الجمعة، 4 ديسمبر، 2015

نقولات مختارة من كتاب: الحرية في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين



طبعة دار الاعتصام وهو محاضرة ألقاها المؤلف مساء يوم السبت 
17/4/1324هـ وهو يومئذ القاضي بمدينة بنزرت بتونس.


((نبذة في سيرة المؤلف)):

ولد رحمه الله في بلدة نفطة بتونس عام 1293 هـ من أسرة علم وصلاح، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بطلاب العلم بجامعة الزيتونة؛ وحصل على الشهادة العالية في العلوم الدينية والعربية.
أوتي بياناً ساحراً، وقلماً سيالاً، قلما يوجد له نظير في العصور المتأخرة، بل إنه يضارع أرباب البيان الأوائل.
وكان هادئ الطبع، حسن المعشر، لين العريكة، جم التواضع، وكان متفنناً في علوم الشريعة واللغة.
أصدر مجلة السعادة العظمى عام 1321، وتولى القضاء في مدينة بنززت، ولم يَرُقْه ميدان القضاء، فتركه إلى التدريس في جامعة الزيتونة.

حكم عليه الاستعمار الفرنسي بالإعدام، فهاجر إلى دمشق، ثم إلى مصر، وانضم إلى علماء الأزهر، وأخيراً عام 1952 عُيِّن إماماً لمشيخة الأزهر، فقام به خير قيام، وهو آخر عالم تولى الأزهر بترشيح العلماء.
توفي عام 1377 هـ ودفن بالمقبرة التيمورية.

خلف آثاراًكثيرة منها: رسائل الإصلاح، ومحاضرات إسلامية، ونقض كتاب الشعر الجاهلي، ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وغير ذلك.
وله ديوان شعر اسمه ((خواطر الحياة))، وله كتاب ((الحرية في الإسلام)) وهو الكتاب الذي بين أيدينا نقولٌ منه.
وقد كتبه مبيناً مفهوم الحرية الحقة، موضحاً قسوة الاستبداد خصوصاً في وقته حيث كان الاستعمار محكماً قبضته على كثير من البلدان العربية الإسلامية.
ولا تكاد تظفر بكتاب مثله في هذا الباب من جهة قوة التحرير، وشدة الأسر، وجزالة الأسلوب.
هذه نبذة عن سيرته، وتفصيل سيرته موجود في الكتب التي ترجمت له، ومنها كتاب:

((الصداقة بين العلماء)) لكاتب هذه الأوراق


((نقولات من كتاب الحرية في الإسلام)):

1_ وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية، وحياة وراء حياتها الطبيعية _ لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه.
بل لا تستفيق جهدها، ويطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجداً شامخاً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء. ص10

2_ يقوم فسطاط الحرية على قاعدتين عظيمتين هما: المشورة، والمساواة؛ فبالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها، ويطرد نفاذها.
وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام سمكها، وسواها. ص 18

3_ وهكذا ما ساد الأدب، وانتشرت الفضيلة بين أمة إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من عند أنفسهم، والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة، والموعظة الحسنة، فيخفت ضجيج الضارعين، وصخب المبطلين، ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيساً. ص20

4_ أذن الله له صلى الله عليه وسلم بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييباً لنفوس أصحابه، وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده. ص21

5_ وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من العلم بقوانين الشريعة، والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا تطاولها سماء. (1)
ومع هذا لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة.
وإذا نَقَل له أحدُهم نصاً صريحاً ينطبق على الحادثة قال: (( الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا )). ص21

6_ لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية.
وأما المشاركة في الرأي وحدها _ ولا سيما رأي من لا يطاع _ فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد. ص25

7_ وأهم فوائد المشورة تخليص الحق من احتمالات الآراء.
وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى، قال بعضهم:
إذا عنّ أمر فاستشر فيه صاحباً         
وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني  رأيت العين  تجهل نفسها         
وتدرك ما قد حلَّ  في موضع الشهب

وقال آخر:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر         
فالحق   لا    يخفى    على    الآثنين
والمرءُ    مرآةٌ   تريهِ    وجهه          
ويرى     قفاه       بجمع      مرآتين

وقال آخر:
الرأي   كالليل   مسوداً   جوانبه        
والليل   لا     ينجلي     إلا    بمصباح
فاضمم مصابيحَ آراءِ الرجال إلى      
 مصباحِ   رأيك   تزددْ   ضوءَ  مصباحِ

ص25

8_ ومن فوائد الشورى استطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثِّل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآةُ صورةَ شخصه إذا استقبلها. ص26

9_ الحرية في الأموال هي إطلاق التصرف لأصحابها يذهبون في اكتسابها، والتمتع بها على الطريق الوسط دون أن تلم بها فاجعة الاغتصاب، أو تخطفها خائنة كيد واحتيال.ص31

10_ فلا حرج في جمع الدنيا من الوجوه المباحة ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل.
وقد ذكر الله _تعالى _ التجارة في معرض الحط من شأنها حيث شغلت عن طاعة في قوله _ تعالى _: {
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }. الجمعة: 11
ولما رجعوا عن صنيعهم، وأخذوا بأدب الشريعة في إيثار الواجبات الدينية، وعدم الانقطاع عنها إلى الاشتغال بالتجارة ونحوها _ ذكرها، ولم يهضم من حقها شيئاً، فقال _ تعالى _: { رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ }. النور: 37
فأثبت لهؤلاء الكُمَّل أنهم تجار وباعة، ولكنهم لم يشتغلوا بضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية. ص32

11_ بيد أن الشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه حال عمله مطوياً على سراج من التوكل والتفويض؛ فإن اعتماد القلب على قدرة الله وكرمه يستأصل جراثيم اليأس، ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها. ص33

12_ لم تغادر الشريعة صغيرة ولا كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها، وعلقت عليها حكماً عادلاً. 34

13_ كما أذن الإسلام في اكتساب الأموال، واستثمار أرباحها من وجوهها المعتدلة أذن في الاستمتاع بها، وترويح الخاطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد. 37

14_ وأما الآيات الواردة في سياق التزهيد، والحط من متاع الحياة الدنيا فلا يقصد منها ترغيب الإنسان؛ ليعيش مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.
وإنما يقصد منها _ فيما نفهمه _ حكم أخرى كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومَنْ قَصُرَتْ أيديهم عن تناولها؛ لئلا تضيق صدورُهم على آثارها أسفاً.
ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاعُ ما في طبيعتها من الشَّرَهِ، والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.
فاستصغارُ متاع الدنيا، وتحقيرُ لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِرُ بهممهم عن جعلها قبلةً يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا.
وقد بين لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذِّ الحياة، ولم يَصْحُ فؤاده عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي، أوتناسى من أين تؤتى المكارم، والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتهم السافلة. 38

15_ وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة، والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه، أو في حال وجوده _ فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس، وتدريبها على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون كلفة؛ فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا مؤاخذة. ص39

16_ ولا ننسى أن كثيراً من الشعراء قد طغى بهم الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديح الخمر صفات الجمال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال؛ فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون. ص41

17_ فالإسلام _ وإن عني بتزكية الأرواح، وترقيتها في مراقي الفلاح _ لم يبخس الحواس حقها، وقضى لبانتها من الزينة، واللذة بالقسطاس المستقيم. ص41

18_ وروي أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتاً يمتدحه بها، فلما انتهى عند قوله:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً        بالدين والناس  بالدنيا   مشاغيل
قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزاً في محراب، وبيدها سبحة! !
أعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:
فلا هو  في   الدنيا   مُضِيعٌ  نصيبَه        ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

ص41

19_ هذا الباعث _حب المال_ يقذفه الله في نفوس قوم، فيدعوهم إلى تسوية طرائق العمران، وتشييد أركانه، ويسلكه في قلوب آخرين فيترامى بهم إلى بث الفساد على وجه البسيطة، وإثارة غبار التوحش في أرجائها. ص43

20_ حب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجلِ الرأفةَ ويجعل مكانها القسوة والفظاظة، حتى إذا أظلم الأفق، واسودّ جناح الليل(2) تأبط خنجراً، أو تقلد سيفاً، وذهب يخطو خطاً خفافاً؛ ليأتي البيوت من ظهورها، ويمد بسبب إلى أمتعتها، فإذا دافعه صاحبها أذاقه طعم المنون، وانصرف ثملاً بلذة الانتصار. ص43 _ 44

21_ ولهذا افتقرت داعية حب المال إلى وازع يسدد طيشها، ويكسر من كعوبها إلى أن تستقيم قناتها. (3)

والوازع ما ورد في مجمل الشريعة ومُفصَّلها من الأصول القابضة على أيدي الهداجين حول اختلاسها، والعاملين على اغتصابها، أو التصرف فيها بغير ما يأذن به صاحبها. ص44

22_ الرشوة أخت السرقة، وابنة عم الاغتصاب، وإن شئت فقل: تزوج الاغتصاب بالسرقة، فتولدت بينهما الرشوة؛ لأنها عبارة عن أخذ مال معصوم خفية، ولكنه بسلطة على حين علم من صاحبه. ص45

23_ ولما كانت الرشوة عقبة كؤوداً في سبيل الحرية _ أخذت الشريعة في تحريمها بالتي هي أحوط؛ فلا يسوغ للقاضي قبول الهدية إلا من خواص قرابته؛ لئلا تزل به مدرجاتها إلى أكل الرشوة، أو يتخذ اسم الهدية غطاءًا للرشوة يسترها به عن أعين المراقبين لأحواله السرية. ص45

24_ فمن تحيز عن أمته، وطفق يرمي في وجوههم بعبارات الازدراء، وينفث في كأس حياتهم سُمَّاً ناقعاً _ لا نَصِفُه بصفة الغيرة، والوطنية، وإن شُغِفَ بحب ديارهم، وقبَّلها جداراً بعد جدار. (4) ص49

25_ يريد كل امرئ أومضت فيه بارقةٌ من العقل أن يكون عِرْضُه محلَّ التمجيدِ والثناء، وحرماً مصوناً لا يرتع حوله اللامزون.

وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقاً من ماله في حل عقال ألسنة؛ لتكسوه من نسج آدابها حلة المديح، أو يسد بها أفواهاً يخشى أن تصب عليه مرائر أحدوثتها علقماً، قال أحدهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه         لا بارك الله بعد العرض بالمال
وقد تتقوى هذه الداعية فتبلغ به أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، يقول أبو الطيب المتنبي:
يهون علينا أن تصاب جسومنا        وتسلم    أعراض   لنا وعقول
ولا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجادة، أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة إلا بمقدار ما تجد بينهم من التفاوت في عقد هذه الإرادة قوة وانحلالاً؛ فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا في مظاهر الإنسانية مطبوعاً على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء الإنسانية إلى أن يكون حيواناً مهملاً. ص53

26_ لا يحق للطاعن أن يتخطى المصائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان. ص54

27_ في قوله _ تعالى _: {
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ } الحجرات 12.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهو من باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه؛ فإذا قبح من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى؛ فالمذام التي تلتصق بالشخص خُفْيَةً لا يسوغ لآخر تَكَشَّف عليها أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها. 54

28_ ولما تجاسر كثير من أهل الأهواء على اختلاق أحاديث يفترونها كذباً، ويسندونها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤيدوا بها مزاعمهم، أو يقضوا بها حاجة في نفوسهم _ قام العلماء بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وأخذوا في نقد ما يروى من الأحاديث؛ حتى يتميز الخبيثُ من الطيب، والصحيح من غير الصحيح؛ فاحتاجوا إلى التعرض لحالة الرواة، وإذا علموا من أحد سوءاً بادروا إلى الجهر به، وتعيين اسمه؛ ليحذِّروا الناس، ولا يتلقون روايته بالقبول. ص55

29_ وقد دارت هذه الكلمة _ كلمة الحرية _ على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون عند مكانها، وتمكين الراحة من مصافحتها _ وقوفَ شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه. (5) ص16

30_ ينصرف هذا اللقب الشريف _ الحرية _ في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ويشابه معنى العتق الذي هو فك الرقبة من الاسترقاق.

وهو أن تعيش الأمة عيشةً راضية تحت ظل ثابت من الأمن، على قرار مكين من الاطمئنان.
ومن لوازم ذلك أن يعيَّن لكل واحد من أفرادها حدٌّ لا يتجاوزه، وُتَقَّرَر له حقوق لا تعوقه عن استيفائها يدٌ غالبة؛ فإن في تعدي الإنسانِ الحدَّ الذي قضت عليه أصولُ الاجتماع بالوقوف عنه _ ضرباً من الإفراط.
ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه؛ ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائلِ، والحريةُ وسطٌ بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل. ص16

31_ ومن كشف عن حقيقتها _ يعني الحرية _ المفصِّلةِ ستارَ الإجمالِ أَشْرَفَ على أربع خصال مندمجة في ضمنها:

أحدها: معرفة الإنسان ماله وما عليه؛ فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية، ونواميسها لا يبرح في مضيق الحجر مقيد السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء بها خبرة، ويقتلها علماً؛ إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفساداً.
ولا يخالط الضمائر من هذا أن الحرية مقصورة على علماء الأمة العارفين بواجباتها؛ إذ للأميين منها مَخْلَصٌ فسيحٌ، وهو باب الاستفتاء، والاسترشاد، قال _ تعالى _: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } النحل: 42.
ثانيها: شرفُ نفس يزكي طويَّتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها؛ فلا ترمي بهمتها إلا في مواضع تشير إليه العفة ببنانها.
ثالثها: إذعانٌ يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف، ويستنزله ريثما تَحَرَّرُ ذمتُه من المطالب التي توجه إليها باستحقاق.
رابعها: عزة جانب، وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة للباطل، ويدفع بها في قوةٍ من يسوم عنقه بسوء الضيم والاضطهاد.
ولا يقيم على ضيم يراد به               إلا الأذلان عيرُ الحيِّ والوتدُ
نستنتج من هذا البيان أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية والتعليم؛ فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام أن تسعى جهدها في تهذيب أخلاق الأمة، وتنوير عقولها بالتعليمات الصحيحة قبل كل حساب. ص17

32_ قال _تعالى _: {
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } البقرة 179.
لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء، ونهب الأعمار؛ موافقة لداعية الهوى والضغائن الواغرة في الصدور؛ فيكون سبباً لحياة نفسين في هذه الناشئة، ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحياناً؛ فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت القبيلة ذات شوكة وحمية لا ترضى إلا أن تقتل في مقابل العبد حراً، والمرأة رجلاً، وربما قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس؛ فإذا كان القصاص مقصوراً على القاتل فاز الباقون بالحرية في حياتهم، واطمأنوا بها. ص59

33_ وشرع الإسلام الدية على القاتل؛ تخفيفاً ورحمة، وأقامها مقام القصاص إذا رضي بها أولياء القتيل، وآثروها على الأخذ بالثأر؛ فقد تكون الدية أصلح لهم من القصاص، وأجدى نفعاً، زيادة عما فيها من بقاء نفس مسلمة تتناسل ذريتها في الإسلام. ص60

34_ لا يحل دم امرئ إلا لأسباب تكون الفتنة فيها أشد من القتل مثل الزنا من المحصن؛ فإن الزاني يبذر نطفته على وجه تجعل النسمة المُخَلَّقة منها مقطوعةً عن النسب إلى الآباء، والنسبُ معدودٌ من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد؛ فكان السِّفاح سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأولى قربى يأخذون بساعده إذا زلت به نَعْلُه، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه.

وفيه جناية عليه، وتعريض به لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخِّفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له في الهيئة الاجتماعية اعتباراً.
ثم إن الغيرة التي طبعت في الإنسان على محارمه، والحرج الذي يملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته مظنةٌ لوقوع المقاتلات، وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج، وذوي القرابة من العار الفظيع، والفضيحة الكبرى؛ فاقتضى هذا الفاسد الناقض للعمران أن يُفْرَضَ له حدٌّ وجيعٌ وهو الرجم إن كان ثيباً، وهذا من الحدود المتوارثة في الشرائع السماوية كالقصاص والقطع في السرقة، وأما إن كان بكراً فيجلد مائة جلدة. ص 61 _ 62

35_ وشدد الإسلام العقوبة على من ارتد عن الدين بعد أن لبس هديه القويم؛ فأمر بدعوته إلى الإنابة والتوبة، فإن رجع وإلا ضرب بالسيف على عنقه. ص65

36_ وإنما جُبِرَ المرتدُّ على البقاء في الإسلام؛ حذراً من تفرق الوحدة، واختلال النظام؛ فلو خُلِّي السبيل للذين ينبذون الدين جهرة _ ونحن لا نعلم مقدار من يريد الله أن يضله _ نخشى من انحلال الجامعة، وضعف الحامية.

وأهل الردة _ وإن أصبحوا كاليد الشلاء لا تعمل في الجامعة خيراً _ لا يخلوا بقاؤهم في شمل المسلمين _ وهم في صورة أعضاء صحيحة _ من إرهاب يلقيه كثرة السواد في قلوب المحاربين. ص65

37_ ثم إن لكل أمة سرائرَ من حيث الدولة لا ينبغي لها أن تطلع عليها غير أوليائها.

ومن كان متلبساً بصفة الإسلام شأنُهُ الخبرةُ بأحوال المسلمين، والمعرفة بدواخلهم؛ فإذا خلع ربقة الدين _ وقد كان بِطانةً لأهله يلقون إليه سرائرهم _ اتخذه المحاربون أكبر مساعد، وأطول يد يمدونها لنيل أغراضهم من المؤمنين.
هذا تأثير أهل الردة على الإسلام من جهة الدولة والسياسة.
وأما تأثيرهم عليه من جهة كونه ديناً قَيَّماً فإن المرتد يحمله المقلدون من المخالفين على معرفته بحال الدين، والخبرة بحقيقته تفصيلاً، فيتلقون منه كلَّ ما ينسبه إليه من خرافات وضيعة، أو عقائد سخيفة يختلقها عليه؛ بقصد إطفاء نوره، وتنفير القلوب منه.
ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق. ص65

38_ وفي جعل عقوبة المرتد إباحةَ دمه زاجرٌ للأمم الأخرى عن الدخول في الدين؛ مشايعةً للدولة، ونفاقاً لأهله، وباعثٌ لهم على التثبت في أمرهم؛ فلا يتقلدونه إلا على بصيرة، وسلطان مبين؛ إذ الداخل في الدين مداجاةً، ومشايعةً يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام، وإقامة شعائره. ص66

39_ وأنت إذا جئت تبحث عن حال من ارتد بعد الإسلام لا تجد سوى طائفتين:

منهم من عانق الدين منافقاً؛ فإذا قضى وطره، أو انقطع أمله انقلب على وجهه خاسراً.
وبعضهم ربي في حجور المسلمين، ولكنه لم يدرس حقائق الدين، ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه؛ ليكون من الموقنين؛ فمتى سنحت له شبهة من الباطل _ تزلزلت عقيدته، وأصبح في ريبه متردداً.
وارجع بصرك إلى التاريخ كرتين؛ فإنك لا تعثر على خبر ارتداد مسلم نبت في بلد طيب نباتاً حسناً. 66

40_ لا يخفى على متشرع بصير أن الملك والدين إخوان يشد كل منهما بعضد الآخر.

بل الدين رائد للمُلك، والملك تابعٌ للدين خادم له، وإن شئت فقل: هما كمثل إنسان: الدين عقله المدبر، والملك جسمه المُسَخَّر له، وذلك الإنسان هو ما نسميه الآن بالإسلام.
فبمقدار ما ترتبط الإدارة السياسية بالإدارة الدينية يكمل شبابه، وتجري روح الاستقامة في أعضائه، فتصدر أعماله قرينةَ الحكمة، سالمةً من العيوب.
ومتى انفكت أولاهما عن أخراهما انحلت حُِبْوته، وتناثرت أجزاؤه تناثرَ خَرَزِ مِكْوَرِةٍ على سطح محدَّب. ص67

41_ فمن صعَّد نظره في عصر الخلفاء الراشدين يجد السبب الذي ارتقى بالإسلام، وانسجم به في سبيل المدنية _ هو ما انعقد بين الدين والخلافة من الاتحاد والوفاق.

ومن ضرب بنظره فيما يشاء من الدول التي حمي فيها وطيس الاستبداد يجد المحرك لتلك الريح السموم، والعِثْير المشوم _ ما اعترض بين هاتين السلطتين من الاختلاف. ص67

42_ كان موضع العناية، ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء، ومن حذا حذوهم كعمر ابن عبد العزيز _ هو خدمة الدين، الذي هو خادم للعدالة، التي هي خادمة للصلاح، قال الشيخ قبادو التونسي:

وما الجاه  إلا  خادم الملك    لائذاً                 
وما الملك إلا خادم الشرع حزمه
وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً                 
وبالحق قام الكون وانزاح  ظلمه

ص67

43_ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف،وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكقول عمر بن الخطاب: (( أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة )).

وكانوا يوسِّعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة، والتعريض بخطأ الاجتهاد وإن كانت حادةَ اللهجة، قارصةَ العبارة. ص68

44_ ثم خلف من بعد أولئك خَلْف عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتِهم العريضةَ، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء، بعيدَ ما بين المناكب.

ولكنه لا يسعفهم على أغراضهم، وتتبع خطواتهم مادامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروباً من الخسف، وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى، وإذا سمعوا منادياً ينادي؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل كلَّموه بألسنة السيوف. ص69

45_ 
ولما أبق الملك من حضانة الدين، وخفقت عليه رايةُ الاستبداد خالط الأفئدة رعبٌ و أوجال كأنما مُزِجت بطينتها؛ فبعد أن كان راعي الغنم يفِدُ من البادية، وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين بـ: يا أبا بكر، ويا عمر، ويا عثمان، ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش، وطلاقة لسان، وسكينة في الأعضاء _ أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج فينتفض فؤاده رعباً، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصتُه وجلاً؛ يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد. ص69

46_ إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها. ص71

47_ والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تؤوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل، قال صاحب لامية العرب:

ولكن نفساً حرة لا تقيم بي               على الذل إلا ريثما أتحول
فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم.
وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة؛ فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة قهرها، وذلك جزاء الظالمين. ص71

48_ ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة.

فمن في كفه منهم قناةٌ             كمن في كفه منهم خضابُ
فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألَّفت منهم كتيبةً عجزوا عن سد ثغورها، وشُلَّت أيديهم من قبل أن يشدوا بعضدها. ص71

49_ وإذا أردت مثلاً يثبت فؤادك، ويؤيد شهادة العيان فاعتبر بما قصه الله _ تعالى _ عن قوم موسى _ عليه السلام _ لما أمرهم بالدخول للأرض المقدسة، ومِلْكِها كيف قعد بهم الخوف عن الطاعة، والامتثال، وقالوا: {
إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا } المائدة 22.
فمتى جئت تسأل عن الأمر الذي طبع في قلوبهم الجبن، وتطوَّح بهم في العصيان، والمنازعة إلى قولهم: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } المائدة24.
وجدْتَه خلف الانقياد المتمكن في نفوسهم من يوم كانت الأقباط ماسكة بنواصيهم، وتذيقهم من سوء الاستعباد عذاباً أليماً. 72

50_ والأمَّة مفتقرة إلى الكاتب، والشاعر، والخطيب.

والاستبداد يعقد ألسنتهم على ما في طيِّها من الفصاحة، وينفث فيها لُكْنَةً، وعِيَّاً، فتلتحق لغتهم بأصوات الحيوانات ولا يكادون يفقهون قولاً. 72

51_ وإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت بأشعتها في كل وادٍ _ اتسعت آمالهم وكبرت هممهم، وتربت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة.

ومن لوازمها اتساع دائرة المعارف بينهم، فتنفتق القرائح فهماً، وترتوي العقول علماً، وتأخذ الأنظار فسحة ترمي فيها إلى غايات بعيدة، فتصير دوائر الحكومة مشحونة برجال يعرفون وجوه مصالحها الحقيقية، ولا يتحرفون عن طرق سياستها العادلة. 72

52_ والحرية تؤسس في النفوس مبادئ العزة والشهامة، فإذا نظَّمت الحكومة منهم جنداً استماتوا تحت رايتها مدافعة لا يرون القتل سُبَّةً إذا ما رآه الناكسو رؤوسهم تحت راية الاستبداد. 72 _ 73

53_ ثم إن الحرية تعلم اللسان بياناً، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق الأدب الرفيع، وتتنوَّر المجامع بفنون الفصاحة، وآيات البلاغة؛ هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك العواطف، ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتبٌ، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة الدولة. 73

54_ ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرةً أفواهها بفن المديح والإطراء، وإنما ترشح به رشحاً؛ وتمسح به مسحاً لا يضطهد من فضيلة الحرية فتيلاً.

وما انْفَلَّتْ وكاؤها، وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد. 73

55_ ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى لم يواجه الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: مالي وللشعر، وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل.

انتجعه جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها، وقال له: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقَّاً.
وعندما استوفاها واصله بشيء من حُرِّ ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراضٍ، ثم أنشد يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه           وقد كان شيطاني من الجن راقياً
ص73

56_ ومن مآثر الاستعباد ما تتجشَّأ به اللُّها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة، وتدثر صغاراً نحو <مُقَبِّل أعتابكم> <المتشرف بخدمتكم> <عبد نعمتكم> ولا إخال أحداً يصغي إلى قول أحد كبراء الشعراء:

وما أنا إلا عبد  نعمتك  التي      نسبت إليها دون أهلي ومعشري
إلا ويمثِّل في مرآة فكره شخصاً ضئيلاً يحمل في صدره قلباً يوشك أن ينوء بحمله بما فيه من الطمع والمسكنة. ص74

57_ ومن سوء عاقبة الخضوع في المقال أن يوسم الرجل بلقب وضيع ينحته الناس من بعض أقوالٍ له أفرغ فيها كثبةً من التذلل، وبذلِ الهمة، كما سموا رجلاً باسم << عائد الكلب >> لقوله:

إني مرضت فلم يعدني واحد       منكم ويمرض كلبكم فأعود
ص74

58_ ولا نجهل أن بعض من سلك هذا المسلك من التملق والمديح اتخذه سلماً؛ ليظفر بحق ثابت، ولكنه لا ينافي الغرض الذي نرمي إليه من أن الحقوق في دولة الحرية تؤخذ بصفة الاستحقاق، وفي دولة الاستبداد لا تطالب إلا بصفة الاستعطاف؛ وذلك الوزر الذي يحبط بفضل العزة التي نبهنا الله عليها، وأرشد من يريدها إلى أنها تطلب بالطاعة من الكلم الطيب، والعمل الصالح فقال _ تعالى _:

{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } فاطر10. ص74

__________________________________________
(1) _ هذا تضمين لبيت البوصيري:
         كيف   ترقى    رقيك     الأنبياء           
يا سماء   ما طاولتها   سماء
والشيخ محمد الخضر رحمه الله من أرباب البيان، خصوصاً في باب الاقتباس و التضمين؛ فهو فارس لا يشق له غبار في هذا الميدان، وسترى نماذج لذلك فيما سيأتي.
(2) _ هذا تضمين من المؤلف رحمه الله لقول عمر بن أبي ربيعة:
        إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن         
خطاك خفافاً إن حراسنا  أسدا
(3) _ هذا تضمين للشاهد النحوي في باب نصب المضارع:
        وكنت    إذا  غمزت   قناة   قوم         
كسرت    كعوبها   أو تستقيما
(4) _ هذا تضمين لقول الشاعر:
أمر    على      الديار    ديار     ليلى          
وما حبُّ   الديار  شغفن   قلبي
أقبل    ذا    الجدار    وذا      الجدارا           
ولكن  حب  من   سكن  الديارا
ولو تتبع أحد هذا الفن _ أعني الاقتباس والتضمين _ في مؤلفات الشيخ رحمه الله لخرج بمادة علمية كبيرة.
(5) _ هذا تضمين لقول أبي الطيب المتنبي:
      بَلَيْتُ بِلِى الأطلال إن لم أقف بها          
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه


المصدر : المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق