المدينتين فضاء واسع أشبه بالمرج الأخضر في دمشق، بل هو أوسع وأكبر، يلعب فيه الشبّان ويتكوّم على أرضه الرجال والنساء والأسر كلّ مساء. فإذا جاوزت هذا الفضاء الذي تشقّه الشوارع رأيت أمامك السور القديم وأبوابه الباقية، ولكن المدينة خرجَت منه كما خرجَت المدن من كل سور كان يطوّقها، وامتدّت حتى صار السور وسط الشوارع والعمارات كما هي الحال في دمشق. ولكن دمشق لم يقف التجديد عند حدودها القديمة بل وصل إلى أقدم حارة فيها، وليته لم يصل، وليتهم حفظوا قديمها كما صنعت فاس وكما صنعت بعض المدن في سويسرا، تحفظ القديم على حاله ليكون تاريخاً ناطقاً، وتجدّد ما شاءت من حوله.

ودهلي التي تعيش وسط السور رأيناها لمّا زرناها كما كانت منذ خمسمئة سنة. وهذا سِرّ إقبال السياح عليها وإعجابهم بها، فالسائح الغربي لا تهمّه الشوارع الكبيرة والعمارات ومظاهر الحياة الأوربية، فإن عنده الكثير منها، ولكن يهمه ما لا يجد مثله في بلاده. وما كنت أدرك هذه الحقيقة حتى سِحت في مدن آسيا. لذلك أحببت دهلي القديمة وأمضيت عشرة أيام أجول في أسواقها وطرقها، وأعجب بما وجدت فيها. وما الذي وجدته؟

أسواقاً ضيقة لا أوّل لها ولا آخر، كأسواق دمشق حول الجامع الأموي، وأسواق بغداد، وأسواق مكّة والمدينة التي رأيتها من أكثر من نصف قرن. تقوم على جوانب هذه الأسواق الدكاكين فيها من كل شيء، وهي مرتفعة عن الطريق، والبيّاعون يقعدون متربّعين في وسطها كما كان يفعل تُجّار سوق الخيّاطين في الشام. وفيها حارات وأسواق ضيقة ملتوية، منها ما لا يتّسع إلاّ لمرور رجلين اثنين، وقد رأيت مثلها في الرياض (في الديرة) لمّا زرتها أوّل مرة من أكثر من نصف قرن.

وهي كمدن الهند جميعاً، معرض عجيب لكل ما يتصوّر الإنسان من ألبسة وأزياء، فأنت ترى امرأة قرويّة مسلمة قد لبسَت كيساً، كيساً حقيقياً معلّقاً برأسها، يُخفي كل شيء من جسمها حتى يديها ويمسّ وجه الأرض فيستر قدميها، وأمام عيونها كوّتان بمقدار العين قد أُسدِل الكيس عليهما. وأخرى تلبس الزيّ البنجابي، وهو الزيّ الشائع للمسلمات ولا سيما في باكستان، وهو مؤلّف من سروال طويل كسراويل المَنامة (البيجامة)، فوقه قميص إلى الركبتين ومنديل (خمار) من قماشه يستر الرأس، وهم يَفْتَنّون في ألوان هذا الزيّ افتناناً. وثالثة تلبس الساري، وهو قماش غير مَخيط يُلَفّ لفاً على الجسد ليستر إحدى الكتفين وأكثر الظهر ويترك البطن حول السرة مكشوفاً، ويُعرف بالزيّ البنغالي. وهو في الأصل لغير المسلمات، ولكنني رأيت بعض المسلمات يتخذنه. والساري أنواع منوّعة وأشكال مشكّلة، منه ما يبلغ ثمنه الآلاف.

والرجل منهم يلبس الشّرواني، وهو اليوم اللباس الرسمي لباكستان. ومنهم من يتخذ العمامة الضخمة جداً ويُطيل لحيته، وهو لباس السيك (السيخ)، وحلقُ الشعر حرام في مذهبهم، لذلك تراهم يتعبون أشد التعب باللحى التي تطول وتعرض ولا يدرون ماذا يصنعون بها وقد مُنعوا من قصّها وحلقها، فهم يربطونها بالخيطان أو يضفرونها ضفراً، مع ما في الهند من حرّ ومع ما يكون فيها من العرق الشديد. وربما رأيت رجلاً بلحية هائلة تبلغ بطنه وعمامة بمقدار رأس الفيل الصغير، وتحت ذلك بنطال قصير لا يستر إلاّ أربعة أصابع من أعلى الفخذ!

وعلماء المسلمين يتّخذون في الهند قميصاً واحداً يبلغ الركبتين تحته لباس (سِرْوال) (والعرب تقول: «سَراويل». م) طويل، وعلى الرأس كمة (طاقية صغيرة)، وكل ذلك من الخام أو الكتان. ومن الرجال من يتخذ الزيّ الإفرنجي، ولكنه يلبس على البنطال (البنطلون) قميصاً ينسدل عليه من فوقه بدل الرداء (الجاكيت) الذي لا يُحتمَل في ذلك الحرّ.

وكنت أسير مرة في السوق الكبير في دهلي القديمة، فسمعت طَبْلاً وزمراً ورأيت جوقة موسيقية (الجوقة كلمة عربية، أي الأوركسترا) ووراءها موكب ضخم وجَمَل قد عُلِّقت به عشرات الأجراس الصغيرة، وفوقه هودج فيه فتاة تلبس ثياباً تكشف من جسدها أكثر من الذي تستره، فعجبت من ذلك فحاولت بالكلمات العشرة التي تعلّمتها من الأردية وبمثلها من الإنكليزية، وبالإشارات والحركات أن أفهم ما هو، فإذا هو ... موكب إعلان عن حفلة مسرحية.

وسمعت مرة أجراساً قوية تجلجل بصوت حادّ يكاد يثقب طبلات الآذان، فتتبعت الصوت فإذا أنا أرى بيتاً في وسطه غرفة، على بابها أصنام قبيحة النحت لها بدل اليدين أزواج كثيرة من الأيدي، وكلّما دخل البيت داخلٌ صُبّ الماء على رأسه حتى صارت أرض البيت كالبِركة، ثم وقف الناس صفّين عن طرفَي الغرفة، وأنا أراهم من خارجها وأسمعهم يتبادلون الصياح العجيب بأصوات عالية، والأجراس تُقرَع بشدّة وعنف. فسألت فقالوا: إن البيت معبد وهذه هي صلاة القوم فيه. {وما كانَ صَلاتُهم عِندَ البيتِ إلاّ مُكاءً وتَصْدِيَة}.

ومن العجيب أن الذي يقف وسط دهلي الجديدة يرى شارعاً طويلاً، على طرفه الأيمن قبّة بعيدة تلوح من بعيد وعلى طرفه الأيسر قبّة مثلها: هذه قبّة قبر نائب الملك أيام كان ملك الإنكليز هو الحاكم الأعلى للهند، وتلك قبّة المسجد الجامع أيام كان المسلمون هم حكّامها. يقف على طرفَيه الماضي والحاضر والشرق والغرب، متقابلَين متعادلَين.

أمّا قصر نائب الملك فلست أدري كيف أصفه لكم. إن قصر عابدين في القاهرة يبدو إلى جنبه بيتاً عادياً، بل هو أكبر -كما قالوا- من قصر الملك في لندن. فيه داران كبيرتان عاليتان مشمخِرّتان على الجانبَين، وبينهما الدار الكبيرة وفوقها قبّة شامخة تنطح النجم، وهو من سعته كأنه مدينة كاملة.

وأما المسجد فهو من أعظم مساجد الهند، بل هو من أعظم مساجد الأرض، لم أرَ أروع منه. وهو قائم على قاعدة يُصعَد إليها على درَج عريض جداً يزيد على أربعين درجة، وله سور عالٍ فيه ثلاثة أبواب على كل باب بُرج كأنه عمارة، فإذا صعدت الدرَج ودخلت وجدت صحناً رحيباً أوسع من صحن الجامع الأموي في الشام، لكنه مربّع، وفي صدره مكان الصلاة. وهو على الطراز المغولي: له واجهة عالية فيها ثلاثة أقواس: الأوسط مها بعلوّ سقف الأموي، وفوق السقف قبّة أعلى من قبّة قصر نائب الملك. وهو من بناء شاه جيهان (أي ملك الدنيا)، منشئ تاج محل أجمل أبنية الأرض. وأمامه القلعة الحمراء، سُمّيت بذلك لأنها مبنيّة بنوع نادر من الحجر لونه أحمر، وتُدعى القلعة تجوّزاً، وهي في الحقيقة بلد كامل، فيها قاعات وأبهاء لا تكاد تقلّ في روعة نقشها وبراعة تزيينها عن قاعات الحمراء في الأندلس.

ولمّا وقفت عليها وأحاط بي صمتها وهدوؤها أحسست كأني قد انفصلت عن حاضري وغبت عن نفسي، وأنني قد عُدت إلى الماضي القريب. وشعرت كأني أسمع في أرجاء القلعة دويّ الطبول وهتاف الجند، وصدى الأذان تردّده منارات المسجد، وأرى خفق الراية الإسلامية على رأس الإمبراطور أورانك زيب الملك المسلم الصالح، وأبصر جحافله ترمح ظافرة من سمرقند والأفغان إلى سواحل الهند كلها، تقطف ثمار النصر وتنثر في الأرض نور القرآن وعدالة الإسلام.

وتنثال عليّ صور الأمجاد الخالدة لهذه المملكة العظيمة، التي أقامها مجاهدون كِرام اختلفَت ألسنتهم وتباعدَت أنسابهم، ولكنْ جمعهم الإسلام، ووحدة المبدأ الذي هو توحيد الله، ووحدة الغاية التي هي العمل لما يرضي الله. وإذا جاءت وحدة الإسلام لم يضر معها اختلاف جنس ولا لسان. مِن فتح محمد بن القاسم العربي الثقفي، إلى فتح محمود الغزنوي التركي الأفغاني، إلى فتح بابر المغولي. وكلهم مجاهد في سبيل الله عامل على إعلاء كلمة الله. الأول غرس البذرة، والثاني تعهّد النبتة، والثالث رعى الدَّوْحة؛ أقاموا لهذه المملكة سوراً من جماجم شهدائهم وسقوها من دماء أبطالهم، فظلّلَت فروعُها وأغصانها الهندَ كلّها.

الهند التي كانت كلها لنا، فلم يبقَ في أيدينا منها إلاّ آثارنا: مساجد -كما قلت لكم- قد عطلت من شعائرها، ومآذن قد فقدت مؤذّنيها، وقلاع غاب عنها جنودها، وقصور فارقها أصحابها، ورايات قد سكنت المتاحف لم تعُد ترفرف في سمائها، وسيوف قد صدئت في أغمادها لم يبقَ لها منّا مَن يسلّها.

هذه هي الأندلس الكبرى، وهذا هو الفردوس الإسلامي المفقود.

* * *

فإذا اختصرتُ الطريق فجئتُ بحديثها في غير موعده فإنما فعلت ذلك جواباً على الرسالة التي افتتحت بالإشارة إليها هذه الحلقة من ذكرياتي. إن صاحب الرسالة (مثل أكثر المسلمين اليوم) لا يعرفون من تاريخ الإسلام في الهند إلاّ شيئاً قليلاً لا يكاد يُعَدّ شيئاً. إن ثلث التاريخ الإسلامي في الهند. لقد أقام المسلمون في الهند دولاً وأنشؤوا فيها حضارة، وفتحوا فيها مدارس وبنوا مساجد، وكانت مساجدهم ومدارسهم منارات تدلّ السفن الضالّة على الشاطئ الآمن لتعصمها من الأمواج العاتية وتخلّصها من المخاطر والمهالك.

إن اليوم هو ابن الأمس وهو أبو الغد، فمَن كان له تاريخ عظيم وعرف تاريخه دفعه أن ينشئ كما أنشأ الأجداد وأن يبني مثل ما بنوا. والأمم التي لا تاريخ مكتوباً لها تُنشئ لها تاريخاً مكذوباً لتبني عليه مستقبلاً مزعوماً، فلا الأساس ثَبَتَ لهم ولا البنيان سيتمّ ويبقى لهم.

فيا أيها القُرّاء، اعرفوا تاريخكم، لا لتقفوا عنده وتقنعوا بالفخر به وتناموا عليه، بل لتصنعوا مثل ما صنع أجدادكم ولتحققوا قول شاعركم:

نَبني كما كانت أوائلُنا ... تَبني، ونفعَلُ مثلَ ما فعلوا

بل فوق ما فعلوا. وإذا صدق العزم وصفَت النيّة وصحّ التوكّل على الله، بعد أن يتّحد المسلمون ويُعِدّوا للنصر عُدّته، فإن هذا سيتحقق إن شاء الله.
* * *

______________________________________
المصدر : ذكريات 5/  275 إلى 285 للشيخ الأديب علي الطنطاوي (المتوفى: 1420هـ).
مصدر الخريطة: أطلس التاريخ العربي الاسلامي - د. شوقى أبو خليل. (المتوفى: 1431 هـ)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق