الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2016

كيف تتمكن من إضافة ساعة يوميا˝ إلى حياة اليقظة!!


يقول المؤلف الشهير ديل كارنيجي:

لماذا قمت بكتابة باب كامل عن التخلص من الإرهاق والتعب في كتاب خصص للحديث عن القلق وكيفية التخلص منه؟
السبب في ذلك بكل بساطة هو أن التعب والإرهاق يبعثان على القلق أو على الأقل أنهما يجعلان الإنسان عرضة للقلق، وسوف يخبرك أي دارس للطب أن الإرهاق يقلل من مقاومة الجسم، حتى للبرد العادي، وكذلك مئات الأمراض الأخرى، وسوف يخبرك أي طبيب نفسي أن الأرق أيضا˝ يقلل من مقاومة الجسم للإحساس بالخوف والقلق، لذا فإن التخلص من التعب والإرهاق ذو علاقة وثيقة بالتخلص من القلق.


هل قلت إن التخلص من التعب ذو علاقة بالتخلص من القلق؟
حقا˝ إن التخلص من التعب يحد من الشعور بالقلق، وحيث إن الدكتور "إدموند جاكوبسون" قد قطع شوطا˝ كبيرا˝ في البحث في هذا المجال، فقد قام الدكتور "جاكوبسون" بكتابة مؤلفين عن الاسترخاء، وهما "الاسترخاء التقدمي" و "عليك أن تسترخي"، وكمدير لمعمل علم النفس الإكلينيكي بجامعة شيكاجو، فقد أمضى سنوات عديدة أجرى خلالها أبحاثا˝ وتحقيقات عن استخدام الاسترخاء كوسيلة للعلاج، وقد أعلن الدكتور "جاكوبسون" أن حالة الانفعال أو نوبة العصبية غالبا˝ تتلاشى عند الاسترخاء التام، وهذه طريقة أخرى نؤكد من خلالها أن الإنسان يمكنه التخلص من القلق عن طريق الاسترخاء.



وحتى تتخلص من الإرهاق والقلق، فإليك القاعدة الأولى:
(عليك أن تستريح وتسترخي قبل تشعر بالإرهاق والتعب).


لماذا يبدو هاما˝؟
لأن التعب يتراكم بسرعة مذهلة، فقد أكتشف الجيش الأمريكي عن طريق اختبارات مكثفة، أن الشباب المقيدين بالجيش -أولئك الشباب الذين قاسوا مرارة الجندية خلال سنوات التدريب العسكري- يمكنهم أن يؤدوا عروضا˝ جيدة، ويمكنهم أيضا˝ أن يتماسكوا لمدة أطول، لو تمكنوا من الاسترخاء فقط لمدة عشر دقائق كل ساعة، ومن ثم فقد قام الجيش الأمريكي بإجبار الجنود على ذلك.
إن قلبك لديه الفطنة ما يشبه فطنة الجيش الأميركي، إنه ليقوم بضخ كمية هائلة من الدم في جميع أجزاء جسمك، تلك الكمية تكفي لتمويل قاطرة سكة حديد، وهو بالفعل يقوم ببذل طاقة هائلة على مدار الأربع والعشرين ساعة وهذه الطاقة تكفي لوضع أو رفع عشرين طنا˝ من الفحم على رصيف يبلغ ارتفاعه ثلاث أقدام، فالقلب يقوم بهذا القدر الهائل من العمل لمدة خمسين.  سبعين أو تسعين عاما˝.


كيف يقوى القلب على القيام بهذا العمل؟
لقد قام الدكتور "والتر. كانون" المدرس بكلية الطب بهارفارد - بتفسير ذلك قائلا˝: " معظم الناس يعتقدون أن القلب يعمل على مدار الوقت ولكن الحقيقة هي أنه هناك فترة راحة محددة بعد كل انقباض، فعندما ينبض القلب يعني أن مجمل ساعات العمل الفعلي الذي يقوم به القلب هو تسع ساعات يوميا˝، وبشكل إجمالي فإن فترات الراحة تبلغ في مجموعها خمس عشرة ساعة يوميا˝".

في خلال الحرب العالمية الثانية، كان "ونستون تشرشل" في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من عمره، قادرا على العمل سبت عشر عشرة ساعة يوميا˝، حيث كان يقوم بتوجيه الجهود الحربية للإمبراطورية البريطانية. حقا˝ إنه لعمل غير عادي، فما سر ذلك؟
فقد كان يعمل كل صباح حتى الساعة الحادي عشرة، حيث كان يقرأ التقارير، ويملي الأوامر، ويقوم بعمل المكالمات الهاتفية، ويعقد المؤتمرات الهامة، ويعقد المؤتمرات الهامة، وبعد تناول الغداء يخلد إلى سريره لينام لمدة ساعة، وفي المساء يخلد إلى إلى سريره أيضا˝ كي ينام لمدة ساعتين قبل تناول طعام العشاء في الساعة الثامنة، ولم يفعل ذلك ليعالج التعب والإرهاق، حيث إنه ليس في حاجة إلى علاج للإرهاق؛ لأنة قد تخلص منه تماما˝ عن طريق الاسترخاء والراحة من وقت لآخر، مما جعله يمارس العمل بنشاط وحيوية، حتى بعد منتصف الليل.

وقد قام الثري المشهور "جون د. روكفيلد" بعملين غير عاديين حيث جمع ثروة طائلة، لم يشهد العالم من جمع مثل هذه الثروة حتى اليوم، وقد عاش أيضا˝ حتى سن الثامنة والتسعين.
ترى كيف فعل ذلك؟
بالطبع أن السبب الرئيسي في ذلك هو ميله إلى أن يعيش حياة أطول، وهناك سبب آخر، وهو أنه كان يعتاد النوم الخفيف لمدة نصف ساعة في مكتبه أثناء فترة الظهيرة، حيث إنه كان ينام على أريكة المكتب، فلا يستطيع أحد أن يقظة أثناء نومه حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية!


وفي كتابه الشيق، لم  تكون مرهقا˝؟
قام "دانيال. و. جوسيلن" بتوضيح أن ليس المقصود من الاسترخاء أو الراحة هو عدم القيام بأي عمل على الإطلاق، ولكن الاسترخاء عبارة عن تجهيز النفس ويمكن للإنسان أن يجدد قوته ونشاطه من خلال الاسترخاء لمدة قصيرة، حتى لو تمثل هذا الاسترخاء في نومة خفيفة مدتها خمس دقائق، فمن خلال هذه المدة القصيرة يمكن للإنسان أن يتخلص من التعب والإرهاق!

وقد أخبرني "كوين ماك"، لاعب كرة البيسبول المشهور، أنه لو لم يخلد إلى نومة خفيفة قبل المبارة، لتمكن منه التعب والإرهاق خلال الجولة الخامسة من المباراة، ولكنه لو تمكن من النوم والاسترخاء ولو لمدة خمس دقائق لواصل لعب مباراتين متتاليتين دونما إرهاق أو تعب.

وعندما سألت "إلينور روزفلت" كيف تمكنت من تحمل مثل هذا الجدول المنهك أثناء الاثني عشر عاماً التي قضتها بالبيت الأبيض أجابت قائلة إنها تسترخي على كرسي أو على أريكة كبيرة مغمضة عينيها لمدة عشرين دقيقة قبل الالتقاء بالجمهور وإلقاء الخطب على مسامعه.

وذات يوم قابلت "جين أوتري" في غرفة ملابسه بماديسون سكوير جاردن بمدينة نيويورك، حيث كان "أوتري" من أشهر النجوم في بطولة العالم العروض العامة، ولاحظت خلال هذه المقابلة وجود سرير صغير داخل حجرة ملابسه حيث كان يضطجع على هذا السرير كل ظهيرة وكان ينام لمدة ساعة بين كل عرض، واسترد "أوتري" قائلا˝:
إنه حينما كان يؤدي الأفلام السينمائية بهوليوود، كان غالبا˝ يسترخي على كرسي ضخم مريح، ويستغرق فترتين أو ثلاثا˝ من النوم الخفيف يوميا˝، مدة كل فترة عشر دقائق مما أكسبه سعادة وابتهاجا˝.

وقد عزا "إديسون" طاقته الهائلة على العمل وقوة تحمله إلى اعتياده على النوم، حينما يريد.

وقد اندهشت أيما دهشة عندما قابلت "هنري فورد" قبيل عيد ميلاده الثمانين ورأيته في قمة النشاط والمرح، فسألته عن السر وراء ذلك؟
فأجاب قائلا˝:
(إنني لا أقف أبدا˝، حيث يمكنني أن أجلس.
ولا أجلس أبدا˝، حيث يمكنني أن أضطجع).

وقد كان "هوريس مان" رائد التعليم الحديث، يفعل ذلك أيضا˝ عندما تقدم به العمر، وعندما كان رئيسا˝ لكلية أنتيويك، كان عادة يستلقي على الأريكة أثناء مقابلة الطلاب.

وقد أقنعت أحد مخرجي الأفلام السينمائية بهوليوود بتجربة مثل هذا النظام، فاعترف أن هذا النظام قد صنع المعجزات، وهذا المخرج هو "جاك شيرتوك" أبرز مخرجي هوليوود، وعندما جاء هذا المخرج لزيارتي منذ أعوام عديدة مضت، وقد كان آنذاك يشغل منصب رئيس قسم الأفلام الروائية القصيرة بشركة إم-جي-إم للأفلام السينمائية، كانت تبدو عليه علامات الإرهاق والتعب، وقد حاول استخدام المنشطات والفيتامينات والأدوية، ولكن دون جدوى، فاقترحت عليه أن يأخذ إجازة كل يوم.
كيف؟
بأن يستلقي على أريكة مكتبه، ويسترخي أثناء عقد المؤتمرات والاجتماعات مع موظفيه.
وعندما قابلته بعد ذلك بعامين، قال لي:
(لقد حدثت المعجزة، هذا ما أطلقه الأطباء على ما حدث لي، لقدت اعتدت الجلوس على مقعدي في اضطراب وتوتر أثناء مناقشة الأفكار الجديدة عن الأفلام الروائية القصيرة، ولكنني الآن أقوم بالاضطجاع على أريكة مكتبي أثناء مثل هذه الاجتماعات، وبعدها شعرت بتحسن لم أشعر به منذ عشرين عاما˝، وعليه أطلت ساعات العمل إلى ساعتين يوميا˝، وبالرغم من ذلك لم أشعر بالتعب).



كيف يمكن تطبيق ذلك؟
إذا كنت تعمل كاتبا˝ على الآلة الكاتبة، فلن تتمكن من الاسترخاء وأخذ نومة خفيفة في مكان عملك، كما كان يفعل "إديسون" و "سام جولدوين"، وإذا كنت تعمل كمحاسب، فلن تتمكن أيضا˝ من الاسترخاء على أريكة مكتبك أثناء مناقشة كشف الحسابات المالية مع المدير، ولكن إذا كنت تعيش في مدينة صغيرة، وتذهب إلى منزلك لتناول طعام الغداء ربما يمكنك أن تأخذ نومة خفيفة بعد تناول طعام الغداء، هذا بالفعل ما اعتادة الجنرال "جورج س. مارشال" حيث إنه كان جد منشغل بتوجيه وقيادة الجيش الأمريكي أثناء الحرب، لذا كان يسترخي لفترة قليلة أثناء الظهيرة. إذا كان عمرك فوق الخمسين، فعليك أن تفعل كل ما يضمن لك حياة أطول، حيث الوفيات قد زادت في هذة الأيام، خاصة موت الفجاءة، لذا فقد تريد زوجتك أخذ أموالك وتتزوج زوجا˝ آخر.

إن لم يمكنك أخذ نومة خفيفة أثناء الظهيرة، يمكنك على الأقل محاولة الاسترخاء لمدة ساعة قبل تناول طعام العشاء، وهذه الساعة من الاسترخاء أفضل بكثير من تناول أي منبهات، لأن للاسترخاء لمدة طويلة نتائج فعالة جدا˝. إذا كان يمكن أن تنام لمدة ساعة في حوالي الساعة الخامسة، أو السادسة أو السابعة، فمن خلال ذلك يمكنك أن تضيف ساعة كاملة يوميا˝ إلى حياتك.
لماذا؟ وكيف؟
لأن الاسترخاء لمدة ساعة قبل تناول طعام العشاء بجانب ست ساعات من النوم العميق ليلا˝ -فيصير المجموع سبع ساعات- سوف يكون أكثر إفادة من نوم ثماني ساعات متواصلة.

ويمكن للعمال الذين يقومون بأعمال تحتاج إلى قوة عضلية أن يقوموا بكثير من الأعمال عن طريق مد أوقات الاستراحة، كما أوضح "فريدرك تايلور" أثناء عمله كمهندس بالإدارة العلمية لدى شركة ” بيثليم للحديد الصلب” حيث إنه لاحظ أن كل عامل من العمال كان يقوم بتحميل ما يقرب من اثني عشر طنا˝ من كتل الحديد الخام على عربات الشحن يوميا˝؛ مما يسبب لهم إرهاقا˝ شديدا˝ عند حلول وقت الظهيرة. لقد قام "فريدرك" بعمل دراسة علمية فيما يتعلق بالعوامل المؤدية إلى الإرهاق، وأعلن أن هؤلاء الرجال عليهم أن يقوموا بشحن أو تحميل ليس فقط اثني عشر طنا˝ ولكن سبعة وأربعين طنا˝ يوميا˝! وقد أوضح "تايلور" أيضا˝ أنهم سوف يضاعفون عملهم إلى أربعة أضعاف قدرة دون الشعور بتعب، وقد أثبت ذلك!  واتخير أحد العمال، وهو السيد "شميت" وطلب منه أن يعمل من خلال ساعة توقيت، حيث إن "شميت" قد خصص له رجل ليخبره متى يبدأ العمل، ومتى يحمل كتل الحديد ومتى يمشي، كان يقول له…  "الآن عليك أن تجلس لتستريح… . الآن عليك أن تمشي… . الآن عليك أن تجلس لتستريح وهكذا….. ".
ترى ماذا حدث؟
لقد تمكن السيد "شميت" من حمل سبعة وأربعين طنا˝ من كل الحديد الخام يوميا˝، بينما لا يزال كل عامل من العمال الآخرين يحمل اثنى عشر طنا˝ منها يوميا˝، ولم يتراجع السيد "شميت" عن هذا المعدل خلال ثلاث سنوات التي قضاها "فريدرك تايلور" بشركة ”بيثليم للحديد الصلب” لقد تمكن السيد "شميت" من فعل ذلك؛ لأنه كان يجلس ليستريح قبل أن يشعر بالتعب والإرهاق لمدة أربع وثلاثين دقيقة، من الواضح أنه كان يستريح أكثر مما يعمل، ولكنه كان ينتج أربعة أضعاف ما ينتجه زملاؤه من العمل!
هل ما حدث مجرد شائعة؟
كلا، فيمكنك أن تقرأ السجل بنفسك وهذا السجل يوجد في الصفحات من ٤١ حتى ٦٢ من كتاب ”مبادئ الإدارة العلمية” "لفريدرك وينسلو تايلور. وهنا أكرر؛ عليك أن تفعل ما يفعله الجيش -كأن تأخذ فترات من الراحة، وعليك أن تفعل أيضا˝ ما يفعله قلبك- وهو أن تستريح قبل أن تشعر بالٱرهاق والتعب، وسوف تتمكن من. إضافة ساعة يومياً إلى حياة اليقظة أو المدة التي تقضيها مستيقظا˝.


من كتاب:  دع القلق وابدأ الحياة ٣٣٢ إلى ٣٤١

الجمعة، 9 ديسمبر، 2016

أنا والقلم للشيخ الأديب علي الطنطاوي



سألني أحد الإخوان الذين يقرؤون هذه الذكريات، فقال: 
لقد قرأتُ في الحلقة (22) وما قبلها أنك تلقّيت العربية عن الأساتذة الجندي والمبارك وسلام، وقبلهم قرأت النحو والصرف على المشايخ صالح التونسي وأبي الخير الميداني وأبي الخير القوّاس، فعمّن أخذت الإنشاء؟ 
وكيف تعلّمت الكتابة؟


فورد عليّ ما لم أُعِدّ له جواباً، لأنه ما خطر هذا السؤال يوماً على بالي ولا قدّرت أنني سأُسأله، وقعدت أفكّر فقلت: صحيح والله، كيف تعلّمت الكتابة؟
ما أخذتها عن أستاذ. 
وليست الكتابة علماً يُتلقّى عن الأساتذة كما يتلقى الطالب النحو والصرف والفقه والأصول، وما كان في أساتذتنا من يُعَدّ من أرباب الأقلام أو يُحسَب مع الكتّاب. 
وكلّ هؤلاء الذين سَمّاهم الأخ السائل والذين استمددت منهم معرفتي بالعربية ما كان فيهم من يُحسِن الكتابة، حتى الأستاذ الجندي فإنه على كثرة مصنّفاته كان عالِماً لا كاتباً، وليس العالِم كالكاتب؛ الكاتب هو الذي يُخرِج لك مكنون نفسه حتى تراه ظاهراً لعينك، ويصف لك المشهد الغائب عنك حتى تُبصِره أمامك، ويملك الفكرة فيتصرّف بها تصرّف المالك حتى يُدخِلها ذهن الشاكّ أو المُنكِر أو المعارض كما يُدخِلها ذهن الموافق أو الخليّ. هو الذي يملك عيناً كعين المصوّرة (الكاميرا) تسجّل كلّ جميل في الكون أو قبيح وكلّ محبوب في النفس أو مكروه تسجيلاً يخلّده ويُبقيه، كما يسجّل وقائع الناس وطِباعهم وخلائقهم. 

ثم إن الكتابة كالطبّ صارت إخصاء (أي اختصاصاً) فلم يَعُد الطبيب يداوي الأمراض كلها في الأعضاء كلها، بل لم نعُد نجد طبيباً داخلياً (باطنياً) عاماً، بل صار لكل عضو إخصائي (أي اختصاصيّ) ولكل مرض إخصائي.

وكذلك الكتابة؛ فكتابة صحفية، وكتابة أقصوصة أو قصّة أو رواية، وكتابة مسرحية، والكاتب المسرحي إما كاتب مآسٍ وفواجع (تراجيديات) أو كاتب يرسم البسمات على الشفاه ويستخرج الضحكات من الأعماق. ثم إن ذلك كله إمّا أن يكون بالأسلوب الواقعي الذي يمشي على الأرض ويصوّر أحوال أهلها، أو الذي يعلو في جِواء الخيال أو يقيّد شوارد الأحلام، أحلام اليقظة أو المنام، وإمّا أن يعرض الصورة كاملة أو يجعل لها رمزاً (سمبول) يدلّ عليها ويشير إليها.

وأصناف أخرى لا أريد، بل لا أقدر أن أستقريها وأتقصّاها، وليس في أساتذتي ولا في مشايخي من كان في شيء من هذا.
حتى دروس الإنشاء في المدرسة لم أستفِد يوماً منها ولا نبغت يوماً فيها، وما نلت فيها الدرجة الكاملة في الامتحان قط.
لماذا؟ لأنهم كانوا يكلّفوننا الكتابة في موضوعات غريبة عنّا بعيدة عن أذواقنا ومشاعرنا، ويطلب منّا الأستاذ أن نفكّر برأسه هو وأن نُبصِر بعينه، وأن نُغمِض عيوننا نحن ونعطّل تفكيرنا. 
وكان بعضهم يحدّد لنا حداً لا نجاوزه من عدد الأسطر أو الصفحات. 
فمَن رأى فكراً أو شعوراً يوزَن أو يُكال أو يُقاس؟ 


ولقد كنت أعجب دائماً من الأستاذ الزيات، كيف تأتي افتتاحية للرسالة في حيّز معيّن لا يزيد عليه ولا يكاد ينقص منه مهما يكن الموضوع.
ومن أمثلة ما كان يُطلَب منّا أن نكتبه أن أستاذنا الجندي (عليه رحمة الله) كلّفنا يوماً أن نكتب في ««وصف روضة». 
فنبشت ذهني ونثرت ما في مخزون ذاكرتي، فما وجدت فيها صورة «روضة» إلاّ «قهوة الروضة» في حمص. 
فما الذي أصفه؟
وكنت أعرف في بساتين دمشق بستاناً لأخوالي من آل الخطيب، إذا ولجت بابه الخشبي رأيت أمامك «مَزْبَلة» (1) وإلى جنبها ساقية عَكِرة، يتجمّع ماؤها في بِرْكة أقلّ ما يُقال فيها إنها ليست نظيفة، وعند مدخل البستان أشجار ضِخام من الجوز تحوم حولها الغربان (2).
فلما رأى الموضوع أخرج القلم الأحمر، وملأ الصفحة بمثل دماء الجروح من كثرة الخطوط الحُمر. 
قلت: فما الذي أنكرتَه يا سيدي؟ 
قال: ساقية عكرة، وغربان؟! هلاّ ذكرت ماءً كذَوْب اللُجَين تلمع فيه حصى كاللآلئ؟ وهلاّ جعلت على الغصون العنادل والبلابل؟
قلت: يا سيدي، لقد وصفتُ ما أبصرتُ. 
وأنا لم أشاهد في عمري ماء كأنه ذوب اللجَين ولا حصى «يرُوعُ حاليةَ العذارى فتلمَسُ جانبَ العَقدِ النظيم»، وما عرفت العندليب ولا البلبل. 
أفأصفُ ما لم أرَ ولم أعرف؟
ولكن الأستاذ لم يُعجِبه ما قلتُ ولا ما كتبت!

* * *

وكان الذين يكتبون عندنا قلائل، وما يصل إلينا من مصر من الكتب والمجلاّت قليلاً أيضاً، ولا أمدّ إليه يداً لأن الأستاذ كان يحذّرنا منه لئلاّ تفسد به مَلَكاتنا ويسري اللحن إلينا؛ لذلك اقتصرَت قراءاتي إلى آخر الدراسة الثانوية على كتب الأدب القديم، فقرأت «الأغاني» كلّه (وإن لم أفهمه كلّه) و «العقد الفريد» و «البيان والتبيين» وما كان في مكتبتنا من أمثال هذه الكتب وما كان فيها من دواوين الشعراء، ولم أعرف من الأدب الجديد إلاّ ما كتب المنفلوطي في «النظرات» و «العبرات» وما تُرجم له فصاغه بقلمه من القصص والروايات، ومجلّة «الرابطة الأدبية» التي تكلّمت عنها في الحلقة (22) من هذه الذكريات.

والمنفلوطي سَلِس العبارة ضحل المعنى، ليس لأفكاره عمق ولكن على ألفاظه طلاوة، كثير الترادف، خَطابي الأسلوب، ومقالته «تأبين فولتير» التي صاغ فيها ما تُرجم له عن فيكتور هوغو هي في رأيي النموذج الكامل للأسلوب الخطابي الذي كان الغالب على نثر هوغو. 
ومن قرأ كتبه (أي هوغو) «قبل المنفى» و «أثناء المنفى» وخطبه في مجلس النوّاب ومرافعاته في المحاكم، لا سيما دفاعه عن ولده، رأى دليل هذا الذي أقوله. 
ولو أتقن هوغو العربية وكتب بها تأبينه فولتير لما جاء بأعظم ولا أكرم ممّا كتب المنفلوطي. هذا رأيي أنا.
وما أحدٌ ممّن كان من لِداتنا ومن أبناء عصرنا إلاّ تأثّر يوماً بالمنفلوطي و «نظراته». أما «العبرات» فأكثر قصصها بدائية مصطنَعة. 
وليست البراعة أن يموت الولد من المرض فتموت الأم من الحزن ويموت الأب من الندم ويموت أهل الحارة من البكاء ... بل البراعة أن يسخن الطفل قليلاً ولا تدري أمه وهي وحدها في الدار ما تصنع له، فتسهر معه: تضمّه إلى صدرها وتحاول أن تدفع عنه المرض بعاطفتها. 
إن وصف حال الطفل والأم أصعب من أن نجعل من هذا المرض وباء يقتل أهل البيت والجيران، ويدَع الناس كأنهم في هيروشيما يوم ارتكب فيها ناس من البشر الجريمة التي لم يرتكب مثلَها نيرون ولا هولاكو، ولا إبليس نفسه.


وما كنّا نعرف من الكتّاب إلاّ العقّاد والرافعي والمازني وطه حسين والزيات وحسين هيكل وأمثالهم، عرفنا بعض كتبهم التي وصلَت إلينا (كالمطالعات والديوان وحصاد الهشيم)، أمّا كتّاب الشام فقد عرفنا منهم محمد كرد علي في خطط الشام وغرائب الغرب، وشكيب أرسلان، ومحبّ الدين الخطيب، وأعضاء الرابطة الأدبية وأمثالهم. 

فهل أستطيع أن أقول إنني قلّدت في الكتابة واحداً منهم ومشيت على أثره وتبعته في أسلوبه؟ 
هذه كتاباتهم وهذه كتابتي، فما منهم من أشبهَت كتابتي كتابتَه حتى أكون قد قلّدتُه. وكان أهلي علماء ما كان فيهم كاتب إلاّ خالي محبّ الدين، فهل قلّدتُه؟ 
إن أسلوبه غير أسلوبي، فمن أين إذن جئت بهذا الأسلوب؟ ما عندي عن ذلك إلاّ نصف العلم، ونصف العلم «لا أدري»!

أنا في العادة أخجل فأهضم نفسي حقّها بهذا الخجل، ومن حقّي أن أقول: إن الأسلوب الذي أكتب به والأسلوب الذي كنت أخطب به كلاهما جديد، قلّدني فيه كثيرون وما قلّدت فيه أحداً، وكذلك الأسلوب الذي كان ينظم به أخي أنور العطّار رحمه الله.
أنا لا أنكر أني تأثّرت حيناً بالمنفلوطي وحيناً بالرافعي وحيناً بالمازني، لا سيما في قصّة «سانين» (وهي قصّة سيئة لكاتب روسي ترجمها من قديم عن الإنكليزية ونشرَتها سلسلة روايات «مسامرات الشعب» من أكثر من نصف قرن)، وحيناً بجبران، ولكن هذا كلّه كان عارضاً لم يستمرّ طويلاً. 
وكنت معجباً أشدّ الإعجاب بالرافعي، ولكن تبدّل نظري إليه وحكمي عليه، وخير ما كتب «تحت راية القرآن» و «وحي القلم»، أمّا ما يسمّيه فلسفة الحب والجمال في مثل «رسائل الأحزان» و «السحاب الأحمر» و «أوراق الورد» فأشهد أنه شيء لا يُطاق، يتعب فيه القارئ مثل تعب الكاتب ثم لا يخرج منه بطائل.

وكنت معجَباً بالزيات، ولا أزال معجَباً به، وإن كان يحسّ القارئ بأنه يَتعب بتخيّر ألفاظه ورصف جُمَله. 
أما زكي مبارك فأحسب أنه صاحب أجمل أسلوب، تقرؤه بلذّة ولا تكاد تجد فيه فائدة! ولقد قرأت كتابه «ليلى المريضة في العراق» خمس مرّات، وما فهمت ما ليلى هذه؛ أهي حقيقة أم رمز؟ 
وهل يصف واقعاً أو يسرد خيالاً؟ 
ماذا يريد أن يقول، ما عرفت ولا وجدت من عرف. 
ولكنه -على ذلك- كلام جميل جميل.

وممّن عرفت مَن يكتب المقالة الواحدة في يوم كامل أو في أيام عِدّة، كالرافعي (كما قال عن نفسه في مقالته «دعابة إبليس»)، والزيات كما عرفته لمّا كنت معه. 
ومنهم من يكتبها في جلسة واحدة، لا يمسح القلم ولا يُعيد النظر في جملة، كالمازني وزكي مبارك في أكثر أحواله. 
وكان الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيّد» يكتب المقالة التي تهزّ البلد أو ترجّ أركان الحكومة وهو يحدّث زُوّاره ويكلّم مَن حوله، و «لكلّ امرئ من دهرِهِ ما تعوّدا».

* * *

لمّا كنت أدرّس الأدب والإنشاء كنت أجد التلاميذ يبدؤون كل موضوع من فوق، من "أشرقَت الغزالة على الدنيا بأشعّتها الذهبية" ... فكنت أقول لهم: ابدؤوا من تحت، من الأرض؛ اكتبوا عمّا ترونه وتُحسّونه، أنا أفضّل الأدب الواقعي على الخيالات والأوهام. فيمتثلون ولكن لا يقتنعون، فكانوا كثيراً ما يسألونني: كيف ندخل في الموضوع؟ 
كيف تدخلون؟ 
من الباب! الذي تريد أن تقوله قُله بلا مقدّمات.


كان أبعد ما يطمح إليه الناشئ أن ينشر ما يكتب. 
ولم يكن ذلك سهلاً، فقد كانت الجرائد (عندنا في الشام مثلاً) أربعاً، كلّ واحدة بأربع صفحات صفحة منها للمقالات. 
فكان المجال ضيّقاً ولكن كان الجائلون فيه قليلين، وفي كتابي «من حديث النفس» فصل عنوانه «أول مقالة نشرتها»، وأنا أكتب هذه الحلقة والكتاب بعيد عني لذلك ألخّص لكم الفصل بكلمة.

كان ذلك على ما أذكر سنة 1345، وقد كتبت مقالات كثيرة ثم شققتها ولم أسعَ إلى نشرها. وكيف أنشرها وأنا بطبعي متردّد معتزل؟ 
بل أنا خجول من الدخول، فإذا صرت بالداخل تبدّل الخجل جرأة. 
فشجّعت نفسي وحملت المقالة إلى دار «المقتبس»، والمقتبس هي المجلّة التي أنشأها أستاذنا محمد كرد علي في مصر ثم حوّلها جريدة يومية وأقام أخاه أحمد (أبابسام) عليها، وكانت في السنجقدار. 
فصعدت السلّم وأنا متردّد متهيّب أتشجّع فأُقدِم ثم أفكّر فأُحجِم، أصعد درجة وأقف وأهم بالهبوط ثم أعاود الصعود، حتى صرت فوق، وإذا أنا أمام الأستاذ أحمد كرد علي. 
فنظر إليّ فرأى فتى في الثامنة عشرة، فرحّب بي ودعاني إلى القعود فقعدت، ونظر إليّ متسائلاً فقلت: عندي مقالة أريد نشرها.
ولم يكن أحدٌ من الشباب ينشر مقالات في الصحف، إنما كان ينشر فيها كتّاب معدودون لا يزيدون. 
فعجب ومدّ يده إليّ فقمت فدفعت بها إليه، وقعدت وقلبي تُسمَع دقّاته، لقد كنت كالمتّهَم الواقف أمام القاضي لا يدري أيُحكَم عليه بالسجن أم يُحكَم له بالبراءة. 
وقرأها متمهّلاً وهو يسارقني النظر وأنا قاعد على مثل الحديد المُحمى، ثم قال: عظيم، أنت كتبتَها؟
وكان في سؤاله رنّة الشكّ، كأنه يحسب أني سرقتها أو أنها كُتبَت لي. 
قلت: نعم. 
قال: لا أريد إتعابك، ولكن ما دمت قد جئت فهل تحبّ أن تعطينا نصف ساعة تساعدنا فيها أم أنك على موعد؟ 
قلت: بل أساعد. 
قال: شكراً تفضّل. 
ودفع إليّ مجموعة من البرقيات لرويتر وهافاس (وكانتا هما الشركتين اللتين تتولّيان نشر الأخبار) وقال: أرجو أن تقرأها وتصوغ منها مقالة قصيرة تلخّصها وتجمعها فيها. وكان يريد امتحاني، قلت: حاضر.
وما مرّت ربع ساعة حتى ناولتُه المقالة المطلوبة، وكان قلمي يومئذ أسرع من ذهني، وكان ذهني في ثورة متوقّدة في مضائه وسرعته. 
فدهش وقال: شكراً، غداً تقرأ مقالك منشوراً. 
وخرجت وأنا لا أكاد أبصر طريقي من الفرح، أريد أن يعرف الناس كلهم أن مقالي سيُنشر غداً وتحته اسمي! 
كنت أشعر أنني أمشي على الأرض ولكن لا أمسّها بقدمي، كأني راكب «حوّامة» في يوم لم تكن قد عُرفَت فيه الحوّامات. 
ولم تذُق عيوني تلك الليلة طعم المنام؛ كنت أرقب الصبح حتى أرى الجريدة ومقالتي فيها. 
وذكرت كل ما كنت أحفظ من الشعر في الشكوى من طول الليل، وكنت أحفظ الكثير.
وكانت الجرائد تصدر بعد الظهر، فجعلت أدور حول دار الجريدة، حتى إذا صدرَت أخذتها وخفقان قلبي يكاد يطغى على أصوات الشارع، ووقفت إلى جانب الجدار وقلّبتها بلهفة، فإذا المقالة فيها وقد قدّم لها مقدّمة ألبسني فيها ثوباً أكبر مني (3).

* * *

يا أسفي على أيام الصبا ولذّات الصبا! 
لقد نشرت بعدها أكثر من ألف، بل أكثر من ألفَي مقالة، ولكن ما أحسست يوماً بمثل تلك الفرحة. 
وأنا أكتب المقالة الآن كأني أؤدّي واجباً ما من أدائه بُدّ، وأبعث بها، أو أُملِيها بالهاتف فيسجّلها الأخ طاهر أبوبكر وأحياناً الأخ وهيب غراب، ثم ينسخها ثم يتفضّل بقراءتها عليّ، وأطمئنّ إلى خلوّها من الأخطاء، فإذا دخلَت المطبعة لحقَتها الأخطاء من حيث لا أدري.

إنه لا يؤذيني شيء كما تؤذيني أخطاء الطبع، وأشدّها ما كان فيه تبديل كلمة بكلمة. 
لقد كتبت في الحلقة الماضية «العشرينيات» وقلت لهم مؤكداً: «العشرينيات» بصيغة النسبة لا «العشرينات»، فلما قرأتها مطبوعة إذا هي «العشرينات»! لقد قاسيت من هذه الأخطاء ما يُعَدّ من «الأشغال الشاقّة» التي يُحكَم بها مع السجن على المجرمين!
تأتي المقالة منشورة وأقرؤها لأطمئنّ عليها، ثم أعود فأقرؤها لأستمتع بها، ثم لا أستطيع أن أعود إليها أبداً. 
وإني لأكتب الحلقة من هذه الذكريات ولا أكاد أذكر ما قلت فيما كان قبلها، لذلك تأتي بعض الحوادث مكرّرة مُعادة.

* * *

اقترح عليّ أحد المحبّين أن أنشر «المجموعة الكاملة» لكلّ ما كتبت، فقلت: هيهات! لقد كتبت في جرائد ومجلاّت ما عندي منها نسخة واحدة، كتبت سنة 1935 في جريدة «الجزيرة» عند الأستاذ تيسير ظبيان رحمه الله (لمّا كانت تصدر في الشام) مقالات ما عندي منها شيء، وكتبت في «المكشوف» عند فؤاد حبيش مقالات ما عندي منها شيء، وفي «الثقافة» عند الأستاذ أحمد أمين، وفي مجلاّت وجرائد نسيت حتى أسماءها.

وقد طُبع لي إلى الآن ما يقارب الأربعين كتاباً، وأحسب أن الذي ضاع يملأ أربعين كتاباً آخر (4). 
أمّا أحاديثي في الإذاعة والرائي فإنها لو جُمعت لجاءت في خمسين كتاباً، ولكني لا أملك صوراً عنها وأكثرها ما كتبتها أصلاً.
وأسأل الله أن يكتب لي بعض الثواب عليها.

* * *

_________________________________________

(1) ولا يُزعِجْك اسم المزبلة، فإنها تُباع بالذهب لأنها سماد طبيعي يخمّرونه ليسمّدوا به الأرض فتُخرِج الحَبّ والثمر، وهي بنت عمّ «الدّمْنة» التي امتلأت بذكرها روائع الأشعار.
(2) يريد أنه كتب موضوعاً يصف فيه تلك المزبلة (مجاهد).
(3) سبقت الإشارة إلى هذه المقالة في الحلقة الرابعة والثلاثين من هذه الذكريات (مجاهد).
(4) بعد وفاة جدي رحمه الله صدرَت -بتوفيق من الله- ثلاثة كتب ضمّت مقالات سبق نشرها (أو سبق نشرُ أكثرها) في صحف ومجلات لكنها لم تصدر في كتب من قبل، وهي «فصول اجتماعية» و «سيد رجال التاريخ محمد صلى الله عليه وسلم» وجزءٌ ثانٍ من كتاب «مقالات في كلمات». وقد أعددت من قريب كتاباً جديداً سمّيته «نور وهداية»، وكدت أنتهي من ثلاثة كتب أخرى أرجو ألاّ يتأخر صدورها، وهي «مباحث إسلامية» و «فصول في الدعوة والإصلاح» و «فصول في الثقافة والأدب»، وربما استطعت أيضاً إصدار جزء ثان من «فصول اجتماعية».أما أحاديث الإذاعة والرائي فلم أستطع أن أُخرج إلى اليوم غير كتاب واحد منها، هو الجزء الثاني من «الفتاوى». وقد وضعت خطة للعمل في أحاديث رمضان (على مائدة الإفطار) التي أرجو أن تصدر في عدة أجزاء، إلا أنها لن تخرج على الناس قريباً لأن العمل بها صعب عسير يحتاج إلى وقت وجهد غير قليل (مجاهد).


ذكريات 3/ 182 إلى 191
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

بعد الخمسين للشيخ الأديب علي الطنطاوي


نشرت سنة 1959

نظرت في التقويم فوجدت أني أستكمل اليوم (23 جمادى الأولى 1379 هـ) اثنتين وخمسين سنة قمرية، فوقفت ساعة أنظر فيها في يومي وأمسي، أنظر من أمام لأرى ما هي نهاية المطاف، وأنظر من وراء لأرى ماذا أفدت من هذا المسير.


وقفت كما يقف التاجر في آخر السنة ليجرد دفاتره ويحرر حسابه، وينظر ماذا ربح وماذا خسر. 
وقفت كما تقف القافلة التي جُنّ أهلوها وأخذهم السُّعَار، فانطلقوا يركضون لا يعرفون من أين جاؤوا ولا إلى أين يذهبون، ولا يهدؤون إلاّ إذا هدّهم التعب فسقطوا نائمين كالقتلى!

وكذلك نحن إذ نعدو على طريق الحياة؛ نستبق كالمجانين ولكن لا ندري علامَ نتسابق، نعمل أبداً من اللحظة التي نفتح فيها عيوننا في الصباح إلى أن يغلقها النعاس في المساء، نعمل كل شيء إلا أن نفكر في أنفسنا أو ننظر من أين جئنا وإلى أين المصير!
وجردت دفاتري، أرى ماذا طلبت وماذا أُعطيت.

* * *

طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حِدّة بصري وملأت بها ساعات عمري، وصرّمت الليالي الطِّوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً من أدباء اليوم مَن لم يفتحها مرة لينظر فيها! وما كان لي أستاذ يبصرني طريقي ويأخذ بيدي، وما كان من أساتذتي مَن هو صاحب أسلوب في الكتابة يأخذني باتّباع أسلوبه، ولا كان فيهم مَن له قدم في الخطابة وطريقة في الإلقاء يسلكني مسلكه ويذهب بي مذهبه (1). 
وما يسميه القراء أسلوبي في الكتابة ويدعوه المستمعون طريقتي في الإلقاء شيء مَنَّ الله به عليّ لا أعرفه لنفسي، لا أعرف إلاّ أني أكتب حين أكتب وأتكلم حين أتكلم منطلقاً على سجيتي وطبعي، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمة دون كلمة ولا سلوك طريق دون طريق، ولا أتكلف في الإلقاء رنّةً في صوتي ولا تصنّعاً في مخارج حروفي.

وكنت أرجو أن أكون خطيباً يهز المنابر وكاتباً تمشي بآثاره البرد (2)، وكنت أحسب ذلك غاية المنى وأقصى المطالب، فلما نلته زهدت فيه وذهبت مني حلاوته، ولم أعد أجد فيه ما يُشتهى ويُتمنّى.

وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كل مكان وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب وسماع ما تذيع، وتتوارد عليك كتب الإعجاب وتقام لك حفلات التكريم؟ 
لقد رأيت ذلك كله، فهل تحبون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه؟ 
رأيت سراباً ... سراب خادع، قبض الريح!

وما أقول هذا مقالة أديب يبتغي الإغراب ويستثير الإعجاب، لا والله العظيم (أحلف لكم لتصدقوا) ما أقول إلاّ ما أشعر به. 
وأنا من ثلاثين سنة أعلو هذه المنابر وأحتل صدور المجلات والصحف، وأنا أكلم الناس في الإذاعة كل أسبوع مرة من سبع عشرة سنة إلى اليوم، ولطالما خطبت في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا خطباً زلزلت القلوب، وكتبت مقالات كانت أحاديث الناس، ولطالما مرت أيام كان اسمي فيها على كل لسان في بلدي وفي كل بلد عشت فيه أو وصلت إليه مقالاتي، وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقيت خطب الثناء في حفلات التكريم، وقرأت في الكلام عني مقالات ورسائل، ودرَس أدبي ناقدون كبار ودُرّس ما قالوا في المدارس، وتُرجم كثير مما كتبت إلى أوسع لغتين انتشاراً في الدنيا: الإنكليزية والأردية، وإلى الفارسية والفرنسية ... فما الذي بقي في يدي من ذلك كله؟ 
لا شيء. 

وإن لم يكتب لي الله على بعض هذا بعضَ الثواب أكُنْ قد خرجت صفر اليدين!
إني من سنين معتزل متفرد، تمر عليّ أسابيع وأسابيع لا أزور فيها ولا أزار، ولا أكاد أحدّث أحداً إلاّ حديث العمل في المحكمة أو حديث الأسرة في البيت. فماذا ينفعني وأنا في عزلتي إن كان في مراكش والهند وما بينهما مَن يتحدث عني ويمدحني، وماذا يضرني إن كان فيها من يذمني أو لم يكن فيها كلها مَن سمع باسمي؟ 

ولقد قرأت في المدح لي ما رفعني إلى مرتبة الخالدين، ومن القدح فيّ ما هبط بي إلى دركة الشياطين، وكُرِّمت تكريماً لا أستحقه وأُهملت حتى لقد دُعي إلى المؤتمرات الأدبية وإلى المجالس الأدبية الرسمية المبتدئون وما دُعيت منها إلى شيء، فألفت الحالين وتعوّدت الأمرين، وصرت لا يزدهيني ثناء ولا يهزّ السبُّ شعرةً واحدة في بدني.
أسقطت المجد الأدبي من الحساب لما رأيت أنه وهم وسراب.

* * *

وطلبت المناصب، ثم نظرت فإذا المناصب تكليف لا تشريف، وإذا هي مشقة وتعب لا لذّة وطرب، وإذا الموظف أسير مقيَّد بقيود الذهب، وإذا الجزع من عقوبة التقصير أكبر من الفرح بحلاوة السلطان، وإذا مرارة العزل أو الإعفاء من الولاية أكبر من حلاوة التولية. 
ورأيت أني مع ذلك كله قد اشتهيت في عمري وظيفة واحدة، سعيت لها وتحرّقت شوقاً إليها ... هي أن أكون معلماً في المدرسة الأولية في قرية حرستا (3) وكان ذلك من أكثر من ثلاثين سنة، فلم أنلها فما اشتهيت بعدها غيرها.

وطلبت المال وحرصت على الغنى، ثم نظرت فوجدت في الناس أغنياء وهم أشقياء وفقراء وهم سعداء.

ووجدتني قد توفي أبي وأنا لا أزال في الثانوية، وترك أسرة كبيرة وديوناً كثيرة، فوفّى الله الدين وربى الولد وما أحوج إلى أحد، وجعل حياتنا وسطاً ما شكونا يوماً عوزاً ولا عجزنا عن الوصول إلى شيء نحتاج إليه، وما وجدنا يوماً تحت أيدينا مالاً مكنوزاً لا ندري ماذا نصنع به، فكان رزقنا والحمد لله كرزق الطير: تغدو خِماصاً وترجع بِطاناً.

فلم أعد أطلب من المال إلاّ ما يقوم به العيش ويقي الوجهَ ذلَّ الحاجة.

وطلبت متعة الجسد وصرّمت ليالي الشباب أفكر فيها وأضعت أيامه في البحث عن مكانها، وكنت في سكرة الفتوة الأولى لا أكاد أفكر إلا فيها ولا أحن إلاّ إليها، أقرأ من القصص ما يتحدث عنها ومن الشعر ما يشير إليها. 
ثم كبرت سني وزاد علمي، فذهبت السكرة وصحّت الفكرة، فرأيت أن صاحب الشهوة الذي يسلك إليها كل سبيل كالعطشان الذي يشرب من ماء البحر وكلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، ووجدت أن مَن لا يرويه الحلال يقنع به ويصبر عليه لا يرويه الحرام ولو وصل به إلى نساء الأرض جميعاً.

ثم ولّى الشباب بأحلامه وأوهامه، وفترت الرغبة ومات الطلب، فاسترحت وأرحت.

* * *

وقعدت أرى الناس، أسأل: علامَ يركضون؟ 
وإلامَ يسعون؟ 
وما ثَم إلاّ السراب!
هل تعرفون السراب؟ 
إن الذي يسلك الصحراء يراه من بعيد كأنه عينٌ من الماء الزلال تحدق صافية في عين الشمس، فإذا كد الركابَ وحثّ الصحابَ ليبلغه لم يلقَ إلاّ التراب.

هذه هي ملذات الحياة؛ إنها لا تلذ إلاّ من بعيد.

يتمنى الفقير المال، يحسب أنه إذا أعطي عشرة آلاف ليرة فقد حيزت له الدنيا، فإذا أعطيها فصارت في يده لم يجد لها تلك اللذة التي كان يتصورها وطمع في مئة الألف ... إنه يحسّ الفقر بها وهي في يده كما يحسّ الفقر إليها يوم كانت يده خلاء منها، ولو نال مئة الألف لطلب المليون، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى له ثانياً، ولا يملأ عينَ ابن آدم إلاّ التراب (4).

والشاعر العاشق يملأ الدنيا قصائد تسيل من الرقة وتفيض بالشعور، يعلن أنه لا يريد من الحبيبة إلاّ لذّة النظر ومتعة الحديث، فإذا بلغها لم يجدهما شيئاً وطلب ما وراءهما، ثم أراد الزواج فإذا تمّ له لم يجد فيه ما كان يتخيل من النعيم، ولذابت صور الخيال تحت شمس الواقع كما يذوب ثلج الشتاء تحت همس الربيع، ولرأى المجنون في ليلى امرأة كالنساء ما خلق الله النساء من الطين وخلقها (كما كان يُخيَّل إليه) من القشطة، ثم لَمَلّها وزهد فيها وذهب يجنُّ بغيرها!

ويرى الموظفُ الصغيرُ الوزيرَ أو الأميرَ ينزل من سيارته فيقف له الجندي وينحني له الناس، فيظن أنه يجد في الرياسة أو الوِزارة مثل ما يتوهم هو من لذتها ومتعتها لحرمانه منها، ما يدري أن الوزير يتعوّد الوزارة حتى تصير في عينه كوظيفة الكاتب الصغير في عين صاحبها. أوهام ... ولكننا تتعلق دائماً بهذه الأوهام!

* * *

وفكرت فيما نلت في هذه الدنيا من لذائذ وما حملت من عناء طالما صبرت النفس على إتيان الطاعة واجتناب المعصية، رأيت الحرام الجميل فكففت النفس عنه على رغبتها فيه، ورأيت الواجب الثقيل فحملت النفس عليه على نفورها منه، وطالما غلبتني النفس فارتكبت المحرمات وقعدت عن الواجبات، تألمت واستمتعت، فما الذي بقي من هذه المتعة وهذا الألم؟ 
لا شيء. 
لقد ذهبت المتعة وبقي عقابها وذهب الألم وبقي ثوابه.

ولم أرَ أضلَّ في نفسه ولا أغشَّ للناس ممّن يقول لك: لا تنظر إلاّ إلى الساعة التي أنت فيها، فإن:
ما مضى فاتَ والمؤمَّل غيبٌ ... ولكَ السّاعةُ التي أنت فيها

لا والله؛ ما فات ما مضى ولكن كُتب لك أو عليك، أحصاه الله ونسوه. 
والآتي غيب ولكنه غيب كالمشاهَد. 
وما مَثَل هذا القائل إلاّ كمَثَل راكب سفينة أشرفت على الغرق ولم يبقَ لها إلاّ ساعات، فما أسرع إلى زوارق النجاة إسراع العقلاء ولا ابتغى طوق النجاة كما يبتغيه من فاته الزورق، ولكنه عكف على تحسين غرفته في السفينة الغارقة يزين جدرانها بالصور ويكنس أرضها من الغبار، يقول لنفسه: ما دامت السفينة غارقة على كل حال فلِمَ لا أستمتع بساعتي التي أنا فيها؟ 
يُفسد عمرَه كله بصلاح هذه الساعة، وإذا عرض له العقل يسفّه عملَه فليضرب وجه العقل بكأس الخمر التي تعمي عينيه فلا يبصر ولا يهتدي، وإن من الخمر لخمرة المال وخمرة السلطان!


هذا مثال من يجعل هذه الدنيا الفانية أكبر همه ويزهد في الآخرة الباقية، ولو عقل لزهد في الدنيا. 
لا يحمل ركوته وعصاه ويسلك البراري وحيداً، ولا يقيم في زاوية ويمد يده للمحسنين؛ فإن هذا هو زهد الجاهلين، وهو معصية في الدين. 
إن الزهد الحق هو زهد الصحابة والتابعين، الذين عملوا للدنيا واقتنوا الأموال واستمتعوا بالطيبات الحلال وأظهروا نِعَم الله عليهم، ولكن كانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، وكان ذكر الله أبداً في نفوسهم وعلى ألسنتهم، وكانت الشريعة نبراسهم وإمامهم، وكانت أيديهم مبسوطة بالخير، وكانوا لا يفرحون بالغنى حتى يَبطروا ولا يحزنون للفقر حتى ييأسوا، بل كانوا بين غني شاكر وفقير صابر. 
ومَن يحصل المال وينفقه في الطاعة خيرٌ ممّن لا يحصل ولا ينفق بل يسأل ويأخذ، ومَن يتعلم العلم ويعمل به خيرٌ ممّن يعتزل الناس للعبادة في زاوية أو مغارة، ومَن يكون ذا سلطان ومنصب فيقيم العدل ويدفع الظلم خيرٌ ممّن لا سلطان له ولا عدل على يديه ... وليست العبادة أن تصفّ الأقدام في المحاريب فقط، ولكن كل معروف تسديه إن احتسبته عند الله كان لك عبادة، وكل مباح تأتيه إن نويت به وجه الله كان عبادة؛ إذا نويت بالطعام التقوي على العمل الصالح وبمعاشرة الأهل الاستعفاف والعفاف وبجمع المال من حِلّه القدرة به على الخير، كان كل ذلك لك عبادة، وكل نعمة تشكر عليها وكل مصيبة تصبر لله عليها كانت لك عبادة.


والإنسان مفطور على الطمع، تراه أبداً كتلميذ المدرسة؛ كلما بلغ فصلاً كان همه أن يصعد إلى الذي فوقه. 
ولكن التلميذ يسعى إلى غاية معروفة إذا بلغها وقف عندها، والمرء في الدنيا يسعى إلى شيء لا يبلغه أبداً، لأنه لا يسعى إليه ليقف عنده ويقنع به بل ليجاوزه راكضاً يريد غايةً هي صورةٌ في ذهنه ما لها في الأرض من وجود!

وقد يُعطى المال الوفير والجاه الواسع والصحة والأهل والولد، ثم تجده يشكو فراغاً في النفس وهمّاً خفياً في القلب لا يعرف له سبباً، يحسّ أن شيئاً ينقصه ولا يدري ما هو، فما الذي ينقصه فهو يبتغي استكماله؟


لقد أجاب على ذلك رجلٌ واحد؛ رجل بلغ في هذه الدنيا أعلى مرتبة يطمح إليها رجل: مرتبة الحاكم المطلق في ربع الأرض فيما بين فرنسا والصين، وكان له مع هذا السلطان الصحة والعلم والشرف، هو عمر بن عبد العزيز الذي قال: "إن لي نفساً توّاقة، ما أُعطيت شيئاً إلاّ تاقت إلى ما هو أكبر: تمنّت الإمارة، فلما أعطيَتها تاقت إلى الخلافة، فلما بلغتها تاقت إلى الجنة"!

هذا ما تطلبه كل نفس؛ إنها تطلب العودة إلى موطنها الأول، وهذا ما تحسّ الرغبة الخفية أبداً فيه والحنين إليه والفراغ الموحِش إن لم تجده.

فهل اقتربتُ من هذه الغاية بعدما سرت إليها على طريق العمر اثنتين وخمسين سنة؟
يا أسفي! لقد مضى أكثر العمر وما ادّخرت من الصالحات، ولقد دنا السفر وما تزوّدتُ ولا استعددت، ولقد قَرُبَ الحصاد وما حرثت ولا زرعت، وسمعت المواعظ ورأيت العِبَر فما اتّعظت ولا اعتبرت، وآن أوان التوبة فأجّلت وسوّفت.

اللهمّ اغفر لي ما أسررتُ وما أعلنت، فما يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهمّ سترتني فيما مضى فاسترني فيما بقي، ولا تفضحني يوم الحساب.
ورحم الله قارئاً قال: آمين.

* * *
______________________________________

(1) إلاّ الشيخ عبد الرحمن سلام.
(2) جمع بريد (مجاهد).
(3) قرية في طرف الغوطة، كان منها الإمام محمد صاحب الإمام الأعظم أبي حنيفة.
(4) حديث آخره: «ويتوب الله على من تاب».
قلت: وهو حديث مشهور رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه وأحمد من طرق كثيرة بألفاظ متقاربة (مجاهد).


من حديث النفس 301 إلى 310
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

على عتبة الأربعين للشيخ الأديب علي الطنطاوي


نشرت سنة 1948

نزعت رجلي من الركاب، وطردت من ذهني همَّ السفر، ونفضت ما علق بذاكرتي من غبار الحاضر ثم نفذت إلى ما احتوت من كنوز الماضي من معجزات البطولة والنبل، من تاريخنا الواقع الذي لا يصل إليه خيال غيرنا ولا يتعلق به وهمهم، وحاولت أن أكتب للعدد الممتاز من الرسالة. 

فما سرت في الفصل غيرَ بعيد حتى تباطأ قلمي، ثم تعثر، ثم توقف ... وأحسست في نفسي بهذا الضيق الذي ما انفكّ يلازمني منذ أكثر من عشر سنين، فيطفئ وَقدة حماستي ويعقل نشاطي ويغلق أبواب الإلهام دوني، فلا أكتب ما أكتب إلاّ لملء الفراغ وتَزجية الوقت، كالذي يمشي العشيةَ يجر نفسه جراً، لا يسوقه مقصد ولا تجذبه غاية.
ونظرت فإذا أنا بعد شهرين أُتمّ الأربعين ... أربعين سنة قمرية درت فيها مع الفلك وسايرت الشمس، واستقبلت السنين ثم ودعتها كما استقبلتُها، واستولدت الآمال ثم دفنتها كما استولدتُها، ورأيت أفراحاً ورأيت أتراحاً، وصادقت وعاديت وأحسنت وأسأت، فما الذي خرجت به من ذلك كله؟

لقد قطعت في هذه السنين الأربعين أكثرَ الطريق، ولكن لم أعرف بعد إلى أين المسير! 
ومشيت أكثر من أربعة عشر ألف يوم تباعاً، ولكن لم أدرِ إلى أين أمشي!
إنني أصحو كل يوم، فأكلم أهلي وآكل طعامي وأذهب إلى عملي، ثم أعود إلى داري فأكتب مقالتي أو أنظر في كتابي، أو أزور أصحابي أو ألهو بما يلهو به مثلي، ثم أنام لأصحو من الغد فأعيد الفصل ذاته ... والأيام تكرّ، والسنون تطوى، والعمر ينصرم، وأنا «أمثّل الرواية» الأبدية: صحو ومنام، وشراب وطعام، وصمت وكلام، ووداد وخصام ... أما أن أعرف نفسي وأخلو بها ساعة كل يوم وأسأل: 
من هي ومن أين جاءت؟ 
وفيمَ وُجدت وإلى أين تمضي؟ 
فهذا ما لم أفعله إلى اليوم. 
بل إني لأفر منها فراراً وأخاف أن أخلو بها، فأتشاغل عنها بحديث تافه أو كتاب سخيف أو لهو باطل، وإذا أنا أُلزمت صحبتها وعدمت الشواغل عنها ضقت بنفسي وضجرت وأحسست كأني سأجنّ!


وأنا أصرف العمر في قطع العمر وأجعل أكبر همي إضاعة يومي، كأني أُعطيت الحياة لأعمل على تبديدها، فإذا لم أجد ما أمزق به الوقت واضطررت إلى مواجهة الزمان في ساعة كساعات الانتظار ضقت بعمري، وضجرت وأحسست كأني سأجنّ!
إني أركض أبداً وراء المستقبل؛ ففي المستقبل أبلغ آمالي، وفيه أصلح نفسي، وفيه أنيب إلى ربي، وفيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي ولم يجرِ بها قلمي، وفيه أؤلف الكتب الكبار التي طالما أزمعت تأليفها ... وفيه أصنع كل شيء. 
ولكن المستقبل لن يأتي أبداً، وحين يأتي يصير «حاضراً» وأذهب أفتّش عن «مستقبل» آخر، فأنا كالفرس الذي يعدو ويشتد ويكدُّ نفسه ليدرك حزمة الحشيش، والحزمة معلقة في عنقه، يبصرها أبداً أمامه ولا يصل إليها، فلا يزال يسعى حتى يدركه الكلال فيقع، أو تعترضه حفرة فيسقط فيها ... ولكن الحفرة التي أسقط فيها أنا لا قيام منها ولا مناص من ورودها، ولا يستطيع أن يجتنبها كبير ولا صغير، ولا غني ولا فقير، ولا أمير ولا أجير.


وإذا أنا وصلت إلى الأمل الضخم هان عليّ وذهب بهاؤه وامَّحت روعته، كأن الآمال سراب لا يلمع إلاّ من بعيد.

لقد كان أكبر أملي يوم كنت في الابتدائية أن أكون معلماً، وكنت أتوهّم حياة المعلم فأجدها جنة أنزلت الأرض فيها ما تشتهي الأنفس ... أليس المعلم يأمر فيُطاع أمره، وينهى فيُجتنب نهيه، ويوفى التبجيل وينال الإكبار؟ 
فلما صرت معلماً لم أجد من تلك الجنة إلاّ الذي تجده من الغوطة في الشتاء: أرضاً موحلة ما فيها إلاّ الشوك، وأشجاراً يابسة ما فيها إلاّ الحطب، ورأيت مدرّس الثانوية أعلى قدراً وأقل عملاً وأكبر مرتباً وأوسع جاهاً، فأملت أن أكونه. 
وأملت أن أكون كاتباً، وأن أكون قاضياً، وأن أكون خطيباً، وأن أسيح في البلاد ... فلم أجد في الأمل إلاّ الألم لانتظاره، ثم الملل من بقائه، فتيقنت الآن أني لو صرت رئيس الجمهورية أو صاحب «الأهرام» أو كان لي مال «عبود»، لذهبت الأيام بلذة ذلك كله وهوّنه الاعتياد، فلم أستفد منه إلاّ حسد الحساد عليه والحسرة -إن فُقِدَ- لفقده ... وأن متع الدنيا أوهام، مَن لم ينلها تشوّقَ إليها وحسد عليها، ومَن نالها ملّها وتمنى غيرها:
المتزوج يتمنى العزوبة والعَزَب (1) يشتهي الزواج، والمقيم يرجو السفر والمسافر يطلب المعاد، والريفي يحن إلى المدينة والمدني يتشهى الريف، ونحن كلنا أطفال ... تشتري للطفل اللعبة النفيسة فيفرح بها ويهش لها، ثم يلقيها ويطلب غيرها ولو كان دونها! 
ثم إن الآمال لا تنتهي؛ فمن أُعطي المليون ابتغى المليونين، ومن رُفع في الوظيفة درجة طلب درجتين، فلا يزال في شقاءين: شقاء بالحاضر الذي لا يقنع به، وبالآتي الذي لا يصل إليه.


أفلهذا وجدت وسعيت أربعين سنة؟ أسعيت لأدرك السراب؟
وتتالت عليّ الفِكَر، وعاودني الضيق الذي طالما كاد يدفعني (لولا خوف الله) إلى طلب الموت من سنين! 
وما أشكو المرض فصحتي جيدة، ولا أشكو الفقر فما أجد من المال يكفيني، وإنما أشكو فراغاً في النفس لا أعرف مأتاه، وقوىً فيّ لا أجد لها مصرفاً، وحنيناً إلى شيء غامض لا أدري ما هو على التحقيق.


وتركت القلم والورق وقمت أدور في الغرفة، فوجدت على نضد إبريقاً من البلّور الصافي طويل العنق واسع البطن، فيه نحلة قد دخلت ولم تستطع الخروج، فهي تتحفز وتتجمع وتثب متقدمة بقوة وبأس، فيضرب الزجاج رأسها ويردها، فتعاود الكرّة وهي لا تبصر الجدار وإنما تبصر ما وراءه، فتحسب أنه ليس بينها وبين الفضاء حجاب. فجعلت أنظر إليها وهي تعمل دائبة، كلما ضربت مرة عادت تحاول أخرى لا تقف ولا تستريح، حتى عددت عليها أكثر من أربعين مرة، تجد الصدمة كل مرة فلا تعتبر ولا تدرك الحقيقة، ولا ترفع رأسها لتبصر الطريق وتعلم أن سبيل الفضاء وباب الحرية هو من «فوق» لا عن يمين ولا عن شمال ...

فتعلمت من هذه النحلة ما كان خافياً عني: تعلمت أننا مثل هذه النحلة نحسب أن الانطلاق إنما يكون على الأرض فنقدم، فتضرب العوائق وجوهنا وتردنا، فنقعد يائسين أو نعاود الكرة مستميتين، نحسب الانطلاق في الشهرة أو في المال أو في متع الجمال، وهيهات! وها هم أولاء السياسيون والممثلون والمغنون، تطبق الأرض بأحاديثهم ويشتغل الناس بأخبارهم، ويرون صورهم ويسمعون أصواتهم، فما الذي يحصل من ذلك في أيديهم؟ 
وماذا ينفعك أن يكون الناس كلهم يمدحونك إذا كنت منفرداً في غرفتك مبتئساً تَعِس النفس محزون القلب؟


وها هم أولاء الشباب الأغنياء، يؤمون كل ملهى ويستمتعون كل يوم بجمال جديد، فهل ذهب ظمأ قلوبهم إلى ارتياد منابع الجمال؟ 
هل شبعت شهواتهم؟ 
أم أن ذلك كالماء المالح كلما شربتَه جدّدَ لك ظمأً؟ 
وها هم أولاء المحبون المدنفون، يعانقون مَن يحبون، والنفس لا تزال بعد مشوقة ليس يرويها عناق ولا اقتراب، ولا يشبعها شيء من متع الجسد. وها هم أولاء «الملايِرة» (2) المؤلِّفون، هل أشبعت ملايينهم نفوسَهم ورزقتهم القناعة والاطمئنان؟
فما هذا طريق السعادة. 
إن الطريق على الأرض مسدود، والفضاء من حولك له حدود، وما طريق الفضاء وسبيل الانطلاق إلا من «فوق»، هناك عالم النفس، تنشط النفس كلما برقت لها منه بارقة أو لاح علم، كلما سمعت نغمة سحرية فيها رنّة من ذلك العالم أو قرأت قصة عبقرية فيها إشارة إلى ذلك المجهول، أو وعت موعظة علوية فيها قطرة من ذلك الينبوع.

الآن عرفت، فيا ضيعة هذه السنين الأربعين!

* * *

لا تقولوا: إنك تكتب في الدين وفي الفضيلة وإنك تدعو إلى الخير، لأني عزمت على أن أقول الليلة الحق ولو كان على نفسي.
الحق -يا سادة- أن الدعاة اليوم إلى الله (لا أستثني واحداً ممن أعرف منهم) كلهم ممثلون؛ يلبسون في المجلة أو على المنبر ثياب المسرح فيبدون بالجبة والعمامة، فإذا انقضى «الفصل» خلعوها وعادوا إلى بيوتهم، فعكف عابد الدينار منهم على معبوده ما له إلاّ جمع المال همّ، وعابد الشهوة عليها، وعابد الجاه، وعابد المنصب ... تعددت الأصنام والشرك واحد!

إنهم ممثلون وأنا أول الممثلين. 
ولو كنت صادقاً لما ألّفت في سيرة أبي بكر وعمر ثم عدلت عن سنتهما وسرت غير سيرتهما، ولو كنت صادقاً إذ أدعو إلى الإسلام لكنت في سري وجهري وفي لساني ويدي واقفاً عند أمر الإسلام ونهيه، ولو كنت صادقاً لما انغمست في حمأة هذه الحياة التي سال علينا سيلها من الغرب، ولو كنت (وكان عشرة مثلي، صادقين) لما بقي في الأرض فساد. 
ولقد طهّر الأرضَ من أوضارها منبر واحد من الخشب، ثلاثُ درجات ليس لها درابزين ولا عليها قبة ولا لها باب، فلِمَ لا تطهر الأرضَ مئةُ ألف منبر مزخرفة منقوشة محلاة لها أبواب جميلة وقِباب؟ 
ألأنّ الناس فسدت طبائعهم؟ 
ألأنّ الزمان قد دنا آخره؟
لا؛ بل لأن القائمين عليها وعّاظ من خشب، يحملون سيوفاً من خشب!

* * *

أما إن الحق الذي لا بد الليلة من الصدع به أنه: لا هذه المواعظ ولا هذه المقالات هي التي توصل إلى الله، ولكن يوصل إليه أن يعود كل إلى نفسه فيسأل: من أين جاءت، وفيمَ خُلقت، وإلى أين المصير؟ 
وأن يعلم كلٌّ أن الطريق من «فوق»، فيرفع رأسه ليرى الطريق. 
ومَنْ منا يرفع اليوم رأسه، ونحن كالنحلة لا نبصر إلاّ الأرض؟ 
بل إن منّا مَن هو كالفراشة تسعى إلى النار، تحسب أنها باب الانطلاق!


إن المسيحيين يصلّون لربهم قبل الطعام على المائدة وقبل الدرس في المدرسة ويوم الأحد في الكنيسة، فتعلم أنهم مسيحيون، فما يصنع كثير من المسلمين؟ 
وأي علامة تدل على أنهم مسلمون، من ساعة يصبحون إلى ساعة يمسون؟!
لا صلاة، ولا ذكر، ولا تمييز لحلال من حرام ... إن عملوا خيراً فباسم الأخلاق والفضيلة والصحة لا باسم الإسلام. فما الفرق بينهم وبين غيرهم؟
يقولون إن الدين المعاملة والصدق والقصد والاعتدال وأن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك. صحيح؛ ولكن هذا من الدين، وليس هو الدين! وهذا شأن كل شريف، يستوي فيه الشرفاء جميعاً، فما معنى تفريقهم إلى مؤمنين وملحدين وعبّاد وثن؟ وهذا كله للحياة الدنيا، فما الذي نعمله للحياة الأخرى؟

لا، بل الدين أن تتصل بالعالم العلوي، وأن تراقب الله، وأن تعلم أنه مطلع عليك أبداً، وأنه يرعاك بعينه فترعاه بقلبك وتطيعه بجوارحك.

هذه غاية الخلق وهذا سرّ الوجود: {مَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدون}، لا عبادة عادة، وصلاةَ رياضة، وصومَ استشفاء، وحجَّ سياحة؛ بل العبادة التي يحسّ بها القلب حلاوة الإيمان، ويذوق فيها لذة العبودية، ويستشعر فيها القيام بين يدي الله. 
ولتغامر مع ذلك في ميدان الحياة، ولتقحم لجَّها، ولتأخذ أوفر قسط من طيباتها ومن علومها ومن فنونها، ولتكن قوياً ولتكن غنياً.

هذه حقيقة الدين وهذه غاية الحياة، فهل يصل إلى الغاية من مشى أربعين سنة مائلاً عنها ضالاً طريقها؟
ألا يا ضيعة هذه السنين الأربعين!

* * *
_________________________________________________

(1) قال صاحب القاموس: "العَزَب من لا أهل له، ولا تقل أعزب"، وفي المعجم الوسيط: " «الأعزب» استعمال قليل، والأجود «عَزَب» " (مجاهد).
(2) جمع مليونير. و «المؤلِّفون» أردت بها أصحاب الآلاف.

من حديث النفس 243 إلى 250
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

على أبواب الثلاثين للشيخ الأديب علي الطنطاوي


نشرت أول سنة 1939

نظرت اليوم في سجل ميلادي فوجدتني على أبواب الثلاثين، فتركت عملي وجلست أفكر: ماذا بقي لي من هذه السنين الثلاثين يا أسفى؟ 

لم يبقَ إلاّ ذكريات واهية تحتويها بقية قلب تناثرت أشلاؤه على سفوح قاسيون في دمشق، ومسارب الأعظمية في بغداد، وغابات الصنوبر في لبنان ... أي والله، وعلى طريق الأهرام في مصر، وضفاف «الشط» في البصرة، وحوائط النخيل في يثرب ... أشلاء من قلبي وأشلاء. 
فماذا أفدت من عمري الضائع وشبابي الآفل؟ لا شيء! لا مجد ولا مال ولا بنين. 
لم أفد إلاّ اسماً مشى في البلاد فحمل قسطه من المدح والذم والتمجيد والشتم، ولكني كنت في معزل عن هذا كله فلم ينلني منه شيء. 
إن اسمي ليس مني؛ إنه مخلوق من حروف، ولكني إنسان من لحم ودم. 
فهل تشبعني الشهرة، أو يكسوني الثناء؟ 
ولم أملك إلاّ قلباً أحبَّ كثيراً وأخلص طويلاً، ولكنه سقط كَلِيماً على عتبات الحب والإخلاص، ورأساً حشوته بما وجدت من العلوم والمعارف، فأثقلته علومه عن التقدم فاحتلت مكانَه الرؤوسُ الخفيفة الفارغة!
فيا ليتني علمت من قبل أن الحياة مثل اللجة، يطفو فيها الفارغ ويرتفع، وينزل الممتلئ ويغوص!

* * *

أني لأتصور الآن كيف كنت أنظر في طفولتي إلى أبناء الثلاثين، أولئك الشباب الكُمَّل الذين بلغوا قمة الحياة وعرفوا الاطمئنان والاستقرار، فأجد بيني وبينهم بوناً شاسعاً وأرى أني لن أبلغ الثلاثين أبداً ... ذلك لأن كل ما أعلمه أني وُلدت وأنا ابن أربع سنين، فأُدخلت المدرسة، فكنت أعيش فيها سنة لأنجح في الامتحان وأرتقي من صف إلى صف وأستمتع بالعطلة. 
فلما أكملت دراستي العالية ولم يبقَ من مدرسة ولم يبقَ امتحان وقفت فلم أتقدم، وفقدت غايتي فلم أعد أحسُّ أني أعيش. 
ثم تلفتُّ إلى الماضي أعيش بذكراه، فأصبحت كلما انقضى عليّ عام رجعت فيه سنة إلى الوراء، فأنا أصغر كلما كبرت، وأدنو من الطفولة كلما نأيت عنها.
فمتى أبلغ الثلاثين، وأين أحط رحالي بعد هذا المسعى؟

* * *

وغشيت قلبي غاشيةٌ من غمّ، فأشعلت عوداً من الكبريت لأوقد المدفأة -وكنت في ذَهلة- فسرت النار في العود، ثم تأججت وتوقدت وأنا أنظر إلى اللهيب جامد العين محدقاً في عالم بعيد الغور، حتى أحسست بحرارة النار في يدي، فانتبهت وألقيت العود، فإذا هو قد استحال إلى فحمة سوداء ضعيفة تطير مع النسيم ... فقلت: هذه هي الحياة؛ إن الألم الذي أحسسته يلذع نفسي هذه العشية كلذع النار إصبعي، سينتهي بي إلى مثل هذا المصير. سأمضي كما مضى هذا العود، ولكني لا أخلِّف ورائي شيئاً. لن أدع مالاً ولا جاهاً ولا عملاً، لأني اشتغلت -واحسرتى- بالأدب!
ويا ليتني تفرغت -بعدُ- للأدب ولم يستغرق حياتي الكدحُ للعيش. إني لم أعمل شيئاً؛ إن في رأسي وقلبي شيئاً كثيراً، ولكنّ قلمي مكسور، ودواتي جافة، ولساني مشدود بنَسْعة، فأنا لا أستطيع أن أقول ...

عندي ألحان كثيرة فأنا أحب أن أغني، ولكن الغناء يستحيل -من الضيق- إلى زفرات تخرج مقالات، فيحسبها الناس ألحاني كلها، إلاّ أن ألحاني لا تزال في صدري لم يسمعها بشر. 
وماذا ينفعني أن يسمعها الناس فيطربوا ويصفقوا وأتفرد أنا بالخيبة والألم؟ 
إن الناس لا يألفون إلاّ الأغاني الفارغة المدوية، فلتبق أغانيَّ العذبة في صدري، أسمعها وحدي من غير أن يتحرك بها لساني لأن لساني مشغول بإلقاء الدرس.
كل ما أكتب زفرات متألم وإشارات أخرس، فهل يأتي اليوم الذي تنحسر فيه الزفرات عن الأغاني، والإشارات عن الألفاظ والمعاني؟

* * *

على أن هذه الزفرات وهذه الإشارات عزاء نفسي، فكم لهذه «الرسالة» من فضل عليّ، وكم من الفضل لهؤلاء الأدباء الذين يستطيعون أن ينقلوني من دنياي هذي الضيقة إلى دنيا واسعة تطير روحي في أجوائها حرة طليقة، أمثال الرافعي ومعروف والزيات! فهل يدري الزيات، أو هل يدري معروف الأرناؤوط، أني طالما أصرمت الليالي الطويلة في فرتر ورفائيل (1) وسيد قريش وعمر ابن الخطاب (2) وأني طالما لجأت إليها أقرع أبوابها وأتوارى وراء أسوارها في جنان سحرية، لا أستطيع أن أصفها بأكثر من إعلان العجز عن وصفها؟ 
فأيّ عالم في رأس معروف، وأيّ دنيا في صدره؟ 
وأيّ نبل وسمو في هذه اللغة، لغة معروف ولغة الزيات ولغة الرافعي، هذه التي تتيه بجواهرها ولآلئها، على حين تمشي لغات كتاب العصر بأسمالها البالية ومزقها المخرَّقة ... لغة فخمة تشعرك بالسيادة والعظمة، لا كهذه اللغات الهزيلة العارية.
وكم من الفضل لهيكل عليّ، فلقد سلخت في قراءة كتابه «منزل الوحي» أياماً كنت أعيش فيها في عهد النبوة، ولقد مررت بهذه البقاع التي يصفها وأثارت في نفسي عوالم من الذكريات والآمال والخواطر، فإذا أنا أجدها كلها وأجد أكثر منها في كتاب هيكل.

* * *

يا رحمة الله على تلك الأيام! 
أيام كنت أغلق فيها بابي عليّ، ثم أقبل على كتبي أجالس فيها العلماء والأدباء وأجد في حديثهم الصامت لذة ومتاعاً. 
كنت أقرأ لأني كنت أجهل الحياة، فلما عرفتها لم أعد أطيق قراءة ولا بحثاً. 
ولماذا أقرأ؟ 
ولماذا أتعلم؟ 
ولماذا أكون فاضلاً؟ 
والحياة حرب على أهل العلم والفضل، والناس كالحياة لأنهم أبناؤها وتلاميذها!

ألا يحيا الكاذب المنافق سعيداً موقراً ويموت الصادق الشريف فقيراً محتقَراً؟ 
ألا يُصدّق الناس الشيخ المشعوذ لأنه يدخل إلى نفوسهم من باب الدين ويُكذّبون العالم الفاضل؟ 
أليس طريق الشعبذة (3) وادعاء الكرامات والمَخْرَقة على الناس بعلم أسرار الحروف واستحضار المردة واستخراج الجنّ من أجسام بني آدم، آثرَ عند عامة الناس من العلم الصحيح والأدب المحض؟ 
ألا يتمتع هذا اللص بالثقة التي لا يحلم بها عالِم متخصص أو باحث مدقق، وتنهال على يده الأموال وتزدحم على يده الشفاه؟ 
ألا يبلغ المنافق ذو الوجهين أعلى المراتب وأسماها ويبقى الصادق الشريف في الحضيض؟ 
ألا يركب الجاهل السيارة الفخمة ويسكن القصر العظيم ويحتل المرتبة العلمية العليا، ويمشي العالم إلى بيته الحقير لا يدري به أحد؟ أليست أسواق الرذيلة عامرة دائرة، وأسواق الفضيلة داثرة بائرة؟
ألا يظفر الكاذب المفتري بالبريء؟ ألا يغلب القوي الضعيف؟ ألا ينتصر المال على العلم؟
فلماذا أقرأ؟ 
ولماذا أتعلم؟ 
ولماذا أكون فاضلاً؟

* * *

وقمت وقد صفَّيْتُ حسابي مع الحياة، فإذا أنا قد خسرت ثلاثين سنة هي زهرة عمري وربيع حياتي ولم أربح شيئاً!

* * *
_______________________________

(1) «آلام فَرتر» لغوتة و «رُفائيل» للامارتين، ترجم كليهما عن الفرنسية أديبُ العربية وصاحب الرسالة: أحمد حسن الزيات. و «سيد قريش» في ثلاثة أجزاء و «عمر بن الخطاب» في جزأين لمعروف الأرناؤوط، ولجدّي وصف له في غاية الطرافة في الحلقة 35 في «الذكريات»، قال: "ولما شرع يؤلف «سيد قريش» لم يكن قد جدد دراسته للتاريخ، فكان مستشاره الحاج (فلان)، وهو رجل قرأ في زمانه التاريخ ونسيه، ثم نسي أنه نسيه ... "، إلى آخر المقالة. (انظر الذكريات: 2/ 5 وما بعدها) (مجاهد).
(2) ثم رأيت ذلك كله عبثاً، وأن النافع ما نفعك في آخرتك.
(3) الشعبذة والشعوذة بمعنى واحد في اللغة (مجاهد).

من حديث النفس 99 إلى 104
راجعه وصححه وعلق عليه: حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

ابن ماجد أسد البحر الهائج



للأستاذ قدري حافظ طوقان

لا يظنن القارئ أننا نستطيع أن نوفي ابن ماجد حقه بمقالنا هذا، فذلك ما لا ندعيه وما لا يمكن أن نقول به، ولا سيما أن ناحية الملاحة عند العرب لا تزال غامضة لم تعط حقها من البحث.
والتنقيب عدا أنها لا تدخل في دائرة اختصاصنا. وجل ما أقصده من هذه العجالة إعطاء فكرة عن ابن ماجد عسى أن يكون في ذلك حفز الهمم للعناية بالمآثر والإسلامية والآثار العربية في شتى النواحي، وعسى أن يكون في ذلك إثارة العزائم للكشف عن آثار أحاطها إهمالنا بالغموض والإبهام. إن حياة ابن ماجد حافلة بالأعمال، وقد تركت آثارا جليلة، وهي صفحة لامعة في التراث الإسلامي، يحق لنا أن نباهي أمم الأرض بها كما يباهي البرتغاليون بصفحة فاسكو دي غاما الذي طاف حول الأرض.
وجدير بالمنقبين من أبناء هذه الأمة أن يخرجوها للنشء حتى تثير فيه ما يحي خصائصه الممتازة.
نريد بل نطلب من أحد المتخصصين في التاريخ الإسلامي أن يتخصص في ناحية الملاحة عند العرب والمسلمين، وفي تاريخ إنشاء الأساطيل عندهم، ونريد منه أن يبحث ويدقق، حتى يخرج من ذلك بسفر جامع يكون جزءاً من الثقافة الحديثة يمكن للخاص والعام أن يستفيد منه، وإن في تلك الاستفادة ما يخلق في النفوس روح الإقدام وروح الاعتقاد بالقابلية والنبوغ، ولا يخفى ما في هذا كله من قوى تدفع بالأمة إلى المجد والسؤدد.


كان العرب في بدء فتوحهم يخافون البحر ويهابونه، وكيف لا يخافونه ويهابونه، وهم أهل صحراء منقطعون عنه لم يتعودوا رؤيته فكيف بركوبه. . . ولم يكن الخلفاء الراشدون يشجعون على ركوب البحار لخوفهم على أرواح المسلمين؛ وقد جاء أن الخليفة عمر بن الخطاب كان لا يشجع على ركوب البحر، وكثيراً ما عاقب الذين يخوضون عبابه، ويقال إنه عنف عرفجة بن هرثمة الأزدي لركوبه البحر حين غزوه عمان. وقد يكون السبب في منع الخلفاء هو خوفهم على المسلمين لأنهم لم يكونوا أهل بحر ولم يتعودوا السير على أعواده.

وبقى الأمر على هذه الحال إلى أن اتسعت الفتوح الإسلامية والعربية، وأصبح من العسير بل من المستحيل حماية بعض البلاد، ولا سيما وقد أصبح المسلمون مجاورين الرومان وقد رأوا أن الحاجة ماسة لحماية الشواطئ، ولقد اتخذوا في إنشاء السفن مثال الرومان؛ ومن الغريب أنك تجدهم في مدة وجيزة قد صارت لهم دراية وخبرة بالبحار وبركوبها، وقد طافوا أشهرها وقهروا محيطات العالم، واتصلوا بالبلاد البعيدة وعرفوا عنها الشيء الكثير، مهروا في صناعة السفائن، وأنشئوا لذلك دورا عظيمة، وصار لهم أيضا في مختلف الأنحاء أساطيل أصبحت عرائس البحار وزينة الشواطئ، متقنة الصنع كثيرة العدد تفننوا في عملها، وأدخلوا تحسينات جمة على آلاتها، وضعوا لها الخرائط والمصورات البحرية، كانوا على علم بالأوقات الملائمة لخوض البحار وعلى معرفة تامة بأوقات هبوب الرياح، اتخذوا المنائر في المرافئ وفي المواضع الخطرة لهداية السفن، واستعملوا الإبرة المغناطيسية لتعيين الجهات، ولقد وصل الأسطول الأندلسي في عصر عبد الرحمن الناصر إلى مائتي مركب، وكذلك كان أسطول أفريقيا إذ وصلت أساطيل المسلمين في دولة الموحدين من العظمة والفخامة ما لم تصله في أي عصر آخر، وبلغت المراكب في أيام المعز لدين الله بمصر ستمائة قطعة.


ولسنا الآن في موقف نستطيع معه تعداد أمجاد العرب والمسلمين في الملاحة، ولسنا أيضا في موقف نتمكن معه من سرد مواقع المسلمين البحرية وبراعتهم في ذلك.
فهذا كله لا يزال محاطا بسحب الإبهام، ولم ينفض عنه بعد غبار الإهمال؛ ومما يؤلمنا أننا إلى الآن لم نسمع عن جماعات علمية أو منقبين أقاموا أنفسهم لهذه البحوث وصرفوا أوقاتهم في تهيئتها، وعلى كل حال يمكننا القول من مطالعة كتب التاريخ التي بين أيدينا أن العرب وصلوا في الملاحة إلى درجة لم يصلها غيرهم من قبلهم.
إذ جعلتهم سلاطين البحار وغزاة المحيطات، وكان لذلك تأثيرا كبير على فتوحاتهم، فلقد تمكنوا بأساطيلهم من فتح سردينيا وصقلية وقبرص ومالطة وأقريطش، وكذلك فتحوا بها كثيرا من شواطئ البحر الأبيض المتوسط مما يلي أوروبا إلى بريطانيا في الشمال. وقد بقي العرب أسياد العالم في البحار إلى أن قامت عليهم قيامة الغرب بحروبه الصليبية، وإلى أن قامت عليهم أيضا المغول والتتار، وهبت عليهم عواصف الفتن والقلاقل من كل جانب، فضعف شأنهم وأضاعوا عزهم ومجدهم، واستولت عليهم غفلة طويلة وجمود مروع كما كاد يذهب بالكيان والخصائص التي يمتاز بها العرب على غيرهم، وكاد يستحيل كل هذا إلى موت أكيد. . .


قلنا أن الأمة العربية وصلت إلى درجة في البحرية لم يصلها غيرها من الأمم التي سبقتهم، أخضعوا البحار لأساطيلهم، ولم يعبأوا بمدها وجزرها، وساحوا بسفنهم المحيطين الهندي والهادي، وأصبح لهم دراية وخبرة في الملاحة، وإن أمة كان هذا شأنها، وكانت هذه درجتها لمن الطبيعي أن يظهر فيها من مهر في الملاحة وبرع في البحرية واطلع على أسرارهما ووقف على دقائقهما، ومن الطبيعي أيضا أن يظهر فيها من ألف المؤلفات العديدة، ووضع الكتب الكثيرة في علم البحار، ولا عجب إذن إذا كانت هذه المؤلفات وتلك الكتب منهلا نهل منه كثير من ملاحي الغرب، ولا عجب إذن إذا استعانوا بها في تسيير سفائنهم ورسم الخرائط والمصورات البحرية، وفي معرفة المواقع والمرافئ والخلجان.

ومن هؤلاء الذين نبغوا في الملاحة ووقفوا على دخائلها وعرفوا أسرارها ابن ماجد الذي ظهر في القرن التاسع للهجرة؛ وهو شهاب الدين أحمد بن ماجد بن محمد بن معلق السعدي بن أبي الركائب النجدي، كان يلقب نفسه بشاعر القبلتين، وقد حج إلى الحرمين الشريفين ويعرف بسليل الأسود، وكان أبوه ومن قبله جده من الذين اشتهروا في الملاحة، حتى أن جده كتب رسالة في الملاحة في البحر الأحمر خدمة للسفن التي تقل الحجاج، ولقد زاد ابن ماجد على هذه الرسالة نتيجة اختباراته الشخصية. من هنا يظهر أن ابن ماجد منحدر من عائلة اشتهرت بالشئون البحرية والاعتناء بالملاحة، فلا غرابة إذا نبغ هو في ذلك، ولا عجب أيضا إذا فاق أجداده في هذا كله.


وقد اعترف بعض المنصفين من علماء الإفرنج بفضل العرب (وخصوصا ابن ماجد) على الملاحة البرتغالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد.
وقد قال الأستاذ فران الفرنسي إن الفضل في تفوق الملاحة البرتغالية يعود إلى العرب والأستاذ فران هذا هو الذي ترجم كثيرا من مؤلفات ابن ماجد وقد علق عليها، وقد صدرها بعنوان (مؤلفات ابن ماجد الملقب بأسد البحر الهائج ربان فاسكو دي غاما الذي طاف حول الأرض.) وثبت لبعض علماء أوربا أن فاسكو دي غاما استعان بابن ماجد في تسيير أسطوله حول الأرض من مالندى على ساحل أفريقيا الشرقية إلى قاليقوت في الهند.

ووضع ابن ماجد مؤلفات عديدة ورسائل كثيرو في علم البحار وكيفية تسيير السفن، هي من الأهمية العلمية والتاريخية بمكان عظيم.
ومن مؤلفاته القيمة المعروفة كتاب اقتناه المجمع العلمي العربي بدمشق وهو موجود الآن في دار الكتب العربية الظاهرية.
واسم هذا الكتاب (كتاب الفوائد في معرفة علم البحر والقواعد)، وقد كتب عنه المرحوم العلامة الشيخ سعيد الكرمي في الجزء الثاني من المجلد الأول من مجلة المجمع مقالا جاء فيه: (والكتاب عبارة عن مائتي صفحة كل صفحة 23 سطرا يتضمن معرفة سير السفن في البحر بمعرفة منازل القمر ومهب الرياح ومعرفة القبلة. . .) ونجد في هذا الكتاب كيفية الاستدلال بمنازل القمر والروج على البلاد التي يقصدها المسافر، ويتبين منه أيضا أن المؤلف اتخذ بنات نعش وسهبلاً والناقة والحمارين والعيوق والعقرب والنسر الواقع والأكليل والسماكين والتير من جملة الأدلة التي تساعد المسافرين في الأسفار، وقال إنه علم ذلك بالاختبار، واعترف بأن ثلاثة من مشاهير الربابين سبقوه إلى ذلك، وأن الفرق بينه وبينهم (أن ما ذكره هو صحيح مجرب، وما ذكره أولئك ليس على التجريب منه شيء. . . .) ويوجد أيضاً في هذا الكتاب عرض بعض الثغور على الأقيانوس الهندي والبحر الصيني وشكل البرور ومراسي ساحل الهند الغربية والجزر العشر الكبرى المشهورة، وفيه وصف تفصيلي للبحر الأحمر بما فيه مراسيه وأعماقه وصخوره الظاهرة والخفية، وفيه أيضا بعض أسعار تتعلق بالملاحة والبحار، ويتبين من قراءة بعضها أنه كان معجبا بنفسه وبما استنبطه في علم الملاحة إذ قال:
يفوتك غفلة نظمي ونثري ... وتزعم أن ليلك ذو نهار
فوالحرمين لم تظفر بعلم ... يسرك في البحار وفي البراري
إذا ما الراميات رمتك فاعلق ... بتصنيفي وحكمي في المجاري

ويجد القارئ في هذا الكتاب بعض أشعار تعلي من شأن العلم وتحببه للناس ويقول ناظمها إن طالبه والساعي إليه يزداد رفعة، وإن الذي لا يسعى إليه ولا يهمه منه شيء يورثه الله الذل والهوان. . .
العلم لا يعرف مقداره ... إلا ذوو الإحسان عند الكمال
من ناله منهم ترقى به ... ما بين أعيان الملا واستطال
ومن تراخى عنه هوناً به ... أحوجه الله لذل السؤال
فذاك بين العلي أخرس ... أقعده الجهل بصف النعال


ولابن ماجد رسائل عديدة أكثرها منظوم رجزا كرسالة (حاوية الاختصار في علم البحار) ففيها بحث عن العلامات التي يجب على الربابين معرفتها استدلالا على قرب البر وعن منازل القمر ومهاب الرياح وعن السنة الهجرية والرومية والقبطية والفارسية وعن طريق السفن على ساحل العربية والحجاز وسيام وشبه جزيرة ملقا وأطراف بلاد الزنوج وعلى سواحل الهند الغربية، وسواحل القرومندل والناط والبنغال وسيام حتى جزيرة بليطون وجاوة والصين وفرموزة، وعن سير السفن على سواحل جزر جاوه وسومطرة والغال ومدغشكر واليمن والحبش والصومال وجنوبي العربية والمقران، وعن المسافات بين الثغور العربية والثغور الهندية، وعن عرض الثغور على البحر الهندي. وله أيضا رسالة (المعرية) وفيها بحث عن الخليج البربري، ورسالة تبحث في معرفة القبلة في جميع الأقطار يقول في أولها: (لما رأيت الناس يميلون عن معرفة القبلة وليس لهم أصل علم يعرفونها به خصوصا في المدن اللواتي بقرب البحر وجزره التي يمر بها المسافر، نظمت هذه الأرجوزة وأقمتها بأوضح الأدلة وأساسها بأربعة وجوه: الوجه الأول بطول مكة المشرفة وعرضها وطول البلد الذي فيه الإنسان وعرضه، الوجه الثاني على الجدي، الوجه الثالث على بيت الإبرة، الوجه الرابع جهات الكعبة الأربع. . . .) وله أيضا أرجوزة بر العرب في خليج فارس، وأرجوزة السير في البحر على بنات نعش، وقصيدة تبحث في علم المجهولات في البحر والنجوم والبروج وأسمائها وأقطابها، وأرجوزة في بيان بر الهند والعرب؛ وله أيضاً قصائد أخرى بعضها يبحث في معرفة الجهات من الشعري والنسري ومن سهيل والسماكين، وله أراجيز غير التي مر ذكرها تتضمن ذكر المراسي على ساحل الهندي الغربية، وعلى ساحل العربية، وتبحث في فائدة بعض النجوم الشمالية في سير السفن، ويذكر فيها أيضا بعض الكواكب المفيدة للملاحة، ومنها ما يبحث في الطرق البحرية من جدة إلى جنوبي بلاد العرب فبعض بلدان وسواحل أخرى، ومنها ما يبحث عن الصخور البحرية والأعماق وعلامات البر وعن الحيوانات التي تعيش في الماء كالضفادع والأسماك والحيتان، وعن علم الفلك والملاحة. . . الخ.


هذه بعض مؤلفات ورسائل ابن ماجد أتينا على ذكرها ليتبن للقارئ الكريم أنه وجد في الأمة العربية من برع في الملاحة ومهر في تسيير السفن ومن ألف في ذلك المؤلفات القيمة والرسائل الطريفة.
ومن الغريب أن يجد المرء في هذه المؤلفات وتلك الرسائل ابتكارات ونظريات في علم البحار ما كنت لتخطر على بال المتقدمين، وقد يعجب البعض إذا قيل له إن أكثر هذه المؤلفات ضاع وراح ضحية الإهمال وعدم الاعتناء وأن الموجود منها (وهو القليل) الذي عثر عليه بعض المنقبين والباحثين من الفرنجة بقي سنين عديدة المرجح الوحيد الذي يرجع إليه الملاحون في أوروبا.
ولقد بقيت القواعد التي وضعها ابن ماجد من القرن الخامس عشر للميلاد إلى منتصف القرن التاسع عشر منهلا عاما لملاحي الشرق والغرب.

وذكر برتن الإنجليزي أن بحارة عدن في سنة 1854 كانوا قبل السفر يتلون الفاتحة إكراما لابن ماجد مخترع الإبرة المغناطيسية. ومما لا ريب فيه أن نسبة اختراع بيت الإبرة إلى ابن ماجد خطأ وليس فيه شيء من صحة، فقد ثبت لدى العلماء والباحثين أن استعمال الإبرة كان معروفا في أواخر القرن التاسع للهجرة أو الخامس عشر للميلاد، فالقول بأنه هو مخترع الإبرة غلط، وقد تكون النسبة آتية من مهارته في تسير السفن وبراعته في فن الملاحة ووقوفه على أصول الإبرة وكيفية استعمالها وفهمه المبادئ المنطوي عليها عملها وتأليفه الرسائل فيها.

ولقد ظهر في الأمة العربية كثيرون أمثال ابن ماجد من الذين أتقنوا الملاحة وتسيير السفن وعرفوا عنها شيئا كثيرا، وظهر فيها أيضا من ألف في ذلكالتأليف القيمة التي بقيت قرونا عديدة منبعا يستقي منه الأوربيون، وقد عرفوا كيف يستفيدون منها ويستغلون محتوياتها لما يعود عليهم بالتقدم والرقي، ولو جئنا نعددهم ونذكر خصائص كل منهم لطال بنا المطال، ولخرجنا عن موضوع هذا المقال، ولكنا نكتفي بسرد بعض الربانين والملاحين الذين قطعوا أشواطا بعيدة في علوم البحار وفي وضع الكتب الممتعة عن ذلك. من هؤلاء محمد بن شاذان وسهيل بن أبان وليث بن كهلان وسليمان المهري وعبد العزيز بن أحمد المغربي وموسى القندراني وميمون بن خليل وغيرهم. . . . . . . .


هذه ترجمة موجزة لملاح عربي مهر في الملاحة ونبغ في التأليف وترك آثارا جليلة كانت خير معين للذين أتوا بعده من رباني الشرق والغرب، إذ كانت لهم حلولا لألغاز علم البحار ومفتاحا للاطلاع على أسراره والوقف على دقائقه. ولا ندعي أننا في هذا المقال قمنا بشيء من الواجب نحو ابن ماجد فقد قام بواجبه غيرنا من الفرنجة وقد عرفوا قدره أكثر منا ولم نكن نحن في هذا المقال إلا عالة على بحثوهم ونتاج قرائحهم، وجل قصدنا من هذه الترجمة أن تثير في بعض الذين يعنون بالتاريخ الإسلامي اهتماما يجعلهم يوجهون بعض عنايتهم لناحية الملاحة عند العرب لينفضوا عنها غبار الإهمال ويظهروها على حقيقتها واضحة جلية لا تشوبها غموض، إذ الوقوف على هذه النواحي والتعرف على مآثر السلف في العلوم والآداب والفنون والاطلاع على سير رجالهم وما أدوه من جليل الخدمات للحضارة يخلق في النشء العربي روح الاقتداء بهم وروح اقتفاء آثارهم، وما يذكي فيهم الشهامة وحب ركوب المخاطر، وإن في هذا كله ما يخلق أيضا روح الإقدام وروح المغامرة، وهذا هو الذي يوصلهم إلى ما يصبون إليه من عز لأمتهم ورفعة لقوميتهم وإعلاء لشأن حضارتهم.


__________________________________________


مجلة الرسالة العدد 93