الاثنين، 16 يونيو 2014

فصل: في هديه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في حفظ الصّحّة


قال الله تعالى : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} ، [الأعراف من الآية: 31]، فأرشدهم إلى إدخال ما يقيم البدن من الطّعام والشّراب عوض ما تحلّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية، فحفظ الصّحّة في هاتين الكلمتين.

ولما كانت الصّحّة والعافية من أجلّ النّعم، بل العافية المطلقة أجل النّعم على الإطلاق، فحقيق بك حفظها.
ولهذا قال النَّبِيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من النّاس: الصّحّة والفراغ" ، وفي التّرمذي وغيره مرفوعا: "مَن أصبح معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا" ، وفيه أيضاً مرفوعاً: "أوّل ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النّعم أن يقال: ألم نصحّ لك جسمك؟ ونروك من الماء البارد".

ومن هنا مَن قال من السّلف في قوله: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} ، [التّكاثر: 8]، قال: عن الصّحّة.

ولأحمد مرفوعاً: "سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أُوتي أحد بعد اليقين خيراً من العافية" ، فجمع بين عافيتَي الدّين والدّنيا.
وفي (سنن النّسائي) مرفوعاً: "سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أُوتي أحد بعد اليقين خيراً من معافاةٍ" ، وهذه الثّلاثة تتضمن إزالة الشّرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة.
ولم يكن من عادته ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ حبس النّفس على نوعٍ واحدٍ من الأغذية، فإنّه مضرّ ولو أنّه أفضل الأغذية، بل يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله.

قال أنس: ما عاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ طعاماً قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلاّ تركه. ومتى أكل الإنسان ما لا يشتهي، كان تضرّره به أكثر من نفعه، وكان يحبّ اللّحم، وأحبّه إليه الذّراع، ومقدم الشّاة وهو أخفّ وأسرع انهضاماً.
وكان يحبّ الحلوى والعسل، واللّحم والحلوى والعسل من أنفع الأغذية.
وكان يأكل من كلّ فاكهة بلده عند مجيئها، وهو من أسباب حفظ الصّحّة، فإنّ الله سبحانه بحكمته جعل في كلّ بلدٍ من الفاكهة ما يكونُ من أسباب صحّة أهلها، وقلّ مَن احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم إلاّ وهو من أسقم النّاس جسماً.

وصحّ عنه أنّه قال: "لا آكل متكّئاً" ، وقال: "إنّما أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد" ، وفسّر بالتّربّع، وبالاتّكاء على الشّيء، وفسّر بالاتّكاء على الجنب، والثّلاثة من الاتّكاء.

وكان يأكل بأصابعه الثّلاث، وهو أنفع ما يكون.

وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وصحّ عنه أنّه نهى عن الشّرب قائماً.
وصحّ عنه أنّه أمر مَن فعله أن يستقيء، وصّح عنه أنّه شرب قائما، فقيل: نسخ النّهي، وقيل: تبيّن أنّه ليس للتّحريم، وقيل: يشرب قائماً للحاجة.

وكان يتنفّس في الشّراب ثلاثاً ويقول: "إنّه أروى وأمرأ، وأبرأ" ، أي: أشدّ ريّاً، وأبرأ: من البرء، وهو الشّفاء، أي: يُبرئ من العطش، وأمرأ: من مري الطّعام والشّراب في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولةٍ ولذّةٍ ونفعٍ، ومنه: {فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} ، [النّساء من الآية: 4]، هنيئاً في عاقبته، مريئاً في مذاقته.
وللتّرمذي عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "لا تشربوا نفساً واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى، وسمّوا الله إذا شربتم، واحمدوا إذا أنتم فرغتم".

وفي (الصّحيح) عنه: "غطوا الإناء، وأوكوا السّقاء، فإنّ في السّنة ليلةً ينْزل فيها وباء، لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاء ولا سقاء، ليس عليه وكاء إلاّ وقع فيه من ذلك الدّاء".
قال اللّيث بن سعد أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتّقون تلك اللّيلة في كانون الأوّل.
وصحّ عنه أنّه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عوداً.
وصحّ عنه أنّه أمر عند الإيكاء والتّغطية بذكر اسم الله، ونهى عن الشّرب من فم السّقاء، وعن النّفس في الإناء والنّفخ فيه، وعن الشّرب من ثلمة القدح.


وكان لا يردّ الطّيب، وقال: "مَن عرض عليه ريحان، فلا يردّه، فإنّه طيب الرّيح، خفيف المحمل" ، ولفظ أبي داود والنّسائي: "مَن عرض عليه طيب" ، وفي (مسند البزار) عنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: "إنّ الله طيّب يحبّ الطّيّب، نظيف يحبّ النّظافة، كريم يحبّ الكرم، جواد يحبّ الجود، فنظّفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكباء في دورهم" ، ـ ألأكب: الزّبالة.
وفي الطّيب من الخاصية أنّ الملائكة تحبّه، والشّياطين تنفر عنه، فالأرواح الطّيّبة تحبّ الأرواح الطّيّبة، والأرواح الخبيثة تحبّ الأرواح الخبيثة، فـ {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات}، [النّور من الآية: 26]، وهذا وإن كان في الرّجل والنّساء، فإنّ يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب والملابس والرّوائح، إمّا بعموم لفظه، وإمّا بعموم معناه.

_____________________________________________________________________
 مختصر زاد المعاد لإمام ابن قيم الجوزية رحمة الله تعالى أختصرة الإمام محمد بن عبدالوهاب رحنة الله تعالى .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق