الجمعة، 25 ديسمبر، 2015

للأطفال.. أحب أن أعرف تاريخ أمتي - د.شوقي أبوخليل - الأجزاء 1-6 ملونة



أحب أن أعرف تاريخ أمتي.. الأجزاء 1-6

ينصح بها للأعمار بين: 9-12 سنوات

سلسلة عن التاريخ الإسلامي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم‏,‏ من أين بدأ الإسلام‏,‏ وكيف كانت جزيرة العرب قبيل الإسلام‏,‏ وما حال أهلها.‏ تحكي هذه السلسلة تاريخ الإسلام منذ نشوئه وحتى بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذه القصص هي‏:‏ مهد أجدادي ‏-‏ حضارة أجدادي ‏-‏ العرب قبيل الإسلام ‏-‏ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ‏-‏ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى الهجرة ‏-‏ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة‏.‏

عنوان الكتاب: أحب أن أعرف تاريخ أمتي
المؤلــف: د. شوقي أبو خليل
الناشر: دار الفكر المعاصر
رقم الطبعة: 1422 هـ - 2001 م
عدد المجلدات: 6
عدد الصفحات: 96
حجم الملف: 110 ميغابايت


صفحة الأرشيف:
http://www.archive.org/details/oaato

الجزء الأول:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb1.pdf

الجزء الثاني:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb2.pdf

الجزء الثالث:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb3.pdf

الجزء الرابع:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb4.pdf

الجزء الخامس:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb5.pdf

الجزء السادس:
http://www.archive.org/download/oaato/oheb6.pdf



المصدر:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=156330

الخميس، 24 ديسمبر، 2015

ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم !!!




ذكر ابن حيان أنه في أيامه قام بجليقية علجٌ خبيثٌ يدعى بلاي، فعاب على العلوج طول الفرار، وأذكى قرائحهم حتى سما بهم إلى طلب الثار، ودافع عن أرضه، ومن وقته أخذ نصارى الأندلس في مدافعة المسلمين عما بقي بأيديهم من أرضهم والحماية عن حريمهم، وقد كانوا لا يطمعون في ذلك.

وقيل: إنه لم يبق بأرض جليقية قرية فما فوقها لم تفتح إلا الصخرة التي لاذ بها هذا العلج ومات أصحابه جوعاً إلى أن بقي في مقدار ثلاثين رجلاً ونحو عشر نسوة، وما لهم عيش إلا من عسل النحل في جباح (الخلايا) معهم في خروق الصخرة، وما زالوا ممتنعين بوعرها إلى أن أعيا المسلمين أمرهم، واحتقروهم.
وقالوا: ثلاثون علجاً ما عسى أن يجيء منهم .
فبلغ أمرهم بعد ذلك في القوة والكثرة والاستيلاء ما لا خفاء به.
وملك بعده أذفونش جد عظماء الملوك المشهورين بهذه السمة.


__________________________________________________________

المقري:  نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 3/ 17
 دار صادر 

السبت، 19 ديسمبر، 2015

أربعة من الملوك اجتمعوا فقالوا كلّهم كلمة واحدة كأنّها رمية بسهم!


يذكر الإمام ابن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ):
" أنّ أربعة من الملوك اجتمعوا فقالوا كلّهم كلمة واحدة كأنّها رمية بسهم:
ملك فارس، وملك الهند، وملك الروم، وملك الصين.
قال أحدهم: إذا تكلّمت بالكلمة ملكتني ولم أملكها.
وقال آخر: قد ندمت على ما قلت ولم أندم على ما لم أقل.
وقال آخر: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منّي على ردّ ما قلت.
وقال آخر: ما حاجتي إلى أن أتكلّم بكلمة، إن وقعت عليّ ضرّتني، وإن لم تقع عليّ لم تنفعني."(1)

وتعجب كيف يجتمع مثل هؤلاء الملوك على بعد بلدانهم، حتى قرأت في كتاب البلدان لابن الفقيه الهمداني (المتوفى: 365هـ) عندما ذكر مدينة قرميسين، يقول:
"وبقرميسين الدكان الذي اجتمع عليه جماعة من ملوك الأرض  منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز.
وهو دكان من حجارة مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمّرة بمسامير الحديد، ولا يتبين فيه ما بين الحجرين فلا يشك من رآه أنه قطعة واحدة."(2)

فذكر أنهم أجتمعوا عند كسرى وهذا المكان أقرب لإجتماع، وزاد ابن الفقية خاقان الترك، ويحتمل أن الإمام ابن قتيبة نسى أن يذكرة، عند ذلك فإن الأربعة الضيوف هم من ذكروا الحكم السابقة أمام كسرى، ويحتمل أن ابن الفقيه زاد خاقان ملك الترك.____________________________________________________________
(1)عيون الاخبار 2-195 - دار الكتب العلمية - تاريخ النشر: 1418هـ.
(2) البلدان (429) عالم الكتب - ط1- 1416 هـ - 1996 م.

الخميس، 17 ديسمبر، 2015

وقد يقول قائل : إن العامية ضرورة لا زمة لمخاطبة الناس على قدر عقولهم ؟


وقد يقول قائل : إن العامية ضرورة لا زمة لمخاطبة الناس على قدر عقولهم ؟

والجواب عليه :-

 قال الدكتور فتحي جمعة أستاذ العلوم اللغوية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة -حفظه الله- :
(( إن المخاطبة على قدر العقول لا تعني تبذل اللغة ، أو هبوط الكلام ، وانحرافه عن سنن الفصحى ، وإنما تعني الابتعاد عن تعقيد الفكرة ، والتقعر في اللغة [ أي تعمد اختيار الصعب من التركيب والغريب الوحشي من الكلام ] .
أما الجنوح إلى العامية بدعوى إفهام العوام ، فإن لم يكن مداراة للعجز عن الفصحى ، وقصر الباع في استعمالها ، فهو ادعاء يظلم الفصحى و العوام في وقت معا" ، يظلم الفصحى بأنها غير مفهومة ، ووالله إنها لمفهومة ، ويظلم العوام بأنهم لا يفهمون ، وتالله إنهم ليفهمون ، وإلا كيف يخشعون للقرآن ، ويتأثرون ببالغ الموعظة ، وجميل البيان ؟ ! )) ا . هـ . 


الأحد، 6 ديسمبر، 2015

الجمعة، 4 ديسمبر، 2015

نقولات مختارة من كتاب: الحرية في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين



طبعة دار الاعتصام وهو محاضرة ألقاها المؤلف مساء يوم السبت 
17/4/1324هـ وهو يومئذ القاضي بمدينة بنزرت بتونس.


((نبذة في سيرة المؤلف)):

ولد رحمه الله في بلدة نفطة بتونس عام 1293 هـ من أسرة علم وصلاح، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره انتقل مع والده إلى العاصمة تونس، والتحق بطلاب العلم بجامعة الزيتونة؛ وحصل على الشهادة العالية في العلوم الدينية والعربية.
أوتي بياناً ساحراً، وقلماً سيالاً، قلما يوجد له نظير في العصور المتأخرة، بل إنه يضارع أرباب البيان الأوائل.
وكان هادئ الطبع، حسن المعشر، لين العريكة، جم التواضع، وكان متفنناً في علوم الشريعة واللغة.
أصدر مجلة السعادة العظمى عام 1321، وتولى القضاء في مدينة بنززت، ولم يَرُقْه ميدان القضاء، فتركه إلى التدريس في جامعة الزيتونة.

حكم عليه الاستعمار الفرنسي بالإعدام، فهاجر إلى دمشق، ثم إلى مصر، وانضم إلى علماء الأزهر، وأخيراً عام 1952 عُيِّن إماماً لمشيخة الأزهر، فقام به خير قيام، وهو آخر عالم تولى الأزهر بترشيح العلماء.
توفي عام 1377 هـ ودفن بالمقبرة التيمورية.

خلف آثاراًكثيرة منها: رسائل الإصلاح، ومحاضرات إسلامية، ونقض كتاب الشعر الجاهلي، ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وغير ذلك.
وله ديوان شعر اسمه ((خواطر الحياة))، وله كتاب ((الحرية في الإسلام)) وهو الكتاب الذي بين أيدينا نقولٌ منه.
وقد كتبه مبيناً مفهوم الحرية الحقة، موضحاً قسوة الاستبداد خصوصاً في وقته حيث كان الاستعمار محكماً قبضته على كثير من البلدان العربية الإسلامية.
ولا تكاد تظفر بكتاب مثله في هذا الباب من جهة قوة التحرير، وشدة الأسر، وجزالة الأسلوب.
هذه نبذة عن سيرته، وتفصيل سيرته موجود في الكتب التي ترجمت له، ومنها كتاب:

((الصداقة بين العلماء)) لكاتب هذه الأوراق


((نقولات من كتاب الحرية في الإسلام)):

1_ وإذا علمت نفسٌ طاب عنصرها، وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية، وحياة وراء حياتها الطبيعية _ لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها، وكساء يسترها، ومسكن تأوي إليه.
بل لا تستفيق جهدها، ويطمئن بها قرارها إلا إذا بلغت مجداً شامخاً يصعد بها إلى أن تختلط بكواكب الجوزاء. ص10

2_ يقوم فسطاط الحرية على قاعدتين عظيمتين هما: المشورة، والمساواة؛ فبالمشورة تتميز الحقوق، وبالمساواة ينتظم إجراؤها، ويطرد نفاذها.
وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام سمكها، وسواها. ص 18

3_ وهكذا ما ساد الأدب، وانتشرت الفضيلة بين أمة إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من عند أنفسهم، والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة، والموعظة الحسنة، فيخفت ضجيج الضارعين، وصخب المبطلين، ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيساً. ص20

4_ أذن الله له صلى الله عليه وسلم بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييباً لنفوس أصحابه، وتقريراً لسنة المشاورة للأمة من بعده. ص21

5_ وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من العلم بقوانين الشريعة، والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا تطاولها سماء. (1)
ومع هذا لا يبرم حكماً في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة.
وإذا نَقَل له أحدُهم نصاً صريحاً ينطبق على الحادثة قال: (( الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا )). ص21

6_ لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية.
وأما المشاركة في الرأي وحدها _ ولا سيما رأي من لا يطاع _ فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد. ص25

7_ وأهم فوائد المشورة تخليص الحق من احتمالات الآراء.
وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى، قال بعضهم:
إذا عنّ أمر فاستشر فيه صاحباً         
وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني  رأيت العين  تجهل نفسها         
وتدرك ما قد حلَّ  في موضع الشهب

وقال آخر:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر         
فالحق   لا    يخفى    على    الآثنين
والمرءُ    مرآةٌ   تريهِ    وجهه          
ويرى     قفاه       بجمع      مرآتين

وقال آخر:
الرأي   كالليل   مسوداً   جوانبه        
والليل   لا     ينجلي     إلا    بمصباح
فاضمم مصابيحَ آراءِ الرجال إلى      
 مصباحِ   رأيك   تزددْ   ضوءَ  مصباحِ

ص25

8_ ومن فوائد الشورى استطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها؛ فإن الرأي يمثِّل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآةُ صورةَ شخصه إذا استقبلها. ص26

9_ الحرية في الأموال هي إطلاق التصرف لأصحابها يذهبون في اكتسابها، والتمتع بها على الطريق الوسط دون أن تلم بها فاجعة الاغتصاب، أو تخطفها خائنة كيد واحتيال.ص31

10_ فلا حرج في جمع الدنيا من الوجوه المباحة ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل.
وقد ذكر الله _تعالى _ التجارة في معرض الحط من شأنها حيث شغلت عن طاعة في قوله _ تعالى _: {
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }. الجمعة: 11
ولما رجعوا عن صنيعهم، وأخذوا بأدب الشريعة في إيثار الواجبات الدينية، وعدم الانقطاع عنها إلى الاشتغال بالتجارة ونحوها _ ذكرها، ولم يهضم من حقها شيئاً، فقال _ تعالى _: { رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ }. النور: 37
فأثبت لهؤلاء الكُمَّل أنهم تجار وباعة، ولكنهم لم يشتغلوا بضروب منافع التجارة عن فرائض الله، وهذا قول المحققين في الآية. ص32

11_ بيد أن الشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه حال عمله مطوياً على سراج من التوكل والتفويض؛ فإن اعتماد القلب على قدرة الله وكرمه يستأصل جراثيم اليأس، ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها. ص33

12_ لم تغادر الشريعة صغيرة ولا كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها، وعلقت عليها حكماً عادلاً. 34

13_ كما أذن الإسلام في اكتساب الأموال، واستثمار أرباحها من وجوهها المعتدلة أذن في الاستمتاع بها، وترويح الخاطر بنعيمها؛ شريطة الاقتصاد. 37

14_ وأما الآيات الواردة في سياق التزهيد، والحط من متاع الحياة الدنيا فلا يقصد منها ترغيب الإنسان؛ ليعيش مجانباً للزينة، ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق.
وإنما يقصد منها _ فيما نفهمه _ حكم أخرى كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، ومَنْ قَصُرَتْ أيديهم عن تناولها؛ لئلا تضيق صدورُهم على آثارها أسفاً.
ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاعُ ما في طبيعتها من الشَّرَهِ، والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.
فاستصغارُ متاع الدنيا، وتحقيرُ لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِرُ بهممهم عن جعلها قبلةً يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا.
وقد بين لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذِّ الحياة، ولم يَصْحُ فؤاده عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي، أوتناسى من أين تؤتى المكارم، والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتهم السافلة. 38

15_ وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة، والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه، أو في حال وجوده _ فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس، وتدريبها على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون كلفة؛ فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا مؤاخذة. ص39

16_ ولا ننسى أن كثيراً من الشعراء قد طغى بهم الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديح الخمر صفات الجمال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال؛ فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون. ص41

17_ فالإسلام _ وإن عني بتزكية الأرواح، وترقيتها في مراقي الفلاح _ لم يبخس الحواس حقها، وقضى لبانتها من الزينة، واللذة بالقسطاس المستقيم. ص41

18_ وروي أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتاً يمتدحه بها، فلما انتهى عند قوله:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلاً        بالدين والناس  بالدنيا   مشاغيل
قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزاً في محراب، وبيدها سبحة! !
أعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:
فلا هو  في   الدنيا   مُضِيعٌ  نصيبَه        ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

ص41

19_ هذا الباعث _حب المال_ يقذفه الله في نفوس قوم، فيدعوهم إلى تسوية طرائق العمران، وتشييد أركانه، ويسلكه في قلوب آخرين فيترامى بهم إلى بث الفساد على وجه البسيطة، وإثارة غبار التوحش في أرجائها. ص43

20_ حب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجلِ الرأفةَ ويجعل مكانها القسوة والفظاظة، حتى إذا أظلم الأفق، واسودّ جناح الليل(2) تأبط خنجراً، أو تقلد سيفاً، وذهب يخطو خطاً خفافاً؛ ليأتي البيوت من ظهورها، ويمد بسبب إلى أمتعتها، فإذا دافعه صاحبها أذاقه طعم المنون، وانصرف ثملاً بلذة الانتصار. ص43 _ 44

21_ ولهذا افتقرت داعية حب المال إلى وازع يسدد طيشها، ويكسر من كعوبها إلى أن تستقيم قناتها. (3)

والوازع ما ورد في مجمل الشريعة ومُفصَّلها من الأصول القابضة على أيدي الهداجين حول اختلاسها، والعاملين على اغتصابها، أو التصرف فيها بغير ما يأذن به صاحبها. ص44

22_ الرشوة أخت السرقة، وابنة عم الاغتصاب، وإن شئت فقل: تزوج الاغتصاب بالسرقة، فتولدت بينهما الرشوة؛ لأنها عبارة عن أخذ مال معصوم خفية، ولكنه بسلطة على حين علم من صاحبه. ص45

23_ ولما كانت الرشوة عقبة كؤوداً في سبيل الحرية _ أخذت الشريعة في تحريمها بالتي هي أحوط؛ فلا يسوغ للقاضي قبول الهدية إلا من خواص قرابته؛ لئلا تزل به مدرجاتها إلى أكل الرشوة، أو يتخذ اسم الهدية غطاءًا للرشوة يسترها به عن أعين المراقبين لأحواله السرية. ص45

24_ فمن تحيز عن أمته، وطفق يرمي في وجوههم بعبارات الازدراء، وينفث في كأس حياتهم سُمَّاً ناقعاً _ لا نَصِفُه بصفة الغيرة، والوطنية، وإن شُغِفَ بحب ديارهم، وقبَّلها جداراً بعد جدار. (4) ص49

25_ يريد كل امرئ أومضت فيه بارقةٌ من العقل أن يكون عِرْضُه محلَّ التمجيدِ والثناء، وحرماً مصوناً لا يرتع حوله اللامزون.

وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقاً من ماله في حل عقال ألسنة؛ لتكسوه من نسج آدابها حلة المديح، أو يسد بها أفواهاً يخشى أن تصب عليه مرائر أحدوثتها علقماً، قال أحدهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه         لا بارك الله بعد العرض بالمال
وقد تتقوى هذه الداعية فتبلغ به أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، يقول أبو الطيب المتنبي:
يهون علينا أن تصاب جسومنا        وتسلم    أعراض   لنا وعقول
ولا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجادة، أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة إلا بمقدار ما تجد بينهم من التفاوت في عقد هذه الإرادة قوة وانحلالاً؛ فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا في مظاهر الإنسانية مطبوعاً على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء الإنسانية إلى أن يكون حيواناً مهملاً. ص53

26_ لا يحق للطاعن أن يتخطى المصائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان. ص54

27_ في قوله _ تعالى _: {
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ } الحجرات 12.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهو من باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه؛ فإذا قبح من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى؛ فالمذام التي تلتصق بالشخص خُفْيَةً لا يسوغ لآخر تَكَشَّف عليها أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها. 54

28_ ولما تجاسر كثير من أهل الأهواء على اختلاق أحاديث يفترونها كذباً، ويسندونها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤيدوا بها مزاعمهم، أو يقضوا بها حاجة في نفوسهم _ قام العلماء بحق الوراثة المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وأخذوا في نقد ما يروى من الأحاديث؛ حتى يتميز الخبيثُ من الطيب، والصحيح من غير الصحيح؛ فاحتاجوا إلى التعرض لحالة الرواة، وإذا علموا من أحد سوءاً بادروا إلى الجهر به، وتعيين اسمه؛ ليحذِّروا الناس، ولا يتلقون روايته بالقبول. ص55

29_ وقد دارت هذه الكلمة _ كلمة الحرية _ على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون عند مكانها، وتمكين الراحة من مصافحتها _ وقوفَ شحيحٍ ضاع في الترب خاتمه. (5) ص16

30_ ينصرف هذا اللقب الشريف _ الحرية _ في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ويشابه معنى العتق الذي هو فك الرقبة من الاسترقاق.

وهو أن تعيش الأمة عيشةً راضية تحت ظل ثابت من الأمن، على قرار مكين من الاطمئنان.
ومن لوازم ذلك أن يعيَّن لكل واحد من أفرادها حدٌّ لا يتجاوزه، وُتَقَّرَر له حقوق لا تعوقه عن استيفائها يدٌ غالبة؛ فإن في تعدي الإنسانِ الحدَّ الذي قضت عليه أصولُ الاجتماع بالوقوف عنه _ ضرباً من الإفراط.
ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من التمتع بحقوقه؛ ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائلِ، والحريةُ وسطٌ بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل. ص16

31_ ومن كشف عن حقيقتها _ يعني الحرية _ المفصِّلةِ ستارَ الإجمالِ أَشْرَفَ على أربع خصال مندمجة في ضمنها:

أحدها: معرفة الإنسان ماله وما عليه؛ فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية، ونواميسها لا يبرح في مضيق الحجر مقيد السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء بها خبرة، ويقتلها علماً؛ إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفساداً.
ولا يخالط الضمائر من هذا أن الحرية مقصورة على علماء الأمة العارفين بواجباتها؛ إذ للأميين منها مَخْلَصٌ فسيحٌ، وهو باب الاستفتاء، والاسترشاد، قال _ تعالى _: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } النحل: 42.
ثانيها: شرفُ نفس يزكي طويَّتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها؛ فلا ترمي بهمتها إلا في مواضع تشير إليه العفة ببنانها.
ثالثها: إذعانٌ يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف، ويستنزله ريثما تَحَرَّرُ ذمتُه من المطالب التي توجه إليها باستحقاق.
رابعها: عزة جانب، وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة للباطل، ويدفع بها في قوةٍ من يسوم عنقه بسوء الضيم والاضطهاد.
ولا يقيم على ضيم يراد به               إلا الأذلان عيرُ الحيِّ والوتدُ
نستنتج من هذا البيان أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية والتعليم؛ فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام أن تسعى جهدها في تهذيب أخلاق الأمة، وتنوير عقولها بالتعليمات الصحيحة قبل كل حساب. ص17

32_ قال _تعالى _: {
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } البقرة 179.
لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء، ونهب الأعمار؛ موافقة لداعية الهوى والضغائن الواغرة في الصدور؛ فيكون سبباً لحياة نفسين في هذه الناشئة، ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحياناً؛ فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت القبيلة ذات شوكة وحمية لا ترضى إلا أن تقتل في مقابل العبد حراً، والمرأة رجلاً، وربما قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس؛ فإذا كان القصاص مقصوراً على القاتل فاز الباقون بالحرية في حياتهم، واطمأنوا بها. ص59

33_ وشرع الإسلام الدية على القاتل؛ تخفيفاً ورحمة، وأقامها مقام القصاص إذا رضي بها أولياء القتيل، وآثروها على الأخذ بالثأر؛ فقد تكون الدية أصلح لهم من القصاص، وأجدى نفعاً، زيادة عما فيها من بقاء نفس مسلمة تتناسل ذريتها في الإسلام. ص60

34_ لا يحل دم امرئ إلا لأسباب تكون الفتنة فيها أشد من القتل مثل الزنا من المحصن؛ فإن الزاني يبذر نطفته على وجه تجعل النسمة المُخَلَّقة منها مقطوعةً عن النسب إلى الآباء، والنسبُ معدودٌ من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد؛ فكان السِّفاح سبباً لوجود الولد عارياً من العواطف التي تربطه بأولى قربى يأخذون بساعده إذا زلت به نَعْلُه، ويتقوى به اعتصابهم عند الحاجة إليه.

وفيه جناية عليه، وتعريض به لأن يعيش وضيعاً بين الأمة، مدحوراً من كل جانب؛ فإن الناس يستخِّفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له في الهيئة الاجتماعية اعتباراً.
ثم إن الغيرة التي طبعت في الإنسان على محارمه، والحرج الذي يملأ صدره عند مزاحمته على موطوءته مظنةٌ لوقوع المقاتلات، وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج، وذوي القرابة من العار الفظيع، والفضيحة الكبرى؛ فاقتضى هذا الفاسد الناقض للعمران أن يُفْرَضَ له حدٌّ وجيعٌ وهو الرجم إن كان ثيباً، وهذا من الحدود المتوارثة في الشرائع السماوية كالقصاص والقطع في السرقة، وأما إن كان بكراً فيجلد مائة جلدة. ص 61 _ 62

35_ وشدد الإسلام العقوبة على من ارتد عن الدين بعد أن لبس هديه القويم؛ فأمر بدعوته إلى الإنابة والتوبة، فإن رجع وإلا ضرب بالسيف على عنقه. ص65

36_ وإنما جُبِرَ المرتدُّ على البقاء في الإسلام؛ حذراً من تفرق الوحدة، واختلال النظام؛ فلو خُلِّي السبيل للذين ينبذون الدين جهرة _ ونحن لا نعلم مقدار من يريد الله أن يضله _ نخشى من انحلال الجامعة، وضعف الحامية.

وأهل الردة _ وإن أصبحوا كاليد الشلاء لا تعمل في الجامعة خيراً _ لا يخلوا بقاؤهم في شمل المسلمين _ وهم في صورة أعضاء صحيحة _ من إرهاب يلقيه كثرة السواد في قلوب المحاربين. ص65

37_ ثم إن لكل أمة سرائرَ من حيث الدولة لا ينبغي لها أن تطلع عليها غير أوليائها.

ومن كان متلبساً بصفة الإسلام شأنُهُ الخبرةُ بأحوال المسلمين، والمعرفة بدواخلهم؛ فإذا خلع ربقة الدين _ وقد كان بِطانةً لأهله يلقون إليه سرائرهم _ اتخذه المحاربون أكبر مساعد، وأطول يد يمدونها لنيل أغراضهم من المؤمنين.
هذا تأثير أهل الردة على الإسلام من جهة الدولة والسياسة.
وأما تأثيرهم عليه من جهة كونه ديناً قَيَّماً فإن المرتد يحمله المقلدون من المخالفين على معرفته بحال الدين، والخبرة بحقيقته تفصيلاً، فيتلقون منه كلَّ ما ينسبه إليه من خرافات وضيعة، أو عقائد سخيفة يختلقها عليه؛ بقصد إطفاء نوره، وتنفير القلوب منه.
ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته كما يماط الأذى عن الطريق. ص65

38_ وفي جعل عقوبة المرتد إباحةَ دمه زاجرٌ للأمم الأخرى عن الدخول في الدين؛ مشايعةً للدولة، ونفاقاً لأهله، وباعثٌ لهم على التثبت في أمرهم؛ فلا يتقلدونه إلا على بصيرة، وسلطان مبين؛ إذ الداخل في الدين مداجاةً، ومشايعةً يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام، وإقامة شعائره. ص66

39_ وأنت إذا جئت تبحث عن حال من ارتد بعد الإسلام لا تجد سوى طائفتين:

منهم من عانق الدين منافقاً؛ فإذا قضى وطره، أو انقطع أمله انقلب على وجهه خاسراً.
وبعضهم ربي في حجور المسلمين، ولكنه لم يدرس حقائق الدين، ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه؛ ليكون من الموقنين؛ فمتى سنحت له شبهة من الباطل _ تزلزلت عقيدته، وأصبح في ريبه متردداً.
وارجع بصرك إلى التاريخ كرتين؛ فإنك لا تعثر على خبر ارتداد مسلم نبت في بلد طيب نباتاً حسناً. 66

40_ لا يخفى على متشرع بصير أن الملك والدين إخوان يشد كل منهما بعضد الآخر.

بل الدين رائد للمُلك، والملك تابعٌ للدين خادم له، وإن شئت فقل: هما كمثل إنسان: الدين عقله المدبر، والملك جسمه المُسَخَّر له، وذلك الإنسان هو ما نسميه الآن بالإسلام.
فبمقدار ما ترتبط الإدارة السياسية بالإدارة الدينية يكمل شبابه، وتجري روح الاستقامة في أعضائه، فتصدر أعماله قرينةَ الحكمة، سالمةً من العيوب.
ومتى انفكت أولاهما عن أخراهما انحلت حُِبْوته، وتناثرت أجزاؤه تناثرَ خَرَزِ مِكْوَرِةٍ على سطح محدَّب. ص67

41_ فمن صعَّد نظره في عصر الخلفاء الراشدين يجد السبب الذي ارتقى بالإسلام، وانسجم به في سبيل المدنية _ هو ما انعقد بين الدين والخلافة من الاتحاد والوفاق.

ومن ضرب بنظره فيما يشاء من الدول التي حمي فيها وطيس الاستبداد يجد المحرك لتلك الريح السموم، والعِثْير المشوم _ ما اعترض بين هاتين السلطتين من الاختلاف. ص67

42_ كان موضع العناية، ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء، ومن حذا حذوهم كعمر ابن عبد العزيز _ هو خدمة الدين، الذي هو خادم للعدالة، التي هي خادمة للصلاح، قال الشيخ قبادو التونسي:

وما الجاه  إلا  خادم الملك    لائذاً                 
وما الملك إلا خادم الشرع حزمه
وما الشرع إلا خادم الحق مرشداً                 
وبالحق قام الكون وانزاح  ظلمه

ص67

43_ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف،وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكقول عمر بن الخطاب: (( أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة )).

وكانوا يوسِّعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة، والتعريض بخطأ الاجتهاد وإن كانت حادةَ اللهجة، قارصةَ العبارة. ص68

44_ ثم خلف من بعد أولئك خَلْف عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتِهم العريضةَ، وألفوا بلاط الملك فسيح الأرجاء، بعيدَ ما بين المناكب.

ولكنه لا يسعفهم على أغراضهم، وتتبع خطواتهم مادامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا منافس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروباً من الخسف، وأفانين من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى، وإذا سمعوا منادياً ينادي؛ ليحق الحق، ويبطل الباطل كلَّموه بألسنة السيوف. ص69

45_ 
ولما أبق الملك من حضانة الدين، وخفقت عليه رايةُ الاستبداد خالط الأفئدة رعبٌ و أوجال كأنما مُزِجت بطينتها؛ فبعد أن كان راعي الغنم يفِدُ من البادية، وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير المؤمنين بـ: يا أبا بكر، ويا عمر، ويا عثمان، ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش، وطلاقة لسان، وسكينة في الأعضاء _ أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج فينتفض فؤاده رعباً، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصتُه وجلاً؛ يخشى أن يكون فريسة لبوادر الاستبداد. ص69

46_ إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين تثق بكفاءتهم وعدالتهم إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها. ص71

47_ والأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية إنما تؤوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في القليل، قال صاحب لامية العرب:

ولكن نفساً حرة لا تقيم بي               على الذل إلا ريثما أتحول
فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم.
وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة؛ فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة قهرها، وذلك جزاء الظالمين. ص71

48_ ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة.

فمن في كفه منهم قناةٌ             كمن في كفه منهم خضابُ
فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألَّفت منهم كتيبةً عجزوا عن سد ثغورها، وشُلَّت أيديهم من قبل أن يشدوا بعضدها. ص71

49_ وإذا أردت مثلاً يثبت فؤادك، ويؤيد شهادة العيان فاعتبر بما قصه الله _ تعالى _ عن قوم موسى _ عليه السلام _ لما أمرهم بالدخول للأرض المقدسة، ومِلْكِها كيف قعد بهم الخوف عن الطاعة، والامتثال، وقالوا: {
إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا } المائدة 22.
فمتى جئت تسأل عن الأمر الذي طبع في قلوبهم الجبن، وتطوَّح بهم في العصيان، والمنازعة إلى قولهم: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } المائدة24.
وجدْتَه خلف الانقياد المتمكن في نفوسهم من يوم كانت الأقباط ماسكة بنواصيهم، وتذيقهم من سوء الاستعباد عذاباً أليماً. 72

50_ والأمَّة مفتقرة إلى الكاتب، والشاعر، والخطيب.

والاستبداد يعقد ألسنتهم على ما في طيِّها من الفصاحة، وينفث فيها لُكْنَةً، وعِيَّاً، فتلتحق لغتهم بأصوات الحيوانات ولا يكادون يفقهون قولاً. 72

51_ وإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت بأشعتها في كل وادٍ _ اتسعت آمالهم وكبرت هممهم، وتربت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة.

ومن لوازمها اتساع دائرة المعارف بينهم، فتنفتق القرائح فهماً، وترتوي العقول علماً، وتأخذ الأنظار فسحة ترمي فيها إلى غايات بعيدة، فتصير دوائر الحكومة مشحونة برجال يعرفون وجوه مصالحها الحقيقية، ولا يتحرفون عن طرق سياستها العادلة. 72

52_ والحرية تؤسس في النفوس مبادئ العزة والشهامة، فإذا نظَّمت الحكومة منهم جنداً استماتوا تحت رايتها مدافعة لا يرون القتل سُبَّةً إذا ما رآه الناكسو رؤوسهم تحت راية الاستبداد. 72 _ 73

53_ ثم إن الحرية تعلم اللسان بياناً، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق الأدب الرفيع، وتتنوَّر المجامع بفنون الفصاحة، وآيات البلاغة؛ هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك العواطف، ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتبٌ، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة الدولة. 73

54_ ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرةً أفواهها بفن المديح والإطراء، وإنما ترشح به رشحاً؛ وتمسح به مسحاً لا يضطهد من فضيلة الحرية فتيلاً.

وما انْفَلَّتْ وكاؤها، وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد. 73

55_ ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى لم يواجه الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: مالي وللشعر، وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل.

انتجعه جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها، وقال له: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقَّاً.
وعندما استوفاها واصله بشيء من حُرِّ ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عنه لراضٍ، ثم أنشد يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه           وقد كان شيطاني من الجن راقياً
ص73

56_ ومن مآثر الاستعباد ما تتجشَّأ به اللُّها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة، وتدثر صغاراً نحو <مُقَبِّل أعتابكم> <المتشرف بخدمتكم> <عبد نعمتكم> ولا إخال أحداً يصغي إلى قول أحد كبراء الشعراء:

وما أنا إلا عبد  نعمتك  التي      نسبت إليها دون أهلي ومعشري
إلا ويمثِّل في مرآة فكره شخصاً ضئيلاً يحمل في صدره قلباً يوشك أن ينوء بحمله بما فيه من الطمع والمسكنة. ص74

57_ ومن سوء عاقبة الخضوع في المقال أن يوسم الرجل بلقب وضيع ينحته الناس من بعض أقوالٍ له أفرغ فيها كثبةً من التذلل، وبذلِ الهمة، كما سموا رجلاً باسم << عائد الكلب >> لقوله:

إني مرضت فلم يعدني واحد       منكم ويمرض كلبكم فأعود
ص74

58_ ولا نجهل أن بعض من سلك هذا المسلك من التملق والمديح اتخذه سلماً؛ ليظفر بحق ثابت، ولكنه لا ينافي الغرض الذي نرمي إليه من أن الحقوق في دولة الحرية تؤخذ بصفة الاستحقاق، وفي دولة الاستبداد لا تطالب إلا بصفة الاستعطاف؛ وذلك الوزر الذي يحبط بفضل العزة التي نبهنا الله عليها، وأرشد من يريدها إلى أنها تطلب بالطاعة من الكلم الطيب، والعمل الصالح فقال _ تعالى _:

{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } فاطر10. ص74

__________________________________________
(1) _ هذا تضمين لبيت البوصيري:
         كيف   ترقى    رقيك     الأنبياء           
يا سماء   ما طاولتها   سماء
والشيخ محمد الخضر رحمه الله من أرباب البيان، خصوصاً في باب الاقتباس و التضمين؛ فهو فارس لا يشق له غبار في هذا الميدان، وسترى نماذج لذلك فيما سيأتي.
(2) _ هذا تضمين من المؤلف رحمه الله لقول عمر بن أبي ربيعة:
        إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن         
خطاك خفافاً إن حراسنا  أسدا
(3) _ هذا تضمين للشاهد النحوي في باب نصب المضارع:
        وكنت    إذا  غمزت   قناة   قوم         
كسرت    كعوبها   أو تستقيما
(4) _ هذا تضمين لقول الشاعر:
أمر    على      الديار    ديار     ليلى          
وما حبُّ   الديار  شغفن   قلبي
أقبل    ذا    الجدار    وذا      الجدارا           
ولكن  حب  من   سكن  الديارا
ولو تتبع أحد هذا الفن _ أعني الاقتباس والتضمين _ في مؤلفات الشيخ رحمه الله لخرج بمادة علمية كبيرة.
(5) _ هذا تضمين لقول أبي الطيب المتنبي:
      بَلَيْتُ بِلِى الأطلال إن لم أقف بها          
وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه


المصدر : المنتقى من بطون الكتب المجوعة الأولى للشيخ الدكتور محمد بن إبراهيم الحمد حفظه الله تعالى.

الأربعاء، 2 ديسمبر، 2015

الحاجب المنصور ابن أبي عامر يجهز الجيوش لأجل أسيرة مسلمة !



يذكر المقري قصة عجيبة في افتكاك أسيرة  مسلمة عند النصارى :
في ذلك أن أحد رسله كان كثير الإنتياب لذلك الجناب فسار في بعض مسيراته صاحب البشكنس , فوالى في إكرامه وتناهى في بره واحترامه.
فطالت مدته : فلا متنزه إلا مر عليه متفرجا , ولا منزل إلا سار عليه معرجا , فحل في ذلك أكثر الكنائس هنالك .
فبينا هو يجول في ساحتها ويجيل العين في مساحتها إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر, قويمة على طول الكسر , فكلمته وعرفته بنفسها وأعلمته.
وقالت له :
أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسها , ويتمتع بلبوس العافية , وقد نضت لبوسها , وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة , وبكل ذل وصغار ملبسة , وناشدته الله في إنهاء قصتها , وإبراء غصتها , واستحلفته بأغلظ الأيمان وأخذت عليه في ذلك اوكد مواثيق الرحمن .
فلما وصل إلى المنصور عرفه بما يجب تعريفه به وإعلامه وهو مصغ إليه حتى تم كلامه فلما فرغ …
قال له المنصور : هل وقفت هناك على أمر أنكرته , أم لم تقف على غير ما ذكرته ؟
فأعلمه بقصة المراة وما خرجت عنه إليه وبالمواثيق التي أخذت عليه .
فعتبه ولامه على أن لم يبدأ بها كلامه , ثم أخذ للجهاد من فوره , وعرض من من الأجناد في نجده وغوره  , وأصبح غازيا على سرجه , مباهيا مروان يوم مرجه  .
حتى وافى ابن شانجة في جمعه .
فأخذت مهابته ببصره وسمعه فبادر بالكتاب إليه : يتعرف ما الجلية ويحلف له بأعظم ألية أنه ما جنى ذنبا , ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبا .
فعنف أرساله , وقال لهم (المنصور) :
كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورة , وما مأسور ولو حملته في حواصلها النسور , وقد بلغني بعد بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة , ووالله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها ….
فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها , وأقسم أنه ما أبصرهن , ولا سمع بهن  .
وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها فد بالغ في هدمها , تحقيقا لقوله وتضرع إليه في الأخذ فيه بطوله .
فاستحيا منه وصرف الجيش عنه ,  وأوصل المرأة إلى نفسه , وألحف توحشها بأنسه وغير من حالها , وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها , وحملها الى قومها , وكحلها بما كان شرد من نومها .

________________________________________

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للعلامة المقري 1- 403-404






الحاجب المنصور ابن أبي عامر:

http://alhmdani897.blogspot.com/2013/09/blog-post_15.html

الثلاثاء، 1 ديسمبر، 2015

الملك المؤيد المنصور غياث الدين بلبن سلطان الهند




الملك المؤيد المنصور غياث الدين بلبن السلطان الصالح كان من الأتراك الفراخطائية، جلب في صغر سنه إلى بغداد فاشتراه الشيخ جال الدين البصري سنة ثلاثين وستمائة وأتى به إلى الهند، فاشترى منه السلطان شمس الدين الإيلتمش فرباه في مهد السلطنة وزوجه بابنته، فتدرج إلى الإمارة وجعل أمير شكار في عهد رضية بنت الإيلتمش ومير آخور في عهد بهرام شاه وأمير حاجب في عهد علاء الدين مسعود سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ونال الوزارة الجليلة في عهد ناصر الدين محمود بن الإيلتمش في سنة أربع وأربعين وستمائة فاستقل بها عشرين سنة، ولما مات محمود سنة أربع وستين وستمائة قام بالملك واستقل به عشرين سنة أخرى.


وكان من خيار السلاطين عادلاً فاضلاً حليماً كريماً، بذل جهده في تعمير البلاد وسد الثغور ورفع المظالم والإحسان إلى كافة الخلق، وكان في ذلك على قدم السلطان شمس الدين الإيلتمش، وكان محباً لأهل العلم محسناً إليهم، يتردد في كل أسبوع بعد صلاة الجمعة إلى بيوت الشيخ برهان الدين البلخي، والشيخ سراج الدين السجزي، والشيخ نجم الدين الدمشقي فيحظى بصحبتهم، ويتردد إلى مقابر الأولياء فيزورها، ويتردد إلى مجالس التذكير ويقعد بها كآحاد من الناس، ويداوم على الصلاة بالجماعة والصيام فرضاً كان أو نافلة، ويداوم على صلاة الإشراق والضحى والتهجد، وكان لا يداهن في العدل والقضاء ولا يسامح أحداً ولو كان من ذوي قرابته.


قال الشيخ محمد بن بطوطة المغربي الرحالة في كتابه: إنه بنى داراً وسماها دار الأمن فمن دخلها من أهل الديون قضى دينه، ومن دخلها خائفاً أمن، ومن دخلها وقد قتل أحداً أرضى عنه أولياء المقتول، ومن دخلها من ذوي الجنايات أرضى من يطلبه، وبتلك الدار دفن- انتهى، وكلت وفاته سنة ست وثمانين وستمائة بدار الملك دهلي.
____________________________________________________
 نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر 1/ 332-333-334
المؤلف : عبد الحي الحسني

الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش



الملك المؤيد المظفر شمس الدين الإيلتمش بن ايلم خان الألبري التركماني السلطان الصالح، جلب في صغر سنه إلى بخارا فاشتراه الحاج البخاري ثم اشترى منه الحاج جمال الدين جست قبا فسار به إلى غزنة ثم إلى دهلي فاشتراه الأمير قطب الدين أيبك ورباه في مهد السلطنة وأقطعه كواليار بعد تسخيرها ثم اقطعه بدايون وما والاها من البلاد وأمره على عساكره وزوجه بابنته.
فلما توفي قطب الدين اتفق الناس عليه فقام بالملك بعده، وسار إلى أرض أزيسه بعساكره وقاتل صاحبها قتالاً شديداً ثم صالحه على مال يؤديه عاجلاً وآجلاً، وسار إلى بنكاله سنة اثنتين وعشرين وستمائة وانتزعها من يد السلطان غياث الدين الخلجي وأقام له الخطبة والسكة بها وأمر عليه ولده ناصر الدين محموداً ورجع بثمان وثلاثين فيلاً وثمانين ألف تنكه، وسار إلى قلعة رنتهبور سنة ثلاث وعشرين وستمائة وكانت حصينة متينة فحاصرها وضيق على أهلها واشتد القتال حتى ملكها، وسار إلى قلعة مندو سنة أربع وعشرينوستمائة فملكها أيضاً وملك ما والاها من البلاد.

ثم سار إلى بنكاله مرة ثانية سنة سبع وعشرين وستمائة، وكان سبب ذلك أن ولده ناصر الدين محموداً توفي بها فثار المفسدون من كل ناحية من نواحيها فسار إليها بعساكره وأصلح الفاسد وأمر عليها علاء الدين، أحد خواصه، وسار في سنة تسع وعشرين إلى كواليار لأن كفار الهند ملكوها مرة ثانية فحاصرها وأدام الحصار عليها إلى سنة وضيق على أهلها فخرج صاحبها ديوبيل من القلعة وانحاز إلى ناحية فدخل الإيلتمش القلعة وقتل وأسر ثم رجع إلى دهلي، وسار في سنة إحدى وثلاثين إلى مالوه وحاصر قلعة بهلسه فملكها وهدم كنيستها مهاكال التي كانت تقارب سومنات في الرفعة والمكانة وأخرج تمثال بكرماجيت، عظيم الهنود وتماثيل الملوك الأخر من تلك الكنيسة وألقاها على عتبة الجامع الكبير بمدينة دهلي.

وكان عادلاً صالحاً فاضلاً، ومن مآثره أنه اشتد في رد المظالم وإنصاف المظلومين وأمر أن يلبس كل مظلوم ثوباً مصبوغاً، وأهل الهند جميعاً يلبسون البياض فكان متى قعد للناس أو ركب فرأى أحداً عليه ثوب مصبوغ نظر في قضيته وإنصافه ممن ظلمه، ثم إنه أعيى في ذلك فقال: إن بعض الناس تجري عليهم المظالم بالليل وأريد تعجيل إنصافهم، فجعل على باب قصره أسدين مصورين من الرخام موضوعين على برجين هنالك وفي أعناقهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، فكان المظلوم يأتي ليلاً فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره للحين وينصفه- صرح به ابن بطوطة في كتابه، وكانت وفاته سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.

_________________________________________________
 نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر 1/ 285-286-287-288
المؤلف : عبد الحي الحسني 

الأحد، 29 نوفمبر، 2015

إعجاب الشيخ الرحالة الداعية عبدالرشيد إبراهيم رحمة الله تعالى باليابان وأهلها:



مر على اليابان ، وأعجب بها أيما إعجاب ، بنظافتها ، وأخلاق أهلها وأدبهم ، وحسن استقبالهم للضيف ، وصراحتهم وعدم خديعتهم ، والنظام الذي يسود حياتهم ، وأهم من ذلك كله استعدادهم الكبير للإسلام ، وقد استقر ذلك في نفسه بعد مقابلات عديدة لأمراء ووزراء وكبراء ، وهذا الداعية العجيب لم يهدأ في رحلته اليابانية ، فقد زار المرافق والسجون والبرلمان ، وزار الجامعات والمدارس والمراكز التجارية والبريد والأسواق والجمعيات ، واطّلع على علوم اليابانيين وحرفهم وطرائق عيشهم وزار الناس على مختلف طبقاتهم ، وكان يجلس إليهم ، ويتحدث الساعات الطويلة معهم ، ويقبل دعوتهم ، وهذا شأن الداعية الذي يريد أن يؤثر في العقول والقلوب ، وقد حسّن إليهم الإسلام بذكر محاسنه وفضائله ، وكان لكل ذلك أثره فيما بعد ، وقد أسلم عدد يسير من اليابانيين في هذه الرحلة الأولى ، وتعلم بهمته من اللغة في وقت يسير ما استطاع بها أن يتفاهم مع القوم هناك . 

ثم غادر اليابان وفي عزمه الرجوع إليها ، وعاد بعد مدة ليقيم فيها إقامة طويلة وليتوفى فيها سنة 1364 هـ/1944م يرحمه الله تعالى عن عمر يناهز قرابة مائة سنة ، وكان من آثار عمله أن اعترفت اليابان بالدين الإسلامي ، وأُنشئت عدة مساجد فيها ، وأسلم عدد من أهلها . 

وكان له فيها قصة جليلة طويلة أحيل من يريد معرفتها إلى مذكراته يرحمه الله تعالى لكني أجتزئ هذا النص الجليل من ترجمة الأستاذ الدكتور "محمد رجب البيومي" له حيث قال : " إذا ذهب مصلٍّ إلى مسجد الإسلام بطوكيو عجب حين يرى الرجل الأسطورة في الخامسة والتسعين من عمره ينهض قبل شروق الفجر فيقيم صلاة التهجد ، ثم يؤم الناس في صلاة الصبح ، ولا يكاد يفرغ من تسبيحه حتى يتحلق عليه جماعة من حوارييه ليشرح لهم سور القرآن وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا أشرقت الشمس انتقل إلى حجرة الدراسة الملحقة بالمسجد ليجد نفراً من صبيان المسلمين يستقبلونه فيقوم لهم بدور المعلم ، يكتب لهذا لوحه ، ويسمع من ذلك سورته ، ثم لا يستنكف أن يكون في هذه السن المتقدمة ، وبعد هذا الجهاد المتواصل معلم صبيان تُقرأ على يديه مبادئ اللغة العربية ويُحفظ الناشئة قصار السور من جزء عم ، وبعض المأثور من حديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، وهو من كبار زعماء الإسلام في ثلاثة أجيال ناهزت القرن ".


الشيخ محمد بن موسى الشريف
موقع التاريخ

للمزيد عن داعية الإسلام في آسيا ( عبد الرشيد إبراهيم رحمة الله تعالى )


أول مواجهة لليابانيين مع الإسلام والمسلمين ورأيهم في المنصرين الصليبيين:

داعية الإسلام في آسيا ( عبد الرشيد إبراهيم رحمة الله تعالى ) في الصين



كتب أحد القساوسة العاملين في الصين إلى وزارة خارجية بلاده يخبرها أن النصرانية تعاني من جهود عدو يزحف عليها بقوته ، فبعثت وزارة الخارجية تسأل عن هذا العدو ؛ فإذا بالإجابة المفاجئة أنه عبد الرشيد إبراهيم الذي حقق بعض المكاسب في الصين أمام النصرانية الزاحفة .
هذا وقد دار الرجل في الصين ، والتقى ببعض المسلمين فيها ، وكانت له جهود هنالك جيدة ، فرحمه الله وغفر له .


الشيخ محمد بن موسى الشريف
موقع التاريخ

للمزيد عن داعية الإسلام في آسيا ( عبد الرشيد إبراهيم رحمة الله تعالى )

الأربعاء، 25 نوفمبر، 2015

وهكذا صرنا نحارب برقعة شطرنج، بعدما كنا أبطال الدنيا وسادة الأرض!


يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله تعالى :

أما الواقعة التي جئت أحدثكم حديثها فقد وقعت في الأندلس، حين انقسمت الدولة الواحدة دولاً، وترك المسلمون دينهم فتسلط الكفرة عليهم، وصار الإسبان يغزونهم ويقتطعون من ديارهم بعد أن غزوا هم الإسبان وفتحوا بلادهم.

كانت هذه الواقعة أيام ملوك الطوائف (الذين كان يسميهم علماؤنا «الدول المُنقطعة»)، إذ سيّرَ الأذْفونش (ألفونس) ملك الإسبان جيشاً ضخماً يريد أن يهاجم به مملكة الملك الشاعر ابن عبّاد، وكان وزيره هو الوزير الشاعر ابن عمّار (الذي حدثتكم السنة الماضية طرفاً من حديثه فوجّهه إلى قتاله. ولم يكن لمملكة ابن عمار طاقة بالإسبان، فاعتمد ابن عمار على الحيلة. وكان لاعباً بالشطرنج، لا نظير له ولا يقوم له في اللعبة أحد، فصنع رقعة نادرة المثال وتأنق فيها، وجعل قطع اللعب من الأبنوس والصّنْدل والعود الرطب، وحلاّها بالذهب والجواهر، ووضع فيها من عبقرية الفن ما جعلها تحفة.

وكان ملك الإسبان ممن يلعب الشطرنج، فوجّه إليه ابن عمار رسولاً من قِبَل الملك المعتمد للمفاوضة، وحمل معه هذه الرقعة وهذه القطع. وكانت لابن عمار منزلة أدبية ومكانة اجتماعية حملت ملك الإسبان على أن يستقبله ويبالغ في إكرامه ويأمر وجوه دولته بالتردد على خبائه، وتلطف ابن عمار حتى أراه الرقعة والقطع، فلما رآها دُهش لها وجُنّ بها وسأله أن يهبها له، فأبى إلاّ بشرط. قال: وما هو؟ قال: ألعب معك عليها، فإن غلبتني كانت لك، وإن غلبتك كان لي حكمي.

ومثل هذا الشرط لا يجوز بين المسلمين، ولكنه مع كافر، والحرب خدعة. ورشا ابن عمار وزراء الملك الإسباني ووزّع عليهم المال الجمّ والهدايا الثمينة ليساعدوه عند الملك، فما زالوا بالملك يهوّنون عليه الأمر ويقولون: إن غلبته كانت لك رقعة لا نظير لها، وإن غلبك فما عساه يطلب؟ حتى قبل الملك. فقال ابن عمار: اكتب ما اتفقنا عليه واجعل بيني وبينك شهوداً. فكتب الاتفاق وأشْهَدَ عليه.

ولعبا، وكان ابن عمار -كما قلنا- طبقة وحده في الأندلس، لا يقوم له أحد في هذه اللعبة، فغلب الملك غلبةً ظاهرة ليس عليها مطعن. فقال له: ماذا تطلب؟
قال: أطلب أن تأمر جيوشك بالرجوع.
فغضب الملك وقال: هذا ما لا يكون أبداً.
فأقبل وزراؤه الذين رشاهم ابن عمار يكلمونه ويقولون: إنه لا يَجمُل -وأنت ملك الإسبان- أن تنقض عهداً كتبته وأشهدت عليه. وما زالوا به حتى قبل، وردّ الله كيده عن المسلمين بلعبة شطرنج.

وهكذا صرنا نحارب برقعة شطرنج، بعدما كنا أبطال الدنيا وسادة الأرض!

__________________________________________
فصول في الثقافة والأدب(27/28/29)


الوزير الشاعر (ابن عمار) للشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمة الله تعالى http://alhmdani897.blogspot.com/2013/10/blog-post_18.html?m=1 …

السبت، 21 نوفمبر، 2015

في العام 945 هـ/ 1538م سير السلطان "سليمان القانوني" ثلاث جيوش عثمانية في ثلاث حروب مُختلفة وفي نفس الوقت




في العام 
945 هـ/ 1538م  سير السلطان "سليمان القانوني" ثلاث جيوش عثمانية في ثلاث حروب مُختلفة وفي نفس الوقت .. وهي كالتالي:


١- القوات البرية العثمانية بقيادة السلطان سليمان القانوني تتجه لتأديب أمير مولدوفا (راريش) بسبب إمتناعة عن دفع الجزية السنوية .

٢- السلطان سليمان يأمر قائد البحرية العثمانية (خير الدين بربروسا) لمواجهة التحالف الصليبي المقدس الذي دعى له البابا (بولس الثالث) في معركة بروزة الشهيرة (بريفيزا) ، والتي إنتهت بإبادة الأسطول الصليبي خلال خمس ساعات فقط ، وهروب قائدها الشهير (اندريا دوريا).

٣- السلطان سليمان القانوني يأمر والي مصر (سليمان باشا الخادم) بتطهير البحر الأحمر من القوات البرتغالية ، والتقدم لنصرة مسلمي الهند بصفته ( خليفة المسلمين ) ، وذلك بعد رسائل الإستنجاد التي أرسلتها الحكومات الإسلامية في الهند (جوجارت) و (كلكتا) للتصدي لهجمات البرتغاليين.


المصدر:



سليماني القانوني شخصية ظلمت في عصرنا بسبب المسلسلات الهابطة والتي تنقلها القنوات المدمرة والمحاربة لأبطالنا على مر التاريخ , ولا نستغرب من حربهم على عظماء الإسلام فما هم إلى إمتداد لأسيادهم المستشرقين في تشوية سير أعلام المسلمين.

وللسطان مواقف كثيرة تدل على غيرته الإسلامية وحبه للجهاد ونصرة الإسلام والمسلمين منها :-

موقفة الصارم تجاة استيطان اليهود في سيناء 


أشهر القادة في عصر السلطان سليمان القانوني :-

سليمان باشا والي مصر بأمر الخليفة سليماني القانوني يرد عدوان الصليبي البرتغالي

الاخوان خير الدين بربروس وعروج 

طرغول قائد البحرية العثمانية بعد خير الدين بربروس 

الجمعة، 20 نوفمبر، 2015

لماذا عُقد اتفاق السلام الأخير بين اليهود وبين الفلسطينيين، ومن بين كل بلاد العالم هناك يعقد في إحدى مدن الأندلس القديمة في مدريد؟!




فكانت قضية فلسطين شديدة الشبه بالأندلس، وتُرى لماذا عُقد اتفاق السلام الأخير بين اليهود وبين الفلسطينيين، ومن بين كل بلاد العالم هناك يعقد في إحدى مدن الأندلس القديمة في مدريد؟!

كانت مفاوضات السلام تدور في أوسلو وترعاها أمريكا وروسيا وغيرها من البلاد، ومع ذلك أُقيمت في "مدريد" وفي إزالة علامات التعجب أن ذلك كان بسبب أن المفاوضات قامت في سنة 1992 م *، وهي ذكرى سقوط الأندلس، حيث كان قد مر على سقوطها خمسمائة عام.

ففي تلك الأثناء كانت شوارع "مدريد" مكتظة بالاحتفالات والمهرجانات، حيث هزيمة المسلمين وانتصار الصليبيين في هذه الموقعة القديمة منذ خمسمائة عام، وكأنهم يبعثون برسالة مفادها: ها هو التاريخ يتكرر، وها هي أحداث الأندلس تتكرر من جديد في فلسطين، وها هي الانتفاضة التي تحدث في فلسطين تُقتَل كما قُتلت من قبل انتفاضة موسى بن أبي غسّان في غرناطة، ها هو التاريخ يتكرر، لا داعي للحرب ولا داعي للجدال والمحاورات الكثيرة؛ فإن مصيركم هو ما حدث في الأندلس من قبل.


______________________________________________

الخميس، 19 نوفمبر، 2015

من أين أقتبس الغرب هذة الحكيات الجميلة ؟


يفتخر الأوروبيون دائماً على الأمم الأخرى بأنهم أصحاب حضارة عريقة، وهذا ليس ادعاء، فحضارة الغرب تمتد أكثر من ألفي عام، ولهم كما لباقي الأمم حكايات وأساطير وفنون ذاعت شهرتها بين الشعوب فأصبحت جزءاً من التراث الإنساني الكبير.

ولكن الغريب فيهم أنهم حين يقتبسون شيئاً من الأمم الأخرى يهملون ذكر المصدر الذي نهلوا منه حكاياتهم وقصصهم، ويتوهّمون بأنهم وحدهم المبتكرون والمبدعون وكأن الأيام لن تكشف ذلك أبداً.

ولكنّ كتاب التاريخ الكبير سرعان ما يقول الحقيقة، فلا يستطيع أحدٌ أن يدّعي شيئاً ليس له أو ينسب لنفسه قصة لم يكن هو الذي كتبها.

وهكذا اكتشفنا بأن أجمل القصص الشهيرة لديهم كانت في الأصل قصصاً وحكايات عربية معروفة، أخذها هؤلاء فبنوا عليها وحوّروا فيها محاولين أن يجعلوا النص الجديد ملائماً لهم، بعيداً بعض الشيء عن الأصل العربي القديم.

أشهر هذه القصص هي قصة (روبنسون كروزو) وهي حكاية رجل عاش وحيداً في إحدى الجزر النائية، فبنى له بيتاً صغيراً من أغصان الأشجار وصنع زورقاً من أحد الجذوع الكبيرة وعاش بعيداً عن بني البشر، لا يؤنسه أحد غير حيوانات الغابة المتوحشة حيث ألفته تلك الوحوش حتى صار واحداً منها.. يرعى معها وينتقل من مكان إلى آخر من دون أن تفرّ منه أو تخشاه.








أحبّ الناس هذه القصة وأصبح كاتبها (دانيال دي فو) من أشهر الكتّاب في زمانه، ولكن أحداً لم يتساءل: من أين اقتبس الكاتب حكايته المثيرة هذه؟ حتى قرأوا رواية (حي بن يقظان) للفيلسوف العربي الشهير ابن طفيل الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل أن يرى (دانيال دي فو) النور بأكثر من أربعة قرون.

وقصة (حي بن يقظان) تتحدث عن طفل صغير يجد نفسه وحيداً في الغابة ترضعه غزالة برية فيكبر ويشب عن الطوق من دون أن يرى أحداً من بني البشر، فيعيش حياته كما عاشها (روبنسون كروزو) يرعى مع الحيوانات في البراري، يقتات من نبات الأرض ويشرب من مياه العيون والأمطار، ولكن الفرق بين الروايتين هو الفرق عادة بين الأصل والتقليد، فـ(حي بن يقظان) قصة فلسفية وضعها ابن طفيل ليقول: إن الإنسان يستطيع بما وهبه الله من قوة عقلية أن يتوصل إلى معرفة الخالق حتى لو كان وحيداً في غابة، ليس معه من بني البشر أحد ولم يسمع بدين أو عقيدة.

أما رواية (روبنسون كروزو) فليس فيها غير فكرة الإنسان الوحيد الذي تدفعه ظروفه القاسية لأن يكمل حياته وحيداً، بعيداً عن بني البشر فلا يحتاج أحداً منهم، وهي فكرة خالية من المضمون الفلسفي العميق الذي اتصفت به رواية الفيلسوف العربي الكبير ابن طفيل.

وغير هذه الحكايات حكاية (جيلفر) القصة الساحرة التي قرأها الملايين في العالم، لقد وجد (جيلفر) نفسه –بعد تحطم سفينته- ملقىً في جزيرة (ليليبوت) وبين المئات من الأقزام الذين لا يزيد طول أحدهم على عدة سنتمترات. فتمرّ به أحداث مثيرة لا يصدقها العقل، إذ يتحول فجأة بينهم إلى عملاق كبير يطوّف في البحر فلا تصل الأعماق ركبتيه. وحين يغادر هذه الجزيرة يقوده حظه النكد فيقع بين أقوام من العمالقة يبدو بينهم وكأنه قزم صغير لا يزيد طوله على طول أولئك الذين التقاهم في جزيرتي ليليبوت وبليفوسفو.




وهكذا تستمر القصة الساحرة وفكرتها الأساسية هي العملاق الجبار الذي يبدو كل شيء إلى جانيه ضئيلاً، موغلاً في الصغر. وحين تقرأ قصة العملاق (عَوَج بن عنق) في التراث العربي تحسّ بوضوح أنها هي التي أوحت إلى (جوناثان سويفت) بكتابة قصته الشهيرة (جليفر).

فكما كان (جليفر) يخوض في البحر فكأنه يخوض في ساقية صغيرة فإن (عوج بن عنق) كان: (يخوض في الطوفان فلم يبلغ ركبتيه –ويقال أن الطوفان علا على رؤوس الجبال أربعين ذراعاً، وكان عوج بن عنق يجتاز بالمدينة فيتخطّاها كما يتخطّى أحدكم الجدول الصغير). هذا ما ورد في كتاب (المستطرف في كل فن مستظرف) أفينكر (جوناثان سويفت) مؤلف قصة (جليفر) أنه سمع وقرأ حكايات العملاق (عوج بن عنق) المثيرة التي امتلأت بها كتب التراث العربي؟.

ومن الحكايات والأساطير التي اقتبسها كتّاب الغرب ونسبوها لأنفسهم من دون أن يشيروا إلى مصدرها الأول رواية روبن هود، وهي أشهر الروايات الإنجليزية التي يفخر الشعب الإنجليزي بأسره ببطلها الأسطوري نصير الفقراء والمظلومين البطل الشجاع (روبن هود).




وإذا كان التأريخ لم يؤكد لنا تأكيداً قاطعاً إن كان هذا البطل شخصية أسطورية أم حقيقة، فإن أبطالنا في صحراء العرب معروفون بأسمائهم وقبائلهم ولم يكن هناك من يعتقد بأن أحدهم كان من صنع خيال الكتّاب أو المؤرخين.

فالأبطال الصعاليك في العصر الجاهلي خارجون عن قانون القبيلة كما كان (روبن هود) خارجاً عن القانون في انجلترا، وهؤلاء ابتعدوا عن الناس في أعماق الصحراء كما كان (روبن هود) بعيداً في أعماق الغابات. وإذا كان روبن هود يساعد الفقراء ضد الأغنياء فقد سبقه الصعاليك بألف سنة حيث كانوا يقيمون الولائم للفقراء مما يغنمونه في غاراتهم على قوافل التجار، فكانوا يذبحون الإبل في الصحراء ويوزعون لحومها على الفقراء دون التفريق بين قبيلة وأخرى، لأنهم يعتقدون بأن للفقراء حقاً في مال الأغنياء.

وبهذا يشترك (روبن هود) مع الصعاليك بأنهم جميعاً لصوص وقطّاع طرق وخارجون على القانون، ولكن مع كل هذه الصفات التي تدينهم فهم أبطال شعبيون لهم في قلوب الناس منزلة ومكانة فيها كثير من الحب والاعتزاز.

إن فكرة قصة (روبن هود) الإنجليزية هي فكرة الشعراء الصعاليك نفسها مُصممة وفق الطراز الأوروبي المناسب للقرن الثاني عشر في انجلترا.

وهناك عشرات الحكايات والقصص أخذها الكتاب الغربيون من مصادرها العربية وأعادوا تصميمها من جديد ليتلاءم مع الذوق الأوروبي والحياة الأوربية أقلّها شأناً هي أسطورة (جزيرة النساء)، فكم شاهدنا في السينما أفلاماً غربية تتحدث عن جزر في أقاصي المحيطات لا يسكنها غير النساء الجميلات.

لقد كانت هذه أسطورة عربية ظلّت تدور في خيال الناس ويتناقلها رواة القصص في ليالي الشتاء الطويلة، وكانت تشطح بهم خيلاتهم فتبدو لهم وكأنها حقيقة لا خيال. وذكر الشعبي في كتابه (سير الملوك) شيئاً عن هذه الجزر قائلاً: ( إن في بلاد المغرب أمة من ولد آدم، كلهم نساء ولا يعيش في أرضهم ذكر وإن هؤلاء النساء يدخلن في ماء عندهن فيحبلن من ذلك الماء وتلد كل امرأة منهن بنتاً ولا يلدن ذكراً أبداً).


__________________________

مجلة الفاتح