الأحد، 1 نوفمبر، 2015

نقولات مختارة من كتاب : الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى (661-728)


وهو من مجلدين، بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم 

1_ فإن الله أمر بالعدل في الحكم، والعدل قد يعرف بالرأي، وقد يعرف بالنص. 1/8

2_ النصوص دالة على عامة الفروع الواقعة، كما يعرفه من يتحرى ذلك ويقصد الإفتاء بموجب الكتاب والسنة ودلالتها، وهذا يعرفه من يتأمل، كمن يفتي في اليوم بمائة فتيا، أو مائتين، أو ثلاثمائة، أوأكثر، أو أقل، وأنا قد جربت ذلك.
ومن تدبر ذلك رأى أهل النصوص دائماً أقدر على الإفتاء، وأنفع للمسلمين في ذلك من أهل الرأي المُحْدَث؛ فإن الذي رأيناه دائماً أن أهل رأي الكوفة من أقل الناس علماً بالفتيا، وأقلهم منفعة للمسلمين مع كثرة عددهم، وما لهم من سلطان وكثرة بما يتناولونه من الأموال الوقفية والسلطانية وغير ذلك.
ثم إنهم في الفتوى من أقل الناس منفعة، قل أن يجيبوا فيها، وإن أجابوا فقل أن يجيبوا بجواب شافٍ، وأما كونهم يجيبون بحجة فهم من أبعد الناس عن ذلك. 1/12

3_ جميع الرسل أخبرت بيوم القيامة، خلاف ما تزعم طوائف من الفلاسفة وأهل الكلام: أن المعاد الجسماني لم يخبر به إلا محمد وعيسى، ونحو ذلك. 1/17

4_ كل علم دين لا يطلب من القرآن فهو ضلال، كفاسد كلام الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة.
وكل عاقل يترك كتاب الله مريداً للعلو في الأرض والفساد فإن الله يقصمه؛ فالضال لم يحصل له المطلوب بل يعذب بالعمل الذي لا فائدة فيه، والجبار حصَّل لذة فقصمه الله عليها؛ فهذا عذب بإزاء لذاته التي طلبها بالباطل، وذلك يعذب بسعيه الباطل الذي لم يفده. 1/ 21

5_ والوُسْعُ: هو ما تسعه النفس، فلا تضيق عنه، ولا تعجز عنه؛ فالوسع فعْل بمعنى مفعول، كالجهد. 1/27

6_ وإذا كان كذلك فما عجز الإنسان عن عمله واعتقاده حتى يعتقد ويقول ضده خطأ أو نسياناً _ فذلك مغفور له. 1/28

7_ والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة؛ فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة، وقد بسطنا هذا كله في غير هذا الموضع. 1/42

8_ الفقه: هو معرفة أحكام أفعال العباد سواء كانت تلك المعرفة علماً أو ظناً، أو نحو ذلك. 1/55

9_ علم الفرائض من علم الخاصة، حتى إن كثيراً من الفقهاء لا يعرفه. 1/58

10_ والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة. 1/100

11_ وأما حديث السبعين ألفاً، فلم يَصِفْهُمْ بترك سائر التطبب، وإنما وصفهم بترك الاكتواء والاسترقاء، والاكتواءُ مكروهٌ، وقد نهى عنه في غير هذا الحديث لما قال: (( وأنا أنهى أمتي عن الكي )).
والمسترقي لم يفعل شيئاً إلا اعتماده على الراقي؛ فتوكله على الله _ سبحانه وحده لا شريك له _ أنفع له من ذلك.
وهذا الجواب الآخر، وهو أن المسترقى يضعف توكله على الله؛ فإنه إنما طلب دعاء الغير ورقيته؛ فاعتمادُ قلبِه على الله وحده، وتوكله عليه أكمل لإيمانه، وأنفع له. 1/156_ 157

12_ أهل السنة في كل مقام أصح نقلاً وعقلاً من غيرهم. 1/205

13_ قال عبدالله بن المبارك: رب رجل في الإسلام له قدم حسن، وآثار صالحة، كانت منه الهفوة والزلة، لا يقتدى به في هفوته وزلته. 1/219

14_ قال الشافعي: الشعر كلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه. 1/243

15_ ولهذا لما سئل القاسم بن محمد عن الغناء، فقال للسائل: يا ابن أخي أرأيت إذا ميز الله يوم القيامة بين الحق والباطل؛ ففي أيهما يجعل الغناء؟ فقال: في الباطل، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟. 1/278

16_ الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. 1/308

17_ فإن الصلاة _ كما ذكر الله _ تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وهذا مجرب محسوس يجد الإنسان من نفسه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ويجد أهل هذا السماع < يعني الغناء > أن نفوسهم تميل إلى الفحشاء والمنكر. 1/318 _ 319

18_ فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزماً من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح لم يكن مشروعاً. 1/330

19_ بخلاف من أحب المحرمات مؤمناً بأنها من المحرمات؛ فإن من أحب الخمر، والغناء، والبَغِيَّ، والمخنَّثَ مؤمناً بأن الله يكره ذلك ويبغضه، فإنه لا يحبه محبة محضة، بل عقله وإيمانه يبغض هذا الفعل ويكرهه، ولكن قد غلبه هواه _ فهذا قد يرحمه الله: إما بتوبة إذا قوي ما في إيمانه من بغض ذلك وكراهته حتى دفع حب الهوى، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك. 1/348

20_ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب. 1/361

21_ وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه.
والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة في القلب يسري إلى الوجه كما تقدم.
ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة؛ فكلما كثر البر والتقوى قوي الحسن والجمال، وكلما قوي الإثم والعدوان قوي القبح والشين، حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح؛ فكم ممن لم تكن صورته حسنة، ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ذلك على صورته؛ ولهذا يظهر ذلك ظهوراً بيّناً عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت؛ فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها، حتى يكون أ حدهم في كبره أحسن وأجمل منه في صغره.
ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها، حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهراً بها في حال الصغر، لجمال صورتها. 1/365

22_ وشهوات الغي مُسْتَكِنَّةٌ في النفوس، فإذا حصلت القدرة قامت المحنة، فإما شقي وإما سعيد، ويتوب الله على من تاب؛ فأهل الامتحان إما أن يرتفعوا، وإما أن ينخفضوا. 1/373

23_ وأما الجمال الخاص فهو _ سبحانه _ جميل يحب الجمال، والجمال الذي لِلْخُلُق من العلم، والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي لِلْخَلْق وهو الصورة الظاهرة.
وكذلك الجميل من اللباس الظاهر؛ فلباس التقوى أعظم وأكمل، وهو يحب الجمال الذي للباس التقوى أعظم مما يحب الجمال الذي للباس الرِّياش، ويحب الجمال الذي للخُلُق أعظم مما يحب الجمال الذي للخَلْق. 1/441 _ 442

24_ وكذلك الصور الجميلة من الرجال أو النساء؛ فإن أحدهم إذا كان خلقه سيئاً بأن يكون فاجراً، أو كافراً معلناً، أو منافقاًَ _ كان البغض، والمقت لِخُلُقِه، ودينه مستعلياً على ما فيه من الجمال، كما قال _ تعالى _ عن المنافقين: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } المنافقون 4 .
وقال: { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } البقرة 204.
فهؤلاء إنما أعجبه صورُهم الظاهرةُ للبصر، وأقوالُهم الظاهرةُ للسمع؛ لما فيه من الأمر المعجب.
لكن لما كانت حقائق أخلاقهم التي هي أَمْلَكُ بهم مشتملة على ما هو من أبغض الأشياء، وأمقتها إليه _ لم ينفعهم حسن الصورة والكلام. 1/445

25_ فالذي يورثه العشق من نقص العقل، والعلم، وفساد الدين والخلق، والاشتغال عن مصالح الدين والدنيا _ أضعاف ما يتضمنه من جنس المحمود.
وأصدق شاهد على ذلك ما يعرف من أحوال الأمم، وسماع أخبار الناس في ذلك؛ فهو يغني عن معاينة ذلك وتجربته.
ومن جرب ذلك، أو عاينه اعتبر بما فيه كفاية؛ فلم يوجد قط عشق إلا وضرره أعظم من منفعته. 1/459

26_ التوبة هي جماع الرجوع من السيئات إلى الحسنات، ولهذا لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة.
والردة هي جماع الرجوع من الحسنات إلى السيئات، ولهذا لا يحبط جميع الحسنات إلا الردة عن الإيمان. 1/463

27_ فأعظم المراتب ذكر الله بالقلب واللسان، ثم ذكر الله بالقلب، ثم ذكر الله باللسان. 2/ 17

28_ فبعض الواجب خير من تركه كله. 2/27

29_ وكم ممن يتشوف إلى الدرجات العالية التي لا يقدر أن يقوم بحقوقها؛ فيكون وصوله إليها وبالاً في حقه.
وهذا في أمر الدنيا، كما قال _تعالى _: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ [75] فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [76] فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } التوبة 2/55

30_ وغالب من يتعرض للمحن والابتلاء ليرتفع بها ينخفض بها؛ لعدم ثباته في المحن، بخلاف من ابتلاه الحق ابتداءاً، كما قال _تعالى _: { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } آل عمران: 143.
وقال:  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ [2] كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } الصف.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها )) .
وقال: (( إذا سمعتم بالطاعون ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منها )). 2/56

31_ والغلط مع حسن القصد وسلامته، وصلاح الرجل وفضله ودينه، وزهده وورعه وكراماته _كثير جداً؛ فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوماً من الخطأ والغلط، بل ولا من الذنوب. 2/93
2_ النفس لها أهواء وشهوات تلتذ بنيلها وإدراكها، والعقل والعلم بما في تلك الأفعال من المضرة في الدنيا والآخرة يمنعها عن ذلك، فإذا زال العقل الحافظ انبسطت النفس في أهوائها. 2/144

33_ فاعلم أن اللذة، والسرور أمر مطلوب، بل هو مقصود كل حي. 2/148
34_ وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو منعت لذة خيراً منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة المستقرة، وهو نعيم الآخرة، التي هي دائمة عظيمة. 2/151

35_ ليس كل الخلق مأمورين بالكمال، ولا يمكن ذلك فيهم، فإذا فعلوا ما به يدخلون الجنة لم يحرم عليهم مالا يمنعهم من دخولها.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلة الله عليه وسلم أنه قال: (( كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع )).
هذا مع العلم بأن الجنة يدخلها كثير من النساء والرجال أكثر من الذين كملوا من الطائفتين. 2/156 _ 157

36_ ومن العلم ما يضر بعض النفوس؛ لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر. 2/160

37_ من الناس من لو جنَّ لكان خيراً له، فإنه يرتفع عنه التكليف، وبالعقل يقع في الكفر والفسوق والعصيان. 2/161

38_ وأما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين، أما له فلأنه لا يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، بل يصده عن الكفر والفسق، وأما للمسلمين فلأن السكر يوقع بينهم العداوة والبغضاء؛ فيكون ذلك خيراً للمؤمنين.

وليس هذا إباحة للخمر والسكر، ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما؛ ولهذا كنت آمر أصحابنا ألا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء، وذلك مصلحة للمسلمين، فَصَحْوُهم شرٌّ من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب _أو يجب _ دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره. 2/165 _ 166

39_ فإن الذنوب التي يبتلى بها العباد يسقط عنهم عذابها إما بتوبة تجبُّ ما قبلها، وإما باستغفار، وإما بحسنات يذهبن السيئات، وإما بدعاء المسلمين وشفاعتهم، أو بما يفعلونه له من البر، وإما بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فيه يوم القيامة، وإما أن يكفر الله خطاياه بما يصيبه من المصائب، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ما يصيب المسلم من أذى شوكةٍ فما فوقها، إلا حط الله بها خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها. 2/184 _ 185

40_ وأصناف الحسنات التي تُكَفَّر بها السيئات كثيرة أكثر من السيئات، من أنواع البر جميعها، كما جاء ذلك في الأحاديث النبوية المطابقة لكتاب الله _ تعالى_. 2/185
41_ فإن الفقيه كل الفقيه لا يُؤِّيس الناس من رحمة الله، ولا يجرِّؤهم على معاصي الله، واستحلالُ المحرماتِ كفرٌ، واليأسُ من رحمة الله كفر. 2/190

42_ ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفسه، وذلك بشيئين: بفعل الحسنات، وبترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات، ويقتضي السيئات وهذه أربعة أنواع.
ويؤمر أيضاً بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال _تعالى _: { وَالْعَصْرِ [1] إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [2] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [3] } العصر: 1_3 2/259

43_ وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سبباً لعلو الدرجة، وعظيم الأجر. 2/260

44_ فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور، وترك السيئ المحظور، ويدخل في ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر على البطر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر. 2/261

45_ ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له ويتنعم به، ويغتذي به، وهو اليقين. 2/261

46_ ولهذا يقرن الله _ تعالى _ بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق، وبينها وبين الصبر تارة.
ولا بد من الثلاثة الصلاة، والزكاة، والصبر؛ لاتقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لاسيما كلما قويت الفتنة والمحنة؛ فإن الحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم، لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا بهما. 2/262 _ 263

47_ ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بيَّن الله _ سبحانه _ أنه من تولَّى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [38] إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [39] } التوبة. 2/269

48_ وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضَّل الله السابقين فقال: { لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } الحديد: 10. 2/270

49_ وملاك الشجاعة الصبر الذي يتضمن قوة القلب وثباته ولهذا قال_ تعالى_: { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة: 249
وقال _ تعالى _: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [45] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [46] } الأنفال.
والشجاعة ليست هي قوةَ البدن؛ فقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته، فإن القتالَ مدارُه على قوة البدن، وصنعته للقتال، وعلى قوة القلب، وخبرته به.
والمحمود منهما ما كان بعلم ومعرفة، دون التهور الذي لا يفكر صاحبه ولا يميز بين المحمود والمذموم؛ ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون مالا يصلح.
فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد. 2/270 _ 271

50_ ولهذا كان الناس أربعة أصناف: من يعمل لله بشجاعة وبسماحة، فهؤلاء هم المؤمنون المستحقون للجنة.
ومن يعمل لغير الله بشجاعة وسماحة، فهذا ينتفع بذلك في الدنيا، وليس له في الآخرة من خلاق.
ومن يعمل لله لكن بلا شجاعة ولا سماحة، فهذا فيه من النفاق ونقص الإيمان بقدر ذلك.
ومن لا يعمل لله ولا فيه شجاعة ولا سماحة فهذا ليس له دنيا ولا آخرة. 2/285


_______________________________________________________________
المصدر : المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله تعالى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق