الثلاثاء، 26 مايو 2015

ألاً يلبَسَ ثوباً أحمرَ إلا متظلمٌ !!!


تدور أحداث هذة القصة في عصر الحاكم القوي الخليفة أبوجعفر المنصور أو كما تسمية الرواية الصينية (آبو تشا فو ) وفي رواية أخرى ( آبو لو كونغ فو -- A/po/kang/fo ) وقد حكم في القرن الثاني الهجري من سنة ( 136 إلى 158 ) ويعتبر المنصور المؤسس الحقيقي لحكم بنو العباس أو كما تسميهم الرواية الصينية ( هى يي تاشي ) ( Hey yi ta shi )  التازي بالرداء الأسود , والذي أستمر إلى تسع قرون , وكانت عاصمة ملك المنصور هي بغداد وهو الذي بناها , ويذكر المؤرخون أن المنصور أرسل نجدة للإمبرطور الصيني  ( سور تسونغ ) كما تسمية الرواية العربية عام 139 من التاريخ الهجري للقضاء على ثورة داخلية ضدة , وقد نجحت النجدة التي ضمت 20000 جندي بتحقيق مهمتها*.

وهنا أحداث القصة بين الخليفة المنصور ورجل حكيم :-


بينما الخليفة المنصور العباسي يطوف ليلا في العاصمة المقدسة عند المسلمين مكة المكرمة إذ سمع رجلا" يقول :
اللَهم إني أشكو إليكَ ظهورٍ الفساد في الأرض وما يحولُ بين الحق وأهله من الطمع .


فخرج المنصورُ فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه ، فصلى الرجلُ ركعتين وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة .


فقال المنصورُ : ما الذي سمعتُكَ تذكُر من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بينِ الحق وأهله من الطمع ؟ فوالله لقد حَشَوْتَ مَسَامِعي ما أوجعني .


فقال الحكيم : يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أخبرتك بالحقيقة .


فقال المنصور : أنتَ آمنُ على نفسك فقل .
فقال الحكيم :إن اللذي دخلة الطمعُ حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنتَ !!!


فقال المنصور : ويحك وكيف يدخلُني الطمعُ والصفراءُ والبيضاءُ في قبضتي والحلو والحامض عندي !!!


قال الحكيم : وهل دخل أحد من الطمع ما دخلكَ ! إن الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمينَ وأموالَهم فأغفلتَ أمورهم واهتممتَ بجمع أموالِهم ، وجعلتَ بينك وبينهم حجاباً من الجص والآجُر وأبواباً من الحديد وحَجَبَةً معهم السلاحُ ثم سجنتَ نفسَكَ فيها عنهم ، وبعثتَ عُمَالَكَ في جباية الأموال وجمعها وقويتَهم بالرجال والسلاح والخيل ، وأمرتَ بألا يدخُلَ عليك من الناس إلا فلانٌ وفلان نفر سميتَهم ، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع العاري ولا الضعيفِ الفقير، ولا أحدٌ إلا وله في هذا المال حق .
فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتَهم لنفسك وآثرتَهم على رعيتكَ وأمرتَ ألا يُحجَبُوا عنك ، تَجْبي الأموال وتجمعها ولا تَقسِمُها .
قالوا : هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسَه ! فَأتمروا بألا يصلَ إليك مِنْ علم أخبار الناس شيء ؛ إلا ما أرادوا ، ولا يخرجَ لك عاملٌ فيخالفَ أمرَهُم إلا  نَفَوْه حتى تسقطَ منزلتُه ويَصْغُر َقدرُه .
فلما انتشر ذلكَ عنكَ وعنهم ، أعظمَهُم الناسُ وهابوهم ،  فكان أولَ مَنْ صانعَهم عُمالُكَ بالهدايا والأموال لِيَقْوَوْا بها على ظلم رعيتكَ ، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلمَ من دونهم ، فامتلأت بلادُ الله بالطمع بغياً وفساداً ، وصار هؤلاء القوم شُركاءك في سلطانك وأنت غافل .
فإن جاء مُتظلم حِيلَ بينه وبين دخول مدينتك ؛ فإن أراد رفع ورقته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيتَ عن ذلكَ ، وأوقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم ، فإن جاء ذلك الرجل فبلَغَ بطانَتَكَ خبرُه سألوا صاحبَ المظالم ألا يرفعَ مَظْلِمَتَه إليك ، فإن المتظلَم ليس منهم ، فأجابهم صاحب المظالم  خوفاً منهم ؛ فلا يزال المظلومُ يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه ، فإذا رآك خارج بموكبك ، صَرَخ بين يديك لتراة وتأخذ ورقته ، فضُرِبَ ضَرْباً مُبَرّحاً ، ليكون نكالاً لغيره ، وأنت تَنظر فلا تُنكِر ، فما بقاءُ الإسلام على هذا !


وقد كنتُ يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصَين فقدِمتها مرةً وقد أصِيبَ مَلِكُها بسمعه ، فبكى يوماً بكاءً شديداً فحثه جلساؤه على الصبر فقال :
أمَا إني لست أبكي للبلية النازلة بي ، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرُخُ ولا أسمعُ صوتَه ؛ ثم قال : أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادُوا في الناس ألاً يلبَسَ ثوباً أحمرَ إلا متظلمٌ ، ثم كان يركب الفيل طرفَيْ نهاره ، وينظر هل يرى مظلوماً .


وبعدها قال الحكيم كلام يرقق قلب المنصور ويحثة  على العدل والعبرة من الذين كانوا حكام قبلة  وهم بني أمية كيف لم تنفعهم أموالهم ولا جيوشهم الكثيرة عندما تركوا العدل ولم يوقفوا أنتشار الظلم .


عندها بكى المنصور بعد أن سمع كلام الحكيم الناصح وقال :
يا ليتني لم أخْلَقْ ! ويحكَ ! فكيف أحتال لنفسي .


قال الحكيم : يا أمير المؤمنين إن للناس أعلاماً حكماء  يفزعون إليهم في دينهم ويرضَوْن بهم فاجعلهم بطانَتك رشدوكَ ، وشاورْهم في أمرك يُسددوك .


قال المنصور : قد بعثت إليهم ليكونوا من عندي فهربوا مني .


قال الحكيم : خافوا أن تحمِلَهم على طريقتك ولكن إفتَحْ بابكَ وسَهل حجابَك , وانصُرِ المظلومَ , واقمَعْ الظالمَ  ,وخذ الفيء والصدقاتِ مما حل وطابَ واقسِمه بالحقوالعدل على أهله وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويُسْاعِدوك على صلاح الأمة .


وعندما أنتهى الرجل الحكيم من كلامة دخل ضيف على المنصور , فسلموا علية وأستقبلهم وعاد إلى مجلسة , وطلب الرجل فلم يجدة , وأرسل الرجال يبحثون عنة , ولكنة أختفى , كما اتى فجاة ذهب فجأة , ولكن بعد أن أسدى للمنصور نصائح قيمة كانت لها أثر جميل في الخليفة المنصور .



_________________________


ذكرت هذة القصة في مصادر عدة وعصور مختلفة وأماكن متفرقة على رأسها :-


1) عيون الأخبار للإمام بن قتيبة الدينوري ( ت :276)  وهو من أهل بغداد عاصمة العراق .


2) العقد الفريد للأديب ابن عبد ربه الأندلسي ( ت : 328 )  من أشهر أعلام الأندلس.


3) إحياء علوم الدين للإمام أبوحامد الغزالي ( ت :505 ) من أهل طوس .


4) لتذكرة الحمدونية )) للأديب أبو المعالي بن حمدون ( ت : 562 ) من أهل بغداد .


5) تهذيب الرياسة وترتيب السياسة للقلعي ( ت :630 ) من أهل عمان .


6) حياة الحيوان للدميري ( ت : 808 ) من أهل صعيد مصر .


7) بدائع السلك في طبائع الملك لابن زريق ( ت : 896 ) من أهل الاندلس .


8) إعلام الناس بما وقع للبرامكة للإتليدي ( ت : 1100 ) من أهل مصر .


9) سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي للعاصمي  ( ت : 1111 ) من أهل مكة المكرمة.
_________________________
* مصادر المقدمة :-
1- أطلس دول العالم الإسلامي , الدكتور شوقي أبوخليل.
2- العلاقات بين الدولة العباسية والصين , الدكتور يوسف صقر.

3- الفتوحات العربية , حسام عيتاني .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق