الخميس، 19 نوفمبر، 2015

من أين أقتبس الغرب هذة الحكيات الجميلة ؟


يفتخر الأوروبيون دائماً على الأمم الأخرى بأنهم أصحاب حضارة عريقة، وهذا ليس ادعاء، فحضارة الغرب تمتد أكثر من ألفي عام، ولهم كما لباقي الأمم حكايات وأساطير وفنون ذاعت شهرتها بين الشعوب فأصبحت جزءاً من التراث الإنساني الكبير.

ولكن الغريب فيهم أنهم حين يقتبسون شيئاً من الأمم الأخرى يهملون ذكر المصدر الذي نهلوا منه حكاياتهم وقصصهم، ويتوهّمون بأنهم وحدهم المبتكرون والمبدعون وكأن الأيام لن تكشف ذلك أبداً.

ولكنّ كتاب التاريخ الكبير سرعان ما يقول الحقيقة، فلا يستطيع أحدٌ أن يدّعي شيئاً ليس له أو ينسب لنفسه قصة لم يكن هو الذي كتبها.

وهكذا اكتشفنا بأن أجمل القصص الشهيرة لديهم كانت في الأصل قصصاً وحكايات عربية معروفة، أخذها هؤلاء فبنوا عليها وحوّروا فيها محاولين أن يجعلوا النص الجديد ملائماً لهم، بعيداً بعض الشيء عن الأصل العربي القديم.

أشهر هذه القصص هي قصة (روبنسون كروزو) وهي حكاية رجل عاش وحيداً في إحدى الجزر النائية، فبنى له بيتاً صغيراً من أغصان الأشجار وصنع زورقاً من أحد الجذوع الكبيرة وعاش بعيداً عن بني البشر، لا يؤنسه أحد غير حيوانات الغابة المتوحشة حيث ألفته تلك الوحوش حتى صار واحداً منها.. يرعى معها وينتقل من مكان إلى آخر من دون أن تفرّ منه أو تخشاه.








أحبّ الناس هذه القصة وأصبح كاتبها (دانيال دي فو) من أشهر الكتّاب في زمانه، ولكن أحداً لم يتساءل: من أين اقتبس الكاتب حكايته المثيرة هذه؟ حتى قرأوا رواية (حي بن يقظان) للفيلسوف العربي الشهير ابن طفيل الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل أن يرى (دانيال دي فو) النور بأكثر من أربعة قرون.

وقصة (حي بن يقظان) تتحدث عن طفل صغير يجد نفسه وحيداً في الغابة ترضعه غزالة برية فيكبر ويشب عن الطوق من دون أن يرى أحداً من بني البشر، فيعيش حياته كما عاشها (روبنسون كروزو) يرعى مع الحيوانات في البراري، يقتات من نبات الأرض ويشرب من مياه العيون والأمطار، ولكن الفرق بين الروايتين هو الفرق عادة بين الأصل والتقليد، فـ(حي بن يقظان) قصة فلسفية وضعها ابن طفيل ليقول: إن الإنسان يستطيع بما وهبه الله من قوة عقلية أن يتوصل إلى معرفة الخالق حتى لو كان وحيداً في غابة، ليس معه من بني البشر أحد ولم يسمع بدين أو عقيدة.

أما رواية (روبنسون كروزو) فليس فيها غير فكرة الإنسان الوحيد الذي تدفعه ظروفه القاسية لأن يكمل حياته وحيداً، بعيداً عن بني البشر فلا يحتاج أحداً منهم، وهي فكرة خالية من المضمون الفلسفي العميق الذي اتصفت به رواية الفيلسوف العربي الكبير ابن طفيل.

وغير هذه الحكايات حكاية (جيلفر) القصة الساحرة التي قرأها الملايين في العالم، لقد وجد (جيلفر) نفسه –بعد تحطم سفينته- ملقىً في جزيرة (ليليبوت) وبين المئات من الأقزام الذين لا يزيد طول أحدهم على عدة سنتمترات. فتمرّ به أحداث مثيرة لا يصدقها العقل، إذ يتحول فجأة بينهم إلى عملاق كبير يطوّف في البحر فلا تصل الأعماق ركبتيه. وحين يغادر هذه الجزيرة يقوده حظه النكد فيقع بين أقوام من العمالقة يبدو بينهم وكأنه قزم صغير لا يزيد طوله على طول أولئك الذين التقاهم في جزيرتي ليليبوت وبليفوسفو.




وهكذا تستمر القصة الساحرة وفكرتها الأساسية هي العملاق الجبار الذي يبدو كل شيء إلى جانيه ضئيلاً، موغلاً في الصغر. وحين تقرأ قصة العملاق (عَوَج بن عنق) في التراث العربي تحسّ بوضوح أنها هي التي أوحت إلى (جوناثان سويفت) بكتابة قصته الشهيرة (جليفر).

فكما كان (جليفر) يخوض في البحر فكأنه يخوض في ساقية صغيرة فإن (عوج بن عنق) كان: (يخوض في الطوفان فلم يبلغ ركبتيه –ويقال أن الطوفان علا على رؤوس الجبال أربعين ذراعاً، وكان عوج بن عنق يجتاز بالمدينة فيتخطّاها كما يتخطّى أحدكم الجدول الصغير). هذا ما ورد في كتاب (المستطرف في كل فن مستظرف) أفينكر (جوناثان سويفت) مؤلف قصة (جليفر) أنه سمع وقرأ حكايات العملاق (عوج بن عنق) المثيرة التي امتلأت بها كتب التراث العربي؟.

ومن الحكايات والأساطير التي اقتبسها كتّاب الغرب ونسبوها لأنفسهم من دون أن يشيروا إلى مصدرها الأول رواية روبن هود، وهي أشهر الروايات الإنجليزية التي يفخر الشعب الإنجليزي بأسره ببطلها الأسطوري نصير الفقراء والمظلومين البطل الشجاع (روبن هود).




وإذا كان التأريخ لم يؤكد لنا تأكيداً قاطعاً إن كان هذا البطل شخصية أسطورية أم حقيقة، فإن أبطالنا في صحراء العرب معروفون بأسمائهم وقبائلهم ولم يكن هناك من يعتقد بأن أحدهم كان من صنع خيال الكتّاب أو المؤرخين.

فالأبطال الصعاليك في العصر الجاهلي خارجون عن قانون القبيلة كما كان (روبن هود) خارجاً عن القانون في انجلترا، وهؤلاء ابتعدوا عن الناس في أعماق الصحراء كما كان (روبن هود) بعيداً في أعماق الغابات. وإذا كان روبن هود يساعد الفقراء ضد الأغنياء فقد سبقه الصعاليك بألف سنة حيث كانوا يقيمون الولائم للفقراء مما يغنمونه في غاراتهم على قوافل التجار، فكانوا يذبحون الإبل في الصحراء ويوزعون لحومها على الفقراء دون التفريق بين قبيلة وأخرى، لأنهم يعتقدون بأن للفقراء حقاً في مال الأغنياء.

وبهذا يشترك (روبن هود) مع الصعاليك بأنهم جميعاً لصوص وقطّاع طرق وخارجون على القانون، ولكن مع كل هذه الصفات التي تدينهم فهم أبطال شعبيون لهم في قلوب الناس منزلة ومكانة فيها كثير من الحب والاعتزاز.

إن فكرة قصة (روبن هود) الإنجليزية هي فكرة الشعراء الصعاليك نفسها مُصممة وفق الطراز الأوروبي المناسب للقرن الثاني عشر في انجلترا.

وهناك عشرات الحكايات والقصص أخذها الكتاب الغربيون من مصادرها العربية وأعادوا تصميمها من جديد ليتلاءم مع الذوق الأوروبي والحياة الأوربية أقلّها شأناً هي أسطورة (جزيرة النساء)، فكم شاهدنا في السينما أفلاماً غربية تتحدث عن جزر في أقاصي المحيطات لا يسكنها غير النساء الجميلات.

لقد كانت هذه أسطورة عربية ظلّت تدور في خيال الناس ويتناقلها رواة القصص في ليالي الشتاء الطويلة، وكانت تشطح بهم خيلاتهم فتبدو لهم وكأنها حقيقة لا خيال. وذكر الشعبي في كتابه (سير الملوك) شيئاً عن هذه الجزر قائلاً: ( إن في بلاد المغرب أمة من ولد آدم، كلهم نساء ولا يعيش في أرضهم ذكر وإن هؤلاء النساء يدخلن في ماء عندهن فيحبلن من ذلك الماء وتلد كل امرأة منهن بنتاً ولا يلدن ذكراً أبداً).


__________________________

مجلة الفاتح

هناك تعليق واحد:

إرسال تعليق