الأربعاء، 29 أبريل، 2015

أول من ذكر شاي في تراثنا





أتت كلمة الشاي من (الفارسية چای) يعتقد البعض أن الشاي أتى من الهنود الحمر وهذه المعلومة خاطئة، فتشير مصادر البحث كالموسوعة البريطانية وغيرها إلى أن أصل الشاي هو بلاد الصين.
ومنها انتشر تناوله في كثير من مناطق آسيا منذ خمسة آلاف عام.
أول من زرع واستخدم الشاي هم الصينيون، وتذكر الروايات الصينية بأن الملك شينوق Shennong كان مغرماً برعاية الأعشاب وجمعها والتداوي بها، وكان يحب شرب الماء الساخن بعد غليانه ،وقد ترك بعض أوراق الشاي في الحديقة وبالمصادفة حملت الريح ورقة من الشاي الجاف إلى قدح الماء الساخن الذي اعتاد ان يحتسيه وهو جالس في الحديقة كنوع من أنواع العلاج بالماء فلاحظ الملك تغير لون الماء فتذوق طعم المنقوع واستساغ طعمه ودأب على تناوله هو ومن في معيته ما أشاع استخدامه في الصين وخارجها.

أما العرب والأوروبيون وغيرهم فقد ذكرت الموسوعة العربية العالمية ما يشير إلى أن الشاي لم يُعرف عند العرب في عصر الجاهلية ولا في صدر الإسلام ولا في العصر الأموي ولا العباسي ،ربما جاء شربه بعد هذا التاريخ حيث لم يوجد تاريخ محدد لدخول الشاي وشربه في المنطقة العربية وفي العراق خصوصاً ليكون من أشهر المشروبات وأكثرها شعبية في عراق اليوم. لأنه لم ينتشر ويصبح معروفاً في العالم إلا في القرن السابع عشر وما بعده، وقد كانت أول شحنة من الشاي قد وصلت أوروبا في عام 1610 وهو أول عهد الأوربيين بالشاي(1).


وأما أول من ذكرة في تراثنا فقد ذكر في " رحلة السيرافي " لسليمان التاجر(2) ذكر الشاي (وقد عاش في القرن الثالث الهجري) , وكنت من مدة طويلة أتسائل متى عرف العرب الشاي ؟
فوجدت ما أبحث عنة , وذكر سليمان في رحلة قصص عجيبة عن الصين وكم كانت متحضرة من أمد بعيد , ويعد أول من فصل عنهم وهو مرجع لكثير من المؤرخين على رأسهم المسعودي الذي قابلة.
وقد ذكر الشاي وسماه " الساخ " :

<<  ويختصّ الملك من المعادن بالملح، وحشيش، يشربونه بالماء الحارّ، ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم، ويقال له الساخ  وهو أكثر ورقا من الرطبة  وأطيب قليلا وفيه مرارة فيغلى الماء ويذرّ عليه، فهو ينفعهم من كل شيء. >>

_______________________________

الثلاثاء، 28 أبريل، 2015

5- صناعة الزعماء في الماضي !


هل يعيد التاريخ نفسه؟!
«ما أشبه الليلة بالبارحة!»
رأفت صلاح

التاريخ ليس سرداً للأحداث ولا تسجيلاً للوقائع، ولكنه عرض لذلك كله مع التفسير والتحليل، واستخراج للعبر والدروس من هذه الأحداث، هكذا ينبغي علينا أن نفهم التاريخ كما فهمه أسلافنا؛ فملكوا الدنيا وخضعت لهم العرب والعجم.

يُعرّف ابن خلـدون التاريخ فيقول: «.. فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال. وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق»(1).

بين أيدينا الآن قصة وقعت أحداثها في بدايات القرن العاشر من الهجرة؛ ولها صلة وثيقة بما يحدث من أحداث في واقعنا المعاصر، هذه القصة ذكرها الأستاذ «محمود شاكر» صاحب «موسوعة التاريخ الإسلامي» في كتابه «المغالطات»، طبعة المكتب الإسلامي، وسوف نقف معها ونذكرها مثالاً لأحداث التاريخ الإسلامي، وكيف تُستخرج منها الدروس والعبر؟

يقول الأستاذ محمود شاكر - باختصار -:
«عندما احتل البرتغاليون (عدن) عام 919 هـ رفض أهل هذا البلد الاحتلال، وقاوموه بما يملكون، ولكن استطاع البرتغاليون أن يقهروا السكان بما يحوزون من أسلحة نارية حديثة، واضطر القسم الأكبر من العدنيين إلى ترك موطنهم واللجوء إلى الأراضي المجاورة؛ حيث عُرفوا هناك باسم «اللاجئون»، وأُجبر القسم الأكبر من العدنيين على الخنوع والبقاء في ديارهم تحت عصا الذل وسيف الإرهاب، وحرصت الدول المجاورة، كمصر التي يحكمها المماليك، أن تقاتل البرتغاليين ولكنها هُزمت.

- نجحت البرتغال في أن تمد قنوات بينها وبين حكام الدول المجاورة عن طريق المال والمصالح والسلاح، وكان التعاون بينهم في سرية بعيداً عن أعين السكان؛ حيث كانت الشعوب ترفض هذا التعاون رفضاً تاماً، فأظهر الحكام أنهم يعادون البرتغال وهم يلتقونهم سراً ويجتمعون معهم.

- البرتغاليون أنفسهم - من باب المغالطة - يهاجمون هذه الدول علناً؛ حتى يلبسوا على الناس أمرها.

- لم يجرؤ أحد على الدعوة إلى الرضا بالأمر الواقع أو الدعوة إلى السلام.

- كان المخطط الصليبي يقضي بأن يتقدم كل حاكم خطوة، ولكن طالت المدة وزادت على خمسة عشر عاماً.

- فهنا برزت فكرة جديدة؛ وهي أن يتولى حل المشكلة أحد أبناء عدن، ولا سيما من الذين يعيشون خارج مدينة عدن؛ ليكون بعيداً عن البرتغاليين، ولتكون له الحريـة، فـوقـع الاختيار على شـاب لم يتجـاوز الثلاثـيـن من عـمـره يُدعـى «عبد الرؤوف أفندي»، فعرض عليه أحد السلاطين العملاء أن يختار معه شباباً يثق بهم؛ ليقوموا بتأسيس منظمة تعمل على طرد البرتغاليين المغتصبين، وتقوم السلطات بدعم هذه المنظمة ومدّها بما تحتاج إليه.

وتعهد السلاطين بحمايتها ومد يد العون لها، ودعوة أعوانهم للانضمام إليها؛ (فتبني أهل البلد مهمة العمل أفضل، وخاصة أمام المحافل الدولية)، ومُنح «عبد الرؤوف» وعد بأنه سيكون له شأن كبير وإمكانات مادية عالية، هذا بجانب السلطة العسكرية وإصدار الأوامر.

- وافق «عبد الرؤوف»، وحَلَّتْ منظمته محل حركة مفتي عدن، واشترطوا عليه ألا يخرج عن رأي السلاطين.. وهكذا كان.

- بدأ «عبد الرؤوف» اللعبة وأصبح اسمه «ياسين»، وادعى النسب الحسيني، وأسس منظمته، وأنشأ فصائل للقتال، وانخرط في صفوفها كثير من العدنيين المشردين، وبدأت تخوض المعارك، وتدخل إلى الأرض المحتلة وتقوم ببعض العمليات الناجحة، فارتفعت أسهمه، وأصبح في مصاف القادة ورواد الأمل في العودة لدى المشردين.

- نادى «ياسين» بحمل السلاح بوصفه الحل الوحيد لإنهاء المشكلة، واللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وصار لا يقبل المهادنة ولا المساومة، وبالمقابل شن عليه الأعداء حملة شعواء واتهموه ومنظمته بالتخريب و...، وتدفقت عليه أموال التبرعات والمعونات، وأصبح على مستوى السلاطين.

- شن البرتغاليون غارات على مخيمات اللاجئين، وقاموا بعدد من المذابح الرهيبة؛ وذلك لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع.

- ضغطت الدول الأوروبية على السلاطين لإنهاء المشكلة، فعقدوا اجتماعاً وقرروا الاعتراف بالوضع البرتغالي في عدن؛ على أن يتولى إعلان ذلك الزعيم العدني «ياسين».

- وانتفض العدنيون المقيمون في موطنهم؛ مما دعا الأوروبيين إلى عقد مؤتمر عالمي لإحلال السلام في المنطقة وإنهاء المشكلة.

- أنيطت القضية بالزعيم «ياسين» الذي أعلن أنه مستعد لحضور المؤتمر العالمي، وأنه يتحدى البرتغال أن تحضر! - وهي التي تتمناه -، فتمنعت تمنع الراغب لإتمام اللعبة وإخفائها عن الشعب، وتقوية موقف «ياسين» وإبرازه على أنه هو الذي يدعو وهي التي ترفض؛ أي أن الممتنع هو الموافق، والراضي هو الرافض!

- أعلن أحد السلاطين أنه تخلى عن عدن، وأن أهلها أحرار يحلون أمورهم بأنفسهم! - وهو الذي كان يعدُّ عدن جزءاً من أرضه -، فأصبحت عدن وحدها أمام البرتغاليين.

- أعلن «ياسين» أن لأهل عدن حكومة خاصة، وأنه على استعداد للاعتراف بالكيان البرتغالي، وبذلك أصبحت هناك حكومتان؛ إحداهما لأهل عدن المشردين، والأخرى للبرتغاليين ولهم الجزء الأكبر من عدن!!

- استمر هذا الوضع حتى جاء العثمانيون عام 945 هـ وطردوا البرتغاليين من المنطقة.

- وقف أهل عدن يفكرون بالدور الذي مارسه «ياسين» عليهم؛ منهم من قال بقي «ياسين» يغالط علينا حتى وصل بنا إلى ما كنا نخشاه، ووافق على كل هذه الحلول التي كنا نرفضها، أعطيناه القيادة ليبيع قضيتنا، ليبيع أرضنا، ليبيعنا. بعدها بدؤوا يبحثون عن أصله ولكن.. فات الأوان.

- أما أعوانه فيقولون: إن الطرق كلها مسدودة، والحلول التي طُرحت قد أجهضت أو أخفقت، وليس أمامنا سوى ما تم.

ما أشبه الليلة بالبارحة!!»(2).

بعد عرض أحداث هذه القصة نورد هذه التعليقات المهمة:

1- تشبه هذه القصة بأحداثها ما يحدث في واقعنا المعاصر؛ مما يدل على تشابه مخططات أعداء الإسلام عبر التاريخ في محاربة هذه الأمة، وصناعة العملاء الذين يكون لهم الدور الأهم في هذا العداء.

كما تبين القصة استمرارية هذا الصراع، وأنه لا يهدأ أبداً وإن اختلفت صوره؛ فإنهم كما قال - تعالى -: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

2- بيان حال المسلمين عند بعدهم عن دينهم الذي هو مصدر عزتهم؛ إذ يصيبهم الضعف والوهن، ويتمكن أعداؤهم منهم؛ مما يؤدي إلى تشتتهم في البلاد لاجئين، أو وقوعهم تحت عصا الذل وسيف الإرهاب في بلادهم على يد أعدائهم، هذا كله بسبب تنكبهم لطريق الهداية في كل زمان.

3- بيان حال حكام المسلمين الذين هم إما صنيعة الأعداء أو عملاء مخلصون لأسيادهم؛ بسبب عبوديتهم للمال والسلطة والمصلحة، فهم لا يهمهم مصلحة أوطانهم، ولا حماية ديار المسلمين، ولا الذود عن الإسلام؛ المهم عندهم هو كراسيهم وعروشهم حتى لو تعاونوا مع أعدائهم. وهذه صورة لما يحدث في كل زمان على يد بعض هؤلاء الحكام العملاء.

4- مدى السذاجة التي تتصف بها بعض الشعوب المسلمة؛ سواء مع حكامهم أو مع أعدائهم؛ حيث يكونون مغيبين لا وعي عندهم ولا دور لهم في الأحداث، هذا سببه في المقام الأول هو البعد عن مصدر العزة الأساسي ألا وهو الإسلام، فالمسلمون عند تمسكهم بدينهم يكون لديهم استعداد للجهر بالحق، ولا يكون للكافرين عليهم سبيلاً، أما عند بعدهم عن دينهم فهم أذل الخلق وأهونهم؛ لا يهمهم إلا إتيان الشهوات، يتلاعب بهم أعداؤهم وهم لا وعي عندهم بما يجري من أحداث.

5- لا يستطيع الزعماء والحكام والسلاطين العملاء أن يتحكموا في رقاب الناس إلا بخداعهم وغشهم، وتغييب وعي الناس عن طريق وسائل إعلامهم في كل عصر، فمن مَدْحٍ للزعيم وتضخيم لدوره، إلى شتم للأعداء أحياناً، إلى دعوة للسلام.. هذا كله لتغييب الشعوب وخداعها.

6- صناعة الزعماء: وهذا أهم هذه التعليقات، فهذه القصة توضح بجلاء كيفية صناعة الزعماء، وهذا ديدن أعداء الإسلام في كل زمان، فهم يختارون شخصية نفعية لا تحب إلا مصلحتها وتعشق السلطة والمال، ثم يحاولون صناعته عن طريق إبراز دوره وتضخيم أعماله، فيحدث التلميع لهذه الشخصيات حتى تصير زعماء، وهذا هو الدور الخطير الذي تمارسه وسائل الإعلام، وهكذا تم صناعة ياسين وغيره قديماً.

وحديثاً: عندما رحل الاحتلال عن بلاد المسلمين ترك خلفه صنائع هي من صنع يديه، وحتى يُمَكِّن لها قام بتلميعها وتضخيم دورها حتى تكون هي الزعامة.. وفقط، فهذا «الزعيم الملهم»، وذلك «القائد»، وذلك «الغازي»، وذلك «الرئيس المؤمن».. هكذا صنعوا أتاتورك، وسعد زغلول، وجمال عبد الناصر، وياسر عرفات.. وغيرهم ممن تحكموا ويتحكمون في رقاب المسلمين، هكذا استطاع أعداء الإسلام إنتاج صنائع لهم وعملاء ووكلاء يؤدون ما يُطلب منهم؛ في جميع المجالات وليس في السياسة فقط. وهذه القصة صورة مصغرة لطريقة تكوين الزعماء والأبطال والفاتحين المزورين؛ فكم من مرة حولوا الجهاد لصالحهم، وسرقوا الثورات والانتصارات؟! وكم من مرة تاجروا بقضايا المسلمين؟!

إن ما يحدث الآن في القضية الفلسطينية والدور الذي يقوم به الآن «ياسر» هو الدور نفسه الذي كان يقوم به «ياسين»، فكم من «ياسين» صنعوه، وكم من نصر سرقوه؟!

حقاً.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

----------------------------
(1) عن كتاب: أيعيد التاريخ نفسه؟! محمد العبدة، المنتدى الإسلامي، الغلاف.
(2) المغالطات، باختصار، ص 79 - 86.

الخميس، 23 أبريل، 2015

قراءة في كتاب الأسرار الخفية وراء الغاء الخلافة العثمانية



للشيخ الدكتور جمال عبدالهادي حفظه الله تعالى
https://soundcloud.com/3alhmdani897/fckmkxffehqb


المصدر المنتقى من سلسلة تاريخ 200 سنة الماضية للشيخ الدكتور جمال عبدالهادي حفظه الله تعالى 
http://alhmdani897.blogspot.com/2014/12/200.html

ومن أراد تنزيل الكتاب :

الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية (PDF)


يحدثنا الشيخ مصطفى صبري - رحمه الله تعالى - في هذا الكتاب عن إلغاء الخلافة العثمانية، وقد رأيت وضعه بين أيدي المؤرخين ومفسريه والدراسين للنظم السياسية الإسلامية والدعاة، وذلك أن موضوع الكتاب يعالج أكثر القضايا اتصالاً بمآسي المسلمين في العصر الحديث حيث انفرط عقد وحدتهم بإلغاء الخلافة التي ظلت جوهر النظام السياسي الإسلامي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.


السبت، 11 أبريل، 2015

117 قصة للأديب كامل كيلاني رحمه الله تعالى


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان 
وبعد :

كنت قد جمعت قصصة الأديب كامل كيلاني رحمه الله تعالى في هذا الرابط :
http://alhmdani897.blogspot.com/2013/06/pdf.html

وقد جمعت فية تقريب 80 قصة ولله الحمد والفضل والمنه , ولاحظت أن هذة التدوينة أعلى مشاهدة في مدونتي المتواضعة وتعدت 12000 مشاهدة ولله الحمد .
وإهداء لكم جمعت 117 قصة (أغلبها طبعة حديثة الشكر لمؤسسة هندواي على هذة الخدمة الجليلة) ووضعتها في رابط واحد مقسمة لأبواب متنوعة.

أرجو أن أكون قد وفقت وأسأل ربنا الكريم أن يصلح أبناء للمسلمين وبناتهم وأنا يرزقنا الذرية الصالحة المصلحة .

وهنا رابط 117 قصة :-
http://goo.gl/IkWhNj

وهنا رابط آخر :-
http://goo.gl/3PUCA6


وهنا رابط لتنزيل الكتب مفردة :-
http://goo.gl/Ej553h


الخميس، 9 أبريل، 2015

الحاجب المنصور وقاضية بن ذكوان

للشيخ الداعية أبوصهيب عبدالرحمن السميط رحمه الله تعالى مقالة عن الحاجب المنصور وقاضية بن ذكوان :
وفي سنة 378هجرية ، خرج في غزوة من غزواته ، ولكن النصارى الإسبان أعدوا له كميناً في واد بين جبلين عند مضايق جبال البرانس ، وأطلقوا على جيش المسلمين آلاف الأسهم المسمومة ، وسقط من المسلمين عدد كبير ، واضطربت صفوفهم ، واختل توازنهم وبدأ الفرار .
لكن الحاجب المنصور ثبت بشجاعة ، وثبت معه أولاده وفرسانه ، ووقف القاضي ابن ذكوان قاضي المسلمين كالطود يرفض الفرار .
فلما رأى المسلمون أمراءهم قد ثبتوا ، تحمسوا وعادوا للقتال حتى انتصروا على الإسبان ، وبعد هذا النصر المؤزر ، فرض عليهم الحاجب المنصور دفع الجزية . وإذلالاً لهم ، طلب كذلك بنت الملك ( فرويلا الرابع ) جارية عنده ، وكانت من أكثر الإسبان شرفاً ومن أجملهن حتى يرغم أنوف الإسبان .
ولما شيعها أبوها وكبار حاشيته قالوا لها : أصلحي حالنا عند الأمير المسلم وتوسطي لنا عنده ، فقالت لهم (( إن العزة لاتؤخذ عن طريق أفخاذ النساء ، أيها الجبناء ، ولكن بسلاح الرجال )) وكان الأمير الحاجب المنصور يخرج مرتين كل سنة للغزو والجهاد .
وذات مرة رجع من غزوة في فجر يوم عيد الأضحى ، والمسلمون في مصلى العيد بين التكبير والتهليل ، وهو متجه إلى المصلى حتى يصلي مع المسلمين ، فأوقفته عجوز وهو على صهوة حصانه لم ينزل منه وقالت له : (( يامنصور ، كل الناس مسرورن إلا أنا )) فسألها الخليفة عن السبب فقالت : إن إبنها أسير عند الصليبيين في حصن رياح .
يلوى البطل الحاجب المنصور عنان فرسه وينادى : أن حي على الجهاد وينطلق إلى حصن رياح ويقاتل الصليبيين حتى يرضخوا لشروطه بإطلاق سراح جميع الأسرى المسلمين ، ومن بينهم ابن العجوز .

(( لدينا الكثير من العجائز من أمثال أم هذا الأسير ، ولكن متى يكون لدينا أمثال الحاجب المنصور ؟؟!))
(( لدينا كثير من القضاة الذين سيبدون استعداداً للنظر في تصرف المنصور وخروجه للجهاد قبل أن يصلي العيد . وسيتناقشون في ما إذا كان هذا التصرف شرعياً أم لا ، لساعات طوال ، ولكن هل عندنا قضاة من أمثال ابن ذكوان ؟!
اللهم ارحم حالنا وأصلح حكامنا ، وارزقنا أمثال الحاجب المنصور .
خادم الدعوة
د. عبدالرحمن حمود السميط رحمه الله تعالى
مجلة الكوثر العدد (110 )

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

عبرة لكل ملك وحاكم .....


حدثنا صفوان بْن عَمْرو بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَبْد اللَّهِ الخزاعي:
أَن ذا الْقَرْنَيْنِ أتى عَلَى أمة من الأمم لَيْسَ فِي أيديهم شَيْء مِمَّا يستمتع بِهِ النَّاس من دنياهم وَقَدِ احتفروا قبورا، فَإِذَا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها وصلوا عندها، ورعوا البقل كَمَا ترعى البهائم، وَقَدْ قيض لَهُمْ فِي ذَلِكَ معاش من نبات الأَرْض، فأرسل ذو الْقَرْنَيْنِ إِلَى ملكهم.
فَقَالَ الرسول: أجب الْمَلِك.
فَقَالَ: مَا لي إِلَيْهِ حاجة.
فأقبل إِلَيْهِ ذو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: إني أرسلت إليك لتأتيني، فَمَا أتيت، فها أنا ذا قَدْ جئتك.
فَقَالَ: لو كانت لي إليك حاجة لأتيتك.
فَقَالَ لَهُ ذو الْقَرْنَيْنِ: مَا لي أراكم عَلَى الحال الَّتِي رأيت، لَمْ أر أحدا من الأمم عَلَيْهَا. قَالُوا: وَمَا ذاك؟
قال: ليس لكم دنيا ولا شَيْء، أفلا اتخذتم الذهب والفضة واستمتعتم بها
فقال: إنما كرهنا لأن أحدا لم يعط منها شَيْئًا إلا تاقت نَفْسه إِلَى أفضل منه.
فَقَالَ: مَا بالكم قَدِ احتفرتم قبورا فإذا أصبحتم تعهدتموها وكنستموها وصليتم عندها.
 قَالُوا: أردنا: إِذَا نظرنا إِلَيْهَا وألهتنا الدُّنْيَا منعت قبورنا من الأمل.
 قَالَ: وأراكم لا طعام لكم إلا البقل من الأرض، أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وذبحتموها واستمتعتم بها.
 فَقَالُوا: رأينا أَن فِي نبات الأَرْض بلاغا، ثُمَّ/ بسط ملك تلك الأَرْض يده خلف ذي الْقَرْنَيْنِ، فتناول جمجمة، فَقَالَ: يا ذا الْقَرْنَيْنِ أتدري من هَذَا؟
قَالَ: لا، من هُوَ؟
قَالَ: ملك من ملوك الأَرْض أعطاه اللَّه سلطانا عَلَى أَهْل الأَرْض فغشم وظلم وعتى، فلما رأى اللَّه ذَلِكَ منه حسمه بالموت فصار كالحجر الملقى، قد أحصى الله عليه عمله حَتَّى يجازيه بِهِ فِي آخرته. ثُمَّ تناول جمجمة أُخْرَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: يا ذا الْقَرْنَيْنِ، هل تدري من هَذَا؟
قَالَ: لا من هَذَا؟
قَالَ: ملك ملكه اللَّه بعده قَدْ كَانَ يرى مَا يصنع الَّذِي قبله بِالنَّاس من الظلم والغشم التجبر، فتواضع وخشع للَّه عَزَّ وَجَلَّ وعمل بالعدل فِي أَهْل مملكته، فصار كَمَا ترى قَدْ أحصى اللَّه عَلَيْهِ عمله حَتَّى يجزيه بِهِ فِي آخرته، ثُمَّ أهوى إِلَى جمجمة ذي الْقَرْنَيْنِ، وَقَالَ: وَهَذِهِ الجمجمة تصير إِلَى مَا صارت إِلَيْهِ هذه الجماجم، فانظر يا عَبْد اللَّهِ مَا أَنْتَ صانع .
فَقَالَ لَهُ ذو الْقَرْنَيْنِ: هل لَكَ فِي صحبتي فأتخذك وزيرا وشريكا فيما أنا فِيهِ من هَذَا المال.
فَقَالَ: مَا أصلح أنا وأنت فِي مكان.
قَالَ: وَلَمْ؟
قَالَ: من أجل أَن النَّاس كلهم لَكَ عدو ولي صديق.
قَالَ: وَلَمْ ذَلِكَ؟
قَالَ: يعادُونَك لما فِي يدك من الْمَلِك ولا أجد أحدا يعاديني لرفضي ذَلِكَ فانصرف عَنْهُ ذو الْقَرْنَيْنِ .


 المنتظم في تاريخ الأمم والملوك للإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى
الجزء الأول صفحة : 298-299