الأحد، 25 مايو، 2014

بين البطل الفاتح محمد بن القاسم الثقفي والأسكندر المقدوني






أطنب المؤرخون في مدح اسكندر الأعظم ، لأنه فتح بلادًا في آسيا الغربية وعمره خمس وعشرون سنة .

أما محمد بن القاسم فكما قال الشاعر :

ساس الرجال لسبع عشرة حجة

                    ولذاته عن ذاك في اشتغال
لم يبلغ السابعة عشرة من عمره حينما ناشب السنديين القتال ، وأذاقهم فيه ما دونه الموت الزؤام ، فأي وزن يقام لاسكندر من هذه الجهة في جانب بطلنا المغوار ، ثم لاحظ أن فتوحات (اسكندر) كانت كسحابة صيف تغشت سماء الهند ، وما لبث أن تقشعت فلم تترك وراءها عينًا ولا أثرًا ، وزد على ذلك أن الملوك الذين جاذبوه حبل الحرب والقتال لم يكن أحد منهم يضاهي (راجة داهر) الذي ناهض محمد بن القاسم وقارعه مقارعة الأبطال ، حتى خر الراجة قتيلًا في ميدان الحرب .

وأيضًا كان (اسكندر) يعمل الحيل والمكايد لفتح البلاد وربما كان يشن الغارة على الفلاحين الآمنين والقاعدين عن الحرب ، ويفتك بهم فتكًا ذريعًا لا تجيزه المروءة والشرائع .
وضغث على إبالة ان (اسكندر) قد ألهبته حمية الكأس فجعل يعجب بنفسه وأعماله بعد عدة فتوحات ، وبلغ منه الشمخ بأنفه أن أباح للناس أن يخروا له سجدًا ، أما محمد بن القاسم ، فلم يعرف الغدر ، ولم يحتل بحيلة ذميمة ولم يظلم أحدًا من المساكين والفلاحين الآمنين والقاعدين عن الحرب ، وكذلك كان متواضعًا لله رفيقًا بعباده ، ولم يعجب بنفسه حتى إنه خضع لأمر الخليفة من غير تلجلج ، ورضي بالحبس والسجن بارًا بما عاهد عليه من طاعة .
أما انه لم يفتح البلاد مثل ما فتح (اسكندر) فلا يضيره شيئًا . لأنه لم يفسح له في أجله ، وإلا ، كما اعترف (Elliot) " لم يكن غير بعيد أن يخترق جدران الهند ويصل الصين فاتحًا الممالك والبلاد " .

وعامل محمد أهل البلاد معاملة ، جعلهم بها يبكون له حينما بلغهم خبر عزله . قال البلاذري : (فبكي أهل الهند على محمد وصوروه بالكبرج) .

فأين (اسكندر) من محمد ، وأين الأرض من السماء ، وأين الثرى من الثريا ؟ وإنما أتينا بشيء من التفصيل في ذكر محمد بن القاسم ، لأن مؤرخي الإفرنج لا يذكرونه ولا ينوهون بمآثره وجلائل أعماله أصلًا ، حتى إن عصر المسلمين في الهند يبتدئ في كتبهم بمحمود الغزنوي ، واقتفى أثرهم أمير البيان في حواشيه ، فبدأ فصله « في تاريخ الممالك الإسلامية الهندية » بالغزونية ولم يعط العرب ما كان لهم من حق في تاريخ الممالك الإسلامية وللأمير - حفظه الله - عذر في هذا الباب لأن اعتماده على كتب الإفرنج وهم قلما ينصفون العرب والمسلمين .


مسعود عالم الندوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق