الجمعة، 20 مارس 2015

1- شاس بن قيس اليهودي وإشعال الفتنة بين الأوس والخزرج


كان شأس بن قيس شيخا قد عسا (1) ، عظيم الكفر، شديد الضغن (2) على المسلمين، شديد الحسد لهم، فمر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية.
فلما أن جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم.
فقال: " لقد اجتمع ملأ بني قيلة (3) بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ".
فأمر فتى شابا من يهود كان معه فقال: " اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
ففعل، فأنشدهم بعض ما قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك (شئ) فقال الحي الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا (فقال الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين: أوس بن قيظي (أحد بني حارثة بن الحارث) من الأوس، وجبار بن صخر (أحد بني سلمة) من الخزرج، فتفاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: " إن شئتم رددناها الآن جذعة (4) ".
فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: " قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة (5) - السلاح السلاح ".
فخرجوا إليها.
(فانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في
الجاهلية).
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: (( يا معشر المسملين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا )) .
فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم: عدو الله شاس بن قيس، فأنزل الله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون () قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون } (آل عمران 98، 99).
وأنزل الله في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين () وكيف تكفرون وأنتم تتلى على عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } (آل عمران 100، 101). (6)




اليهود أعدائنا إلى يوم الدين والمكر صفة من صفاتهم, كان هذا اليهودي اللعين شاس أن يشعل الفتنة بين سادتنا الأنصار رضي الله عنهم وذكرهم في حرب كانت بينهم في الجاهلية ( أي بين الأوس والخزرج قبل أن يجمعهم الإسلام بإسم الأنصار ) ولكن الرسول صلى الله علية وسلم تدارك الموقف .
ونحن في عصرنا لابد أن نستفيد من هذة القصة ونحذر من أحفاد شاس الذي يشعلون الفتن بذكر مآسي الماضي, وكذلك لنا في قدوتنا وحبيبنا أبا القاسم صلى الله علية وسلم قدوة في الإصلاح بين الناس وعدم ترك امثال شاس أن يشعل الفتن .
وكم في عصرنا من امثال هذا اللعين ساش في إذكاء الفتن بين الدول الإسلامية وبين القبائل والشعوب الإسلامية, خاص في عصرنا الحديث في إشعال فتنة القومية البغيضة والتي فرقت شمل المسلمين لعقود طويلة مع الأسف .

__________________________________________
(1) أي كبر وأسن.
(2)  الحقد.
(3) أم الأوس والخزرج.
(4) أي أحدثنا الحرب.
(5) وهي الأرض ذات الحجارة السود.
(6) سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد .
للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي رحمة الله تعالى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق