الأربعاء، 24 فبراير، 2016

السلطان أبو الحسن المريني ومحاولته رؤية كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الموجود عند سلالة هرقل حكام قشتالة الأسبانية !!!




يَقُول أَبُو عبد الله مُحَمَّد مؤلف هَذَا الْكتاب عَفا الله عَنهُ أَخْبرنِي أَبُو طَالب بن أبي مَدين نزيل بَيت الْمُقَدّس والمتوفي بِهِ رَحمَه الله وَنحن إِذْ ذَاك بِالْمَدْرَسَةِ الشرابيشية من الْقَاهِرَة المعزية فِي شهر سنة بضع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَأَنه أخبرهُ قَاضِي الْجَمَاعَة بِمَدِينَة فاس دَار الْملك بِبِلَاد الْمغرب ذهب عني اسْمه لما بَعثه السُّلْطَان أَبُو الْحسن المريني إِلَى اذفونش ملك الإفرنج بِمَدِينَة قرطبة من جَزِيرَة الأندلس.
قَالَ لي وَيَزْعُم أَنه من ذُرِّيَّة هِرقل سَأَلَهُ أَن يُرْسل إِلَيْهِ كتاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما بلغه أَنه بَاقٍ بِأَيْدِيهِم يتبرك بِهِ ويعيده إِلَيْهِم وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ ألف دِينَار شكرانا لزيارته والتبرك بِهِ.
فَلَمَّا وصل القَاضِي إِلَى اذفونش وَأدّى الرسَالَة قَالَ فَجمع القسيسين وعلماء دينهم واستشارهم بِحُضُور القَاضِي فَأَبَوا ذَلِك على الْملك.
وَقَالُوا نَخَاف عَلَيْهِ الضَّيْعَة فِي الطَّرِيق عِنْد ذَهَابه ورجوعه لبعد الْمسَافَة والتعدية فِي الْبَحْر إِلَى بر الْمُسلمين.
قَالَ أَبُو طَالب قَالَ القَاضِي فَسَأَلت وتشفعت عِنْد الْملك أَن أرَاهُ أَنا وأزوره فأنعم لي بذلك.
قَالَ فسرت وَمَعِي رَسُول من الْملك إِلَى إشبيلية وَكَانَ الْكتاب الْكَرِيم فِي كَنِيسَة بهَا.
قَالَ القَاضِي فَلَمَّا وصلنا دَعَا الرَّسُول بالبترك والمطران وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا مِفْتَاح من ذهب وَإِذا هُوَ فِي خزانَة عالية عَن الأَرْض فكشفا رؤوسهما وَأَخْرَجَاهُ من صندوق من ذهب وَهُوَ مطوى فِي حَرِير أَبيض مبطن بالمسك.
قَالَ القَاضِي فحسرت عَن رَأْسِي وَفتحت الْكتاب وقبلته وقرأته وتبركت بِهِ وأعيد إِلَى مَكَانَهُ وَرجعت إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن فَلَمَّا رَآنِي بَكَى وَكَانَ قد بلغه الْخَبَر وَقبل عَيْني قَالَ أَبُو طَالب وَبَقِي على وَجه القَاضِي وضاءة لم تكن عَلَيْهِ قبل ذَلِك.

_________________________________________

المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي 2/ 97
لجمال الدين ابن حديدة (المتوفى: 783هـ)

صورة الرسالة من ويكيبيديا 
ولا أعلم هل هي الرسالة الموجودة عندهم

أرجو الإفادة...


الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

العجيبة الثامنة !!



للشيخ الأديب علي الطنطاوي

نشرت سنة 1987


عجائب العالم القديم سبع: أهرام مصر، وحدائق بابل، وبقية السبع التي تعرفونها. وهي عجائب حقاً، ولكنها هياكل شيدت من حجارة قُطعت من صخور الجبل أو آجُرّ جُبِلَ من تراب الأرض ونضج على جَمْر الأفران، وهذه العجيبة الثامنة أثر من عمل الأذهان. تلك تحف من عمل السواعد القوية والأيدي الصَّنَاع، وهذه من عمل الفكر الخالص والقرائح العبقرية ... إنها كتب لو جُمعت لبُني منها هرم صغير أو لشيد برج هائل.
فهل يقاس أثر لا روح فيه (وإن لم يَخْلُ من عبقرية تَروع ناظريها ويُكبرها المتأمل فيها) بآثار حية تبعث الأرواح في الأجساد، وتثير السواكن من الأفكار، وتحرك القرائح فتدفعها إلى الابتكار؟
هل عرفتم «القاموس المحيط»؟ إن فيه ستين ألف مادة، فهل فيكم من قرأه كله؟ من يستطيع أن ينسخه بخطه نسخاً؟ فكيف بمن ألّفه تأليفاً؟ و «لسان العرب»، وهو أكبر منه وأوسع، فيه ثمانون ألف مادة. من قرأه منكم؟ ومن يستطيع أن يكتبه؟ وتاج العروس شرح القاموس؟ و «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، العربي الأموي الذي كان -على أمويّته- يتشيع؟ ونهاية الأرب، وصبح الأعشى، وتفسير الطبري، وفتح الباري، والمبسوط، وشرح المواقف للسيد الجرجاني، والزّرقاني على المواهب، ومعجم البلدان ... وأمثال هذه الكتب التي تُعَدّ بالعشرات، بل بالمئات؟ إنها تمضي الأعمار دون قراءتها قراءة، فضلاً عن كتابتها كتابة.
فتصوّروا كيف ألفها مؤلفوها وكتبوها بأيديهم، وتناقلها الناس ونسخوا منها نسخاً؟ حتى كان في مكتبة العزيز بن المعز، وهو من ملوك الدولة العُبَيدية التي تدعى بالفاطمية، بضع وثلاثون نسخة من كتاب «العين». وهو أول المُعجمات بالعربية، بل لعلي لا أكون مبالغاً إن قلت إنه أول المعجمات في الألسن كلها، ابتكره رجل كان من أذكى البشر جميعاً، هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وضع علماً جاء به كاملاً، هو علم العَروض. استنبطه من أصوات القَصّارين وهم يَخْبِطون بالمخابط على الثياب فتختلف أصواتها، فميّز منها «السّبَب» (طق) من «الوَتَد» (ططق)، وطبّق ذلك على شعر العرب ووضع هذه الأوزان (1).
وكان في هذه المكتبة عشرون نسخة من تاريخ الطبري، منها (كما يقول المقريزي في خططه) نسخة بخط الطبري نفسه، وفيها مئة نسخة من «الجمهرة» لابن دُرَيد. وكل ذلك في عهد لم تكن عُرفت فيه المطابع ولا الطابعات. (2)


المكتبة الإسلامية هي عجيبة العجائب، ذهب جُلّها ولم يبقَ منها إلا قُلّها (3). وهذا الذي بقي هو الأقل الأقل، وهو -على ذلك- شيء عظيم؛ ففي مكتبات إسطنبول -كما نقلوا- أكثر من مئتَي ألف مخطوطة جلبها العثمانيون من العواصم العربية والإسلامية، وفي شمالي إفريقيا مئتا ألف مخطوط في مكتبات القَيروان وفاس وحواضر الشمال الإفريقي المسلم، وفي مصر ثمانون ألف مخطوط، وفي موريتانيا واليمن وغيرهما.
ولا نزال -مع ذلك- نجد بالمصادفة نوادر أخرى لم نكن نعرف لها وجوداً، آتيكم عليها بأمثلة. فهذا كتاب «الفصول والغايات» الذي قالوا إن المَعرّي عارض به القرآن، واستمرت التهمة أكثر من تسعة قرون والمتهَم بريء، والكتاب مفقود وفَقده يؤكد التهمة ويقوّيها، حتى وجده خالي محب الدين الخطيب في مكة في موسم الحج أيام الشريف حسين، لمّا كان محرر «القبلة» التي حلّت محلها الجريدة الرسمية «أم القرى»؛ رآه بيد أحد الباعة فاشتراه بثمن بخس وأهداه إلى مكتبة صديقه أحمد تيمور باشا (التي ضُمَّت بعدُ إلى دار الكتب)، ثم طبعه الأستاذ الزناتي، وهو ثالث الإخوان الثلاثة: الزيات، وطه حسين، والزناتي.
وكان صديقنا الأستاذ عز الدين التَّنوخي يفتش عن رسالة لأبي الطيب اللغوي في خزانة شيخنا مفتي الشام، الطبيب الشيخ أبي اليسر عابدين، فوجد بالمصادفة كتابه «الإبدال» (الذي كان يُعتقَد بأنه مفقود) ضمن مجموعة من المخطوطات. وكنت قبل قدومي إلى المملكة من نحو خمس وعشرين سنة أزور مكتبة محدّث الشام، الشيخ بدر الدين الحسني (رحمه الله ورحم كل من ذكرت ومن سأذكر في هذا الفصل مَن مات منهم، ومن بقي فله مني التحيات) فوجدت كتاباً عظيماً هو ركيزة من ركائز علم اللغة، كان المعتقَد أنه فُقد فيما فُقد من كنوز مكتبنا الإسلامية، وهو «مُعجم الأصلين»، أي الكتاب والسنة، للإمام الهَرَوي، أحد أئمة اللغة في القرن الرابع. وقد ذكره ابن الأثير في مقدمة «النهاية» وعدّه خير ما أُلِّف في هذا الموضوع.
وجدت منه نسخة صحيحة مشكولاً أكثرها مكتوبة من ثمانمئة سنة عليها خطوط بعض الأعلام، وقد سألت صديقنا الدكتور صلاح الدين المنجّد، وكان -يومئذ- مدير معهد المخطوطات، فعلمت أنه ليس في الدنيا من هذا الكتاب إلا نسخة ناقصة في جامعة بوسطن في أميركا، ونسخة أخرى ناقصة أيضاً في إسطنبول. وهذا الكتاب إذا طُبع كان أصلاً من الأصول وصُحِّح عليه القاموس ولسان العرب. وقد كتبت إلى كل جامعة أو مجمع آمُل أن يعتني به وأن يطبعه، فما وجدت عند أحد اهتماماً ولا تلقيت منه جواباً!
وبيعت مرة تَرِكة عالم في دمشق بالمزاد، وكانت عنده كتب كثيرة، فجرّد أولاده (وهم جَهَلة) الكتب المطبوعة المجلدة فاحتفظوا بها ثم أشعلوا النار بالباقي. وبينما كانت النار تأكل هذا الكنز الذي لا يُقدَّر بثمن رأوا بينها كتاباً فيه صور ملوّنة أعجبتهم، فسلّوه من وسط اللهب وقد احترق طرفه، وعرضوه على الوَرّاقين، فإذا هو نسخة من «عجائب المخلوقات» للقَزْويني مكتوبة من أكثر من أربعمئة سنة، ميّزتها أن فيها صوراً ملوَّنة مذهَّبة كأنما صُوِّرت الآن، لها قيمة فنية لا تقدَّر، فباعوه بمئة ليرة (يوم كانت للّيرة منزلتها)، وباعه الذي اشتراه للمتحف البريطاني بألف ومئتَي ليرة، وأحسب هذه النسخة قد استقرت هناك.


* * *

هذه المكتبة التي أصابتها المصائب وحاقت بها النكبات، العامة الشاملة والخاصة المفردة؛ كنكبتها بالمغول لمّا انحدر علينا سَيْلُهم المدمّر من أقصى الشرق، فجرف في طريقه مظاهر العمران وثمار الفكر حتى وصل إلى هذه المكتبة، فألقوا -من جهلهم- كتبها في دجلة يمرّون عليها يتخذونها جسراً! حتى نقلوا أن ماء دجلة حِيال الضفتين قد اسودّ مسافات مما ذاب فيه من المداد والحبر، بل من حصاد الأدمغة ونتاج العقول.
ولما دخل الإسبان الأندلس أحرقوا مكتباتها، حتى صار ليلها نهاراً مما صعد منها من اللهب. وحسبكم أن تعلموا أن واحدة من مكتبات قرطبة كانت فهارسُ دواوين الشعر فيها -كما يقول ابن خلدون- أربعة وأربعين دفتراً كبيراً. فهارس دواوين الشعر فقط! أحرقها الإسبان فأضاءت ليالي الأندلس. وما أحرق -بضيق ذهنه وعصبيّته- ابنُ تاشفين من كتب الفلسفة التي تخرج عن الفقه والتفسير والحديث غَيرةً منه على الدين وزعماً أنها تضعف إيمان المؤمنين، فذهب بآلاف من الكتب.
هذا عدا عمّا أصابها من النكبات الفردية، من التحريق والتخريق والتمزيق والتغريق، حتى لم يبقَ من هذه المكتبة إلا الأقل الأقل، وهذا الأقل لا تزال المطابع في الشرق والغرب تطبع منه من مئتَي سنة إلى الآن، ولم تطبع إلا بعض هذا القليل الذي بقي.
لقد اطّلع عالم تركي على طرف من هذا التراث، هو حاجي خليفة صاحب «كشف الظنون»، فوصف في كتابه العظيم ما اطّلع عليه فكان نحو عشرين ألف كتاب، وأُلِّفت ذيول لكشف الظنون تزيد عليه أضعافاً، وكلها مطبوع معروف تتداوله أيدي الناس (4). وعالم تركي آخر هو طاش كُبْري زاده، صاحب «مفتاح السعادة»، وصف جانباً آخر اطّلع عليه فكان في ثلاثمئة وستة عشر علماً (أو بحثاً إذا شئتم التدقيق والتحقيق).
وذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» أن مكتبة الخليفة العُبيدي (الذي يسميه الناس الفاطمي) لما استولى عليها صلاح الدين الأيوبي كانت كتبها تقرب من المليون.

* * *

إن من هذه الكتب ما لا يستطيع الواحد منا أن يقرأه قراءة، فكيف إذا حاول أن ينسخه نسخاً؟ فكيف وكثير منها أملاه مؤلّفوه إملاء لأنهم كانوا من مكفوفي البصر؟ كالمخصَّص لابن سِيْدَه، أوسع كتاب في اللغة، أملاه إملاء (5). والاستيعاب لابن عبد البَرّ، أملاه إملاء وهو ضرير لا يقدر أن يأخذ من الكتب. و «المبسوط» أوسع كتاب في الفقه، أملاه مؤلفه وهو محبوس في الجُبّ تحت الأرض لكلمة حق قالها عند حاكم ظالم (6)، فكان تلاميذه يقفون في الطريق يستَمْلون ويكتبون وهو يملي عليهم من بطن الجب، ما عنده كتاب ينظر فيه ولا مرجع يرجع إليه، وقد بيّنَ ذلك في كتاب العبادات في آخر باب الإقرار.
والطبري كان يريد أن يجعل تاريخه في ثلاثين ألف ورقة، فسأل تلاميذه فاستكثروه، فجعله في ثلاثة آلاف وقال: وا أسفاه، لقد كلّت الهمم عن طلب العلم!
وقاضي مصر بكّار بن قُتَيبة، لما سجنه ابن طولون وطال سجنه سأله طلاب الحديث أن يأذن لهم بالسماع منه، فكان يحدثهم وهو في السجن يأخذون عنه من وراء الباب.
وابن تيميّة كتب كثيراً من رسائله وهو في السجن. وابن سينا ألّفَ رسالته عن القولنج (ونحن لا نزال إلى الآن نستعمل في الشام كلمة القولنج (7)) ورسالة حَيّ بن يقظان (التي قلدها ابن طُفَيل الأندلسي، فاشتهرت قصته وماتت قصة ابن سينا) كتبهما وهو سجين. وقصة «حي بن يقظان» هي التي نسج على منوالها ومشى على أثرها مؤلف رواية روبنسون كروزو المشهورة. بل إن الكتاب العظيم لابن سينا، وهو «الشِّفاء» الذي بقي الأساس في دراسة الطب في جامعات أوربا إلى ما قبل أربعمئة سنة، ألّفه وهو هارب متنقّل في البلدان مُتوارٍ عن الأبصار.
بل لقد أخرجت هذه العصور المتأخرة كتباً كبيرة، كشرح القاموس للزَّبيدي (الهندي الأصل اليَماني المقام). بل لقد أُلِّفت في عصرنا هذا كتب كبار، ككتاب «الأعلام» للزِّرِكْلِيّ، ومجموعة «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» و «ظهر الإسلام» لأحمد أمين، و «تاريخ العرب قبل الإسلام» لجواد علي العراقي الذي توفي حديثاً، و «شرح الكامل» للمَرْصَفي. ولقد حدّث أحدُ تلاميذه أنه دخل عليه يوماً (وكان يسكن غرفة مقفرة من دار خَرِبة في حي قديم من أحياء القاهرة، يضلّ الماشي في أزقّته ويغوص في وحله، لأنه كان -من فقره- لا يستطيع أن يجد غير هذه الدار في غير هذا الحي) فوجده قاعداً على حصير بالٍ مفروش في وسط الغرفة، ليس فيها سواه، وأمامه الكتب منثورة والصحائف منشورة، وحول الحصير خيط من الدبس مصبوب على الأرض. فسأله: ما هذا الدبس يا مولانا؟ فضحك الشيخ وقال: إنه سور يحميني من هجمات البق!
وأكثر القرّاء لم يعودوا يعرفون -بحمد الله- ما هو البَقّ الذي كنا نقاسي منه الأمَرّين ونحن صغار، لا نملك له دفعاً ولا نعرف دواء.
في هذه الغرفة العارية، على هذه القطعة من الحصير، ألّف الشيخ كتابه العظيم «شرح الكامل للمبرّد» (8)، هذا الكتاب من الكتب التي يفاخر بها عصرنا العصور الخوالي، لهذا العالِم الذي ينافس بأمثاله القرون الماضيات.

* * *

ولا تزال في المكتبات العامة والخاصة عشرات، بل مئات، من المخطوطات؛ في دار الكتب المصرية، وفي المكتبة الظاهرية في الشام، وفي مكتبات إسطنبول وبغداد، وفي مكتبة باريس، وفي مكتبة المتحف البريطاني، وفي الإسكوريال في إسبانيا، وفي مكتبة عارف حكمة في المدينة، وفي مكتبات فاس وغيرها في المغرب، هذه التي سلمت من أيدي المتعصّبين من أعضاء محكمة التفتيش، ولو بقي كل ما كان في الأندلس لوجدنا شيئاً عظيماً، وفي ليدن في هولندا، وفي مكتبة بوسطن في أميركا ... في هذه المكتبات التي رأيت بعضاً منها واطّلعت على فهارس بعض وسمعت الأخبار عن بعض، لا تزال فيها الآن آلاف مؤلفة من هذه المخطوطات.
وفي المكتبات الخاصة آلاف أخرى. أذكر لكم من هذه المكتبات ما عرفته أو سمعت به.
من أكبرها مكتبة أحمد تيمور باشا الذي تعقّب كتب التاريخ خاصة، فكان يشتري الكتاب منها بوزنه ذهباً إن لم يستطع شراءه بأقل من ذلك. ومكتبة أحمد زكي باشا (وكلا المكتبتين في دار الكتب المصرية الآن والحمد لله). ومكتبة عبد الحي الكتّاني في المغرب، وهي من أغنى الكتب في التاريخ. ومكتبة أنستاس الكرملي، وفيها كثير من المفردات ليس لها ثَوَان. ومكتبة صديقنا إسعاف النشاشيبي رحمة الله عليه وعلى كل من ذكرت، هذه المكتبة -على كبرها واتساعها- لا يكاد يوجد فيها كتاب واحد يخلو من فهارس ومن تعليقات، رأيت كثيراً منها. ومكتبة الشيخ خليل الخالدي، وقد زرتها لما كنت ذاهباً إلى مصر للدراسة سنة 1928. ومكتبة شيخنا المفتي الشيخ أبي اليسر عابدين ...
في هذه المكتبات نوادر لا تزال راقدة تنتظر من يوفّقه الله لإخراجها ببعثها من مرقدها؛ من ذلك أن رجلاً من أسرة معروفة في الشام كان يشتغل أسلافها بالعلم توفي من أكثر من خمسين سنة، فباعوا كتبه المخطوطة، ثم نبّههم أحدُ الخبراء إلى أن فيها كتاباً نادراً، فأحبوا أن يسترجعوه ممن اشتراه، وأبى عليهم استرجاعه، وأقيمت بشأنه قضايا في المحاكم لا أريد التعرض لها، ولكني أريد أن أقول: إن هذا الكتاب هو «كتاب البَيْزَرة» (أو البَزْدَرة) وهو علم طب البُزاة. وأنتم تعرفون البازي والصقر والشاهين، هذه الطيور التي كانوا يصطادون بها (ولا يزالون يتخذونها للصيد في بعض نواحي الجزيرة العربية). ولقد كتبت عن هذا الكتاب في السنة الثانية أو الثالثة من مجلة الرسالة، فاقرؤوا ما جاء فيه تجدوا عجائب لا تكاد تصدَّق (9)؛ من ذلك أن فيه باباً عنوانه «باب معرفة مرض الطائر من فحص مائه». أي أنهم -من فحص بَول الطائر- يعرفون مرضه! لم يكتفوا بأن عُنُوا بعلم الحيوان عامة وألّفوا فيه الكتب، حتى ألّفوا في هذه الناحية الخاصة من طب الحيوان.
ولم يكن هذا إلا بعد أن أوفَوا على الغاية من العناية بالطب الإنساني. وأنا لست من أهل الاختصاص في الطب، ولكني وقفت خلال مطالعاتي على نصوص عجيبة؛ منها أنني وجدت مرة في «وفيات الأعيان» لابن خَلِّكان أن الحَجّاج مرض مرضاً لم يستطيعوا أن يعرفوا حقيقته ولا سببه، فجاؤوا بإسفنجة صغيرة ربطوها بخيط وجعلوه يبتلعها، ثم استخرجوها ففحصوا عصارته المِعَدية، على مقدار ما كانوا يعرفون يومئذ من أمثال هذه البحوث.
وقرأت في «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني أنها أُجرِيَت للسيدة سُكَيْنَة بنت الحسين، إحدى عقيلتَي قريش وأجمل نسائها، وهي التي جمع مصعب بن الزبير بينها وبين العقيلة الأخرى عائشة بنت طلحة، كانت لها في عينها نقطة (أو شيء لا أعرف حقيقته)، فأجريت لها عملية في العين واستخرجوا هذه النقطة من وراء الجسم الزجاجي. وقد قرأت وصف هذه العملية للجاحظ ولكني نسيت في أي كتاب قرأتها.
وإذا نظرتم في تاريخ المستشفيات في الإسلام تعرفون مبلغ ما وصلوا إليه في هذا الباب. اقرؤوا «تاريخ المستشفيات» للدكتور عيسى المصري، والكتاب الآخر الذي ألّفه أستاذ من الكلية الأميركية في بيروت نسيت اسمه الآن عن المستشفى النُّوري الذي أنشأه في دمشق نور الدين زنكي، وبقي بناؤه إلى الآن ولكنه صار مدرسة التجارة، تجدوا أن أطباء هذا المستشفى عرفوا طريقة عزل المرضى المُعْدين وعرفوا أسلوب التخصص في الطب.
والبَيْروني، المفكر العظيم الذي يقول عنه سخاو (وهو أحد المستشرقين الألمان) بأنه أكبر عقلية كانت في القرون الوسطى، يذكر في كتابه «الصَّيْدَنة» (أي الصيدلة) أنهم لم يكتفوا بدراسة الطب عامة بل كانوا يعرفون التخصص فيه.

* * *

لكي تروا جانباً من جوانب عظمة المكتبة الإسلامية اقرؤوا كتاب «ثقافة الهند» الذي طبعه المَجْمَع العلمي في دمشق لمؤرّخ الهند العالم الجليل والد أبي الحسن النَّدْوي، وهو في خمسمئة صفحة من القطع الكبير بالحرف الصغير، كله أسماء للكتب التي أُلِّفت في الهند.
ولقد نشرت مجلة «المعلم العربي» (التي كانت تصدرها وزارة المعارف في الشام) تلخيصاً لكتاب ألفه مؤلف أميركي يذكر فيه مآثر المسلمين في العلوم على اختلافها، ولولا أن المؤلف أميركي، لم يكن عربياً ولا مسلماً، لقلت إنها دعاية صحفية، لأنني وجدت فيها أخباراً ومناقب لنا لا أعرفها أنا، وأنا مدمن على المطالعة والقراءة من سبعين سنة!
* * *


فصول في الثقافة والأدب (89 إلى 100)
_____________________________________________________
(1) والسبب هو الشارة السوداء في السلم الموسيقي، والبيضاء هي الوتد، لأن السوداء ضربة واحدة (طق) والبيضاء ضربتان (ططق).
(2) «الطابعة» كلمة وضعتها للآلة الكاتبة.
(3) «القُلّ» (بضم القاف) هو القليل، ومنه قولهم: «ما لا يُدرَك كله لا يُترَك قُلّه»، وأكثر الناس يخطئون في رواية هذا المثل.
(4) أشهرها «إيضاح المَكنون في الذيل على كشف الظنون» لإسماعيل باشا البغدادي، واستدرك فيه تسعة عشر ألف كتاب لم يذكرها حاجي خليفة (مجاهد).
(5) «سِيدَهْ» بكسر السين وفتح الدال، كان ضريراً وأبوه كذلك، وقد طُبع «المخصَّص» في سبعة عشر جزءاً من الأجزاء الكبار (مجاهد).
(6) «المبسوط» هو أوسع كتب الأحناف، وهو شرح «الكافي» للحاكم الشهيد، ومؤلفه هو شمس الأئمة السَّرَخْسي، سَجَنه في الجبّ خاقانُ أوزجَنْد بسبب كلمة حق نصحه بها (مجاهد).
(7) القُولَنج أو القَوْلنج: مرض معوي مؤلم (مجاهد).
(8) يخطئ كثير من الناس في لفظ اسمه فيكسرون الراء، والصحيح فتحها، ولتسميته بذلك قصة رواها ابن خَلِّكان في كتابه. انظر «وفيات الأعيان» (4/ 321) (مجاهد).
(9) ستأتي المقالة عنه في آخر هذا الكتاب (مجاهد).

الأربعاء، 17 فبراير، 2016

قصة باكستان




للشيخ الأديب علي الطنطاوي
ذكريات 5/ 261 إلى 274









وصلنا باكستان واستقلالُها وليد جديد لم يبلغ عمره سبع سنين، وُلد لأمه على كبر بعدما عاشت في الاستعمار عمراً يشيخ في مثله الأطفال.

ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم إنني لم أسمع بكلمة الاستقلال، ولم يسمع بها أحد من أهل بلدي، قبل دخول الشريف فيصل بن الحسين دمشق سنة 1918، وكنت في آخر الدراسة الابتدائية. ذلك أن الاستقلال لا يكون إلاّ بعد الاستعمار، والاستعمار لا يكون إلاّ باستيلاء الأجنبي الكافر على البلد المسلم. وقد نشأنا في ظلّ الراية العثمانية، والدولة العثمانية قامت بالإسلام وعملت للإسلام، وكان ملوكها الأوّلون من خيار الحاكمين في تاريخ الإسلام، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، وتركوا دعوة الإسلام لدعوات ما أنزل الله بها من سلطان، فضاعوا وأضاعوا بلادهم وأضاعونا معهم.

ولكن كيف تمكّن الاستعمار الإنكليزي من الهند؟ والهند قارة كبيرة والإنكليز -إذا قيسوا بأهلها- قِلّة قليلة؟ كيف تمكّنوا منها حتى جعلوها جوهرة تاج مُلكهم وأغلى ممتلكاتهم، وبنوا فيها بناءَ من يعيش فيها أبداً لا من يظنّ أنه سيخرج منها غداً؟ ما كنّا نظنّ ولا يظنّ أحد (مهما حسن به الظنّ واتسع له أفق التفاؤل وزاد به الأمل) أنه سيرى الإنكليز خارجين من الهند. لقد حسبوا -كما يحسب خنازير البشر الإسرائيليون الآن- أنهم باقون فيها إلى الأبد وأنهم مانعتهم حصونهم من الله، ونسوا أنه لا يمتنع على قدَر الله أحد.


الهند وكندا وأخواتهما، التي سرقَتها إنكلترا من أصحابها وضمّتها إلى أملاكها، هي التي جعلَت منها بريطانيا العظمى. وإلا فما بريطانيا؟ إن سكوتلندا تتبرّأ منها وأيرلندا كانت ولا تزال حرباً عليها، حتى ويلز ليست منها ولا شعبها شعبها ولا لسانها لسانها. فهل بقي إلاّ لندن وبقعة من الأرض صغيرة من حولها؟


حتى هذه، حتى الإنكلو والسكسون، التي دُعيَت نسبة لها إنكلترا (أي أرض الإنكل) هما قبيلتان جرمانيّتان استولتا على هذه الأرض بلا حقّ مشروع ولا نصر مؤزّر، بل بأسلوب هو أقرب إلى الحيلة والغدر. فما هي إنكلترا؟ وكيف ملكَت الهند؟ ضفدعة تلتهم ثوراً! لقد قالوا قديماً: إن للضفادع مثل صوت البقر ولكنها لا تجرّ المحراث.


كيف استعمرَت الهند؟ هل تعرفون كيف ملكت الهند وكيف سيطرَت عليها؟ لقد كان ذلك كما يسيطر المرض على الجسم، المرض الذي يصرع البطل القوي حتى يلقيه جسداً بلا حراك. بل الذي يصرع الفيل والأسد إن استطاعت جرثومته (جرثومة الشيء:أصله) الدخول إلى جسم الأسد والفيل. وما جرثومته؟ إنها حيوان أصغر من أن يُلمَس باليد وأدقّ من أن يُرى بالعين، لو اجتمع منه مئة مليون، أو ألف مليون، بعدد سُكّان الصين، لقضت عليها كلّها نقطة واحدة من الغَوْل (الإسبيرتو) أو من أي سائل مطهّر.


بدأ الاستعمار الإنكليزي بمخزن صغير، بدُكّان جاؤوا صاغرين يستأذنون إمبراطور الهند المسلم بافتتاحها! فما زالت هذه الدكان تتّسع، وتتّسع، وتتّسع، حتى وصلَت جدرانها إلى حدود الهند فإذا البلاد كلها قد دخلت فيها.



إن الراية الإسلامية انطوت بعدما ظلّلَت الهندَ أكثر من ثمانمئة سنة. إن للإسلام في الهند أندلساً كبرى يقف المسلم في آثارها، في دهلي ولكنَوْ وعليغار وهاتيك الديار ... على المساجد التي لم يعُد يسيطر عليها أهلوها، على القلاع التي خلت من جنودها، على العروش التي غاب عنها أصحابها، على الآثار الإسلامية الضخمة، على مسجد قبّة الإسلام (الذي يدعونه مسجد قوّة الإسلام)، على منارة قطب، على القلعة الحمراء، على المسجد الجامع ... وكل ذلك في دهلي، على تاج محلّ القريبة من دهلي، يقف المسلم على ذلك فيحسّ أنه يعصر قلبه دموعاً ويزلزل جوانحه أسىً.


لن أطيل عليكم الكلام ولن أنقل لكم نصوصاً ولا أروي تاريخاً، بل أعرض عليكم خلاصة لما بقي في ذهني بعد أن زرت الهند وقرأت تاريخها.


هذه القارة التي يعيش فيها خُمس سكان الأرض والتي تحوي من الأديان واللغات ضعف ما في أوربّا كلها وأميركا، قارة الهند، بلد الماضي البعيد الحافل بالأحداث، بلد الحضارات والمجد التالد، بلد العجائب والغرائب ... لقد فتحناها ثلاث مرات: مرة على يد القائد العربي الشابّ محمد بن القاسم، ومرة على يد الملك الأفغاني السلطان محمود الغَزْنَوَي، والثالثة على يد الفاتح المغولي المسلم بابر حفيد تيمورلنك (أي تيمور الأعرج).


دخلها ابن القاسم من موضع كراتشي، ودخل مَن بعده من ممرّ خيبر، بالقرب من بيشاور في الشمال. وقد عرفتم (إن كنتم لا تزالون تذكرون) ما تحدّثت به عن أورانك زيب وما كتبته عنه في كتابي «رجال من التاريخ»، هذا الملك الصالح المصلح التقيّ المجاهد، الذي حكم الهند كلها إلاّ قليلاً، وكان سيدها الأكبر، لا أمر فوق أمره ولا إرادة مع إرادته، إلاّ إرادة الله التي يخضع لها كلّ شيء. في عهد هذا الملك العظيم تبدأ الحكاية:
في عهد هذا الملك سنة 1606 للميلاد استأذن عليه سفير الإنكليز، هوكنز. فلما أذن له دخل خاضعاً خاشعاً وانحنى وحيّا وطلب من مكارم الملك وأفضاله الإذن لشركة إنكليزية اسمها «الشركة الشرقية» بأن تفتح مركزاً تجارياً (أي دُكّاناً) في ميناء سورت في مقاطعة كُجُرات. ولم يجد الملك مانعاً من إجابة الطلب فأذن له بافتتاحه.



ولم يدرِ، وأنّى له أن يدري، أنه لم يأذن بفتح دُكّان للتجارة ولكنْ أَذِنَ بفتح الباب للاستعمار وللفساد وللخسارة. وكيف كان يعرف ما عرفناه نحن اليوم من أن الاستعمار في آسيا وإفريقيا إنما بدأ كلّه بدُكّان، بمركز تجاري يُفتَح، ثم يحشد فيه الرجال، ثم تكون له الفروع، ثم تتحوّل هذه الفروع إلى لجان إحصاء واستطلاع (أو هي بالاسم الصريح جمعيات تجسّس ومواطن إفساد)، ثم تصير قلاع حرب علينا، ثم تكون قصور حكم فينا.


وهذا الذي كان.

فتح الإنكليز هذا المركز، وسكتوا. سكتوا سبع سنين ينسجون القيود لنا من وراء الستار، لا يجرؤون أن يُظهِروها لأن الحكم بيد من حديد، هي يد السلطان المسلم السلطان أورانك زيب. حتى إذا مضت السنون السبع وذهب الملك القوي، أقبلوا مرة أخرى يسألون ويستأذنون صاغرين بفتح مراكز جديدة في بلاد اختاروها، فأُذِن لهم. وما زالت هذه المراكز تزداد وتمتدّ، كما يمتدّ المرض الذي ينتشر في الجسم ولا يدلّ عليه ألم ولا ينبّه إليه هُزال، فلم تمضِ مئة وخمسون سنة حتى طوّقَت هذه المراكز البلاد، وصارت الشركة حكومة مستترة تقوم من وراء الحكومة الظاهرة.


عفواً، لقد نسيت أن أقول لكم إن هذه الدولة الإسلامية الضخمة قد تصدّعَت بعد موت الملك الصالح العظيم أورانك زيب (كما تصدّع مُلك صلاح الدين الأيوبي بعد موته) وأدركها مرض المسلمين في أكثر عصور تاريخهم، وهو الانقسام؛ فصارت الدولة الواحدة القوية دولاً صغاراً.


ذهب البطل العملاق وحلّ محلّه نفر من الغلمان المَهازيل. لذلك لم تأتِ سنة 1832 حتى أيقنَت الشركة أن هذه الحكومات الصغيرة لا يمكن أن تتّحد عليها ولا تستطيع واحدة منها أن تصمد لها وحدها، عندئذ رفعَت النقاب وسفرت عن وجهها القبيح، وبدأت ببعض المقاطعات الهندية فحكمتها حكماً مباشراً ظاهراً مدّة ربع قرن.



وهنا استيقظ المسلمون وتنبّهوا إلى الخطر الداهم، إلى النار الآكلة التي شبّت في ديارهم، وهي تمشي إليهم تريد أن تأتي على بنيانهم من القواعد، فاجتمعوا وتداولوا ثم قرّروا الجهاد. وفي صباح يوم الأحد 10 آذار (مارس) سنة 1857 بدأت الحرب قرب دهلي. الحرب التي يظلمها المؤرّخون الإنكليز ومَن ينقل عنهم بلا فهم من مؤلّفين فيسمّيها حركة عصيان، وما هي بالعصيان ولكنها الحرب الدفاعية المقدسة.


وكان يقودها ميرزا مغول ابن بهادر شاه، آخر إمبراطور مسلم في الهند، ولم يكن بقي له من الملك إلاّ اسمه! انضوى تحت رايته المسلمون جميعاً وقليل من الهنادك (الهندوس)، وأبدى المجاهدون من ألوان البطولات ما أدهش المؤرّخين. ولكنهم قوم يظلمون وتدفعهم مصلحة بلادهم إلى استحلال الكذب وتزوير التاريخ.


لم تنفع بطولات المجاهدين مع أسلحة الإنكليز الحديثة ومع دسائسهم المعروفة وتفريقهم بين المتّحدين، فقضوا على هذه النار بعد خمسة أشهر من اشتعالها. فلما هدأت وانطفأت أسرعوا بالانتقام، الانتقام الوحشي المروّع الذي لم يُسمَع بمثله عن جنكيز وهولاكو. هذا الانتقام قام به الإنكليز الذين يزعمون

أنهم أُمّة الحضارة وأهل الديمقراطية وأصحاب الدستور!


دمّروا دهلي المسلمة وقتلوا أهلها قتلاً عاماً، حتى غدت خرائب وأطلالاً وقد كانت أعظم بلاد الهند. وتتبّعوا المسلمين إلى القرى والدساكر يقتلونهم، وكانت تكفي إشارة من هندوسي إلى المسلم حتى يُعلَّق بغصن شجرة مشنوقاً أو يُذبَح بسكّين كما تُذبَح النعاج، وكان شيء لا يوصف.


ثم قبضوا على الإمبراطور فحبسوه، وعلى أمرائه ووُلاته وعلّقوا لهم المشانق في الطرق والساحات. أمّا الإمبراطور فتُرك بلا طعام وهو صابر، حتى إذا عضّه الجوع طلب ما يأكل ... أمسكوا يا أيها القُرّاء بقلوبكم، فإن ما سأعرضه عليكم من تاريخ الإنكليز المتحضّرين وما صنعوا مع الإمبراطور المسلم يصدع قلوب البشر ولو كانت من جلمد الصخر: جاؤوه بصحن كبير مُغطّى، فلما كشفه وجد رؤوس أبنائه الثلاثة قد قُطعت وهي تقطر دماً! وجاؤوه بها فوراً عندما طلب الطعام لتُقدَّم إليه حارّة. هذا الذي صنع الإنكليز المتحضرون! ثمّ شكّلوا خمس محاكم لمحاكمة من بقي من زعماء المسلمين والقضاء عليهم، محاكم سبقت في وحشيتها محاكم التفتيش في إسبانيا.



وعاد المسلمون بعد ذلك كلّه إلى الثورات وإلى الجهاد، سنة 1863 وسنة 1868، ولكن الله لم يكتب لهم النصر. وتفانى الزعماء والقادة ومضوا شهداء واحداً بعد الواحد، وأصاب عامّة المسلمين من هذه الصدمات مثلُ اليأس، فاستسلموا للأقدار وانزووا وتواروا، وانطووا على أنفسهم وابتعدوا عن الحكم بعد أن كانوا هم الحاكمين، وأخلوا المكان للهندوس الذين قرّبهم الإنكليز وأعطوهم الوظائف والولايات التي كانت للمسلمين وشجّعوهم على العلم والدرس والاطلاع على الثقافة الغربية. واستمرّ ذلك نحواً من أربعين سنة، كل سنة منها تزيد المسلمين ذبولاً وانطواء على أنفسهم وعزوفاً عن الحياة العامّة وبعداً عن غمار السياسة.


حتى قام أحمد خان ينبّه المسلمين ويذكّرهم بما كان لهم من سلطان. ولم يكن أحمد خان ماشياً على الطريق الإسلامي الصحيح، ولكن في نفسه غيرة وهِمّة، وكان يريد أن يعمل عملاً يرفع من شأن المسلمين، ولم يكن يريد طفرة ولا يدعو إلى ثورة، بل كان يدعو المسلمين أن يُقبِلوا -مثلما أقبل الهنادك- على الثقافة الغربية ويُتقِنوها ويدخلوا في غمار السياسة وفي وظائف الدولة.

وهو الذي وضع أساس جامعة عليكرة. ولست أريد أن أتقصّى حديث أحمد خان، فمَن شاء وجد خبره عند الأستاذ أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح»، ولا أن أُلِمّ بتاريخ المسلمين في الهند، فإنه تاريخ طويل لا يمكن أن تتّسع له هذه الذكريات وليس من صلب موضوعها، فمَن أراد أن يعرفه رجع إلى ما كُتب فيه، ومِن أقرب المراجع ما كتبه الأستاذ مسعود الندوي رحمة الله عليه، وما كتبه أخونا الحبيب الأستاذ أبو الحسن الندوي أحسن الله إليه وأطال عمره. ولكني أعرض عليكم حادثة تبيّن لكم الأخلاق العملية عند أحمد خان:
لمّا كان يطوف أرجاء الهند ليجمع المال لإنشاء الجامعة وفد على ولاية نَوّابها (أي واليها) مسلم، ولكنه معارض لمشروع الجامعة وكاره لأحمد خان، فسأله أن يشارك في هذا التبرع فوعده بأن يرسل إليه ما يقدر عليه. فلما عاد أحمد خان إلى بلده ومضت أيام جاءه في البريد صندوق صغير من هذا النَّوّاب، فحسب أن فيه هدية ثمينة أو مبلغاً من المال، فلما فتحه وجد فيه حذاء قديماً! أفتدرون ما الذي فعله أحمد خان؟ لم يُعلِن غضبه عليه ولم يردّ الحذاء إليه ولم يشهّر به بين الناس، ولكنه باع هذا الحذاء بقروش قليلة معدودة وبعث إليه سند إيصال بهذا المبلغ ومع الإيصال كلمة شكر. فاستحيا النَّوّاب وتبرع بخمسة وعشرين ألف ربّية للجامعة.


وكان أحمد خان يرى اتحاد المسلمين والهندوس في المطالبة بحقوق البلاد، وكان متحمّساً لذلك حتى أنشأ الهندوس «حزب المؤتمَر» سنة 1885، أي قبل قرن كامل، واتضح له ممّا بدا من سياسة الحزب وأعماله أنّ مصالح الفريقَين مختلفة لا يمكن أن تأتلف. وكيف يجتمع اثنان أحدهما يذبح البقرة ليأكلها، والثاني يقدّسها ويتبرّك بها ويتضمّخ بروثها ويتطيب ببولها؟! ورأى أنه لا يمكن الاتحاد إلاّ بفناء القِلّة المسلمة في الكثرة الهندوسية، فنبذ فكرة الاتحاد.


وتوالت الأحداث واتّسعَت شقّة الخلاف بين المسلمين الذين تنبّهوا قليلاً وبين الهندوس، وعاد إليهم بعض الثقة بأنفسهم، وجاءت سنة 1905 ميلادية وظهر الخلاف على أشدّه في البنغال التي يَعمُر شرقيّها (أي منطقة بنغلاديش اليوم) المسلمون ويسكن غربيّها الهندوس، واستجاب الإنكليز للواقع فقسموها إدارياً بين الطرفين.


وكانت تجرِبة موفّقة، حفظت للمسلمين بعض حقوقهم فيها وصانتها بعض الصيانة من الضياع. ويَعُدّ المؤرّخون سنة 1906 بداية اليقظة الحقيقية لمسلمي الهند بعدما ظلّوا مئة وخمسين سنة في حالة إغماء، أو شبه إغماء، من تلك الضربة التي انصبّت غدراً على رؤوسهم من الإنكليز.



في هذه السنة، 1906، تأسّسَت الرابطة الإسلامية لعموم مسلمي الهند، وألّفَت وفداً من ستّة وثلاثين زعيماً من زعماء المسلمين في أقطار الهند كلها للمطالبة بحقوقهم، وأوّلها الاحتفاظ بتقسيم البنغال الذي كان الهندوس يعملون على إلغائه، ووصلوا إلى ما كانوا يسعون إليه سنة 1911 فأُلغِي تقسيم البنغال.

والدنيا يا إخوان يومان: يوم لك ويوم عليك. وقد بدأ في تلك السنة (1911) اليوم الذي كان علينا، وكان يوماً طويلاً وكان صعباً أليماً، مال فيه الميزان واشتدّ علينا الزمان، ففي الهند كانت هذه النكسة، وطرابلس (ليبيا) هجم عليهم الطليان بلا حُجّة ولا برهان، بل كما تهجم الذئاب الجائعة على القرية الآمنة في الليل البهيم. وكان الاتحاديون (وأكثرهم مفسدون ملحدون) قد عزلوا السلطان عبد الحميد بعدما شوّهوا سيرته، فكذبوا عليه ونسبوا كل منقصة إليه، واستولوا على الدولة العثمانية فأضاعوا -بجهلهم وقلة حنكتهم وفساد نيّاتهم- بلاد البلقان التي كان يحكمها السلاطين من آل عثمان.


وهُتك الستار الذي كانت تختبئ وراءه أوربّا، وظهر للعيان أن الحروب الصليبية لم تنتهِ حملاتها ولم تَزُلْ من نفوس القوم الدوافع إليها، فإذا هي تتّحد علينا جميعاً في حرب البلقان، حتى إن إنكلترا نسيَت ما صنعت في الهند بالأمس القريب وبكت في اليونان بدموع التماسيح (إن صحّ أن التماسيح تبكي بالدموع)! وتحمّس أبناؤها للدفاع عن الحُرّية وعن العدالة. وما يريدون حُرّية ولا عدالة، وإنما هي عداوتهم للإسلام الذي كان يتمثّل في أنظارهم بدولة آل عثمان. وتطوّعوا للحرب مع اليونان، حتى وصلَت الحماسة إلى الشاعر الفاسق الذي عشق أخته. هل سمعتم بإنسان يهبط في درك البهيمية حتى يعشق أخته؟ ذلكم هو اللورد بيرون!

وقلب الإنكليز في الهند للمسلمين ظهر المِجَنّ، فسُجن الزعيمان المسلمان شوكت علي ومحمد علي وصودرَت صحف المسلمين، عندئذ أعلنت الرابطة الإسلامية غضبها على بريطانيا. وكانت هدنة عُقدت بينها وبين حزب المؤتمَر لمّا أعلنت الحرب سنة 1914، فلما انقضَت الحرب وقام غاندي بحركة العصيان السلميّ ... وقد مرّ علينا دهر كنّا نظنّ فيه غاندي من أبعد الناس عن التعصّب ومن أقربهم للمسلمين، فلما ذهبت إلى الهند ورأيت الحقائق من قرب علمت أنه أعدى علينا مِمّن يُظهِر منهم العداوة لنا، ولكنه يطعن بخنجر حادّ يمسكه بيد ناعمة تلبس قفّازاً من حرير. وسيأتي خبر ذلك.


لمّا قامت حرب 1914، وهي أفظع حرب شهدها تاريخ الإنسان إلى ذلك الزمان، أدخل الاتحاديون دولتهم فيها وما للدولة مصلحة في دخولها، وزادهم الله عَمَى في البصيرة وقِصَراً وضعفاً في البصر فضلّوا الطريق، فكانوا مع الجانب الذي كان عليهم -لو عقلوا- أن يجانبوه، كانوا مع الألمان. فلما انهزموا
وضاعوا ضاعوا معهم.


ثم جاء رجل منهم فأعلن الحرب على الإسلام جهاراً، الإسلام الذي جعل من قومه ملوكاً وسادة للقارّات الثلاث بعد أن كانوا بدواً رعاة بقر وشَاء، لا شأن لهم في الدنيا إلاّ أنهم يقاتلون فيحسنون القتال. وألقى بيده عن رأس قومه تاجَ الخلافة، فتلقّفه محمد علي وصحبُه في الهند وجعلوا الخلافة وإعادتها شعاراً لهم، فانضوى المسلمون إليهم. ولا يربط المسلمين دائماً شيء مثل الدين، وكل رابطة سواه مصيرها إلى التقطّع والانحلال.





وانتهت الزعامة الإسلامية إلى الذي يدعونه «القائد الأعظم»، وهو محمد علي جنّة (جناح)، واقترب تحقيق الحلم الذي كان اسمه باكستان. وهي كلمة جُمعت حروفها من أسماء الأقاليم الإسلامية هنا: البنجاب (ومعناها الأنهار الخمسة) وكشمير والسند. أما المعنى الحرفي لكلمة باكستان فهو «أرض الأطهار».

والأطهار حقاً هم المتمسّكون بالإسلام اعتقاداً وسلوكاً، قولاً وعملاً، يخلصون لله رجاء ثوابه ومخافة عقابه، لا يكون لهم فيما قضى الله فيه رأي ولا اختيار، فلا يفكرون في ترك واجب أوجبه الله ولا استحلال أمر حرّمه الله أو مخالفة ما في كتاب الله وما جاء به رسول الله. فهل كان القائد الأعظم وكان صحبه كذلك؟



أنا لا أقول شيئاً ولكن أسأل سؤالاً. هل كانوا مع الله يتبعون شرعه، ويسلكون طريقه، ولا يحيدون عنه، في خلواتهم وفي جلواتهم، في أنفسهم وفي أُسَرِهم وفيمن ولاّهم الله أمرهم من قومهم؟


أكثر القُرّاء يعرفون كيف قُسِّمت القارة الهندية بين المسلمين والهندوس: حيدر أباد التي كان يحكمها حاكم مسلم كان في أيامه أغنى رجل في الدنيا أُعطِيَت للهنادك، لأن العبرة -كما قالوا- ليست بدين الحاكم بل برغبة الشعب المحكوم. فلما جئنا إلى كشمير التي يسكنها شعب مسلم لا يريد إلا الإسلام، قالوا: لا، بل العبرة بدين الحاكم لا برأي الشعب! لأن كشمير كان حاكمها غير مسلم.


وقامت باكستان جسماً مقطَّع الأوصال، نصفٌ في الشرق ونصفٌ في الغرب، ودخلَت أيدي الأشرار بين القسمَين فلم تجمعهما ولكن ثبّتت تفريقهما.

ولو أن الدولة أُسِّست على التقوى من أول يوم، ولو أنها اتّبعَت شرع الله وطلبت النصر من الله، ولو لم يدركها الداء الذي أصابنا جميعاً، داء الثقة بغير الله واتباع أعداء الله واقتفاء خطواتهم والسير على أثرهم ... لو أن المسلمين جميعاً، لا باكستان وحدها، كانوا مع الله لكان الله معهم، ومن كان الله معه لم يضرّه عدو مهما كان كبيراً، لأن «الله أكبر».


ودعوني أقُل لكم كلمة أنا أعلم أنها ليست من صميم الذكريات، وأعلم أنها موعظة، والمواعظ شديدة على النفس تنفر منها وتأباها، ولكنني أردت أن أختم هذه الحلقة بها:

لقد عرفت كثيراً من الزعماء المسلمين الذين قاموا يحاربون الاستعمار والمستعمرين، ولكنهم يسلكون طريقهم ويفكّرون تفكيرهم ويعتادون عاداتهم، ولا يكاد جلّهم يتمسّك بما يدعو إليه الإسلام. فخبّروني: كيف يحارب الاستعمارَ مَن الاستعمارُ في رأسه فأفكارُه أفكار المستعمرين، والاستعمارُ في قلبه فهواه تَبَعٌ لهوى المستعمرين، والاستعمار في بيته وفي أسرته فسلوكه في البيت سلوك المستعمرين؟ إذا كنت لا أستطيع أن أتحرّر أنا منهم فكيف أحرّر بلادي من الاستعمار؟


والكلام لم يكمل، والحديث متصل إن شاء الله.





الاثنين، 15 فبراير، 2016

الفتح الإسلامي


للشيخ الأديب علي الطنطاوي
من كتاب: فكر وباحث 

نشرت سنة 1936


«الفتح الإسلامي» (1) أكبر لغز من ألغاز العبقرية، وأروعُ أحْجيَّة من أحاجي النبوغ، وأجلُّ مظهر من مظاهر العظمة في تاريخ البشر. ولقد مرت عليه إلى اليوم قرون طويلة، وأعصار مديدة، ارتقى فيها فن الحرب، وتقدم فيها البشر أشواطاً في كل ميدان من ميادين الحضارة، وغاص المؤرخون في أعماق الحوادث التاريخية، فكشفوا أسرارها وعرفوا أسبابها، فبدت لهم هيِّنة ضئيلة، بعد أن كانوا يرونها لغزاً لا يحل، ولكنهم لم يستطيعوا أن يكشفوا سر الفتوحات الإسلامية ولم يدركوا كُنْهَها. وستمر قرون أخرى وأعصار قبل أن يكشف ذلك السر، وقبل أن يرى تاريخ البشر حادثاً أعجب وأعظم من «الفتح الإسلامي».

إن الحوادث العظيمة في التاريخ على اختلاف مظاهرها وتنوُّع أشكالها، لا تعدو أن تكون واحدة منذ ثلاث: إما أن تكون عظمتها فيما أورثت الإنسانية من حضارة وعمران، وما رفَّهت من عيش الناس، وما أفادتهم من رغد ونعمة وترف، وإما أن تكون هذه العظمة فيما خدمت به العقل البشري، وأمدَّته بأسباب القوة والنضج، ورفعت من تفكير الناس، وأدنتهم من المثل العليا التي يطمحون إليها، بما فتحت عليهم من أبواب الثقافة وسُبل المعرفة، وإما أن تكون عظمة الحادث التاريخي في ذاته، وفيما ينطوي عليه من بطولة نادرة، وقدرة عجيبة، وجلال لا يعرفه التاريخ إلا قليلاً؛ أي أن العظمة إما أن تكون عظمة حضارة وعمران، أو علم وفكر، أو بطولة وحرب.


«والفتح الإسلامي» أعظم الحوادث التاريخية كلها، في أبواب العظمة كلها، لا يدانيه في ذلك حادث في تاريخ الشرق والغرب، القديم منه والحديث.

أما في الحروب فإن التاريخ يعرف كثيراً من الفاتحين، منذ عهد الإسكندر ومن قبل الإسكندر، إلى عهد نابليون ومن بعد نابليون، ولكنه لم يعرف فتحاً أوسع ولا أسرع من «الفتح الإسلامي» الذي امتدَّ في اثني عشر عاماً فقط من طرابلس الغرب إلى آخر بلاد العجم، وحاز مصر وسورية وفارس كلها ... على أن ميزة الفتح الإسلامي ليست في السعَة والسرعة وحدهما، ولكن ميزته الكبرى أنه فتح أبدي، فلم يعرف عن المسلمين أنهم دخلوا بلاداً وخرجوا منها (2)؛ ذلك أنهم لايفتحون البلاد بسيوفهم شأن كل الفاتحين، ولكنهم يفتحون القلوب والعقول، بعدلهم وعلمهم، فلا تلبث البلاد المفتوحة أن تندمج بالمسلمين، وتصبح أغير على الإسلام من المسلمين الفاتحين، بينما ترى البلاد التي فتحها غيرهم تبقى خاضعة لهم ما بقي السيف مصلتاً فوق رؤوس أهلها، فإذا أحسوا من الفاتحين غرَّة، وآنسوا منهم ضعفاً وثبوا عليهم فطردوهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه، حتى أن أميركا على رغم أنها كانت خالية إلا من قبائل لا شأن لها، وليس فيها دين يناوئ ديناً، أو عادات تصادم عادات، وعلى رغم أن أهلها الذين استعمروها إنكليز كالإنكليز الحاكمين، فإنهم وثبوا عليهم وحاربوهم حتى نالوا استقلالهم؛ ولا تجد اليوم أميركياً واحداً يريد الانضمام إلى إنكلترا (الأم الكبرى)، بينما تجد كل مسلم في الصين أو الهند أو جاوا أو القسطنطينية -كل مسلم صحيح- يتحسَّر على الوحدة الإسلامية -ويسعى إليها- ولا يقبل بها بديلاً، على رغم ما أحدثوا لهم من كذبة القوميات وبدعة الوطنيات، وما أقاموا بين الإخوان من سدود، وما فصلوا به بينهم من حدود، وما مرَّ على هذه التفرقة من سنين وأعوام. ذلك لأن «الفتح الإسلامي» فتح أبديّ، مستقر في القلوب، لا تقوى قوة بشرية على انتزاعه، وهذه هي ميزته التي امتاز بها على كل فتح في التاريخ.

أما في العلم والثقافة؛ فقد كان «الفتح الإسلامي» أكبر حادث علمي، لأنه حمل إلى البلاد التي فتحها علم السماء والأرض، فحرَّر عقولها بالتوحيد، وأعتقها من عبودية الأحجار والأشجار، والنيران والأخشاب، والقسس والأشراف. ثم وضع في أيديها القرآن الذي يأمر بالتفكُّر في خلق السموات والأرض، ويَحْفِز إلى البحث والنظر والاستدلال، والسنَّة التي ترغب في العلم وتدعو إليه، وتجعل طلبه فريضة على كل مسلم؛ وكان الفاتحون أنفسهم علماء فما إن فرغوا من الحروب حتى وضعوا السيف وحملوا القلم، وألقوا الدروع وأخذوا الكتب، وجلسوا في المساجد (والمساجد برلمانات المسلمين وجامعاتهم العلمية) يُدرسون ويُقرئون ويبحثون، فكان من تلاميذهم المفسرون والمحدِّثون، والفقهاء والأصوليون، والأدباء والنحويون، والقصاص والمؤرخون، والفلاسفة والباحثون، والأطباء والفلكيون، أولئك الذين تصدَّروا بعدُ للتدريس في جامعات الشرق، وجامعات الأندلس، فجلس بين أيديهم الباباوات، والملوك ملوك أوروبا، وكانوا أساتذة العالم الحديث.

فكان من ثمرة الفتح أن هذه البلاد الأعجمية -التي كانت تئن في ظلام الجهل والظلم- لم تلبث أن ظهر منها علماء فحول، كان لهم الفضل على العقل البشري، ولا تزال أسماؤها خالدة، تضيء في جبين الدهر.

ومن لعمري ينسى البخاريّ والطبريّ والأصبهاني والهمدانيّ والشيرازيّ والسَّرَخْسي والمرْوَزي والرازيّ والخُوارزْمي والنَّيْسابوريّ والقزوينيّ والدِّينوَري والسِّيرافي والجُرجاني والنَّسائي وغيرَهم وغيرَهم ممن لا يحصيهم عدّ؟ ألا يشعر كل مسلم بأن هؤلاء وأمثالهم هم علماء الملَّة وأعلامها؟ ألا نحلُّ كتاب البخاري أسمى محل من نفوسنا، ونتخذه حجة بيننا وبين الله؟ ألايؤلف هؤلاء العلماء صلة من أوثق الصلات بيننا وبين فارس لا يستطيع أن يفصم عراها مئة حكومة من مثل الحكومة الحاضرة، التي تستن في فارس سنَّة (هذا الآخر ...) في تركيا.

هذا هو فضل الفتح علينا وعلى الأجيال الآتية، أما فضله على العقل البشري فحسبك أن تعلم أنه لولا الفتح الإسلامي، ولولا علماء المسلمين وفلاسفتهم لم يكن عقل القرن العشرين.

أما في الحضارة والعمران؛ فللفتح الإسلامي أكبر الأثر في نشر الحضارة وتوطيد العمران، والعمران طبيعة في العربي المسلم، فلم يمض على فتح المسلمين بلاد العراق إلا سنوات حتى أسسوا مدينتين كبيرتين كان لهما الفضل والمنَّة على الحركة العلمية والأدبية في العالم كله. فضلاً عن أنهما كانتا قاعدتين حربيتين من أكبر القواعد الحربية؛ وما استقرت أقدامهم في البلاد حتى شرعوا في بناء المدن الكبيرة، والقصور العظيمة، وإنشاء أروع آثار البناء، حتى كانت بغداد وسرَّ من رأى، وكانت دمشق من قبل، والقاهرة ومدن الأندلس من بعد، أعجوبة في فن العمران، وها إن أثراً صغيراً من آثار العرب -ليس بأعظمها ولا أكبرها- لا يزال إلى اليوم محطَّ ركاب الرحال من أهل العلم ورجال الأدب، ولا يزال مصدراً مالياً لحكومة من كبار حكومات أوروبة تعيش إلى اليوم بفضل العرب، هي حكومة اسبانيا. ولقد حاول الإنكليز على قوتهم وغناهم -في هذا العصر الذي تيسرت فيه أسباب كل شيء- أن ينشئوا مثل «الحمراء» فأنشؤوا قصراً في سيدنهام يعدّ من أعظم المباني العصرية وأجملها، ولا يزال دون الأصل بمراحل (¬1) فكيف بمن بنى الأصل في ذلك العصر الغابر؟.

وكيف لو بقيت «الزهراء» التي حيَّرت رُسُل الإفرنج، أو بقي «التاج» في بغداد، أو «دار الشجرة» التي أدهشت وفود الروم؟

...

إنه ما من شك لدى المنصفين من المؤرخين، أنه لولا قيام الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى (4) وازدهارها في الشرق حين كانت أمم الغرب في ظلمات بعضها فوق بعض، لم تقم الحضارة الحاضرة، ولم يتمتع البشر اليوم بثمراتها.

فالفتح الإسلامي إذن أعظم حادث في البطولة والفكر والعمران. وهو لغز غامض حيَّر نابليون (نابغة العصر الحديث في فن الحرب) وحيَّر المؤرخين كلهم. ذلك أن العرب على ما امتازوا به من الكرم والشجاعة والوفاء والعزة والإباء، كانوا في جاهليتهم بُداة متفرقين، وجاهليين وثنيين، منقسمين على أنفسهم، مختلفين فيما بينهم، لا يعرفون إلا جامعة القبيلة، ووحدة العشيرة، فإذا فخروا فبها يفخرون، وإن دافعوا فعنها يدافعون ... إذا وجد العربي من القبيلة قافلةً من غير قبيلته، كان في حل من انتهاب مالها، وقتل رجالها، لا حكومة تنظم أمورهم، ولا دين يردعهم، إلا ديناً مضحكاً سخيفاً، دين من يتخذ رباً من التمر، فإذا جاع أكله، كما (أكلت حنيفةُ ربها ...)، أو من ينحت من الصخر صنماً ثم يعكف عليه عابداً داعياً، أو من يعبد الشجر والحجر. وكانوا يخشون كسرى، ويرهبون قيصر؛ وكان ملوكهم في الحيرة والشام تبعاً للفرس والروم وجنداً لهما، يضربون بعضهم ببعض، ليذهبوا هم بالغنم ويعود العرب بالغرم؛ وكان اتحاد قبيلتين اثنتين كبكر وتغلب في طاعة كليب، أو قيس والسَّكون في جيش قيس بن معدي كرب حادثاً عجيباً يكسب صاحبه فخر الأبد، وأمراً نادراً يلبث حديث الناس أياماً وليالي ... فكيف يتَّحد العرب كلهم، عدنانيّهم وقحطانيّهم، ويسيرون في صف واحد، يقدمهم رجل واحد، حتى يواجهوا جيوش كسرى وقيصر التي يهابونها ويرهبونها، ثم يضربونها الضربة القاصمة للظهر، فإذا انجلى غبار المعركة نظرت فإذا المعجزة قد ظهرت على أتمها، وإذا الأرض قد بُدلت غير الأرض، وإذا فارس الوثنية، وسورية النصرانية، ومصر الرومانية، قد محيت كلها محواً، وقامت مكانها أمم إسلامية في فارس وسورية ومصر، كأنما هي لإخلاصها للعربية والإسلام لم تكن يوماً من الأيام على غير الإسلام؟

أكان هذا الانقلاب ما بين ليلة وضحاها ... أكان هذا التبدُّل الذي تغلغل في صميم الأمة العربية فغير كل شيء فيها وأنشأها إنشاء جديداً لأن رجلاً قام في مكة، يتلو كتاباً جاء به؟ أيقوى رجل مهما كان شأنه على مثل هذا العمل ويكون له في تاريخ العالم ومستقبل البشرية هذا التأثير؟.

هذا هو اللغز الذي حيَّر المؤرخين من الغربيين، ولم يعرفوا له حلاً معقولاً!

على حين أن الأمر واضح والسبب ظاهر، ذلك أن هذا الأمر لم يكن عمل رجل عظيم من عظماء الناس، ولكنه عمل الله جلَّت قدرته، أظهره على يد سيد أنبيائه، وخاتم رسله، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ذلك أن «الفتح الإسلامي» معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم.

...

هذا وإن من الخطأ أن نعدُّ الفتح الإسلامي، مثل ما نعرف من فتوح الأمم المختلفة في الأعصار المتباينة، لأن للفتح الإسلامي طبيعة خاصة به تجعله ممتازاً عن سائر الفتوح، وتنشئ له في التاريخ باباً خاصاً، ذلك أن كافة الفتوح إنما كانت الغاية منها ضمَّ البلاد المفتوحة إلى أملاك الفاتحين، والانتفاع بخيراتها ومواردها، لا نعرف فتحاً يخرج عن هذا المبدأ إلا الفتح الإسلامي، فلم تكن الغاية ضمَّ البلدان إلى الوطن الإسلامي، وامتصاص دماء أهلها وأموالهم، واستغلال مواردها الطبيعية وخيراتها، ولكن غايته نشر الدين الإسلامي والسعي لإعلاء كلمة الله، وإذاعة هدي القرآن في الأرض كلها؛ فكانوا كلما وطئوا أرضاً عرضوا على حكومتها وشعبها الإسلام، فإن قبلوا به واتَّبعوه ونطقوا بكلمة الشهادة انصرفوا عنهم وعدُّوهم إخوانهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لا فرق بين أمير المؤمنين وآخر مسلم في أقصى الأرض؛ كلهم سواء في الحقوق والواجبات، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وإن لم يقبلوا بالإسلام عرضوا عليهم الجزية، وهي أقل بكثير مما كانوا يدفعونه إلى ملوكهم وأمرائهم، وسموهم ذميين لهم ذمَّة المسلمين، وأعطوهم الحرية في أمور دينهم ودنياهم، وتعهدوا لهم بالأمن الداخلي والخارجي. وإن أبوا أن يعطوا الجزية حاربوهم ... ثم لم يكرهوا أحداً على الإسلام لأن في صحة الإسلام وفوائده في الدنيا والآخرة ما يغني في الدعوة إليه عن السيف. وما (دين محمد دين السيف) كما يهتف العامة والجاهلون، ولكنه دين العقل والمنطق والعلم، والمسلمون عامة دعاة مرشدون، ولكنهم دعاة أقوياء يحملون القرآن بيد، والسيف بالأخرى، فمن قبل فما كانوا ليحاربوه، ومن أبى وحاربهم أدَّبوه حتى يرجع إلى الحق، ويجنح إلى السلم.

ثم إن معاملة المسلمين للذميين، ووفاءهم بعهودهم، وصدق وعودهم وكرمهم وتسامحهم الذي شهد به الأصدقاء والأعداء؛ وصار أشهر من أن يذكر ما يؤكِّد طبيعة «الفتح الإسلامي» ويرفعه عن أن يقاس به فتح آخر!

وهذه هي التواريخ فاستقروها واحكموا!.

***
_______________________________________________________

(1) انظر مقالة (الفتح الإسلامي) في كتابي (أخبار عمر)، طبع دمشق سنة 1959.
(2) إلا الأندلس وما يلحق بها، وقد بقيت روح العرب المسلمين في الأندلس برغم نصرانيتها وإسبانيتها، وبرغم ما حاربوها به من وسائل وحشية همجية -حتى ظهرت أخيراً على ألسنة كبار شعرائها، وأعاظم ساستها، واقرأ نبأ ذلك في (حاضر العالم الإسلامي).
(3) حضارة العرب، لأسعد داغر، ص 256.
(4) المذهب الصحيح في القرون الوسطى هو ما ذهب إليه المؤرخ الألماني (شبنكلر) وغيره من أن هذا التقسيم إلى قرون قديمة ووسطى وحديثة -إن صح وقبل- فلا يطلق على غير أوروبة، ولا علاقة له بالشرق، لأن لكل حضارة مميزات خاصة، ومن الخطأ الجسيم سحب صفات القرون الوسطى على الشرق المسلم الذي كان إلى ذلك العهد في ذروة الرقي.

السبت، 13 فبراير، 2016

أيوجد سائح أوروبي يفتخر بمثل ما قدمه ابن بطوطة للأجيال المتتابعة؟


ينقل السائح الأوروبي (سيتزن) عن هذة الرحلة، حيث يذكر متسائل؟ (( أيوجد سائح أوروبي يفتخر بمثل ما قدمه ابن بطوطة للأجيال المتتابعة؟ هل كان في وسع أمة أوروبية منذ خمس قرون أن تجد من أبنائها مم يجوب بلاد العالم، وهو على مقدرة من استقلال الحكم، والقدرة على الملاحظة، والدقة في الكتابة مما يتوفر لدى ابن بطوطة))! وهو اعتراف من رحالة محايد، صدر عن نزاهة واقتناع.

على أن الذين يقولون: أن الديمقراطية قد تقدمت في هذا العصر بما لم تتقدم به في عصر ابن بطوطة يجب أن يجيبوا على هذا السؤال، هل يمكن لرحالة معاصر الآن أن يذهب إلى بلد لا يعرف لغته، ويجد من استقبال الملوك والوزراء والحكام ما وجده ابن بطوطة، وهو شخص غريب، ليس سفيرا˝ سياسيا˝، أو أميرا˝ في موطنه! ولكنه وجد من سرعة الاتصال والجلوس مع الملوك ما لا يتاح الآن لأي رحالة، إلا إذا كان ذا وضع سياسي كبير، فالمساواة من قبل قد وجدت تنفيذها العملي قبل أن يتشدق بها الآن من يجعلون الحضارة الأوروبية أساس هذة المساواة! مع أن الإسلام قد شرعها منذ خمسة عشر قرنا˝ كما هو معروف دون إنكار. 


________________________________________
محمد رجب بيومي: طرائف ومسامرات (395) دار القلم : الطبيعة الأولى 1421ه - 2001م

الجمعة، 12 فبراير، 2016

نعم يطلق على رغمى، فمن أراد الله إطلاقه، لا أقدر أنا على منعه!!


قال الإمام ابن حزم: أخبرني هشام بابن البشتنى، عن الوزير أبي رحمه الله: أنه كان بين يدي المنصور أبي عامر، محمد بن أبي عامر في بعض مجالسه للعامة، فرفعت إليه رقعة استعطاف لأم رجل مسجون كان ابن أبي عامر حنقاً عليه لجرم استعظمه منه، فلما قرأها اشتد غضبه، وقال: ذكرتنى والله به! وأخذ القلم يوقع، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، ورمي الكتاب إلى الوزير.
قال: فأخذ أبوك القلم، وتناول رقعة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرط.
فقال له ابن أبي عامر ما هذا الذي تكتب؟
قال: بإطلاق فلان.
قال: فحرد وقال: من أمر بهذا؟ فناوله التوقيع، فلما رآه قال: وهمت، والله ليصلبن، ثم خط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق؟
قال: فأخذ والدك الرقعة، فلما رأى التوقيع تمادى على ما بدأ به من الأمر بإطلاقه، ونظر إليه المنصور متمادياً على الكتاب، فقال: ما تكتب؟
قال: بإطلاق الرجل.
فغضب غضباً أشد من الأول، وقال: من أمر بهذا؟ فناوله الرقعة، فرأى خطه، فخط على ما كتب، وأراد أن يكتب: يصلب، فكتب: يطلق، فأخذ والدك الكتاب، فنظر ما وقع به، ثم تمادى فيما كان بدأ به، فقال له: ماذا تكتب؟
فقال: بإطلاق الرجل، وهذا الخط ثالثاً بذلك، فلما رآه عجب، وقال: نعم يطلق على رغمى، فمن أراد الله إطلاقه، لا أقدر أنا على منعه، أو كما قال.

____________________________________________

 الحميدي: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس

الخميس، 11 فبراير، 2016

لغتكم يا أيها العرب للشيخ الأديب علي الطنطاوي



أذيعت سنة 1957


كنت أقلب أمس أوراقاً لي قديمة وأنا قاعد أفكر في موضوع أتحدث فيه اليوم إليكم فوجدت عدداً قديماً مصفراً من جريدة (فتى العرب) من يوم كنت أعمل فيها مع الأستاذ معروف، رحمه الله، من قبل سبع وعشرين سنة، فيه مقالة لي من سلسلة (أحاديث ومشاهدات) التي كنت أنشرها في تلك الأيام، ففرحت به وعدت إليه أقرؤه، لأني فقدت مع الأسف أكثر ما كتبته وضاع مني، وكانت المقالة موجهة إلى مجلس المعارف الكبير وقد استهلت بخلاصة قصة (الدرس الأخير) لـ (الفونس دوده). يقص فيها على لسان صبي من الألزاس، كيف هرب من المدرسة، وأخذ طريق الحقول، ليقطع النهار في اللهو واللعب، ثم بدا له، فعدل عن هذا وذهب إلى المدرسة، فإذا هو يرى الناس يسرعون السير في الشوارع، مصفرة ألوانهم، تبدو عليهم أمارات الذعر والألم، وإذا هو يرى الأستاذ يذهب ويجيء في باحة المدرسة، قلقاً مضطرباً، وقد قعد بعض أهل القرية على مقاعد الصغار، واجمين شاخصين، فانسل إلى مكانه متحيراً لا يدري ما الخبر، وإذا بالأستاذ يعلو المنبر ويقول بصوت مرتجف ورنة حزينة كأنها رنة بكاء مكتوم:

أولادي. هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان (وكان ذلك في حرب السبعين) وصارت دروسكم باللغة الألمانية فلا فَرَنسية بعد اليوم.

وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فعاد يقول:

والآن: أصغوا لي لألقي عليكم (الدرس الأخير) باللغة الفرنسية وقم أنت يا فلان.

قال الصبي: فما سمعت اسمي حتى ارتجفت ووقفت ساكتاً، ولم أكن قد حفظت درسي، فقال لي الأستاذ:

اقعد، أنا لا أعنفك ولا أعاقبك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم وسلمتموها إلى عدوكم بإهمالكم لغتكم (من مقالتي في فتى العرب سنة 1930.).

...

وتركت الجريدة القديمة، ووقفت عند هذه الجملة، وقفت لأذكر ما تبذل أمم الأرض في العناية بلغاتها وما نصنع نحن العرب بلغتنا، وقفت لأذكُرَ كَمْ أسمع كل يوم من العبث باللغة والنحو والصرف، ورفع المنصوب، ونصب المرفوع، لا من التلاميذ الصغار وحدهم، ولا من الناشئة التي قد تعذر إن لحنت على لحنها. بل من السياسيين والمحامين والمدرسين، في البرلمان وفي المحكمة وفي المدرسة، بل إني لأسمع اللحن من أفواه الأدباء وأقرؤه في كتبهم، المجلات مملوءة باللحن، والقصص المطبوعة مملوءة باللحن، والكتب الجديدة مملوءة باللحن، وفي كل مكان لحن ظاهر، يتأدب به الصغير، وينشأ عليه الناشئ. وممن سمَّاهم الناس أدباء وشعراء من لا ستطيع أن يكتب صفحة واحدة صحيحة، ولا يقدر أن يقيم لسانه في صفحة واحدة. لقد فشا اللحن، وانتشر الجهل، وعم الضعف، وفقدت العربية المدافع والمحامي.

ولقد قلت لكم إن اللغة الإنكليزية (مثلًا) فيها حروف تكتب ولا تقرأ، وحروف تقرأ وهي غير مكتوبة، وحروف تقرأ مرة شيئاً، ومرة شيئاً آخر، ولا بد لكل طالب لهذه اللغة من أن يتعلم كيف يكتب كل كلمة فيها ثم يتعلم كيف تلفظ، وهي بعدُ لغةٌ سماعية، لايطَّرد فيها قياس، ولا تعرف لها قاعدة، ومخارج حروفها عجيبة، وألسنة أهلها ملتوية، ثم إنها لغة ليس لها نسب ثابت، ولا أصل معروف، ولا يفهم إنكليزي اليوم كلام الإنكليز في عصر المعري والشريف الرضي، فضلاً عن عصر امراء القيس وزهير. وألفاظها لُمامَة من الطرق، من كل لغة كلمة، ففيها كلمات ألمانية وكلمات فَرنسية وكلمات من العربية.

وهي على هذا الضعف، وعلى هذا العجز، وهذه المعايب كلها، قد سمت بها هِمَم أهلها، حتى فرضوها على ربع أهل الأرض، وأنطقوهم بها. ولغتنا العربية، وهي أكمل لغات البشر، وأجودها مخارج، وأضبطها قواعد، ذات القياس المطرد، والأوزان المعروفة، قد أضاعها أهلوها وأهملوها، لم يكفهم أن قعدوا عن نشرها وتعليمها الناس كما فعل أجدادهم من قبل، بل هم قد تنكروا لها، وأعرضوا عنها، وجهلها حتى كثير ممن يدرسها، وجهلها حتى كثير ممن يدعون الأدب فيها، وأين اليوم من أدباء العربية كلهم من يروي من الشعر مثل رواية الشنقيطي؟ أو يعرف من علوم العربية مثل معرفة حمزة فتح الله؟ أو يتذوقها ويكتب فيها مثل كتابة الرافعي؟ أويحفظ من نوادر نصوصها مثل حفظ النشاشيبي؟ وإذا ولَّى غداً (بعد عمر طويل) هؤلاء النفر من أدباء مصر وكتابها، فمن يبقى المرجع في اللغة وعلومها؟.

العربية في خطر يا أيها العرب، العربية في خطر يا من يعتز بالقومية، إن اللغة هي ركن القومية الركين ولقد عملت في بناء حضارتنا عوامل مختلفات منذ عهد العباسيين، ودخلت فيها (في الفكر وفي العادات)، عناصر أجنبية يونانية وفارسية وهندية، ولكن بقي الدين إسلامياً خالصاً، وبقيت اللغة عربية خالصة، فملكنا نحن هذا كلَّه ولم يملكنا وكان من أبناء هذه الشعوب غير العربية، علماء في ديننا، وأئمة في لغتنا وأدباء: شعراء وكتاب، في لساننا، ولم يخل عصر من العصور، من أئمة في اللغة وحفظة لها من عصور الانحطاط، التي توالت علينا منذ القرن الثامن الهجري إلى أن أشرق فجر النهضة الجديدة. وفي هذه العصور ألفت أكبر المعاجم اللغوية، (لسان العرب) و (شرح القاموس) وهذه أول مرة تتعرض فيها العربية إلى هذا الخطر، وهو أن تفقد الإمام اللغوي. ومن ظن أني أتشاءم أو أبالغ، فإني أعود فأساله أن يدلني على إمام في العربية ضليع فيها، يخلف هؤلاء النفر الباقين من شيوخ الأدب في مصر؟

لقد كدنا نجهل لغتنا ومن شك فليمتحن نفسه، فليفتح لسان العرب وليقرأ فيه عشرة أبيات متتابعة من شواهده، من أي صفحة شاء، فإن فهمها كلها، واستطاع أن يشرحها، أو فهم نصفها أو ربعها واستطاع أن يشرحه، فأنا المخطئ ومن يرد علي هو المصيب.

أنا لا أطلب أن يكون فينا من يؤلف مثل الكامل وأدب الكاتب والأمالي، بل أطلب أن يكون فينا من يقرؤها بلا لحن، ويفهم ما فيها بلا شرح.

إن اللغة العربية معجزة الذهن البشري، وأعجوبة التاريخ في عصوره كلها، وإذا كان التاريخ يذكر ولادة كل لغة، ويعرف مراحل نموها، ومدارج اكتمالها، فإن العربية أقدم قدماً من التاريخ نفسه فلا يعرفها إلا كاملة النمو، بالغة النضج. فمتى ولدت؟ ومتى كانت طفولتها؟ ومتى تدرجت في طريق الكمال حتى وصلت إلينا كاملة مكملة لم تحتج إلى تبديل أو تعديل؟ بل لقد أمدت بما زاد عنها من ألفاظها أكثر لغات الأرض. ففي كل لغة منها أثر.

هل في الدنيا لغة يستطيع أهلها اليوم أن يقرؤوا شعرها الذي قيل من أربعة عشر قرناً فيفهموه ويلذّوه كأنه قيل اليوم؟ هل في الدنيا لغة يستطيع أستاذ الطب في الجامعة وأستاذ الطبيعة، وأستاذ الفلسفة، أن يجد في ألفاظها التي كانت مستعملة قبل أربعة عشر قرناً ما يفي بحاجته اليوم، في قرن العشرين؟ أفليس حراماً أن نضيع هذه اللغة الأصيلة العظيمة، ويفرض الإنكليز لغتهم التي لا أصل لها على ربع العالم؟ أليس حراماً أن نهملها حتى يجهلها منا المتعلمون وأهل اللَّسَن والبيان ويلحنوا فيها؟ أليس حراماً أن يكون فينا من الخوارج على لغتنا من ينصر العامية المسيخة أو يكتب بها؟ أليس حراما أن تسير على ألسنتنا مئات الألفاظ الأعجمية الفرنسية والإنكليزية ننطق بها تظرفاً أو تحذلقاً وعندنا عشرات الألفاظ التي ترادفها وتقوم مقامها؟

فيا أيها العرب لغتَكم. لغتَكم يا أيها العرب، تعلموها وحافظوا عليها وانشروها.

إن أمامكم اليوم فرصة لنشر العربية إذا أضعتموها لم تلقوا مثلها خلال ألف سنة. فرصة تستطيعون أن تكسبوا بها ثمانين مليوناً آخر يتكلمون العربية ويتخذونها لسانهم.


تقولون: أين هذه الفرصة؟

في باكستان يا سادة، في باكستان والهند.

إن نصف الباكستانيين في باكستان الغربية، ونصفهم في باكستان الشرقية، واللغة هنا الأوردية، وهناك البنغالية. والأوردية أكثر ألفاظها عربية وفارسية وتكتب بالحروف العربية، والبنغالية أكثر ألفاظها هندية وتكتب بالحروف السنسكريتية، ولا يمكن اتخاذ واحدة منهما لغة رسمية. ولا بد من اتخاذ إحدى اللغتين لغة رسمية: العربية أو الإنكليزية.

ولقد كنت هناك عند وضع الدستور. وكنت أرى هذا الجدال على اختيار إحدى اللغتين وكنت أخشى أن تضيع الفرصة، ولقد كتبت إلى الحكومات العربية وإلى الهيئات العربية، وأخجل أن أقول إني لم أجد مجيباً.

وقد أجلت المسألة ولم تضع الفرصة. فهل نعود فنستفيد منها؟.

إن إقبال الباكستانيين على العربية لا يمكن أن يصوره لساني، لأنهم يرون فيها لغة القرآن، ولأنهم يتعلمونها ديانة وتقرباً إلى الله. ولقد درت على المدارس التي افتتحتها المفوضية السورية في كراتشي فرأيت فيها العجب، عشرون مدرسة يا سادة، في كل واحدة نحو مئة طالب، منهم الصبي ابن العشر، والشيخ ابن السبعين، إي والله وهم يتعلمون العربية نطقاً وقراءة، العربية الفصحى، خلال شهور. خلال شهور معدودات وكل هذا يقوم به أربعة مدرسين أوفدتهم وزارة المعارف، وقد افتتح قبل سفري من كراتشي، معهد لتخريج معلمين ومعلمات للعربية وقد خطبت في حفلة افتتاحه أنا والصديق الجليل عبد الوهاب عزام سفير مصر (رحمه الله) وقلت لهم: إننا نعلمكم العربية اليوم، ولكنا سنعود فنتعلمها منكم، كما تعلمناها قبل من الزمخشري ومن سيبويه ومن الصاغاني الهندي، ومن الزبيدي الهندي شارح القاموس.

أربعة مدرسين قاموا بهذا كله، فلو أن كل حكومة عربية أوفدت مئة مدرس، لكسبت العربية ثمانين مليوناً ناطقاً بها. وليس القوم هناك بالغرباء عن العربية، فهم يقرؤون القرآن، وثلث لغتهم كلمات عربية، وهم يقرؤون الكتابة العربية، لأنهم يكتبون في باكستان الغربية بها، وفي الهند علماء في العربية أجلاء، في معهد ديوبند وفي لكنو، والعلماء المسلمون في كل مكان يعرفون العربية.

وهذا سر من أسرار القرآن.

فما لنا نضيع هذه الفرص كلها؟.

ما لنا نهمل لغتنا وهي أكمل اللغات وأشرفها، وهي أوسعها، وهي أبلغها.

فيا أيها العرب ..

عودوا إلى العربية فتعلموها وحافظوا عليها، وانشروها وأخلصوا لها، فإن من العار علينا أن تكون لنا هذه اللغة ونضيعها، من العار علينا أن يصل هذا الكنز إلى أيدينا وأن نفرط فيه.

يا أيها العرب لغتَكم، لغتَكم يا أيها العرب.

_______________________________________________

فكر ومباحث 7 إلى 12

هنا الكتب مصور:-

الأربعاء، 10 فبراير، 2016

دهلي (الفردوس الإسلامي المفقود)



يا سيد «ع. س»، ولست أدري أهذه حروف من أوائل اسمك أم حروف أقمتَها تختفي وراءها، ولا أبالي أهذا الذي كان أم ذاك: إنها دهلي كما كتبتُ لا دلهي كما يقول الناس. ولقد زرتها وبقيت فيها أمداً، وجُلتُ في شوارعها وحاراتها، ولقيت من رجالها وعلمائها، وقرأت الكثير عنها. وكان الحديث سيصل إليها، ولكن رسالتك التي أرسلتها واعتراضك الذي أبديته جعلني أستأذن القُرّاء فأبدأ بالحديث عنها.

إنها المدينة التي لبثَت ثمانمئة سنة وهي دارة الإسلام وسدة الملوك المسلمين الذين ملؤوا الهند مصانع وآثاراً، وأترعوها مساجد ومدارس وقباباً، والتي أقاموا فيها صرح مجد أرسوه على جذور الصخر، وساموا به شُمّ الذّرى، وباروا به الزمان في طريق الخلود. المدينة العظيمة التي عاش فيها أبطالنا حاكمين، ثم ثووا في ثراها خالدين.

دهلي التي تجمع الزمان من طرفَيه والأرض من جانبَيها: ففيها القديم والحديث، وفيها الشرق والغرب جميعاً، فهي من هنا المدينة الأوربّية السافرة المتبرّجة. ففي دهلي القديمة سحر الشرق وروحانيته، وفي دهلي الجديدة (نيودلهي) روعة الغرب وحضارته.

في دهلي أروع آثار الملوك المسلمين وفيها أكبر آثار الحُكّام البريطانيين. وإن أردنا الإنصاف لم نستطع أن نحكم أيّ الأثرَين أعظم: أمّا المسلمون فقد عُنُوا بالجمال أولاً ثم بالضخامة والجلال، وأمّا الإنكليز فأرادوا الضخامة والجلال ثم الروعة والجمال. فمَن أراد الهيكل الضخم والعظمة البادية رآه في آثار الإنكليز، ومن طلب الدقّة والفنّ والجمال وجدها في آثار المسلمين.

والآثار الإسلامية أجلّ وأعظم، لأن الإنكليز بنوا ما بنوا في الأيام التي اتسع فيها العلم وكُشفت فيها خفايا الكون وسخّر الإنسان فيها الآلات من الحديد، وأولئك بنوا بنيانهم حين لم يكن في إنكلترا إلاّ شعب لا يَفضُل في العلم والحضارة الشعوبَ البادية المتدنّية اليوم، وبلغوا به -على ذلك- هذا المبلغ. وحسبهم أن «قبراً» بناه الملك المسلم شاه جيهان لا يزال إلى اليوم أجمل من كل قصر شيد في الشرق والغرب، بل لا يزال بالإجماع أجملَ بناء أقيم على ظهر الأرض كلها، هو «تاج محلّ» الذي يجيء السياح من أقصى أميركا ليقفوا عليه مشدوهين مُكبِرين متعجّبين.

ولئن عرف التاريخ رجالاً مَلَك الحبُّ قلوبَهم، بل منهم من ذهب بعقولهم، وعرف عباقرة من الشعراء العشاق خلّدوا عواطفهم بقصائد بقيَت وستبقى على طول الزمان، فإن حبّ شاه جيهان لزوجته ممتاز محل قد خلّده بقصيدة من الرخام كلماتها من المرمر، طوّع له الحجر اليابس حتى لان في يده فكان قصيدة ناطقة، تنافس بجمالها خوالد القصائد في آداب الأمم.

ولقد دخلت (كما سيمرّ بكم) إلى دهلي، ولكنني لم أذهب إلى أغرة ولم أرَ فيها تاج محل. وتجدون -على ذلك- وصفاً له في كتابي «رجال من التاريخ»، أحسب أن من زاره ووقف عليه لم يصفه مثل هذا الوصف. وعفوكم إن سلكت طريق الشعراء فمدحت نفسي بدلاً من أن يمدحني الناس!

دهلي في منبسط من الأرض كلّه خضرة، غابات وبساتين وخمائل، وقد أبصرت لمّا حوّمَت بنا الطيارة فوقها مساكن مختبئة وسط الأيك، وقباباً كثيرة بادية، وسعة وعمراناً. وكان في دهلي لمّا زرناها قبل ثلاثين سنة كاملة (أي سنة 1954) مطاران: مطار داخلي للطيّارات القادمة من مدن الهند ومطار دولي لطيارات السياحة العالَمية. وكنّا قادمين من لكنَوْ في داخل الهند فحطّت بنا الطيارة في المطار الداخلي.

وكان أول ما بدا لنا من الآثار الإسلامية مسجدٌ ضخم عليه قِباب شامخة على الطراز المغولي. ثم سرنا في ريف دهلي نقصد المدينة، فلما بلغنا أوائلها رأينا شوارع فِساحاً تظلّلها الأشجار الكبيرة (والعجب أن هذه الأشجار على كبرها مُزهِرة مثل أزهار الروض البهيج) وعلى جانبَيها حدائق وبساتين فيها دارات ومغانٍ (فيلاّت)، بين كل دارة ودارة أكثر من أربعين متراً، فلم تكن بيوتاً لها حدائق بل كانت حدائق فيها بيوت! وهي تُشبِه في هذا جاكرتا.

وعفوكم إن لم أسِرْ بكم من حيث سرت وعرضتُ ذكرياتي مختلطة أنتقل فيها من مدينة إلى مدينة، فسبب ذلك أنها قد اختلطَت في ذهني فصارت كلها صورة واحدة جميلة. ولعلّ جمالها في تنوّعها، وقديماً قالوا: «والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ». ألا تطربون للتناسق الموسيقي (الهارموني) حين يغنّي معاً رجال بأصواتهم الضخمة وصِبْية صغار بحناجرهم الحادّة، فيختلط الصوتان فيجيء منهما صوت واحد مطرب معجِب؟ وإن كانت مساكن جاكرتا (كما سيمرّ عليكم) صغيرة ملوّنة كلعب الأطفال، وكانت حدائقها أكثر وأشجارها أعجب.

ثم رأيت في طريق دهلي بوابة ضخمة جداً من الحجر قائمة في وسط ساحة تتفرع منها شوارع كثيرة، عليها نقوش وكتابات إنكليزية وأمامها تمثال جورج الخامس، الذي حسب أنه سيبقى وتبقى الهند لقومه، فذهب كما يذهب كل حيّ وخرجَت الهند من أيدي أمّته. وكان التمثال وسط بركة هائلة عجيبة الصنع. ورأيت في بومبي (وسيأتي ذكر ذلك) بوّابة أخرى أفخم وأقدم، أرادوا أن تكون باب الهند الرمزي.

ولمّا جزنا البوّابة ظهرَت دهلي الجديدة. وهي مدينة مدوّرة، لا أعرف لها شبيهاً إلاّ بغداد عندما بناها المنصور. في وسطها (في وسط دهلي) ميدان كالدائرة الكاملة حوله العمارات الكبيرة، تنصبّ فيها شوارع مستقيمة ثم تخرج منه كأنها أشعّة النجم، ووراء العمارات دائرة أخرى أوسع منها، وتتوالى الدوائر تقطعها هذه الشوارع المستقيمة.

وإلى جنب دهلي الجديدة (نيو دلهي) دهلي القديمة، يحيط بها سور ضخم له أبواب، لا تزال باقية أبوابه عليها أسماءُ مَن شادها من ملوك المسلمين. وبين المدينتين فضاء واسع أشبه بالمرج الأخضر في دمشق، بل هو أوسع وأكبر، يلعب فيه الشبّان ويتكوّم على أرضه الرجال والنساء والأسر كلّ مساء. فإذا جاوزت هذا الفضاء الذي تشقّه الشوارع رأيت أمامك السور القديم وأبوابه الباقية، ولكن المدينة خرجَت منه كما خرجَت المدن من كل سور كان يطوّقها، وامتدّت حتى صار السور وسط الشوارع والعمارات كما هي الحال في دمشق. ولكن دمشق لم يقف التجديد عند حدودها القديمة بل وصل إلى أقدم حارة فيها، وليته لم يصل، وليتهم حفظوا قديمها كما صنعت فاس وكما صنعت بعض المدن في سويسرا، تحفظ القديم على حاله ليكون تاريخاً ناطقاً، وتجدّد ما شاءت من حوله.

ودهلي التي تعيش وسط السور رأيناها لمّا زرناها كما كانت منذ خمسمئة سنة. وهذا سِرّ إقبال السياح عليها وإعجابهم بها، فالسائح الغربي لا تهمّه الشوارع الكبيرة والعمارات ومظاهر الحياة الأوربية، فإن عنده الكثير منها، ولكن يهمه ما لا يجد مثله في بلاده. وما كنت أدرك هذه الحقيقة حتى سِحت في مدن آسيا. لذلك أحببت دهلي القديمة وأمضيت عشرة أيام أجول في أسواقها وطرقها، وأعجب بما وجدت فيها. وما الذي وجدته؟

أسواقاً ضيقة لا أوّل لها ولا آخر، كأسواق دمشق حول الجامع الأموي، وأسواق بغداد، وأسواق مكّة والمدينة التي رأيتها من أكثر من نصف قرن. تقوم على جوانب هذه الأسواق الدكاكين فيها من كل شيء، وهي مرتفعة عن الطريق، والبيّاعون يقعدون متربّعين في وسطها كما كان يفعل تُجّار سوق الخيّاطين في الشام. وفيها حارات وأسواق ضيقة ملتوية، منها ما لا يتّسع إلاّ لمرور رجلين اثنين، وقد رأيت مثلها في الرياض (في الديرة) لمّا زرتها أوّل مرة من أكثر من نصف قرن.

وهي كمدن الهند جميعاً، معرض عجيب لكل ما يتصوّر الإنسان من ألبسة وأزياء، فأنت ترى امرأة قرويّة مسلمة قد لبسَت كيساً، كيساً حقيقياً معلّقاً برأسها، يُخفي كل شيء من جسمها حتى يديها ويمسّ وجه الأرض فيستر قدميها، وأمام عيونها كوّتان بمقدار العين قد أُسدِل الكيس عليهما. وأخرى تلبس الزيّ البنجابي، وهو الزيّ الشائع للمسلمات ولا سيما في باكستان، وهو مؤلّف من سروال طويل كسراويل المَنامة (البيجامة)، فوقه قميص إلى الركبتين ومنديل (خمار) من قماشه يستر الرأس، وهم يَفْتَنّون في ألوان هذا الزيّ افتناناً. وثالثة تلبس الساري، وهو قماش غير مَخيط يُلَفّ لفاً على الجسد ليستر إحدى الكتفين وأكثر الظهر ويترك البطن حول السرة مكشوفاً، ويُعرف بالزيّ البنغالي. وهو في الأصل لغير المسلمات، ولكنني رأيت بعض المسلمات يتخذنه. والساري أنواع منوّعة وأشكال مشكّلة، منه ما يبلغ ثمنه الآلاف.

والرجل منهم يلبس الشّرواني، وهو اليوم اللباس الرسمي لباكستان. ومنهم من يتخذ العمامة الضخمة جداً ويُطيل لحيته، وهو لباس السيك (السيخ)، وحلقُ الشعر حرام في مذهبهم، لذلك تراهم يتعبون أشد التعب باللحى التي تطول وتعرض ولا يدرون ماذا يصنعون بها وقد مُنعوا من قصّها وحلقها، فهم يربطونها بالخيطان أو يضفرونها ضفراً، مع ما في الهند من حرّ ومع ما يكون فيها من العرق الشديد. وربما رأيت رجلاً بلحية هائلة تبلغ بطنه وعمامة بمقدار رأس الفيل الصغير، وتحت ذلك بنطال قصير لا يستر إلاّ أربعة أصابع من أعلى الفخذ!

وعلماء المسلمين يتّخذون في الهند قميصاً واحداً يبلغ الركبتين تحته لباس (سِرْوال) (والعرب تقول: «سَراويل». م) طويل، وعلى الرأس كمة (طاقية صغيرة)، وكل ذلك من الخام أو الكتان. ومن الرجال من يتخذ الزيّ الإفرنجي، ولكنه يلبس على البنطال (البنطلون) قميصاً ينسدل عليه من فوقه بدل الرداء (الجاكيت) الذي لا يُحتمَل في ذلك الحرّ.

وكنت أسير مرة في السوق الكبير في دهلي القديمة، فسمعت طَبْلاً وزمراً ورأيت جوقة موسيقية (الجوقة كلمة عربية، أي الأوركسترا) ووراءها موكب ضخم وجَمَل قد عُلِّقت به عشرات الأجراس الصغيرة، وفوقه هودج فيه فتاة تلبس ثياباً تكشف من جسدها أكثر من الذي تستره، فعجبت من ذلك فحاولت بالكلمات العشرة التي تعلّمتها من الأردية وبمثلها من الإنكليزية، وبالإشارات والحركات أن أفهم ما هو، فإذا هو ... موكب إعلان عن حفلة مسرحية.

وسمعت مرة أجراساً قوية تجلجل بصوت حادّ يكاد يثقب طبلات الآذان، فتتبعت الصوت فإذا أنا أرى بيتاً في وسطه غرفة، على بابها أصنام قبيحة النحت لها بدل اليدين أزواج كثيرة من الأيدي، وكلّما دخل البيت داخلٌ صُبّ الماء على رأسه حتى صارت أرض البيت كالبِركة، ثم وقف الناس صفّين عن طرفَي الغرفة، وأنا أراهم من خارجها وأسمعهم يتبادلون الصياح العجيب بأصوات عالية، والأجراس تُقرَع بشدّة وعنف. فسألت فقالوا: إن البيت معبد وهذه هي صلاة القوم فيه. {وما كانَ صَلاتُهم عِندَ البيتِ إلاّ مُكاءً وتَصْدِيَة}.

ومن العجيب أن الذي يقف وسط دهلي الجديدة يرى شارعاً طويلاً، على طرفه الأيمن قبّة بعيدة تلوح من بعيد وعلى طرفه الأيسر قبّة مثلها: هذه قبّة قبر نائب الملك أيام كان ملك الإنكليز هو الحاكم الأعلى للهند، وتلك قبّة المسجد الجامع أيام كان المسلمون هم حكّامها. يقف على طرفَيه الماضي والحاضر والشرق والغرب، متقابلَين متعادلَين.

أمّا قصر نائب الملك فلست أدري كيف أصفه لكم. إن قصر عابدين في القاهرة يبدو إلى جنبه بيتاً عادياً، بل هو أكبر -كما قالوا- من قصر الملك في لندن. فيه داران كبيرتان عاليتان مشمخِرّتان على الجانبَين، وبينهما الدار الكبيرة وفوقها قبّة شامخة تنطح النجم، وهو من سعته كأنه مدينة كاملة.

وأما المسجد فهو من أعظم مساجد الهند، بل هو من أعظم مساجد الأرض، لم أرَ أروع منه. وهو قائم على قاعدة يُصعَد إليها على درَج عريض جداً يزيد على أربعين درجة، وله سور عالٍ فيه ثلاثة أبواب على كل باب بُرج كأنه عمارة، فإذا صعدت الدرَج ودخلت وجدت صحناً رحيباً أوسع من صحن الجامع الأموي في الشام، لكنه مربّع، وفي صدره مكان الصلاة. وهو على الطراز المغولي: له واجهة عالية فيها ثلاثة أقواس: الأوسط مها بعلوّ سقف الأموي، وفوق السقف قبّة أعلى من قبّة قصر نائب الملك. وهو من بناء شاه جيهان (أي ملك الدنيا)، منشئ تاج محل أجمل أبنية الأرض. وأمامه القلعة الحمراء، سُمّيت بذلك لأنها مبنيّة بنوع نادر من الحجر لونه أحمر، وتُدعى القلعة تجوّزاً، وهي في الحقيقة بلد كامل، فيها قاعات وأبهاء لا تكاد تقلّ في روعة نقشها وبراعة تزيينها عن قاعات الحمراء في الأندلس.

ولمّا وقفت عليها وأحاط بي صمتها وهدوؤها أحسست كأني قد انفصلت عن حاضري وغبت عن نفسي، وأنني قد عُدت إلى الماضي القريب. وشعرت كأني أسمع في أرجاء القلعة دويّ الطبول وهتاف الجند، وصدى الأذان تردّده منارات المسجد، وأرى خفق الراية الإسلامية على رأس الإمبراطور أورانك زيب الملك المسلم الصالح، وأبصر جحافله ترمح ظافرة من سمرقند والأفغان إلى سواحل الهند كلها، تقطف ثمار النصر وتنثر في الأرض نور القرآن وعدالة الإسلام.

وتنثال عليّ صور الأمجاد الخالدة لهذه المملكة العظيمة، التي أقامها مجاهدون كِرام اختلفَت ألسنتهم وتباعدَت أنسابهم، ولكنْ جمعهم الإسلام، ووحدة المبدأ الذي هو توحيد الله، ووحدة الغاية التي هي العمل لما يرضي الله. وإذا جاءت وحدة الإسلام لم يضر معها اختلاف جنس ولا لسان. مِن فتح محمد بن القاسم العربي الثقفي، إلى فتح محمود الغزنوي التركي الأفغاني، إلى فتح بابر المغولي. وكلهم مجاهد في سبيل الله عامل على إعلاء كلمة الله. الأول غرس البذرة، والثاني تعهّد النبتة، والثالث رعى الدَّوْحة؛ أقاموا لهذه المملكة سوراً من جماجم شهدائهم وسقوها من دماء أبطالهم، فظلّلَت فروعُها وأغصانها الهندَ كلّها.

الهند التي كانت كلها لنا، فلم يبقَ في أيدينا منها إلاّ آثارنا: مساجد -كما قلت لكم- قد عطلت من شعائرها، ومآذن قد فقدت مؤذّنيها، وقلاع غاب عنها جنودها، وقصور فارقها أصحابها، ورايات قد سكنت المتاحف لم تعُد ترفرف في سمائها، وسيوف قد صدئت في أغمادها لم يبقَ لها منّا مَن يسلّها.

هذه هي الأندلس الكبرى، وهذا هو الفردوس الإسلامي المفقود.

* * *

فإذا اختصرتُ الطريق فجئتُ بحديثها في غير موعده فإنما فعلت ذلك جواباً على الرسالة التي افتتحت بالإشارة إليها هذه الحلقة من ذكرياتي. إن صاحب الرسالة (مثل أكثر المسلمين اليوم) لا يعرفون من تاريخ الإسلام في الهند إلاّ شيئاً قليلاً لا يكاد يُعَدّ شيئاً. إن ثلث التاريخ الإسلامي في الهند. لقد أقام المسلمون في الهند دولاً وأنشؤوا فيها حضارة، وفتحوا فيها مدارس وبنوا مساجد، وكانت مساجدهم ومدارسهم منارات تدلّ السفن الضالّة على الشاطئ الآمن لتعصمها من الأمواج العاتية وتخلّصها من المخاطر والمهالك.

إن اليوم هو ابن الأمس وهو أبو الغد، فمَن كان له تاريخ عظيم وعرف تاريخه دفعه أن ينشئ كما أنشأ الأجداد وأن يبني مثل ما بنوا. والأمم التي لا تاريخ مكتوباً لها تُنشئ لها تاريخاً مكذوباً لتبني عليه مستقبلاً مزعوماً، فلا الأساس ثَبَتَ لهم ولا البنيان سيتمّ ويبقى لهم.

فيا أيها القُرّاء، اعرفوا تاريخكم، لا لتقفوا عنده وتقنعوا بالفخر به وتناموا عليه، بل لتصنعوا مثل ما صنع أجدادكم ولتحققوا قول شاعركم:

نَبني كما كانت أوائلُنا ... تَبني، ونفعَلُ مثلَ ما فعلوا

بل فوق ما فعلوا. وإذا صدق العزم وصفَت النيّة وصحّ التوكّل على الله، بعد أن يتّحد المسلمون ويُعِدّوا للنصر عُدّته، فإن هذا سيتحقق إن شاء الله.
* * *

______________________________________
المصدر : ذكريات 5/  275 إلى 285 للشيخ الأديب علي الطنطاوي (المتوفى: 1420هـ).
مصدر الخريطة: أطلس التاريخ العربي الاسلامي - د. شوقى أبو خليل. (المتوفى: 1431 هـ)