الاثنين، 1 سبتمبر، 2014

بنو برزال ( البرازلة: من الأندلس إلى البرازيل عبر بحر الظلمات )



يذكر ابن خلدون (732 - 808 هـ/ 1332 - 1406م) ان بني برزال من ولد ورنيد بن وانتن بن وارديرن من دمر - كما ذكره ابن حزم - وإخوتهم بنو يصدرين وبنو صغمار وبنو يطوفت· وهم بطن من بطون زناتة، من بني يَفْرن· وكان بنو برزال بأفريقيا وكانت مواطنهم منها جبل سالات وما إليها من أعمال المسيلة، وكان لهم ظهور ووفور عدد، (ابن خلدون· 7/53)· وكان جبل البربر ويسمى باسمهم: برزال (الكامل في التاريخ لإبن الأثير، 4/3· والمختصر في أخبار البشر لأبي الفداء، 1/211)· يذكر ابن خلدون ايضاً في هذا السياق ان جعفر بن علي بن حمدون الاندلسي خلال منتصف القرن الرابع للهجرة/ 10م كان عاملاً على لمسيلة والزاب في عهد المنصور· (ولما انتفض) جعفر بن معد سنة ستين وثلاثمائة (360 هـ) كان بنو برزال هؤلاء في جملته من اهل خصوصيته فأجازوا معه البحر الى الاندلس ايام الحكم الثاني المستنصر بالله (350 - 366 / 961 - 976)، فاستخدمهم ونظمهم في طبقات جنده الى من كان به من قبائل زناتة وسائر البربر أيام اخذهم بالدعوة الاموية ومحاربتهم عليها للأدارسة، فاستقروا جميعاً بالاندلس· كان لبني برزال من بينهم ظهور وغنى مشهور· ولما أراد المنصور بن ابي عامر الاستبداد على خليفته هشام وتوقّع النكير من رجالات الدولة وموالى الحكم استكثر بني برزال وغيرهم من البربر وأفاض فيهم الاحسان فاعتز امره واشتد ازره حتى اسقط رجال الدولة ومحا رسومها·

اختفى بنو برزال من البلاد ولم تذكر عنهم المصادر التاريخية اي خبر مثل اعمال الاعلام لابن الخطيب وابن خلدون في <المقدمة> وابن عذارى المراكشي (توفي نحو 695 هـ/ نحو 1295 م) في <البيان المغرب> وابن فضل الله العمري في <مسالك الابصار في ممالك الامصار>، وهي من اعظم المصادر وأوثقها·

يخبرنا ابن فضل الله العمري (توفي 1027م/ 418 هـ) أن جماعة من بني برزال ابحروا في بحر الظلمات، ويرجّح انهم وصلوا الى مكان ما من العالم الجديد حملت اسم البرازيل نسبة الى البرازلة· كما ان هناك العديد من المجلات العلمية الجادة ايدت القول بوجود عرب من الاندلس وعرب افريقيا وصلوا الى الشواطئ الكندية والمكسيكية والكوبية والبرازيلية منذ اكثر من الف عام· (راجع كتاب دور العرب·· فهمي)·

يذكر ابراهيم فخار نقلاً عن كتاب <الافارقة البرازيليون في موطنهم> للاستاذ <عصمان سيلا> ان التأثير الافريقي واضح عند شعب البرازيل، بل ويرى ان الحضارة البرازيلية هي افريقية، ويعود ذلك الى هجرات الافارقة بما فيه المغاربة نحو البرازيل مبكراً·

ويلاحظ فخار ان اسم <برازيل> الحالي لا اصول اوروبية له (وحتى في اللغة البرتغالية لغة سكان البرازيل)، ويلاحظ ان هناك فرقاً بين اسم <بريزيل> (بكسر الراء) الذي هو اسم الجمهورية كلها، وبين برازيل (برازيليا) (بفتح الراء) الذي هو اسم العاصمة فقط، وهو اسم جمْعٍ للقبيلة البربرية (برازلة) التي كانت تسكن <المسيلة> في الجزائر ثم هاجرت الى الاندلس·
عند زيارته البرازيل، يذكر فخار أن جزيرة <لاس بالماس> (جزيرة النخيل) عاصمة الجزائر الخالدات على مسافة اربعين (40) كلم من الشمال الغربي للجزيرة توجد محطة مياه معدنية ومنطقة جبلية كتب عليها اسم (لوس برازيل)· ومعروف في اللغة الاسبانية ان <لوس> هي اداة تعريف للمذكر (وعبارة <لاس> هي اداة للمؤنث)، وعندما تعرّف <برازيل> تصبح <البرازيل>· ويلاحظ ايضاً انه غير بعيد من منطقة لوس برازيل - وفي الجزيرة نفسها - تقابلنا مغارات قوانش وهي محفورات بيد الانسان في الجبل الصخري، ولاحظ ان كل مغارة تحتوي على مجموعة مغارات مثل نظام الغرف الصغيرة متحاذية لبعضها، ويتمتع سيد الاسرة بغرفة مستقلة· وعند المدخل الرئيسي للمغارة على اليمين مباشرة توجد مغارة مخصصة للدواجن والحيوانات الخاصة بالعائلة، اما البهو حيث تجتمع الاسرة فهو على شكل مغارة هو الآخر· وهذا الفن المعماري المنحوت بشكل طوابق بعضها فوق بعض هو صنو الفن المعماري البربري القديم الذي يوجد بالجزائر وتونس· كما توجد ادوات طبخ ونسيج كلها بربري الصنع والفن· وبالرغم من ان هذه المغارات تسكنها اسر اسبانية او مهاجرون آخرون، قد جمعنا - والكلام لإبراهيم فخار - العديد من التسميات البربرية كما لاحظ ان طريق تجفيف وتخزين المؤن واللحوم هي طرق بربرية، ان المظاهر المذكورة كلها مغايرة وتختلف عن بقية البرازيل· وقد اتخذ الجنرال الاسباني فرانكو قراراً بالاحتفاظ بهذه الآثار دون تشويهه بالاصلاحات الحديثة باعتباره تراثاً حضارياً·

كما يمكن ملاحظة اسم <باهيا> او <باهية> الواقعة في شمالي (ريو دي جنايرو) على مسافة 1288 كلم منها وهي ثاني مدينة وثاني ميناء في البرازيل وكانت عاصمة البرازيل هو اسم مشتق من لفظ <باهيا> او <باهية> التي عبارة استحسان في منطقة المغرب العربي· ومما يذكر في هذا الصدد ان الاراضي حول خليج <باهيا> المدينة (العاصمة القديمة البرازيل) هي مناطق خصبة للغاية اي انها كانت فعلاً <باهيا> اي جميلة، ان الموضوع يبدو لطريف لكن لا طرافة في التاريخ·
يذكر محمد بيرم التونسي (الفصل 81، ص89) ان <البرازيل··· ويوجد فيها عدة آلاف من المسلمين، اصلهم من سودان افريقيا، ولا يعلمون الا كليات الدين على سبيل الاجمال، كما يستفاد ذلك من رحلة (عبد الرحمن بن عبدالله البغدادي) الذي كان إماماً في السفن المدرّعة العثمانية التي سافرت على طريق البحر المحيط الغربي على بُغاز (مضيق) طارق، وصادفتهم زوابع اضطرتهم - عن غير قصد - الى طريق البرازيل، ولما خرجوا الى التفسح في البر، اقبل عليهم اقوام مسلمون وطلبوا ابقاء الإمام عندهم لتعليم الديانة فبقي هناك مدة، وألّف رحلته المختصرة، المترجمة الى التركي المسماة (مسلّيّة الغريب) وكان سفره سنة 1282 هـ>·

نشرت بعض الصحف في كانون الاول 1930/ رجب 1349 رواية احد السائحين في منطقة <باهيا> في البرازيل، قال: أتيت في مجاهل هذه المقاطعة وصميم غاباتها على قبيلة غريبة الاطوار، والعادات واللسان··· منها: انهم يصومون شهراً كاملاً في العام، ويسمّون حكامهم وقضاتهم <لا داموا> (؟) وأمراءهم وزعماءهم <اشياخاً>، واذا قاموا الى الصلاة غسلوا ايديهم ووجوهم وأرجلهم·· ولما سألتهم عن جنسيتهم وأصلهم؟·· أجابوا: انهم لا يدرون شيئاً عن ذلك وانهم في هذه المقاطعة منذ عصور طويلة>!
ان النظرة الاولى في هذه الصفات تحيلنا الى التأكيد بأن اصولهم اسلامية كما تدل جميع المؤشرات في هذه الرواية نحو: الصوم وتسمية الزعماء والصلاة والوضوء· ويفترض ان تكون اصولهم عربية لكنهم نسوا لغتهم بتقادم الزمن واحتكاكهم بغيرهم ولقلة عددهم·

وربما هؤلاء اصولهم افريقية، فقد ذكر عصمان سيلا <الافارقة البرازيليون في موطنهم> ان التأثير الافريقي واضح عند شعب البرازيل، ويرى <سيلا> ان الحضارة البرازيلية هي افريقية، ويعود ذلك الى هجرات الافارقة - بما فيهم المغاربة - نحو البرازيل مبكراً· وقد هاجر المدجنون ايضاً من اسبانيا الى العالم الجديد قبل قرار الطرد الشامل سنة 1609 بعد سقوط الاندلس سنة 1492·

عبد الرحمن الخليفي 
المصدر : اللواء اللبنانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق