الاثنين، 17 مارس، 2014

المقنع الكندي


إذا كان الصمة القشيري قد قال قصيدةً في الغَزَل من أجمل القصائد ، فقد هَوِيَ ابنةَ عمِّه وخَطَبها ، ورُفِضَ طلبُه من عمِّه ، وغالى في مهرها ، فإنَّ سببَ قول المقنع لأفضلِ قصائده - والتي اشتهرت على الألسُن ، والتي مطلعها : "يُعَاتِبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي" - أنَّه أحبَّ ابنة عمِّه أيضًا ، وخطبها إلى أبيها وإخوتها ، فرفضوا تزويجه إيَّاها ، وما الحجة ؟ لفقره ودَينه ، وما سبب فقره ودينه ؟ لأنَّه لا يردُّ سائلاً ، فقد كان كريمًا جوَّادًا سمح اليد ، جيِّد السر والسَّريرة .
أمَّا سبب تلقيبه بالمقنع ، فالمقنع لَقَبٌ غلب عليه ؛ لأنَّه كان أجملَ وأحسن النَّاس وجهًا ، وأمدَّهم قامة ً، وأكملهم خلقًا ، وكان إذا سفر اللثام عن وجهه ، أصابته العين ، فيمرض ، ويلحقه عنت ؛ فكان لا يمشي إلا مقنعًا .
واسمه : محمد بن ظفر بن عمير بن أبي شمر بن فرعان بن قيس بن الأسود بن عبدالله بن الحارث الولاَّدة - سمي بذلك لكثرة ولده - بن عمرو بن معاوية بن كِنْدَة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
شاعر مقلّ من شعراء الدولة الأموية ، وكان له محل كبير ، وشرف ومروءة وسؤدد في عشيرته .

قال الهيثمُ بن عدي : كان عمير جدُّه سيدَ كندة ، وكان عمُّه عمرو بن أبي شمر ينازع أباه الرِّياسة ويساجله فيها ، فيقصر عنه .
أتلف ماله في عطاياه
ونشأ محمد بن عمير المقنع ، فكان مُتخرِّقًا في عطاياه ، سمح اليد بماله ، لا يرد سائلاً عن شيء ؛ حتَّى أتلفَ كلَّ ما خلَّفه أبوه من مال ، فاستعلاه بنو عمِّه عمرو بن أبي شمر بأموالهم وجاههم .
بنو عمه لم يزوجوه أختَهم ؛ لفقره ودَينه ، وهَوِيَ بنتَ عمِّه عمرو ، فخطبها إلى إخوتها ، فردُّوه وعيَّروه بتخرُّقه وفقره وما عليه من الدَّين ، فقال هذه الأبيات المذكورة ، وهي من أجمل القصائد

وقال المُقَنَّع الكِنْدِي محمد بن عُمَيْر:
يُعَاتِبُنِي   فِي   الدَّيْنِ   قَوْمِي   وَإِنَّمَا   
                       دُيُونِيَ  فِي  أَشْيَاءَ  تُكْسِبُهُمْ   حَمْدَا
أَسُدُّ   بِهِ   مَا   قَدْ   أَخَلُّوا   وَضَيَّعُوا
                      ثُغُورَ  حُقُوقٍ  مَا  أَطَاقُوا   لَهَا   سَدَّا
فَمَا    زَادَنِي    الْإِقْتَارُ    إِلاَّ    تَقَرُّبًا 
                     وَمَا زَادَنِي  فَضْلُ  الْغِنَى  مِنْهُمُ  بُعْدَا
وَفِي  جَفْنَةٍ  لاَ  يُغْلَقُ  الْبَابُ   دُونَهَا  
                        مُكَلَّلَةً     لَحْمًا      مُدَفَّقَةً      ثَرْدًا
وَفِي   فَرَسٍ    نَهْدٍ    عَتِيقٍ    جَعَلْتُهُ  
                      حِجَابًا   لِبَيْتِي ،   ثُمَّ   أَخْدَمْتُهُ   عَبْدا
وَإِنَّ  الَّذِي   بَيْنِي   وَبَيْنَ   بَنِي   أَبِي 
                       وبَيْنَ   بَنِي   عَمِّي   لَمُخْتَلِفٌ   جِدَّا
أَرَاهُمْ  إِلَى  نَصْرِي  بِطَاءً  وإنْ   هُمُ   
                     دَعَوْنِي   إِلَى   نَصْرٍ    أَتَيْتُهُمُ    شَدَّا
فَإِنْ  أَكَلُوا  لَحْمِي  وَفَرْتُ  لُحُومَهُمْ  
                        وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ  مَجْدا
وَإِنْ  ضَيَّعُوا  غَيْبَِي  حَفِظْتُ  غُيُوبَهُمْ
                      وإنْ هُمْ هَوُوا غَيِّي هَوِيتُ لَهُمْ رَشْدًا
وإنْ  زَجَرُوا  طَيْرًا  بِنَحْسٍ  تَمُرُّ  بِي 
                       زَجَرْتُ  لَهُمْ  طَيْرًا  تمُرُّ  بهِمْ   سَعْدَا
وَلاَ  أَحْمِلُ   الْحِقْدَ   الْقَدِيمَ   عَلَيْهِمُ  
                     وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ  الحِقْدَا
لهُمْ  جُلُّ  مَالِي  إِنْ  تَتَابَعَ  لِي   غِنًى 
                      وَإِنْ  قَلَّ  مَالِي   لَمْ   أُكَلِّفْهُمُ   رِفْدَا
وَإِنِّي  لَعَبْدُ  الضَّيْفِ  مَا   دَامَ   ثَاوِيًا  
                    وَمَا  شِيمَةٌ  لِي  غَيْرَهَا  تُشْبِهُ   الْعَبْدَا
عَلَى أَنَّ  قَوْمِي  مَا  تَرَى  عَيْنُ  نَاظِرٍ
                      كَشَيْبِهُمُ  شَيْبًا   وَلاَ   مُرْدِهِمْ   مُرْدَا
بِفَضْلٍ   وَأَحْلاَمٍ    وَجُودٍ    وسُؤْدُدٍ
                    وَقَوْمِي رَبِيعٌ  فِي  الزَّمَانِ  إِذَا  اشْتَدَّا

ومن جيد شعره :
إِنِّي  أُحَرِّضُ  أَهْلَ  الْبُخْلِ   كُلَّهُمُ        لَوْ كَانَ يَنْفَعُ أَهْلَ الْبُخْلِ تَحْرِيضِي
مَا  قَلَّ  مَالِيَ  إِلاَّ   زَادَنِي   كَرَمًا        حَتَّى يَكُونَ  بِرِزْقِ  اللَّهِ  تَعْوِيضِي
وَالْمَالُ  يَرْفَعُ  مَنْ  لَوْلاَ   دَرَاهِمُهُ        أَمْسَى يُقَلِّبُ فِينَا طَرْفَ  مَخْفُوضِ
لَنْ تَخْرُجَ البِيضُ عَفْوًا مِنْ  أَكُفِّهِمُ        إِلاَّ  عَلَى  وَجَعٍ   مِنْهُمْ   وَتَمْرِيضِ
كَأَنَّهَا  مِنْ  جُلُودِ   الْبَاخِلِينَ   بِهَا        عِنْدَ النَّوَائِبِ  تُحْذَى  بِالْمَقَارِيضِ

"شرح ديوان الحماسة"، (2/32) .

ومن جيد شعره :
نَزَلَ الْمَشِيبُ فَأَيْنَ تَذْهَبُ  بَعْدَهُ        وَقَدِ ارْعَوِيتَ وَحَانَ مِنْكَ رَحِيلُ
كَانَ   الشَّبَابُ    خَفِيفَةً    أَيَّامُهُ        وَالشَّيْبُ  مَحْمَلُهُ   عَلَيْكَ   ثَقِيلُ
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً        حَتَّى  تَجُودَ  وَمَا   لَدَيْكَ   قَلِيلُ

"الصداقة والصديق"، (1/ 69).

وقال المقنع الكندي :
وَصَاحِبُ  السَّوْءِ   كَالدَّاءِ   الْعَيَاءِ   إِذَا        مَا ارْفَضَّ فِي الْجِلْدِ يَجْرِي هَا هُنَا وَهُنَا
يَجْرِي  وَيُخْبِرُ  عَنْ   عَوْرَاتِ   صَاحِبِهِ        وَمَا   يَرَى   عِنْدَهُ   مِنْ   صَالِحٍ    دَفَنَا
كَمُهْرِ    سَوءٍ    إِذَا    رَفَّعْتَ    سِيرَتَهُ        رَامَ   الْجِمَاحَ   وَإِنْ   أَخْفَضْتَهُ    حَرَنَا
إِنْ   يَحْيَ   ذَاكَ   فَكُنْ   مِنْهُ    بِمَعْزِلَةٍ        وَإِنْ  يَمُتْ  ذَاكَ  لاَ   تَشْهَدْ   لَهُ   جَنَنَا

عاش المقنع الكنديُّ عزيزًا ، ومات حميدًا ، وكُتِبَ اسمُه بأحرف كبيرة في سجلِّ الشُّعراء ، وفي سجل الأمجاد الأجواد ، وترك لنا قصائدَ تقرأ ما دام على الأرض أناسٌ يتكلمون العربية .



المصدر : موقع الألوكة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق