الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

عبر ومواعظ



حدّث الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الفريابي عن أبيه: أنه شاهد قبراً احتفر بمدينة قرطاجنة من إفريقية، فإذا جثة رجل قدر عظيم رأسه كثورين عظيمين، ووجد معه لوح مكتوب بالقلم المسند، وهو قلم عاد، وحروفه مقطعة، ما نصه:
 أنا كوش بن كنعان ابن الملوك من آل عاد، ملكت بهذه الأرض ألف مدينة، وبنيت بها على ألف بكر، وركبت من الخيل العتاق سبعة آلاف، حمر وصفر وشهب وبيض ودهم، ثم لم يغن عني ذلك شيئاً، أو جاءني صائح، فصاح بي صيحة أخرجتني من الدنيا، فمن كان عاقلاً ممن جاء بعده فليعتبربي وأنشد:
يا واقفاً يرعى السهى ... برسم ربع قد وهى
قف واستمع ثم اعتبر ... إن كنت من أهل النهي
بالأمس كنا فوقها ... واليوم صرنا تحتها
لكل حد غاية ... لكل أمر منتهى
قال: فأمر السلطان أبو بكر بن يحيى الحفصي، صاحب تونس بطمه، فَطَم القبر.
< المواعظ والاعتبار >



وجد كتابٌ باليمن فيه: أنا فلانة بنت فلان التبعي، كنت آكل البقل الرطب من الهند وأنا باليمن، ثم جعنا حتى اشترينا مكوك برٍ بمكوك در، من يوسف بن يعقوب (عليهما السلام) بمصر، فمن رآنا فلا يغتر بالدنيا.
<  الإمتاع والمؤانسة >


قال احد أبناء يحيى بن خالد البرمكي  وهم في السجن والقيود: يا أبت بعد الامر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال، فقال: يا بني دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها.
ثم أنشأ يقول: 
رب قوم قد غدوا في نعمة * زمنا والدهر ريان غدق
 سكت الدهر زمانا عنهم * ثم أبكاهم دما حين نطق
وقد كان يحيى بن خالد هذا يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، وكان سفيان يدعو له في سجوده يقول: اللهم إنه قد كفاني المؤنة وفرغني للعبادة فاكفه أمر آخرته.
فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في المنام فقال: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي بدعاء سفيان.
وقد كانت وفاة يحيى بن خالد رحمه الله في الحبس في الرافقة لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن على شط الفرات، وقد وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم والمدعا عليه بالاثر، والحاكم الحكم العدل الذي لا يجوز ولا يحتاج إلى بينة.
فحملت إلى الرشيد فلما قرأها بكى يومه ذلك، وبقي أياما يتبين الاسى في وجهه.
< البداية والنهاية >


قال محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة وقاضيها  : دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثةٍ ، وإذا لها بيانٌ ولسانٌ ، فقلت لأمي : من هذه ؟ قالت : هذه خالتك عتابة أم جعفر البرمكي بن يحيى . فسلمت عليها ، وقلت لها : أصار بك الدهر إلى ما أرى ؟ قالت : نعم يا بني ، إن الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا . قال : فقلت حدثيني ببعض شأنك ؟ قالت : خذه جملة لقد مضى علي عيد أضحى مثل هذا منذ ثلاث سنين ، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة ، وأنا أزعم أن ابني عاق لي ، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً . قال : فغمني ذلك وأبكاني ، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم .
<إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس>


الخميس، 14 أغسطس، 2014

ابن فتحون


قال الإمام الطرطوشي رحمة الله تعالى في ( سراج الملوك ) :

كان بسرقسطة فارس يقال له ابن فتحون، وكان يناسبني من جهة أمي فيقع ابن خال والدتي، وكان أشجع العرب والعجم، وكان المستعين أبو المقتدر يرى له ذلك ويعظمه، وكان يجري له في كل عطية خمسمائة دينار، وكانت النصرانية بأسرها قد عرفت مكانه وهابت لقاءه.
فيحكى أن الرومي إذا سقى فرسه فلم يشرب يقول له: ويلك! لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء؟.
 فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السلطان وأغروا به صدر المستعين، فمنعه إياه.

 ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم فتواقف المسلمون والمشركون صفوفاً، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادي: هل من مبارز؟
 فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، ثم جعل الرومي يكر على فرسه ويقول: اثنان لواحد!
 فخرج إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرومي، فصاح الكفار سروراً وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الرومي يكر ويفر بين الصفين وينادي:
ثلاثة لواحد! فلم يستجرأ أحد من المسلمين أن يخرج إليه وبقي الناس في حيرة.
فقيل للسلطان: ما لها إلا الوليد بن فتحون. فدعاه وتلطف به .
وقال له: أما ترى ما يصنع هذا العلج؟
فقال: هو بعيني!
قال: فما الحيلة فيه؟
فقال أبو الوليد: فماذا تريد؟
فقال: اكف المسلمين شره!
قال: الساعة يكون ذلك إن شاء الله تعالى. فلبس قميص كتان واستوى على سرجه بلا سلاح، وأخذ بيده سوطاً طويل الطرف وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إلى النصراني فعجب منه ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فلم تخط طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فإذا ابن فتحون متعلق برقبة الفرس ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السرج، ثم ظهر على سرجه وحمل عليه وضربه بالسوط في عنقه، فالتوى على عنقه فأخذه بيده من السرج واقتلعه وجاء به يجره، فألقاه بين يدي المستعين، فعلم المستعين أنه قد أخطأ في صنعه معه فأكرمه ورده إلى أحسن أحواله.


الشيخ علي القرني حفظه الله تعالى يذكر سيرة هذا الفارس :-