السبت، 4 يناير، 2014

جبران خليل جبران



* أسلوب جبران : " إِباحي .. إقليمي .. فوضوي .. ملحد .. متطرف .. وفي كتابه "النبي" يصور نفسه على أنه المصطفى المختار الحبيب "

- الكتابات المهجرية قائمة على الإباحية والتشكيك والتحلل .
- المدارس المهجرية الشمالية ثمرة للإرساليات التبشيرية.
استشرى هذا اللون من الكتابات المهجرية وعرف بأدب الظلال والرموز والأضواء وجرت محاولات ضخمة لإذاعته وإعلاء أمره ؛ لأنه يقوم على (الجملة التوراتية) وذلك في مواجهة (الحملة القرآنية) التي كان يحمل لواءها مصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي ، كما كان في مضمونه قائمًا على الإباحية والتحلل والتشكيك في العقائد والنبوات ، ظهر ذلك في كتابات جبران خليل جبران ، وميخائيل نعيمه وأمين الريحاني .

ولقد اعتمد الأدب المهجري على عناصر ستة :

أولاً : الحملة العنيفة على اللغة والدين ومقومات المجتمع الإسلامي .
ثانيًا : استمد المهجريون أسلوبهم في الشعر والكتابة النثرية من مذهب ويتمان ، واستمدوا مفاهيمهم من نيتشه ومذهب وحدة الوجود واللاأدرية .
ثالثًا : الثورة على الألوهية والإفراط في الإباحية وإدخالها مرحلة التصوف ومهاجمة القيم الأخلاقية في الحب والزواج .
رابعًا : حاولوا تغيير قيم الأدب العربي بإدخال أسلوب جديد مستغرب يصادم مفاهيم البلاغة ويعلي عليها صيغة التوراة والمجاز الغربي .
خامسًا : تغلبت عندهم النظرة العالمية المفرقة في الأممية والتبعية على النزعة الوطنية المناضلة في سبيل الحرية والقوة .
سادسًا : الإسراف في الجانب الرومانسي المليء بالظلال والحالم ، والمفهوم الرمزي المغرق في العاطفة والخيال المضاد لطابع النفس العربية المسلمة .

ويمكن القول بأن المدرسة المهجرية الشمالية ، كانت ثمرة من ثمار الإرساليات التبشيرية التي وردت لبنان وسيطرت على وجود التعليم والثقافة فيه ، ثم كان لهذه الثمار اتصالها بالمدارس الغربية وخاصة مدرسة بوسطن التي اتخذها المهجريون مقرًا لهم، وهي من قديم مقر الإرساليات التبشيرية في الولايات المتحدة ، فلما صدرت عن أدبها الجديد تلقفته أيدي دعاة الغزو الثقافي وعملت على إذاعته والدعوة إليه بوصفه لونًا جديدًا من ألوان الأدب العربي المتسم بالعنصرية والجرأة على القيم وذلك في مواجهة المدرسة العربية الإسلامية .
ولعل أصدق ما يمثله الأدب المهجري ما كتبه جبران خليل جبران نفسه عام 1919 بعد أربعة عشر عامًا من بدء كتاباته عام 1905 ، قال في خطاب له إلى (إميل زيدان) : إن فكرى لم يثمر غير الحصرم وشبكتي ما برحت مغمورة بالماء ، ومن الحق أن أسلوب جبران قد بهر كثيرًا من الشباب وسرى سريان النار في الهشيم ، ولكن سرعان ما انطفأ وفقد أثره ، وذلك لمصادمته للنفس العربية الإسلامية ، ومعارضته لمنهجها ، وتضاربه مع مزاجها النفسي الاجتماعي ، ذلك أن جبران كان إقليميًا مغرقًا في الإقليمية إباحيًا مسرفًا في الإباحية ، وقد حاول في الكثير من نبراته محاكاه (مزامير داود) ونشيد سليمان وسفر أيوب ، ومراثى أرميا ، وتخيلات أشعيا ، حيث كان أسلوب التوراة هو المثال الأدبي الأول الذي تأثر به ، فقد حفلت كتاباته بمجموعة من الصور والتعبيرات التي استقاها من الأسفار ، فهو يقدم أشباه الجمل والظروف والأحوال، ثم يمزج ذلك بعين وافد هو أسلوب (ولت ويتمان) الشاعر الأمريكي .

كما أشار كثير من مترجمي سيرته إلى حرمان الكنيسة له وهو في العشرين من عمره ، على أثر قصيدته التي هاجم فيها الأديان ، اندفع في طريق إحياء أمجاد فينيقية وحضارة الكلدانيين ، وقد أشار في خطاب له من بوسطن 1920 إلى صديقه نخلة إلى هذا المعنى ، فقال :
إن القوم في سوريا يدعونني كافرا والأدباء في مصر ينتقدونني , قائلين :
 هذا عدو الشرائع القديمة ، والروابط القديمة والتقاليد القديمة وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون الحقيقة لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع .
بل لقد صور جبران مفاهيمه وانحرافاته في مقال مطول استهله على هذا النحو : " هو متطرف بمبادئه حتى الجنون ، هو خيالي يكتب ليفسد أخلاق الناشئة ، لو اتبع الرجال والنساء المتزوجون وغير المتزوجين آراء جبران في الزواج لتقوضت أركان العائلة وانهدمت مباني الجامعة البشرية وأصبح هذا العالم جحيمًا وسكانه شياطين ، قهرًا عما في أسلوبه في الكتابة من الجمال فهو من أعداء الإنسانية ، هو فوضوي كافر ملحد ، ونحن ننصح لسكان هذا الجيل المبارك بأن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا مؤلفاته لئلا يعلق منها شيء في نفوسهم ، وقد قرأنا له الأجنحة المتكسرة ، فوجدناها سما في الدسم " .
- هذا ما يقوله الناس عني وهم مصيبون فأنا متطرف حتى الجنون ، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة ، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف ، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم ، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة .
أما الذين يعتذرون عني أمام أنفسهم قائلين : هو خيالي يسبح مرفرفًا بين الغيوم ، فهم الذين يحدقون بلمعان تلك الكئوس الشفافة ، منصرفين عما في داخلها من الشراب الذي يدعونه (سمًّا) لأن معدهم الضعيفة لا تهضمه ، قد تدل هذه المواطأة على الوقاحة الخشنة ، ولكن ليست الوقاحة بخشونتها أفضل من الخيانة بنعومتها ، إن الوقاحة تظهر نفسها بنفسها ، أما الخيانة فترتدي ملابس فصلت لغيرها . اهـ.

هذه الاعترافات الجبرانية تكشف بوضوح عن طابع غريب عن الأدب العربي وقيمه ، ومزاجه النفسي وانتمائه الإسلامي ، هو طابع دخيل مسرف في التحدي والتشويه وهو ليس في الأغلب طابع النفس المنحرفة التي حملها جبران ، ولكنه طابع الغزو الثقافي الذي يدفع جبران ويرسم من وراء ذلك أهدافًا وغايات ، ومع ذلك فقد سقط (أدب جبران) ولم يحقق النتائج التي عول عليها دعاة التغريب .
- وإذا رجعنا إلى حياة جبران نفسه ، وجدنا تفسيرًا واضحًا لاتجاهاته الأدبية ، وقد عرض لهذه الحياة أصدق أصدقائه -ميخائيل نعيمه- في كتابه عنه ، كما أفاض في ذلك كل الذين أرخوا لحياته ، فقد كان أبوه ميالاً إلى حياة اللهو والشراب ، سكيرًا مرحًا ، وكانت أمه مريضة وأخواته كن مرضى بنفس المرض الخبيث ، وأنه بدأ حياته بقراءات بسيطة فحفظ (مزامير داود) ولم يستطب قواعد اللغة العربية من صرف ونحو ، ثم قصد إلى بوسطن 1895 دفعا لشقاء العيش وضيق ذات اليد مع أخيه وأختيه (بطرس ومريانا وسلطانة) حيث تعلم اللغة الإنجليزية واحتضنته الأيدي المتطلعة إلى المشارقة الأغرار ، ولم يكن يعرف من العربية إلا حروف الهجاء ، ولم يلبث أن عاد إلى بيروت للتزود من اللغة ، قال جبران : " فأنا لا أكاد أعرف من لغة أجدادي إلا ألفها وباءها ، ولا أعرف من بلادي غير مسقط رأسي ، ومن الضروري لي أن أدخل مدرسة في بيروت لأتعلم لغتي على الأقل " .
 ثم توجه جبران إلى الأساطير والميثولوجيا ، وكانت التوراة في ترجمتها العربية هي المكون الأول لأسلوبه الكتابي ، وكانت التوراة قد ترجمت باللغة العامية ، فلما التزم بها المهجريون لم يستطيعوا إعطاء الأسلوب العربي حقه من البلاغة ، ومن أجل قصورهم هذا هاجموا الأسلوب البليغ ، وماتت الأم وسلطانة وبطرس بنفس الداء ، وبقيت مريانا تخيط الثياب لتطعمه ، وكان جبران مريضًا فقد تزاحمت عليه الأمراض وحملت رسائله صراخًا عاليًا منذ وقت مبكر في حسابه بما داهمه من الأمراض ، القلب يسارع في الوجيب ، تسمم في المعدة ، داء النقرس ، الأنفاس تتفتق بها الرئتان ومثل هذه الشخصية بتلك الوراثيات والتكوين الاجتماعي , هي شخصية مهزوزة مريضه عقليًا واجتماعيًا وجسديًا ، ولا تصلح بتكوينها ولا بعقائدها ؛ لأن تأخذ مكان الصدارة أو التوجيه فيه ، وإنما هو الغرور الذي صور له عندما كتب كتابه "النبي" أنه هو النبي نفسه وقد استنكر ميخائيل نعيمه ، أن يصور جبران نفسه نبيًا ولو تحت نقاب من التمويه الفني ، وليس يسع أحدًا إلا أن يستكثر هذا الشطط ، غير أن حياة جبران تفسره وتجعله غير مستغرب من مثله وإن كان في ذاته مما يستهين على حد تعبير المازني الذي يقول : " إن جبران كان يشعر في سريرته بنقص ويتمرد عليه ".
- ومن اهتزاز شخصية جبران ، أنه كان يدعي أنه حاز شهادة الأمتياز من كليه الفنون الفرنسية ، وسُمي عضوًا في جمعية الفنون الفرنسية ، ونال عضوية الشرف في جمعية المصورين الإنجليزية ، بينما لم ينل شيئًا من كل هذا ، ويرى ناقدوه أنه يناقض نفسه في الإعلان بهذه الأكاذيب ، بينما يدعي أنه يكره التقاليد التي يحرص عليها الناس ؛ فإذا هو أشد منهم تهالكًا ولما فتن بالفليسوف (نيتشه) ظهر هذا الأفتتان في كتابه "النبي" الذي قلد فيه أسلوب (نيتشه) في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وقد بلغ أثر نيتشه في نفسه أنه صار يخجل من أن يكون مسقط رأسه بلدة صغيرة (بشرى) في بلد صغير (لبنان) ، وكان يقول إن مثله يجب أن يكون قد ولد في بلد عظيم كالهند مثلاً ، ولذلك فإنه عندما طلب إليه (نسيب عريضة) بعض معلومات عن حياته لنشرها في مجلة "الفنون" قال إنه ولد في (بومباى) بالهند .

- ويجمع الكتاب على أن أثر نيتشه في أدبه كان بعيد السوء ، وأن كتاب نيتشه "هكذا تكلم زرادشت"، قد أعطى جبران تلك المفاهيم المنحرفة التي أذاعها ، وزرادشت مؤسس المجوسية ، يقول نعيمه : "وما عرف جبران (نيتشه) حتى كاد ينسى كل من عرفهم قبله من كبار الكتاب والشعراء ، وعلى قدر ما كان يطيب له أن يختلي به ، كان يلذ له في البدء أن يحدث غيره عنه وأن يهدي أصحابه ومعارفه إليه ، حتى أنه قال ، إن كتاب "هكذا تكلم زرادشت" في نظري أعظم ما عرفته كل العصور ، وما استأنس جبران بزرادشت ونيتشه حتى أحس بوحدة أقسى من ذي قبل تكتنفه أينما سار وبغربة تفصله عن ماضيه إلى حد أنه صار يخجل أمام نفسه من كل ما كتبه وصوره في ذلك الحين .
وأشار نعيمة إلى أنه افتتح عهده الجديد بمقال أطلق عليه اسم "حفر القبور" جرى فيها على نهج الزرادشتيه ، وبدأ جبران المتقمص في جسد رجل يحب العزم والقوة ، لقد سكر جبران بزرادشت وسكر أكثر من ذلك بما قاله فازداد به شهرة في العالم العربي .

- وأخطر ما دعا إليه نزعة جبران المهجرية الوافدة على الأدب العربي محاولة تحويل (الجنس) إلى نوع من القداسة وتحويل الشهوة إلى صوفية ، فقد قام أدب جبران زعيم المدرسة على ثلاث دعاثم : (لذة الجنس، الحب الشهواني، المرأة العارية) وقد تأثر في ذلك على حد قول النقاد بمزامير داود والحياة في باريس ، ومن ثم أعلن سخريته بكل القيم والمثل ، ودعا إلى الاستسلام لسلطان الغريزة والعاطفة الجنسية ، وقد راجع كثير من الأدباء آثار جبران ، وأجمعوا على أنه يتميز بعدم الاكتراث للأخلاق في بحثه عن لذة الجسد والخروج عن قواعد الدين .

 وقال عنه الأب الزغبي : إنه يهدم صرح الديانة المسيحية وينبذ جميع الأديان ، وإنه كثير الآلهة ، ولكن ليس (الله) بينها ، وأنه يدين بمذهب عبودية العقل والآراء للشهوة الحيوانية ، وأنه هادم للسلطة الدينية والأسرة ، وأنه دعا في كل كتاباته إلى (الحب المحرم ، والعشق السري ، والفحش) .
- يقول : أجل ، جبران ينادي بحلاوة المرأة العارية ولذة طعمها ، وما هذا سوى الشهوة الجسدية المتجسمة ، ويصرح بأن الجنة قائمة بهذا الحب ، وإنه يدعو إلى إحياء الغرائز ، وتغليب الحب الجنسي ، ويرى الباحثون أن هذا الأدب لا يستأهل الخلود لعدم ترفعه عن الاستسلام للشهوة المحرمة .
- ويقول الأب الزغبي : إن جبران مصور الأجسام العارية وكاتب الشهوة المطلقة من كل قيد ، ولا عبرة عنده بالعقل ولا بالواجب حتى يصطدم الهوى بذلك الواجب ، وليس في موسيقى الأدب الجبراني سوى طبول تدوي عن فرع أصواتها وتذيع ضجة البلاغة اللفظية ، والكلام الطنان الذي يؤثر بالأذن تأثيرًا قويًا ويصل بالإنسان إلى عالم الدوخة والانذهال ، ولا وجود فيه للأنغام العميقة المركبة من كثرة النفسيات المتشاحنة حيث تبرز واحدة من هذه النفسيات وتتغلب على غيرها تغلبًا أخلاقيًا فهو معجب بالزوجة التي تركت زوجها ، واتبعت قلب حبيبها ، طروب بالاتصال الجنسي شغوف بالمرأة المستسلمة ، إلى خادمها المفتري ، هذا جبران الذي يسكب السم الأخلاقي في كئوس نظيفة شفافة على حد تعبيره ، إن معظم كتاب الغرب في موضوع الميول القلبية والشهوة الإنسانية وتكريسها لم يبلغوا من الفساد الأخلاقي والإباحية ما بلغه الأدب الجبراني فهو قد حول مزامير التوراة من دعاة الفضيلة إلى دعاة الرذيلة، وفي كتاب "النبي" يصور نفسه على أنه المصطفى المختار الحبيب.
ولقد حاول الجبرانيون شن حملة عاصفة على المنفلوطي في حقد وشراسة لأنه هدم الأسلوب المهجري وأسقط جبران، ومن ذلك ما يسوقه مارون عبود في كتابه "جدد وقدماء" من هجوم على المنفلوطي ونسي مارون عبود وغيره، أن المنفلوطي حين أشرق قد كسف شموسًا كثيرة ودخل تحت جناحه كثير من الذين أعجبهم بريق جبران الخاطف من الذين أنفضوا عنه حين اكتشفوا معارضته للنفس العربية الإسلامية ومضادته للمزاج الإسلامي . "أصالة الفكر الإسلامي في مواجهة التغريب" لأنور الجندي (ص 378 - 384). اهـ. (1)



نظرة شرعية في فكر (جبران خليل جبران )

هو جبران بن خليل جبران بن ميخائيل بن سعد ، نزح جده من دمشق إلى بعلبك ومنها إلى بشعلا ومنها نزح يوسف مع أخويه موسى وميخائيل إلى بشري .
حياته : ولد في قرية لبنانية قرب نبع قاديشا هي بشري ، عام 1883م ، عائلته فقيرة وبيئته متأخرة .
 هاجر مع أمه وأخيه الأكبر بطرس وأختيه ماريانا وسلطانة عام 1895م إلى بوسطن في الولايات المتحدة الشمالية .
 ونزل حي الصينيين الفقير , وهو في سن الثانية عشرة ولما يكمل دروسه الابتدائية , فأرسله أخوه بطرس رب العائلة الصغيرة إلى المدرسة ليتعلم اللغة الإنجليزية ثم أعاده بعد ذلك إلى لبنان ليدرس العربية , فدرسها في مدرسة الحكمة مدة أربع سنوات , ثم عاد إلى بوسطن ليرى أن داء السل قد فشا في بيت العائلة وحصد أخته الصغيرة سلطانة في غيبته وبعد عام واحد انتزع من ذراعيه أمه ثم أخاه بطرس , وبقيت له أخته ماريانا تشتغل بالإبرة لكي توفر له القوت .
 وفي العشرين شرع جبران في الإنشاء والرسم , وتعرف على "ماري هاسكل" في معرض من معارض رسومه فغيرت مجرى حياته بعطفها عليه وعنايتها بمستقبله , وفي عام 1908م سافر إلى باريس على نفقة ماري هاسكل للتخصص في فن الرسم وتتلمذ على أشهر رسام معاصر هو "رودان" ثم عاد إلى بوسطن , وفي عام 1912م انتقل إلى نيويورك واستقر فيها .
وأثرت الحرب العالمية الأولى على نفسه تأثيراً كبيراً إذ اجتمع عنده الفقر والمصيبة وقلة رواج كتبه التي ألفها باللغة العربية حتى ذلك الحين .
 ولكنه منذ عام 1920م وبعد أن تأسست الرابطة القلمية انصرف إلى التأليف باللغة الإنجليزية فأصدر ثمانية كتب في ثمانية أعوام درّت عليه أرباحاً طائلة .
مات جبران عام 1931 بأحد مشافي نيويورك ثم نقل جثمانه إلى لبنان في العام ذاته حيث دفن في بلدته "بشري"

آثاره : باللغة العربية : 

1- كتاب " الموسيقى" صدر عام 1905م ، وهو كتيب عبارة عن تأملات في الموسيقى وطاقاتها التعبيرية !
2- كتاب "عرائس المروج" صدر عام 1906م ، يحتوي على ثلاث قصص : "رماد الأجيال والنار الخالدة" و "مرتا البانيّة" و "يوحنا المجنون" .
3- كتاب "الأرواح المتمردة" صدر عام 1908م ، يحتوي على أربع قصص : "السيدة وردة الهاني" و"صراخ القبور" و"مضجع العروس" و"خليل الكافر" 
أما الأولى فقصة فتاة أُكرهت على الاقتران برجل غنيّ متقدّم في السن فما لبثت أن كرهت الزوج يوم التقت بالفتى الذي أثار كوامن نفسها . والقصة شكوى وتظلُّم ، وثورة على السلطة التي تُكره على الزواج إكراهاً ، لأن الزواج زواج أرواح قبل أن يكون زواج أجساد .
وأما الثانية فقصة ثلاثة أشخاص – رجلين وامرأة - حكم عليهم الأمير بالقتل ظُلماً وطغياناً ، وفيها ثورة على الشريعة والإقطاعية !
وأما الثالثة فقصة فتاة غشّها رجل غنيّ ففصلها عن حبيبها حتى يقترن بها ، وفي ليلة الزفاف عرفت الحقيقة وقد طعنت حبيبها ونفسها بخنجر كانت تخبئه في ثيابها . وفي القصة ثورة على التقاليد وعلى الدين !!
وأما الرابعة فقصة رجل اختصم مع الرهبان ، وهي ثورة على ظلم الحكّام وعلى الرهبان ، ودعوة إلى الحرية الشاملة !
4- "الأجنحة المتكسّرة : "كتاب صدر سنة 1912م ، واحتوى على قصة جبران في حبّه الأول وكيف حالت التقاليد وسلطه رجال الدين النصراني ! دون اقتران الحبيبين ، فاقترنت الفتاة بابن أخي المطران عن غير حبّ وكان في ذلك شقاؤها .
5- كتاب : "دمعة وابتسامة" صدر سنة 1914م وفيه مقالات في المحبة التي تشدّ الأكوان بعضها إلى بعض ، وفي ألوهية الإنسان !! وغير ذلك من الموضوعات .
6- المواكب :  قصيدة طويلة ظهرت سنة 1919م ، وفيها نظرات فلسفية في أهم شؤون الحياة البشرية كالخير والشر والدين والحق والعدل وما إلى ذلك . قال ميخائيل نعيمة : "انجرف جبران بتيار نيتشه وما برحت معتقداته السابقة تشده إلى الوراء . فكانت "المواكب" نتيجة لتلك الحالة القلقة التي أحسها جبران ما بين قوتين تتجاذبانه : قوة الإيمان بحكمة الحياة وعدلها وجمالها في كل ما تأتيه ، وقوة النقمة التي أثارها فيه نيتشه من جديد على ضعف الناس وخنوعهم وتواكلهم وكل ما في حياتهم الباطنية والخارجية من قذارة وبشاعة . وانتصر نيتشه في النهاية ! ولكن إلى حين" .
7- كتاب" العواصف" : صدر سنة 1920م وفيه مقالات عنيفة على المقدسات ، كمقالات "حفّار القبور" و"العبودية" و"يا بني أمي" ، و"نحن وأنتم" ، و"الأضراس المسوّسة" .

ب- المؤلفات الإنجليزية :
8- كتاب : "المجنون" صدر سنة 1918م ، واحتوى على أمثال وتأملات في موضوعات شتى .
9- كتاب : "السابق" : صدر سنة 1920م ، واتخذ فيه جبران أسلوب الأمثال أيضاً ، وجعله تمهيداً لكتاب "النبي" .
10- كتاب : "النبي" : صدر سنة 1923م ، وهو كتاب جبران وهدف حياته احتوى على ضلالات وكفريات كما سيأتي –حيث جعل جبران من نفسه نبياً ، وسمى نفسه في الكتاب "المصطفى" !! وهو يقع في 28 فصلاً في المحبة ، والزواج ، والأبناء ، والعطاء ، والغذاء ، والعمل ، والفرح والترح ، والمساكن ، والثياب ، والبيع والشراء ، وما إلى ذلك . وهكذا تناول جبران في كتابه علاقة البشر بعضهم ببعض ، وكان يهدف في كتابه "حديقة النبي" الذي ظهر سنة 1933م ، أن يعالج علاقة الإنسان بالطبيعة ، كما كان ينوي أن يضع كتاباً في "موت النبي" ويعالج فيه علاقة الإنسان بالله !
والظاهر أن جبران كان يفكر في هذا الكتاب منذ حداثته ، وأنه بدأه باللغة العربية ثم عدل عنها إلى الإنجليزية ، وأنه ظل خمس سنوات يكتبه ويعيد كتابته إلى أن استقام له معنى ومبنى . وقد ترجم الكتاب إلى نحو عشرين لغة .
11- كتاب :"رمل وزبد" صدر سنة 1926م وفيه مجموعة من الآراء منثورة في غير نظام .
12- كتاب : "يسوع ابن الإنسان" صدر سنة 1928م, ويسوع جبران يختلف تماماً عن يسوع الإنجيل .
13- كتاب "آلهة الأرض" ، صدر عام 1931م ، وهو آخر كتاب له صدر في حياته .
14- كتاب " التائه" ، صدر بعد وفاته عام 1932م ، ويحتوي على خمسين قصة من قصص التائه .

* من تمعن جيداً في حياة وآثار جبران خليل جبران علم بلا شك أن الرجل قد أعطي أكبر من حجمه الحقيقي، سواء في مجال الفكر أو الأدب ! فأعماله الكاملة يحتويها مجلد واحد !! وهي في معظمها قصص قصيرة وخلجات نفس حائرة مضطربة تنـزع إلى التشاؤم والشكوى، ولكن لعل مبالغة البعض في هذا الرجل تنبع من أمرين :
1- رئاسته للرابطة القلمية في المهجر ، وهذا لا يدل على إبداع ، إنما يخضع لاعتبارات كثيرة – لا تخفى على أحد- .
2- ثورته العارمة الهادمة ضد المقدسات والتقاليد !! فهي التي تميز المبدعين عن غيرهم في نظر القوم ! ولو ترووا لعلموا أن ليس كل ثائر يكون مبدعاً – ولو على حسب نظرتهم .

* ذكر كثير من مترجمي سيرته أنه بعد حرمان الكنيسة له وهو في العشرين من عمره على إثر قصيدته التي هاجم بها الأديان ، اندفع في طريق إحياء أمجاد (فينيقية) وحضارة ! الكلدانيين .

* ثم وجدناه في حياته بعد نبذه للشرائع (كلها) قد تأثر بالزرادشتية المجوسية ، وأفكار الفليسوف نيتشه في تمجيده للإنسان وتصويره بصورة (السوبرمان) مدعياً جبران بأنه هو هذا (السوبرمان) ! وذلك في كتابه "النبي" حيث صور نفسه نبياً – كما سبق - ! وهكذا يفعل الكِبْر والغرور بصاحبه- والعياذ بالله - .

يقول الأستاذ أنور الجندي : " لقد حاول جبران كما حاولت مدرسة المهجريين إحياء الفينيقية الوثنية ، ومهاجمة قيم العروبة والإسلام، فأعادت وأحيت كل ما رددته فلسفات زرادشت والمجوسية ووثنية اليونان والرومان ، هرباً وراء فرويد ونيتشه وغيرهما ، وكان هذا كله مصاغاً في إطار التوراة وأسلوبها " (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام ، ص 168) .
ويقول الدكتور نذير العظمة : "جبران يحتفل بالعقائد الوثنية" (مجلة الموقف العربي، العددان 151-152، ص42) .

انحرافاته :
1- أعظم انحراف له هو "نصرانيته" ! وليس بعد الكفر ذنب .
2- ثورته العنيفة ضد الأديان (ومن ضمنها الإسلام !) والتقاليد ، ومحاولته هدم ما جاءت به ، أو التقليل من شأنه . وهو في هذا لا ينبع من تصرف فردي ، إنما يتابع أهداف مدرسة المهجر التي أنشأها مع مجموعة من النصارى ؛ كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وغيرهما .
يقول الأستاذ أنور الجندي: " الواقع أن الأدب المهجري قد اعتمد على مصدر أساسي ، هو الحملة العنيفة على الدين واللغة ، ومقومات المجتمع العربي الإسلامي ، والثورة على كل القيم والعقائد والإفراط في الإباحية ومهاجمة القيم الأخلاقية في الحب والزواج من إدخال أسلوب جديد مستغرب يصادم الحس الإسلامي ويعارض مفاهيم البلاغة ، ويعلي من صيغة التوراة والمجاز الغربي" .
قال : " ويمكن القول بأن المدرسة المهجرية الشمالية التي كونها جبران ، ورأس ناديها كانت ثمرة من ثمار الإرساليات التبشيرية التي وردت لبنان وسيطرت على وحدة التعليم والثقافة فيه ". (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص 166) .
قلت : ولو كانت ثورة جبران على الخرافات والأغلال النصرانية لكنّا له من المؤيدين ، لكنه كان يثور على الأديان جميعاً وينشر الإلحاد والإباحية والفوضوية ، وهذا مكمن الخطر على قرائه من المسلمين الذين قد يتأثر بعضهم بانحرافاته ، ويتابعه في ثورته الإلحادية تلك التي يقول عنها جبران نفسه في رسالة له لإميل زيدان : "إن فكري لم يثمر غير الحصرم " ! (المرجع السابق، ص167) .
وقد صدق فيما قال ! فهل يثمر الإلحاد والفوضى غير الحيرة والشك والاضطراب ؟! .
ومما يشهد لثورة الرجل على الأديان (جميعاً) وعلى التقاليد والمقدسات كتبه (الأجنحة المتكسرة) و(عرائس المروج) و(الأرواح المتمردة) و(المواكب) و(العواصف) .

يقول حنا الفاخوري : " وهكذا ترى جبران في كتبه "الأجنحة المتكسرة" و"الأرواح المتمردة" و"المواكب" و"العواصف" يحمل معول الهدم في ثورة انفعالية شديدة" (الجامع في تاريخ الأدب العربي-الأدب الحديث – ص236) .
ويقول جبران عن نفسه في رسالته لصديقه (نخله) : "إن القوم في سوريا يدعونني كافراً ، والأدباء في مصر ينتقدونني قائلين : هذا عدو الشرائع القديمة ، والروابط القديمة ، والتقاليد القديمة ، وهؤلاء الكتاب يا نخلة يقولون الحقيقة ! لأني بعد استفسار نفسي وجدتها تكره الشرائع " (إعادة النظر…، ص 167) .

فمن أقواله التي تعبر لك عن شيء من تمرده : 
أ- قوله : "كيف نستطيع أن نعبد الله ، وهو الذي يثير البراكين ويتموج مع البحار ، ويسير مع العاصفة" !! (عقيدة جبران ، لجان دايه، ص289).
ب- قوله : "لكم فكرتكم ولي فكرتي ، لكم من فكرتكم قواميسها الاجتماعية والدينية ومطالبها الفنية والسياسية ، ولي من فكرتي أوليات قليلة بسيطة .
تقول فكرتكم : "امرأة حسناء قبيحة ، فاضلة عاهرة ، حاذقة بليدة" ، أما فكرتي فتقول : "كل امرأة والدة كل رجل ، كلُّ امرأة أخت كل رجل ، كل امرأة ابنة كل رجل".
وتقول فكرتكم : "لصٌ ، مجرم ، قاتل ، خبيث ، عقوق". أما فكرتي فتقول : "إنما اللص صنيعة المحتكر ، والمجرم خليقة الظالم ، والقاتل حليف القتيل ، والخبيث ثمرة العربيد ، والعقوق نتيجة الصارم" .
وتقول فكرتكم : "شرائع ، محاكم ، قضاة ، عقوبات" . إذا كان ثمَّ من شريعة وضعية فكلنا يخالفها أو كلنا يخضع لها . وإن كان من ناموس أساسي فكلنا واحد أمام ذلك الناموس ، فمن يتأفف من الساقطين كان منهم ، ومن يلمُّ أذياله كيلا تلامس المنطرحين على الأوحال كان مغموراً بالأوحال . أما الذي يفاخر بترفعه عن العثور والزلل فإنما يفاخر بترفع الإنسانية جمعاء ، والذي يتبجح بعصمته إنما يتبجح بعصمة الحياة نفسها" .
وتقول فكرتكم : "الماهر ، المتفنن ، الأستاذ ، النابغة ، العبقري ، الفيلسوف ، الإمام" أما فكرتي فتقول : "الودود ، المحب ، الحليف ، الصادق ، المستقيم ، المضحي ، المستشهد" .
وتقول فكرتكم : "الموسوية ، البرهمية ، البوذية ، المسيحية ، الإسلام ". أما فكرتي فتقول : "ليس هناك سوى دين واحد مجرّد مطلق تعدّدت مظاهره وظل مجرّداً ، وتشعَّبت سبله ولكن مثلما تتفرّع الأصابع من الكف الواحدة" .
وتقول فكرتكم : "الكافر، المشرك ، الدهري ، الخارجي ، الزنديق" أما فكرتي فتقول : "الحائر ،  التائه ، الضعيف ، الضرير ، اليتيم بعقله وروحه" .
وتقول فكرتكم : "الغني ، الفقير ، الواهب ، المستعطي". أما فكرتي فتقول : "كلنا فقيرٌ ولا غنيٌ سوى الحياة ، كلنا مستعطٍ ولا واهبٌ إلا الحياة" . (المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران ، نصوص خارج المجموعة ، ص88 وما بعدها) .
ج- قوله في (العواصف) : "أنا متطرف حتى الجنون ، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ، وفي قلبي كرهٌ لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة " ! (ص 394، ضمن الأعمال الكاملة له) .
3- ومن انحرافاته : تصويره نفسه بصورة (النبي) كبراً وعلواً في الأرض حيث وضع كتاباً بهذا العنوان – كما سبق - مدعياً فيه أن هناك نبياً مختاراً اسمه (المصطفى) كان يُعلم أبناء مدينة "أورفليس" بعد أن مكث عندهم 12 سنة منتظراً عودة سفينته التي ستقله إلى جزيرته التي أتى منها .
فكانوا يسألونه وهو يجيب .
يقول حنا الفاخوري : "المصطفى هو جبران نفسه ، والجزيرة هي وطنه لبنان " (الجامع في تاريخ الأدب العربي –الأدب الحديث، ص232).
4- ومن انحرافاته : دعوته إلى وحدة الأديان ، فهو بعد نبذه لجميع الشرائع مدعياً بأنها تفرق البشر ، دعا إلى فكرته الباطلة هذه – كما سبق - . يقول حنا الفاخوري مبيناً أن جبران وصحبه المهجريين اعتنقوا ما يُسمى (التيوصوفية) التي ظهرت في القرن الخامس عشر ، قال : "والتيوصوفية ترفض من أجل ذلك التقاليد والأنظمة التي تتوارثها الأجيال ، ولا تجد فرقاً بين الأديان ، فهي جميعها في نظرها واحدة" (المرجع السابق، ص 238).
5- ومن انحرافاته : إيمانه بوحدة الوجود ! الفكرة الصوفية الشهيرة ! (انظر: المرجع السابق، ص 239).
6- ومن انحرافاته : إيمانه بتناسخ الأرواح ! (انظر بحث الدكتور نذير العظمة : جبران خليل جبران وعقيدة التقمص ، مجلة الموقف الأدبي، العددان 151-152، ص 39 وما بعدها).
يقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي عن جبران : "كان يؤمن بتناسخ الأرواح" وذلك تعليقاً على قول جبران: " قريباً ترونني ؛ لأن امرأة أخرى ستلدني" ! (قصة الأدب المهجري، ص 89) .

والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين . (2) 

________________________________________________

(1) أعلام وأقزام في ميزان الإسلام ( ص : 460 -467 ) جمع وترتيب : أبو التراب سيد بن حسين بن عبد الله العفاني .
(2)  نظرات شرعية في فكر منحرف ( الجزء الأول ص:21-32) المؤلف : سليمان بن صالح الخراشي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق