السبت، 7 نوفمبر 2015

نقولات مختارة من كتاب : إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان للإمام ابن قيم الجوزية رحمة الله تعالى (691 - 751)



تحقيق و تعليق مجدي فتحي السيد

1_ وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمرُ الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره. ص 11

2_ فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل لقد خلصت عبوديته لله _ تعالى _. ص 11

3_ القلب الميت: هو الذي لا حياة فيه، بل هو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه.
بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه؛ فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه رضي ربه أم سخط. ص 12

4_ القلب المريض: قلب له حياة، وبه علة؛ فله مادتان: تمده هذه مرة، وهذه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما. ص 13

5_ فالقلب الأول حيٌّ مخبتٌ ليِّن واعٍ، والثاني يابس ميت، والثالث مريض؛ فإما إلى السلامة أدنى، وإما إلى العطب أدنى. ص 13

6_ الفتن التي تُعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات؛ فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل؛ فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. ص 15

7_ فأهل الإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه، وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج. ص 27

8_ حياةُ القلبِ وإضاءتُه مادةُ كلِّ خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه. ص 27

9_ فليس في الكائنات شيء غير الله _عز وجل _ يسكن القلب إليه، ويطمئن به، ويأنس به، ويتنعم بالتوجه إليه. ص 35

10. فقر العبد إلى أن يعبد الله _ سبحانه _ وحده لا يشرك به شيئاً ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنّفَس؛ فيقاس بها، لكن بينهما فروق كثيرة. ص 35

11. وليس المقصودُ بالعباداتِ والأوامِر المشقةَ والكلفةَ بالقصد الأول، وإن وقع ذلك ضمناً وتبعاً في بعضها؛ لأسباب اقتضته لا بد منها، وهي لوازم هذه النشأة.
فأوامره _ سبحانه _ وحقه الذي أوجبه على عباده، وشرائعه التي شرعها لهم_ هي قرة العيون، ولذة القلوب، ونعيم الأرواح، وسرورها، وبها شفاؤها، وسعادتها، وفلاحها، وكمالها في معاشها، ومعادها.
بل لا سرور لها، ولا لذة، ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك كما قال _ تعالى_: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [57] قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }. ص 36

12. فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد انتفاعه بك.
والرب _ تعالى _ إنما يريد نفعك لا انتفاعه بك، وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة.
بخلاف إرادة المخلوق نفعك؛ فإنه يكون فيه مضرة عليك، ولو بتحمل مِنته.
فتدبَّر هذا؛ فإن ملاحظته تمنعك من أن ترجو المخلوق، أو تعامله دون الله _ عز وجل _ أو تطلب منه نفعاً، أو دفعاً، أو تعلق قلبك به. ص 47

13. فالقلب الطاهر؛ لكمال حياته ونوره، وتخلُّصُه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي لم يطهره الله _ تعالى _ فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة؛ فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح. ص 63

14. وسألت شيخ الإسلام _ يعني ابن تيمية _ عن معنى دعاء النبي صلى الله هليه وسلم : (( اللهم طهرني من خطاياي بالماء والثلج و البرد )).
كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر (( والماء البارد )) والحار أبلغ في الإنقاء؟
فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة، ونجاسة، وضعفاً؛ فيرتخي القلب، وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها؛ ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نارُ القلب وضعفُه، والماء يغسل الخَبث، ويطفئ النار، فإن كان بارداً أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد، وصلابة الجسم وشدتِه؛ فكان أذهب لأثر الخطايا.
هذا معنى كلامه، وهو محتاج إلى مزيد بيان وشرح. ص 64

15. وقريب من هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: (( غفرانك )).
وفي هذا من السر_ والله أعلم _ أن النجوَ يثقل البدن، ويؤذيه باحتباسه، والذنوبَ تثقل القلب، وتؤذيه باحتباسها فيه؛ فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب؛ فحمد اللهَ عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفةِ البدن وراحتهِ، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر، ويريح قلبه منه ويخففه.
وأسرار كلماته، وأدعيته صلى الله عليه وسلم فوق ما يخطر بالبال. ص 66

16. فالأعيان النجسة إما أن تؤذي البدن أو القلب، أو تؤذيهما معاً.
والنجس قد يؤذي برائحته، وقد يؤذي بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة.
و المقصود أن النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، و تارة تكون معنوية باطنة، فيغلب على الروحِ والقلبِ الخبثُ والنجاسة ُ، حتى إن صاحبَ القلبِ الحي لَيَشُمُّ من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها، كما يتأذى من شم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيراً في عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتناً؛ فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره.
والعرق يفيض من الباطن؛ ولهذا كان الرجل الصالح طيب العرق، وكان رسول الله _ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم _ أطيب الناس عرقاً.
قالت أم سليم وقد سألها رسول الله _ عليه الصلاة والسلام _ عنه وهي تلتقطه: (( هو من أطيب الطيب )).
فالنفس النجسة الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد.
والنفس الطيبة بضدها؛ فإذا تجردت، وخرجت من البدن وجد لهذه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. ص 67

17. فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله _ سبحانه _ وإن زعم أنه يعظمه بذلك.
كما أنك لا تجد مبتدعاً إلا وهو متنقص للرسول _ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم _ وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة؛ فإنه يزعم أنها خير من السُّنة، وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلاً مقلداً، وإن كان مستبصراً في بدعته فهو مشاق لله ورسوله. ص 69

18. فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده إذا استشعر قَلْبُه مرافقَة الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، فَتَفَرُّدُ العبد في طريق طلبه دليلٌ على صدق الطلب. ص 76

19. فالنفس إذا سكنت إلى الله، واطمأنت بذكره، وأنابت إليه، واشتاقت إلى لقائه، وأنست بقربه؛ فهي مطمئنة، وهي التي يقال لها عند الوفاة: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [27] ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً }. ص 84

20. والنفس قد تكون تارة أمَّارة، وتارةً لوامة، وتارة مطمئنة.
بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل منها هذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها؛ فكونها مطمئنةً وصفُ مدحٍ لها، وكونها أمارةً بالسوء وصفُ ذمٍّ لها، و كونها لوامةً ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه. ص 86

21. ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة معرفة أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غداً إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليها الحساب غداً. ص 89

22. فكل نَفَسٍ من أنفاس العمر جوهرة نفيسةٌ لا حظ لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد؛ فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه _ خسران مبين، لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس، وأحمقهم وأقلهم عقلاً. ص 89

23. وذكر ابن أبي الدنيا عن الخلد بن أيوب قال: (( كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة؛ فَأُتِيَ في منامه، فقيل له: إن فلاناً الإسكافي خير منك _ ليلة بعد ليلة _ فأتى الإسكافي، فسأله عن عمله فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننت أنه في الجنة وأنا في النار؛ فَفَضُل على الراهب بإزرائه على نفسه )) . ص 95

24. فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة. ص 95

25. ومن كيده _ أي الشيطان _ للإنسان: أنه يورده الموارد التي يخيل إليه أن فيها منفعته، ثم يصدره المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه ويسلمه ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنا والقتل، ويدل عليه، ويفضحه. ص 117

27. ومن كيده العجيب: أنه يُشَامُّ النَّفْسَ، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟.
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقَّله عليه، فهوَّن عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يقصر فيه، ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام، وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة فيقصِّر بالأول، ويتجاوز بالثاني، كما قال بعض السلف: (( ما أمر الله _تعالى_ بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر )) . ص 124

27. فالفتنة قسمت الناس، إلى صادق وكاذب، ومؤمن ومنافق، وطيب وخبيث؛ فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها. ص 532

28. فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوي المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه.
ويتفق مع ذلك ضعفُ الإيمانِ واليقينِ، وضعفُ القلب، ومرارةُ الصبر، وذوقُ حلاوةِ العاجل، وميلُ النفسِ إلى زهرة الحياة الدنيا، وكونُ العوضِ مؤجلاً في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ؛ فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طُلِب منه الإيمانُ به:
فوالله   لولا الله     يسعد     عبده               بتوفيقه والله  بالعبد    أرحم
لما   ثبت   الإيمان   يوماً    بقلبه             على هذه العلات والأمر أعظم
ولا طاوعته النفس في ترك شهوة             مخاف ة نار   جمرها يتضرم
ولا خاف   يوماً  من     مقام إلهه             عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم

ص 533_ 534

29. وقد جاء في حديث مرسل: (( إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات )).
فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان. ص 537

30. إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله، وهما الهدى، والرحمة. ص 537
31. وهكذا الرجل كلما اتسع علمه اتسعت رحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمةً وعلماً؛ فوسعت رحمته كل شيء، وأحاط بكل شيء علماً؛ فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل هو أرحم بالعبد من نفسه، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه.
والعبد لجهله بمصالح نفسه وظلمه لها يسعى فيما يضرها ويؤلمها، وينقص حظها من كرامته وثوابه، ويبعدها من قربه، وهو يظن أنه ينفعها ويكرمها، وهذا غاية الجهل والظلم، والإنسان ظلوم جهول. ص 543

32. وكان سقراط يقول: إذا أقبلت الحكمة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات.
وقال: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم؛ فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. ص 622


__________________________________________________________________
المصدر : المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق