الاثنين، 15 يونيو 2015

قاهر التتار في عين جالوت البطل المظفر سيف الدين قطز رحمه الله تعالى




المظفر قطز (000 - 658 ه = 000 - 1260 م)(1) 

قطز بن عبد الله ، السلطان الشهيد الملك المظفر، سيف الدين المعزي.
كان أكبر مماليك المعز أيبك التركماني.
وكان بطلا شجاعا، مقداما، حازما، حسن التدبير، يرجع إلى دين وإسلام وخير.
وله اليد البيضاء في جهاد التتار، فعوض الله شبابه بالجنة.

حكى شمس الدين ابن الجزري في ' تاريخه '، عن أبيه قال: كان قطز في رق ابن الزعيم بدمشق في القصاعين، فضربه أستاذه فبكى، ولم يأكل شيئا يومه.
ثم ركب أستاذه للخدمة، وأمر الفراش أن يترضاه ويطعمه.
قال: فحدثني الحاج علي الفراش قال: جئته فقلت: ما هذا البكاء من لطشة؟
فقال: إنما بكائي من لعنته أبي وجدي، وهم خير منه.
فقلت: من أبوك واحد كافر.
فقال: والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن مودود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك.
فسكتّ وترضّيته وتنّقَلَتْ به الأحوال إلى أن تملك.
ولما تملك الشام أحسن إلى الحاج علي الفراش، وأعطاه خمسمائة دينار، وعمل له راتبا.

قلت: وكان مدبر دولة أستاذه الملك المنصور علي بن المعز، فلما دهم العدو الشام رأى أن الوقت يحتاج إلى سلطان مهيب كامل الرجولية، فعزل الصبي من الملك وتسلطن، وتم له ذلك في أواخر سبع وخمسين.
ثم لم يبلع ريقه، ولا تهنّى بالسلطنة حتى امتلأت الشامات المباركة بالتتار، فتجهز للجهاد، وشرع في أُهْبة الغزو، والتف عليه عسكر الشام وبايعوه، فسار بالجيوش في أوائل رمضان لقصد الشام، ونصر الإسلام، فعمل المصاف مع التتار وعليهم كتبغا على عين جالوت، فنصره الله تعالى، وقتل مقدم التتار.
قال الشيخ قطب الدين: حكي عنه أنه قُتِل جواده يومئذ، ولم يصادف أحداً من الوشاقية، فبقي راجلا، فرآه بعض الأمراء الشجعان، فترجل وقدم له حصانه، فامتنع وقال: ما كنت لأمنع المسلمين الانتفاع بك في هذا الوقت ثم تلاحقت الوشاقية إليه.
حدثني أبي أحمد أن الملك قطز لما رأى انكشافا في ميسرته رمى الخوذة عن رأسه وحمل وقال: وادين محمد. فكان النصر.
قال: وكان شابا أشقر، كبير اللحية.
قلت: ثم جهز الأمير ركن الدين بيبرس، أعني الملك الظاهر، في أقفية التتار، ووعده بنيابة حلب، فساق وراءهم إلى أن طردوهم عن الشام. ثم إنه انثنى عزمه على إعطائه حلب، وولاها لعلاء الدين ابن صاحب الموصل، فتأثر ركن الدين من ذلك. ودخل الملك المظفر دمشق، فأحسن إلى الرعية، وأحبوه حبا زائدا، ثم استناب على البلد علم الدين سنجر الحلبي، ورجع بعد شهر إلى مصر، فقتل بين الغرابي والصالحية في آخر الرمل، ودفن بالقصير(2).


…سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي "محمود بن ممدود"، وهو من بيت مسلم ملكي أصيل.. وسبحان الله!!.. كم هي صغيرة تلك الدنيا!!.. فقطز رحمه الله هو ابن أخت جلال الدين الخوارزمي!!!.. وجلال الدين هو ملك الخوارزميين المشهور، والذي تحدثنا عنه كثيراً في أوائل هذا الكتاب، والذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم، ثم هُزم منهم، وفرّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا معظمهم، واسترقوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقهم التتار، وأطلقوا عليه اسماً مغولياً هو "قطز"، وهي كلمة تعني "الكلب الشرس"، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوة والبأس، ثم باعه التتار بعد ذلك في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عزّ الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا..
ولعلنا نلحظ بوضوح في قصة قطز التدبير العجيب لرب العالمين سبحانه.. فالتتار مكروا بالمسلمين واسترقّوا أحد أطفالهم وباعوه بأنفسهم في دمشق.. ليباع بعد ذلك من واحد إلى واحد ليصل إلى بلد لم يرها قبل ذلك، ولعله لم يكن يسمح بها في هذه السن الصغيرة.. ليصبح في النهاية ملكًا عليها, وتكون نهاية التتار الذين قاموا بنقله من أقاصي بلاد المسلمين إلى مصر على يديه هو بالتحديد!!! وسبحان الذي يدبر بلطف, ويمكر بحكمة, ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.. "ومكروا مكرًا, ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون"..
…نشأ قطز رحمه الله ـ كبقية المماليك ـ على التربية الدينية القويمة، وتشبع بالحمية الإسلامية القوية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية، وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شاباً فتياً أبياً محباً للدين معظماً له.. وكان رحمه الله قوياً صبوراً جلداً.. كل هذا بالإضافة إلى أنه وُلد في بيت ملكي، فكانت طفولته طفولة الأمراء، وهذا أعطاه ثقة كبيرة في نفسه، فهو لم يكن غريباً على أمور القيادة والإدارة والحكم، وفوق كل هذا فإن أسرته قد هلكت تحت أقدام التتار، وهذا ـ ولا شك ـ جعله يفقه جيداً مأساة التتار.. وليس من رأى كمن سمع..
كل هذه العوامل مجتمعة صنعت من قطز رجلاً ذا طراز خاص جداً.. يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه، وذلك مهما كثرت أعدادهم، أو تفوقت قوتهم..
لقد كان للتربية الإسلامية العسكرية، والتربية على الثقة بالله، والثقة بالدين، والثقة بالنفس أثر كبير في حياة قطز رحمه الله تعالى ...


لقد كان الشيخ العز بن عبد السلام يخشى على الأمة بعد أن فقدت قطز رحمه الله بهذه السرعة.. كان يخشى أن يضيع النصر الكبير، وتنهار الأمة من جديد.. لقد قال بعد موت قطز وهو يبكى بشدة: "رحم الله شبابه، لو عاش طويلاً لجدد للإسلام شبابه"
ولكن قطز رحمه الله جدد فعلاً للإسلام شبابه، مع أنه لم يعش طويلاً..

لقد ظلت دولة المماليك قرابة ثلاثة قرون تذود عن حمى المسلمين، وترفع راية الإسلام.. لقد وضع قطز رحمه الله الأساس المتين.. وعليه سيبني الآخرون بناءً راسخاً.. وبغير الأساس لا يرتفع البناء..
يقول الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: "ما ولي أمر المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله من يعادل قطز رحمه الله صلاحاً وعدلاً"

ونقول: كيف صنع قطز رحمه الله هذا المجد؟!
بل نقول: كيف صُنع "قطز" رحمه الله؟!
لقد صُنع قطز رحمه الله بكتاب الله القرآن، وبسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
أعظم معجزات هذا الدين هي "صناعة الرجال"!!
مَنْ عمر بغير الإسلام؟
مَنْ خالد بغير الإسلام؟
مَنْ طارق بن زياد بغير الإسلام؟
مَنْ قطز بغير الإسلام؟
والكتاب بين أيدينا، وكذلك سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
حفظهما الله لنا.. وسيظلان كذلك إلى يوم القيامة..
ولن تضل الأمة أبداً ما دامت تتمسك بهما..
روى الإمام مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابَ الله وسنةَ نبيه"
ومَعين الأمة لا ينضب أبداً..
والله الذي خلق للأمة خالداً والقعقاع وطارقاً وصلاحاً وقطز سيخلق لها دوماً رجالاً يغيّرون من واقعها، ويجددون لها دينها وشبابها، ويبعثون في نفوس أبنائها الأمل، ويقودونها إلى صدارة الأمم وقيادة العالم.. بل يقودونها إلى جنات النعيم..

ففي الإسلام - والله - عزّ الدنيا، وعزّ الآخرة.(3) 

___________________________________________
(1) الأعلام للزركلي
(2) تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
(3) قصة التتار للدكتور راغب السرجاني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق