السبت، 15 مارس، 2014

محافظة الشعوب الإفرنجية على قومياتها





فلننظر إلى أوربة - لأنها هي اليوم المثل الأعلى في ذلك - فنجد كل أمة فيها تأبى أن تندمج في أمة أخرى .  فالإنكليز يريدون أن يبقوا إنكليزًا ، والإفرنسيس يريدون أن يبقوا إفرنسيسًا ، والألمان لا يريدون أن يكونوا إلا ألمانًا ، والطليان لا يريدون أن يكونوا إلا طليانًا ، والروس قصارى همهم أن يكونوا روسًا ، وهلم جرًّا .   
ومما يزيد هذا المثال تأثيرًا في النفس أن الأيرلنديين مثلاً أمة صغيرة مجاورة للإنكليز ، وقد بذل هؤلاء جميع ما يتصوره العقل من الجهود ليدمجوهم في سوادهم مدة تزيد على سبعمائة سنة ، فأبوا أن يصيروا إنكليزًا ، ولبثوا أيرلنديين بلسانهم وعقيدتهم وأذواقهم وعاداتهم .   
وفي فرانسة نفسها تأبى أمة ( البريتون ) إلا أن تحافظ على أصلها .  
وفي جنوبي فرانسة جيل يقال لهم ( الباشكنس ) احتفظوا بقوميتهم تجاه القوط ثم تجاه العرب ، ثم تجاه الأسبان ، ثم تجاه الفرنسيس .  وجميعهم مليون نسمة ، وهم لا يزالون على لغتهم وزيهم وعاداتهم وجميع أوضاعهم .   
و(الفلمنك) يأبون أن يجعلوا اللغة الإفرنسية لغتهم ، والثقافة الإفرنسية ثقافتهم ، ولم يزالوا يصيحون في بلجيكا حتى اضطرت دولة بلجيكا إلى الاعتراف بلغتهم لغة رسمية .   
وفي سويسرا ثلاثة أقسام :القسم الألماني وهو مليونان وثمانمائة ألف ، والقسم المتكلم بالفرنسية وهو ثمانمائة ألف ، والقسم المتكلم بالطليانية وهو أكثر قليلاً من مائتي ألف ، وكل قسم منها محافظ على لغته وقوانينه ومنازعه مع أنهم كلهم متحدون في مصالحهم السياسية ويعيشون في مملكة واحدة .   
وإن الدانمارك وبلاد الإسكنديناف وهولندة فروع من الشجرة الألمانية لا مراء في ذلك ، لكنهم لا يريدون الاندماج في الألمان ولا العدول عن قومياتهم ، وبقي ( التشيك ) مئين من السنين تحت حكم الألمان وبقوا تشيكًا ، واستأنفوا بعد الحرب العامة استقلالهم السياسي ، بعد أن حفظوا لسانهم واستقلالهم الجنسي مدة خمسة قرون 
.   
وقد هذب الألمان (أمة المجر) وعلّموهم ورقوهم ولكنهم لم يتمكنوا من إدماجهم في الألمانية ، فتجدهم أحرص الأمم على لغتهم المغولية الأصل وعلى قوميتهم المجرية 
  
ولبثت الروسية العظيمة من مائتين إلى ثلاثمائة سنة تحاول إدخال بولونية في الجنس الروسي ، وحمل البولونيين على نسيان قوميتهم الخاصة ؛ بحجة أن العرق السلافي يجمع بين البولونيين والروس ، ففشلت جميع مساعيها في إدماج البولونيين فيها ، وعاد هؤلاء بعد الحرب العامة أمة مستقلة في كل شيء ؛ وذلك لأنهم لم يتخلوا طرفة عين عن قوميتهم .   

وليس من العجب أن لا تريد أمة عددها (30) مليونًا الاندماج في غيرها ، ولكن (الأستونيين) - وهم مليونان فقط - انفصلوا عن الروسية ولم يقبلوا الاندماج فيها وأحيوا استقلالهم ولسانهم المغولي الأصل ، وجعلوا له حروفًا هجائية  , ومثلهم أهالي فنلاندة المنفصلون عن الروسية أيضًا .  
وقد خابت مساعي الروس في إدماج (اللتوانيين) من هذه الأمم البلطيكية في الجنس الروسي ، وانتفضوا بعد الحرب العامة (1914-1918) أمة مستقلة كما كانوا مستقلين قوميًّا ، وجميعهم أربعة ملايين .
 وأقل منهم جيرانهم اللتوانيون [ليتونية غير ليتوانية , وكلتاهما من الأمم التي أنفصلت عن روسية بعد الحرب العامة <1918م> لاختلاف جنسها عن جنس الروس] الذين هم مليونان لا غير ، ومع هذا قد انفصلوا بعد الحرب وأسسوا جمهورية كسائر الجمهوريات البلطيكية ؛ لأنهم من الأصل لبثوا محافظين على لغتهم وجنسهم .   
وقد عجز الروس من جهة - كما عجز الألمان من جهة أخرى - عن إدخال هذه الأقوام في تراكيبهم القومية العظيمة ؛ لأن كل شعب مهما كان صغيرًا لا يرضى بإنكار أصله ، ولا بالنزول عن استقلاله الجنسي .   
وقد حفظ (الكرواتيون) استقلالهم الجنسي مع إحاطة أمتين كبيرتين بهم هما اللاتين والجرمان .
  وحفظ (الصربيون) استقلالهم الجنسي مع سيادة الترك عليهم مدة قرون .

ولم يزل (الأرناؤوط) أرناؤوطًا منذ عهد لا يعرف بدؤه ، وهم بين أمتين كبيرتين اليونان والصقالبة ؛ أي السلاف .
 وكذلك (البلغار) أبوا إلا أن يبقوا بلغارًا فيما بين الروم والسلاف واللاتين ، ثم جاءهم الترك فتعلموا التركية لكنهم بقوا بلغارًا .   


ولا أريد أن أخرج في الاستشهاد عن أوربة ؛ لأني إن خرجت عن أوربة قالت تلك الفئة الجاحدة :
نحن لا نريد أن نجعل قدوة لنا أممًا متأخرة مثلنا ! فالأمم التي استشهدنا الآن بها كلها أوربية - وكلها متعلمة راقية - وكلها ذوات بلدان ممدنة منظمة ، وكلها عندها الجامعات ، والأكاديميات ، والجمعيات العلمية والجيوش والأساطيل .. إلخ .  


--------------------------------------
من كتاب : لماذا تأخر المسلمون ؟ ولماذا تقدم غيرهم ؟ لأمير البيان شكيب أرسلان رحمة الله تعالى .
دار القلم - الطبعة الثانية ( ص: 87 - 91 )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق